حجية السِيَر المستحدثة

ملخص

تعد سيرة العقلاء من الأدلة كثيرة الاستخدام في الفقه، وهي في بعض الموارد تستند وتتعضد بأدلة عامة مثل الظواهر وخبر الواحد. من جهة أخرى، قيل إن السِيَر المستحدثة، نظراً لكونها لم تقع في مرأى الإمام (ع)، لا يمكنها أن تكون كاشفة عن رضاه. ولكن في المقابل، يمكن القول إنه لإثبات رضا المعصوم (ع)، ليست المعاصرة شرطاً لازماً؛ بل توجد طرق أخرى أيضاً؛ وذلك بالبيان التالي: في الآيات والروايات، دعا الله الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثنى على العاملين به. ومن جهة أخرى، فإن المقصود بالمعروف والمنكر هو المعنى العرفي لهما، والذي يشمل قطعاً سيرة العقلاء. وعليه، فبضم هاتين النقطتين يتضح أن سير العقلاء ممضاة ومؤيدة من قبل الشارع المقدس دائماً؛ إلا في الموارد التي يوجد فيها دليل خاص على خلافها. وقد أقيم دليلان آخران أيضاً لكشف رضا المعصوم (ع) بالنسبة للسيرة المستحدثة.

وقد تبين أنه على الرغم من أن كليهما يبدو تاماً، إلا أن تطبيقهما ليس عاماً ويختص بموارد خاصة. وهما عبارتان عن: أ) علم الإمام (ع) العادي بتحقق سيرة في المستقبل يستلزم التوجه إلى تلك السيرة والأمر والنهي بشأنها. ب) سكوت المعصوم (ع) وعدم إلقاء الخلاف بين العقلاء في خصوص الموارد التي يوجد فيها غفلة عامة عن منشأ السيرة، يكشف عن رضا الإمام (ع).

مقدمة

أسئلة البحث:

– هل السِيَر المستحدثة حجة؟

– كيف يمكن إحراز رضا المعصومين (ع) بالنسبة للسِيَر المستحدثة؟

– ما هي المصاديق الموجودة للسِيَر المستحدثة؟

لقد قدم الشرع المقدس أربع طرق للوصول إلى تعاليمه: القرآن، والسنة، والعقل، والإجماع. وفي هذا السياق، توجد أدلة أخرى تندرج في الواقع تحت نفس الموارد الأربعة المذكورة وتكشف عنها؛ ولهذا السبب، إذا أرشدتنا إلى أحد الأمور المذكورة، فإنها تكون ذات اعتبار. ومن هذه الأدلة، يمكن ذكر سيرة العقلاء التي تكون حجة إذا كانت كاشفة عن رأي ونظر المعصومين (ع). وسيرة العقلاء تكون أحياناً متصلة بعصر المعصومين (ع)، وفي هذه الحالة، نظراً لأن العمل كان بمرأى الإمام (ع)، فإن كشف الإمضاء والرضا منهم يكون أسهل؛ ولكنها أحياناً تكون مستحدثة وقد تشكلت بعد عصر الأئمة (ع)، وفي هذه الحالة، تعرضت حجيتها لنقاش جاد؛ لأنه نظراً لغيبة الإمام المعصوم (ع)، يبدو الحصول على إمضائه أو ردعه بشأن سيرة ما أمراً محالاً.

أهمية البحث

تتضح أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى الدور الجاد للسيرة في معرفة الأحكام. فمثلاً، خبر الواحد والظواهر، التي بدونها لا يبقى من الشرع شيء، تُعتبر السيرة من أهم أدلتها أو دليلها الوحيد. وفي هذا الزمان أيضاً، توجد مصاديق جادة للسيرة؛ فمثلاً، احتمل البعض أنه يمكن إدراج البحث في التأمين، والبورصة، والأوراق المالية، وشراء وبيع الامتيازات مثل حق اشتراك الماء والغاز وحق سيارات الأجرة وغيرها ضمن هذه الموارد.

ووجه تميز هذا البحث عن سائر البحوث، أولاً في شموليته، وثانياً في بيانه المبتكر تماماً الذي يكشف عن رضا الشارع تجاه السير العقلائية بالاستناد إلى آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

خلفية البحث

لا توجد لهذا البحث سابقة بحثية واضحة، ولم يتم تناول الموضوع بشكل مستقل. فقط في كلمات الإمام الخميني (قده)، وذلك في خصوص بحث التقليد، تم الحديث عن هذه المسألة، وكذلك المرحوم الأصفهاني في بحث سيرة العقلاء، ذكر مطلباً يمكن الاستفادة من بيانه في ذلك البحث، في بحث السير المستحدثة أيضاً. كما سُمع أن سماحة الأستاذ شب زنده دار في اللجنة التي تشكلت في مؤسسة بقية الله (عج) بقم، قد تناول هذه المباحث بالتحقيق. وبعض أساتذة الفقه والأصول في قم أيضاً تطرقوا لهذه المسألة في ثنايا دروسهم. ومؤخراً، طُبع كتاب «الفائق في الأصول» الذي يتناول أربع مسائل أصولية تطبيقية، وكان أحد مباحثه دراسة السيرة وتفرعاتها.

حجية السِيَر المستحدثة

قبل الدخول في البحث، من الضروري تحديد محل النزاع في السيرة.

لقد ذكر الشهيد الصدر أقساماً للسيرة، وهي كالتالي (الصدر، بحوث في علم الأصول، 9/193) وبالطبع المقصود بالسيرة أعم من السلوك الخارجي أو الارتكاز العقلائي: (1)

القسم الأول: السيرة المنقِّحة لموضوع الأحكام

السيرة المنقحة لموضوع الحكم الشرعي ليست هي المشرِّعة. وبناءً عليه، فإن الحكم الشرعي ثابت بدليل آخر، والسيرة تنقح موضوعه. وهذا القسم يُتصور على صورتين:

أ) السيرة الموجبة لإيجاد الموضوع؛ أي أنها تلعب دوراً في تحقق الموضوع من حيث الثبوت، وهي زائلة في المفهوم. على سبيل المثال، في الآية الكريمة ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ…﴾ (البقرة، آية 231)، على الرغم من أن المفهوم واضح، فإن المصداق يتحقق بالنظر إلى ارتكاز عرف كل زمان، وكم من الأمور التي كانت في زمان ما مصداقاً للمعروف، ولكنها في زمان آخر ليست كذلك.

ب) السيرة، إثباتاً، توجب تنقيح الموضوع وتكشف عن ثبوته. على سبيل المثال، ورد في الرواية الشريفة: «المؤمنون عند شروطهم» (عيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 159)، ومن جهة أخرى، فإن ارتكاز عموم الناس قائم على هذا التعلق بأنه في أي معاملة، لا يرضى الطرفان قطعاً بالغبن الفاحش. وعليه، فإن الارتكاز المذكور يوجب الكشف عن الشرط الموجود؛ أي حتى لو لم يُذكر مثل هذا الشرط في العقد، فإنه يظل ثابتاً.

الفرق بين القسمين المذكورين هو أن مورد الأول هو ارتكاز يوجب إيجاد موضوع، وفي كل زمان وبالنسبة لأفراد مختلفين، قد يكون بشكل مختلف؛ أما في القسم الثاني، فإن الارتكاز يكشف فقط عن أمر موجود وثمرة هذا الاختلاف تتجلى في الحالة التي يكون فيها لشخص، خلافاً لارتكاز جميع العقلاء، ارتكاز خاص به. في المورد الأول، لا يُقبل منه مثل هذا الارتكاز، ومع تحقق الموضوع، يسري الحكم في حقه أيضاً؛ لأن الارتكاز هو سبب تحقق الموضوع، وبالتالي لا يمكن للشخص أن يدعي أن مقداراً معيناً من الرفاهية والإمكانيات هو مصداق للمتعارف في اعتقاده. بعبارة أخرى، لا يستطيع أن يقول: في نظري، المتعارف شيء غير المصداق الذي يعتبره العرف متعارفاً؛ أما في المورد الثاني، ففي حال صرح الشخص بالخلاف، يُقبل منه. على سبيل المثال، إذا أعلن أحد الطرفين في معاملة ما أنه أسقط خيار الغبن، فإن الخيار يسقط في حقه؛ لأن دور الارتكاز كان مجرد الكشف عن مراده. ونتيجة لذلك، عندما يصرح الشخص نفسه بمراده، لا وجه للأخذ بالارتكاز.

القسم الثاني: منقِّح ظهور الدليل

السيرة التي تنقح وتوضح ظهور الدليل، والتي تُطرح في بحث الظواهر وبحث المناسبات العرفية والمرتكزات العقلائية، تندرج تحت هذا البحث.

القسم الثالث: الارتكاز المتشرعي

السيرة التي تُستحصل بها الأحكام الشرعية؛ مثل ارتكاز العقلاء على أن «من حاز شيئاً من الأموال المنقولة المباحة ملك»، أو ارتكاز العقلاء على أن «العوضين إذا تلفا قبل القبض بطلت المعاملة». ونتيجة لذلك، يُستحصل هذان الحكمان الشرعيان (من حاز ملك، التلف قبل القبض يوجب الفسخ) (الصدر، بحوث في علم الأصول، 9/193).

حجية السيرة في هذه الأقسام

في القسم الأول من السيرة (في كلتا الصورتين)، لا حاجة إلى المعاصرة لزمن المعصوم (ع) وتأييده؛ لأنها في الحقيقة توضح موضوع الدليل ثبوتاً أو إثباتاً، وليس لها ارتباط بالتشريع حتى نبحث عن دليل لاعتبارها، ويكفي فقط أن يكون ذلك الارتكاز موجوداً في زمن تنفيذ الحكم. وبناءً عليه، إذا تشكل في زمن ما ارتكاز مخالف للارتكاز السابق، فإن الارتكاز الجديد هو المعتبر.

القسم الثاني أيضاً يدخل في مباحث الألفاظ، واعتباره مشروط بتحقق ذلك الارتكاز في زمن المعصوم (ع)، وفي حالة الشك، يثبت بأصل عدم النقل؛ لأن هذه السيرة هي التي صنعت الظواهر، ومع الشك في وجود هذا الظهور، يجري أصل عدم النقل (نفس المصدر، ص 197).

البحث الأصلي يكمن في القسم الثالث. وعليه، إذا استطعنا في السِيَر المستحدثة العقلائية أن نكشف عن رضا المعصوم (ع)، يمكن الحكم بحجيتها. الطرق التي طُرحت لكشف الرضا هي كالتالي:

الطريق الأول: الآيات والروايات الواردة في وجوب الأمر بالمعروف أو تمجيد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

مقدمة: في الألفاظ الواردة في الآيات والروايات، نعلم أحياناً أنها ذات حقيقة شرعية؛ مثل ألفاظ «الصلاة» و«الحج»، أو نعلم بعدم وجود حقيقة شرعية لها؛ مثل أكثر الألفاظ، أو يكون وجود مثل هذه الحقيقة مشكوكاً فيه. في الحالتين الأولى والثانية، التكليف واضح؛ أما في حالة الشك، فالأصل هو أن المتكلم، كسائر أفراد العرف، يتحدث وليس له مشرب خاص؛ وإلا لوجب عليه البيان.

أحد هذه الألفاظ التي وقعت محلاً للكلام هو لفظ «المعروف والمنكر». لقد حكم الشارع المقدس في موارد متعددة بلزوم الأمر بالمعروف أو العمل به، أو في مقام مدح الرسول الأكرم (ص) يقول: «يدعو الناس إلى المعروف» (آل عمران، آية 104؛ الأعراف، آية 157)؛ وعليه، فإن المعروف أمر ممضى من قبل الشارع المقدس والمنكر مبغوض لديه. ومن جهة أخرى، فإن المقصود بالمعروف والمنكر هو المعنى اللغوي له؛ أي ما يُعرف حسناً عند العرف. وبناءً عليه، فإن لازم هذه الآيات هو ختم التأييد على السير العقلائية؛ لأن السير العقلائية مصداق قطعي للمعروف.

بناءً على ذلك، يتطلب الأمر دراسة مسألتين: أولاً، هل لهذا اللفظ حقيقة شرعية أو متشرعية أم هو بنفس المعنى والمفهوم العرفي واللغوي؟ ثانياً، في حال لم يكن له حقيقة شرعية، فما معناه في اللغة والعرف؟

دراسة السؤال الأول

القول الأول: المعروف له حقيقة شرعية.

الدليل الأول: بيان مفهوم خاص للمعروف في الروايات.

توجد روايات متعددة في بيان معنى المعروف في ذيل آيات من القرآن الكريم وردت فيها كلمة «معروف»، والتي يمكن أن تكون دليلاً على وجود حقيقة شرعية، أو على الأقل تخلق احتمالاً جاداً، وتؤدي في النهاية إلى الشك والإجمال في المعنى. ونتيجة لذلك، لا يمكن حمل المعروف والمنكر على المعنى العرفي. (2)

أ) بعض هذه الروايات وردت في ذيل الآية 12 من سورة الممتحنة، وسيتم تناول عدد منها في ما يلي. هذه الآية تتعلق بفتح مكة ومبايعة النساء للنبي (ص):

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة، آية 12).

الرواية الأولى (صحيحة أبان)

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ (ص) مَكَّةَ بَايَعَ الرِّجَالَ ثُمَّ جَاءَهُ النِّسَاءُ يُبَايِعْنَهُ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ … إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ . فَقَالَتْ أَمُّ حَكِيمٍ: مَا ذَلِكَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ لَا نَعْصِيَكَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا تَلْطِمْنَ خَدّاً وَ لَا تَخْمِشْنَ وَجْهاً وَ لَا تَنْتِفْنَ شَعْراً وَ لَا تَشْقُقْنَ جَيْباً وَلَا تُسَوِّدْنَ ثَوْباً. (3) فَبَايَعَهُنَّ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى هَذَا . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُبَايِعُكَ ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَصَافِحُ النِّسَاءَ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَقَالَ أَدْخِلْنَ أَيْدِيَكُنَّ فِي هَذَا الْمَاءِ فَهِيَ الْبَيْعَةُ (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 20، ص 211).

من سؤال أم حكيم وجواب النبي (ص) وذكر موارد خاصة في تبيين المقصود من المعروف، يتضح أن المراد بالمعروف هو مصطلح شرعي خاص، وليس معناه العرفي.

الرواية الثانية (مرسلة أبي أيوب الخزاز)

وَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ «وَ لَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ» قَالَ: الْمَعْرُوفُ أَنْ لَا يَشْقُقْنَ جَيْباً وَلَا يَلْطِمْنَ خَدّاً وَلَا يَدْعُونَ وَيْلًا وَلَا يَتَخَلَّفْنَ عِنْدَ قَبْرٍ وَ لَا يُسَوِّدْنَ ثَوْباً وَ لَا يَنْشُرْنَ شَعْراً (نفس المصدر، ص 210).

هذه الرواية أيضاً «المعروف أن لا يشققن…» ظاهرة في الحصر؛ أي أن المعروف هو هذه الأمور فقط؛ بينما المعنى العرفي واللغوي لكلمة المعروف لا ينحصر في هذه الموارد.

الرواية الثالثة

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمَاعَةَ الْخُزَاعِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ تَدْرُونَ مَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قُلْتُ لَا قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) قَالَ لِفَاطِمَةَ (ع) إِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَخْمِشِي عَلَيَّ وَجْهاً وَ لَا تَنْشُرِي عَلَيَّ شَعْراً وَ لَا تُنَادِي بِالْوَيْلِ وَلَا تُقِيمِي عَلَيَّ نَائِحَةً قَالَ ثُمَّ قَالَ هَذَا الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ (الكليني، الكافي، ج 5، ص 527).

وكذلك الروايات الأخرى التي وردت في ذيل هذه الآية وبنفس المضمون، (4) وروايات أخرى وردت في ذيل آيات أخرى تثبت نفس الادعاء. (5)

النتيجة: بالنظر إلى مجموع هذه الروايات، يمكن الادعاء بأن الشارع لم يستخدم كلمة «المعروف» دون تصرف في معناها العرفي؛ بل إن هذه الكلمة لها حقائق شرعية متعددة استخدمها الشارع بمعانٍ متعددة في مواضع مختلفة، وإذا لم يُقبل هذا الادعاء، فعلى الأقل يجب القبول بأن هذه الاستعمالات هي من باب المجاز الشائع، وعلى أي حال، لا يمكن حمل لفظ المعروف في سائر كلمات الشارع – ومنها آيات الأمر بالمعروف – على نفس المعنى العرفي واللغوي.

الإشكالات

الإشكال الأول

يقول المرحوم العلامة الطباطبائي في توجيه الروايات المذكورة في ذيل آية ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: «إن هذه الروايات تبيّن فقط بعض مصاديق المعروف العرفي، لا أنها بصدد بيان معنى شرعي له» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 19، ص 246). والشاهد على هذا القول هو رواية عبد الله بن سنان وسائر الروايات.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ ﴿وَ لا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قَالَ: هُوَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ – وَ مَا أَمَرَهُنَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ.

كما يُلاحظ في هذه الرواية، فقد تم اعتبار معنى واسع للمعروف يشمل جميع الواجبات والأمور الخيرة، وهو قرينة على أن سائر الموارد المذكورة في الروايات الثلاث السابقة التي ذُكرت في ذيل الآية الشريفة هي من باب ذكر المصداق.

بعبارة أخرى، إن تفاوت التعبير في الروايات المتعددة وفي المقامات المختلفة؛ بل حتى اختلاف التعبير في الروايات الواردة في ذيل آية واحدة، ليس فقط دليلاً على وجود حقيقة شرعية؛ (6) بل على العكس، هو دلالة على خلاف هذا الادعاء؛ أي أنه كاشف عن عدم وجود حقيقة شرعية لهذا اللفظ؛ بل إن جميع هذه الموارد هي مصاديق متعددة لمعنى عام وكلي هو نفس المعنى العرفي للمعروف.

الإشكال الثاني

الإشكال المتقدم يرد على جميع الروايات في هذا الباب؛ ولكن بعض الروايات لها إشكالات خاصة؛ مثل رواية أبان؛ لأن سؤال أم حكيم كان عن مقصود الله؛ أي أن قصدها كان معرفة أي من المعروفات هي المقصودة في الآية الشريفة؛ وعليه، فإن سؤالها لا يدل على عدم وضوح معنى الكلمة لديها، ولا يمكن اعتبار جواب النبي (ص) شاهداً على وجود حقيقة شرعية.

في الرواية الثالثة عن الإمام الباقر (ع) أيضاً، يجب القول إن الحصر المذكور في الرواية هو حصر إضافي ونسبي، وليس أن الله أراد هذا المعنى فقط ولم يكن المعنى العرفي مراداً له.

النتيجة: الدليل الأول لإثبات وجود حقيقة شرعية للفظ «المعروف والمنكر» غير تام.

الدليل الثاني: عدم معرفة العقل بكثير من الواجبات والمحرمات الشرعية.

على فرض أن الروايات المتقدمة ليست بصدد تبيين معنى المعروف والمنكر، فإنه في كثير من الواجبات والمحرمات التي هي في الآيات والروايات المتقدمة مصداق قطعي للمعروف والمنكر، لا يعتبرها العقل مصداقاً للمعروف والمنكر؛ مثل كثير من أجزاء وشرائط الصلاة، أو حرمة بعض الأمور مثل الغناء. وعليه، فإن معنى المعروف في الشرع يختلف عن مفهومه العرفي (شب زنده دار، درس خارج).

التمثيل المذكور فيه مناقشة؛ لأنه يبدو أن الفروع المذكورة في الدليل المتقدم لم تُذكر كمصاديق للمعروف؛ ولكن على أي حال، لا نناقش في المثال.

الإشكالات على هذا الدليل

1. كون المعروف والمنكر أمراً نفس الأمري وعدم تشخيص جميع مصاديقه من قبل العرف والعقل (نفس المرجع).

ظاهر العرف (7) هو أن المعروف والمنكر من الأمور الواقعية والنفس الأمرية؛ أي أن كل حَسَن واقعي هو معروف، وكل قبيح واقعي هو منكر؛ سواء أدرك العرف والعقل حُسنه وقبحه أم عجزا عن إدراكه. (8) والشارع، عندما يطلق على شيء اسم المعروف والمنكر، فإنما يطلقه بلحاظ الواقع ونفس الأمر؛ أي أن الشارع يعلم الواقع ويطلق نفس المعنى العرفي حقيقةً على المصاديق الواقعية؛ وإن لم يفهمه العقل أو العرف. ولهذا السبب، بما أن النبي الأكرم والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا يتمتعون بعقول كاملة ويعلمون بالحسن والقبح والمصالح والمفاسد – التي هي مبادئ التشريع -، فقد منحهم الله تعالى مقام التشريع؛ مثل إضافة ركعتين إلى صلاة الظهر وبيان متعلقات الزكاة وغيرها مما صدر عن النبي (ص) (الكليني (ط-الإسلامية)، ج 1، ص 265، باب التفويض إلى رسول الله (ص) وإلى الأئمة (ع) في أمر الدين).

بناءً عليه، فإن الموارد التي لا يعتبرها العرف والعقل من مصاديق المعروف والمنكر، إذا تنبهت وعلمت بالواقع، فإن نظرها يتفق مع نظر الشارع.

2. احتمال كون استعمال لفظ المعروف والمنكر مجازياً.

إن حُسن وقبح كثير من الواجبات والمحرمات واضح لدى العرف والعقل. وفي بقية الموارد التي يوجد فيها اختلاف بين العرف والشرع، من الممكن أن يكون الشارع قد أطلق عليها كلمة المعروف والمنكر مجازاً. على سبيل المثال، يمكن القول إن الفُقّاع ليس منكراً في نظر العرف. هنا، يفهمنا الشارع ببيانه أنه منكر أيضاً. وعليه، فكما ورد في كلمات الأعلام، فإن الاستعمال أعم من الحقيقة.

الجواب: احتمال كون هذه الاستعمالات مجازياً ضعيف للغاية؛ لأنه يلزم منه أن يكون الشارع في أكثر الأحكام الشرعية – التي هي حسب قول المستدل قطعاً من مصاديق المعروف – قد ارتكب التجوز، وهذا الحجم من التجوز خلاف الظاهر.

النتيجة: هذا الدليل أيضاً، كالدليل الأول، غير تام، ولا تثبت الحقيقة الشرعية. وبعد ثبوت عدم وجود حقيقة شرعية، يتضح أن هذا اللفظ قد استُعمل بنفس معناه العرفي، ولا حاجة لإقامة دليل على ذلك.

الآن، حان وقت الإجابة على السؤال الثاني؛ أي ما هو المعنى العرفي واللغوي لـ «المعروف»؟

المعروف في العرف واللغة

ذُكرت في اللغة معانٍ عديدة لهذا اللفظ:

1. السكون والطمأنينة (معجم مقاييس اللغة، ج 2، ص 281)؛

2. الهدية والشيء الذي يُعطى للآخرين (النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 3، ص 356)؛

3. الكسوة والدثار (لسان العرب، ج 9، ص 239)؛

4. كل عمل عُلم أنه خير، سواء فُهم بالعقل أو بالشرع. هذا معنى طُرح في كثير من كتب اللغة. (9)

هذه المعاني قد تكون من باب بيان المصاديق أو من باب ذكر موارد الاستعمال أو مشتركاً لفظياً، وعلى أي حال، فإن المعنى الأصلي كما ورد في كثير من كتب اللغة ويتطابق مع الارتكاز العرفي، وكما بيّنه بعض المفسرين (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 4، ص 788 والطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 19، ص 246) هو كل ما يكون حسناً في نظر العقل أو الشرع (والمنكر في مقابله). وفي تفصيل هذا المعنى، يُتصور فرضيتان:

الفرضية الأولى: على الرغم من أن وزن هذين اللفظين هو وزن أسماء المفعولين؛ إلا أنهما قد انسلخا عن معناهما الأصلي وأصبحا عَلَماً؛ أي عَلَماً مرتجلاً؛ بمعنى أن «المعروف» أصبح عَلَماً لكل عمل جيد وحسن (وإن لم يكن معروفاً)، و«المنكر» أصبح عَلَماً لكل عمل سيء وقبيح (وإن لم يكن منكراً)، وإن كان العلم والمعرفة العرفية طريقاً إلى معرفته.

الفرضية الثانية: هذان اللفظان أصبحا عَلَمين؛ وفي نفس الوقت، لُوحظ فيهما معنى المادة أيضاً؛ كما أن ظواهر كتب اللغة تؤيد هذا المعنى.

على الرغم من أن ظاهر كتب اللغة يؤيد الفرضية الثانية، فإنه لتوضيح المعنى الحقيقي من المجازي، يجب التمسك بالطرق التي طُرحت في الأصول لمعرفة الحقيقة والمجاز. (10)

أ) التبادر: بالرجوع إلى الارتكاز العرفي، يتضح أن المعروف يُستخدم للخيرات الواقعية، والمنكر للسيئات الواقعية، دون أن يكون للعلم والجهل دخل فيهما. نعم، في ناحية تشخيص مصداق المعروف والمنكر، يُلحظ العلم.

ب) صحة الحمل وعدم صحة السلب: عندما يُنظر إلى أمثال «ضرب اليتيم» و«القتل» وسائر الأمور المنكرة، يتضح أن حمل «المنكر» على نفس هذه الأمور، وإن وقعت عن جهل، صحيح ولا يصح سلبه. وكذلك عندما يُنظر إلى أمثال «الإحسان» و«الصدق» وسائر الأمور الحسنة، يصح حمل «المعروف»؛ أي أن الحسن والقبح الفعلي موجود؛ وإن لم يوجد الحسن والقبح الفاعلي.

ج) الاطراد: إذا اعتبرنا الاطراد طريقاً لكشف المعنى الحقيقي، خلافاً لرأي البعض مثل المرحوم المظفر (أصول الفقه، ص 70) – من حيث إنه يمكن في كل مكان أن يُقال للأعمال الحسنة «معروف» وللأعمال السيئة «منكر» – يتضح أن هذه المعاني كامنة فيها؛ وإلا لكان هذا الاستعمال خاطئاً في بعض الحالات.

النتيجة: المقصود بالمعروف في الآيات الشريفة هو نفس معناه العرفي واللغوي. وعليه، فإن جميع المعروفات العرفية قد حظيت بإمضاء الشارع المقدس بالآيات والروايات التي طُرحت في البداية؛ وإن كانت من الأمور المستحدثة التي لم تكن ظاهراً بمرأى الإمام المعصوم (ع).

الإشكال: من المحال أن يكون الشارع المقدس قد أمر بمفهومه العرفي؛ وإلا لزم أن تكون كثير من الأمور التي هي قطعاً مصداق للمنكر، مؤيدة من الشارع؛ لأن العرف يعتبرها حسنة ومعروفة.

فهم العرف هو السبيل الوحيد للوصول إلى المعروف والمنكر؛ كما في جميع الموارد التي تُحمل فيها الأحكام على نفس الموضوعات؛ ولكن طريق كشف ذلك الموضوع هو العرف. وعليه، فإن المعروف معنى نفس أمري؛ أي ما هو في الواقع حسن؛ ولهذا السبب، في المورد الذي يعتبره العرف مصداقاً حسناً، إذا كان مورد نهي الشارع، يُكتشف أنه لم يكن حسناً، وتطبيق المعروف على ذلك المصداق كان خطأً، وهذه الموارد تكون خارجة تخصصاً. أو في النهاية نقول: على الرغم من أن تلك الموارد هي مصداق للمعروف؛ إلا أنها قد خُصصت.

لازم علم الإمام (ع) هو إعلان الموقف حتى بالنسبة للأمور المستقبلية.

الطريق الثاني لكشف رضا المعصومين (ع) بالنسبة للسِيَر المستحدثة

يثبت الإمام الخميني (قده) إمضاء المعصومين (ع) بالنسبة للسِيَر المستحدثة بهذه الطريقة:

إنه في بحث التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم، وبعد طرح هذا الإشكال: «اعتبار السيرة منوط بأن تكون بمرأى الإمام المعصوم (ع) ولم يرد ردع منه حتى نكشف بذلك رضا الإمام (ع)، في حين أن الاجتهاد في هذا الزمان، خلافاً للاجتهاد في زمن المعصومين (ع) الذي كان أمراً بسيطاً وكانت الفتاوى هي عين الروايات، قد أصبح في هذا الزمان من العلوم النظرية. لذا، بالنظر إلى كونه مستحدثاً، فإن كشف رضا الإمام (ع) غير ممكن» (الإمام الخميني، الاجتهاد والتقليد، النص، ص 64)، يقول:

يوجد طريقان لكشف رضا الإمام (ع): أولاً، الاجتهاد الحالي لم يكن أمراً مستحدثاً في زمن المعصومين (ع) أيضاً؛ ثانياً، بالنظر إلى أن رجوع الجاهل إلى العالم أمر ارتكازي في جميع الأذهان، وأن المعصومين (ع) يعلمون أيضاً أن علماء الشيعة في زمن الغيبة ليس لديهم حل سوى الرجوع إلى نفس هذه الكتب الروائية والأخبار، والشيعة أيضاً حسب ذلك الأمر الارتكازي يرجعون إلى العلماء؛ ونتيجة لذلك، في حال لم تكن مثل هذه المسألة مورد رضا المعصومين (ع)، كان يجب عليهم في نفس ذلك الزمان أن يردعوا عن مثل هذا الأمر؛ لأنه لا يوجد أي فرق بين السيرة المتصلة والمنفصلة التي يعلم الأئمة (ع) علماً عادياً بوقوعها (نفس المصدر، ص 81-82؛ الرسائل 2/130)، والملاك في كليهما واحد.

بالطبع، قيل إن المرحوم الإمام (ع) قال بهذا المطلب فقط في بحث ارتكاز العقلاء في باب رجوع الجاهل إلى العالم وبحث التقليد، وليس في جميع الأمور (مجلة فقه ومباني حقوق، واحد بابل، «ارتكازات عرفي»، دكتور عليرضا فيض)؛ ولكن مستند هذا الادعاء لم يُبين. (11)

النتيجة: الاستدلال المذكور تام؛ ولكنه يثبت فقط حجية السِيَر المستحدثة التي تتمتع بالميزة المذكورة؛ أي أن الإمام (ع) يعلم بها بالطريق العادي.

الطريق الثالث: الشارع المقدس من العقلاء، بل رئيس العقلاء

بالنظر إلى أن الشارع من العقلاء بل هو رئيس العقلاء، فحيثما كان للعقلاء سيرة، فإن رأي ونظر الشارع يتطابق معها؛ إلا في حالة اتخاذه موقفاً مخالفاً لها. (12)

المناقشة

طُرحت ثلاثة إشكالات على هذا الاستدلال: (13)

الإشكال الأول: سيرة العقلاء ليست دائماً مستندة إلى قريحة وذوق مشترك بين جميعهم حتى تكون متساوية في الجميع؛ بل قد تكون مستندة إلى أغراض شخصية للأفراد، والتي تطابقت بالصدفة في الجميع. ونتيجة لذلك، نحتمل أن غرض الشارع لا يتطابق مع غرضهم الشخصي.

الجواب: مع فرض تطابق جميع العقلاء على نقطة واحدة، فإن الاحتمال المذكور ضعيف جداً ولا يُعتنى به.

الإشكال الثاني: سلمنا أن هذا الإدراك العقلي مستند إلى قريحة عامة موجودة لدى الجميع؛ ولكن قد لا يكون منبعثاً من العقل بما هو عقل؛ بل قد يكون بسبب وجود العواطف والانفعالات وسائر الأمور الخارجية الموجودة في جميع البشر، والله خالٍ منها.

الإشكال الثالث: نفس النقطة التي استدل بها المستدل لإثبات مدعاه، هي سبب لاحتمال أن يتخذ الشارع نظراً وموقفاً آخر؛ أي بالنظر إلى أن الشارع المقدس رئيس العقلاء وأعقلهم، ينشأ هذا الاحتمال بأنه قد لا يقبل بنظر العقلاء؛ لأنه في كثير من الموارد، يكشف الأعقل خطأ العاقل. وعليه، فإن هذا الامتياز لعقل الشارع على عقل الآخرين هو سبب تفاوت نظره.

يبدو أن الاستناد إلى سيرة العقلاء وحده لا يمكن أن يكون دليلاً على إمضاء الشارع؛ إلا بضميمة هذا المطلب: إذا كانت سيرة العقلاء قائمة على عمل ما ولم يكن لديهم أي التفات إلى منشأ ذلك العمل؛ أي لم يلتفتوا إلى أن منشأه أمر غير عقلائي، فإنه على الرغم من أن تلك السيرة مستحدثة والشارع المقدس غائب، فإنه يلزم عليه أن يبين موقفه بإيجاد اختلاف بين أنظار العقلاء؛ وإلا فإن سكوته في مثل هذا الموضع إغراء بالجهل؛ كما أن نظير هذا المطلب مطروح في بحث الإجماع، (14) أو أنه خلاف قاعدة اللطف، وأحياناً نقض لغرض الشارع؛ إلا في الموارد التي توجد فيها أقل وأصغر قرينة واحتمال على الخلاف، وفي هذه الحالة، فإن نفس هذا الاحتمال يوجب التشكيك في اعتبار السيرة.

النتيجة: للتمسك بهذا الدليل، لا حاجة للاستعانة بالمطلب القائل بأن الشارع هو رئيس العقلاء؛ بل يكفي هذا المقدار: في الموارد التي تتعلق فيها سيرة عموم العقلاء بأمر ما، فإذا كانت هذه السيرة بغفلة عن منشئها، فإن عدم إلقاء الخلاف بين العقلاء من قبل الشارع المقدس يكشف عن رضاه.

نقطة: اعترض البعض على اعتبار السِيَر المستحدثة، قائلين إن قبول اعتبار هذه السِيَر يؤدي إلى تأسيس فقه جديد؛ لأنه توجد الكثير من السِيَر القطعية التي تخالف الشرع المقدس.

ولكن الجواب على هذا الإشكال واضح؛ لأن المصاديق مورد البحث يجب قطعاً ألا تكون من الأمور التي حكمها واضح في الشريعة، وبحثنا ليس في العلم بموقف الشارع – سواء كان موقف إثبات أو نفي -؛ بل بحثنا في الموارد التي لم يصلنا فيها دليل آخر من طرف الشرع؛ وعليه، فإن قبول سيرة العقلاء في مثل هذه الموارد المحدودة لا يؤدي أبداً إلى تأسيس فقه جديد.

مصاديق للسِيَر المستحدثة

أمور مثل عقد التأمين، وحق امتياز الماء والغاز والكهرباء، وحتى الوقوف في الصفوف، وبيع حق الشهرة (السرقفلية)، يمكن إثبات اعتبارها بالتمسك بحجية السيرة (السبحاني، تهذيب الأصول، ص 168).

خلاصة

من بين الأدلة الثلاثة التي أقيمت على حجية السِيَر المستحدثة، كان البيان الأول تاماً وشاملاً؛ أي التمسك بالآيات والروايات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف وتمجيد الآمرين بالمعروف.

الطريقان الآخران، على الرغم من تماميتهما، يختصان بموارد خاصة؛ أي أن لازم علم الإمام (ع) بتحقق سيرة في المستقبل هو لزوم الردع عن السِيَر المستحدثة التي تخالف نظر الشارع، وهذا الطريق يختص بالموارد التي يكون للإمام (ع) علم عادي بتحقق تلك السيرة.

وكذلك البيان الثالث – أي كون الشارع رئيس العقلاء – في الموارد الخاصة التي توجد فيها غفلة عامة عن منشأ تحقق السيرة، وتوجد أصغر قرينة واحتمال للخلاف، فهو حجة وقابل للاستناد.

المصادر

  1. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407 ق.
  2. العاملي، الشيخ حر، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت (ع)، قم، 1409 ق.
  3. الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية (طبع قديم)، سيد الشهداء، قم، 1374.
  4. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقائيس اللغة، انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم، 1404.
  5. ابن الأثير الجزري، محمد بن مبارك، النهاية في غريب الحديث والأثر، مؤسسة مطبوعاتي اسماعيليان، قم، بلا تا.
  6. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1414 ق.
  7. الحسن بن زين الدين، ابن الشهيد الثاني، معالم الأصول، مؤتمر الشهيد الصدر، قم، 1379 ش.
  8. الإمام الخميني، روح الله، الاجتهاد والتقليد، مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني، طهران، 1418 ق.
  9. ________، تهذيب الأصول، تقريرات جعفر السبحاني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (قده)، طهران، 1409 ق.
  10. السعدي أبو حبيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً، دار الفكر، دمشق، 1408 ق.
  11. شب زنده دار، محمد مهدي، درس خارج.
  12. الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، تقريرات عبد الساتر، حسن، الدار الإسلامية، بيروت، 1417 ق.
  13. ________، دروس في علم الأصول، طبع انتشارات إسلامي، قم، 1418 ق.
  14. ________، مباحث الأصول، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1408 ق.
  15. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، انتشارات إسلامي، قم، 1417 ق.
  16. الطبرسي، أمين الإسلام، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ناصر خسرو، طهران، 1372 ش.
  17. القمي، علي بن إبراهيم، تفسير قمي، دار الكتاب، قم، 1404.
  18. المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، انتشارات إسلامي، قم، 1430 ق.
  19. مجلة فقه ومباني حقوق، واحد بابل، «ارتكازات عرفي»، دكتور عليرضا فيض.

الهوامش

  1. في كلام البعض، ورد أن المعتبر من السيرة هو خصوص السيرة التي تشكل عليها عمل العقلاء؛ ولكن جماعة أخرى اكتفت بمجرد تحقق مفهوم في الذهن؛ وإن لم يتحقق في الخارج لكونه نظرياً. من القائلين بالنظرية الأولى، أي لزوم تحقق السيرة المطابقة للارتكاز، وهو مطابق للقول المشهور أيضاً، المرحوم الإمام الخميني (قده) والمرحوم الخوئي، ومن المعتقدين بالنظرية الثانية، يُعد المرحوم الحكيم والشهيد الصدر.
  2. درس خارج للأستاذ شب زنده دار.
  3. لا تلطمن خدودكن ولا تصفعن وجوهكن ولا تخمشنها ولا تنتفن شعوركن ولا تشققن أجيابكن ولا تسودن ثيابكن.
  4. مثل رواية عمرو بن أبي المقدام، وسائل الشيعة، ج 20، ص 210 ورواية عبد الله بن سنان في تفسير القمي، ج 2، ص 364.
  5. ذيل آية 114 سورة النساء: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِهِ عزّوجلّ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ قَالَ: يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ الْقَرْضَ. إضافة إلى أنه بغض النظر عن هاتين الروايتين، فإن الآية نفسها تخلق نوعاً من الإجمال لكلمة «المعروف»؛ لأن لفظ المعروف وقع بين مصداقين من المعروف هما الصدقة والإصلاح بين الناس، ورغم أن عطف العام على الخاص معهود، وعطف الخاص على العام أشد عهداً، فإن توسط العام بين خاصين ليس معهوداً؛ ولهذا لا بد من القبول بأن للمعروف معنى مبايناً لهما. ذيل آية 229 سورة البقرة: الْعَيَّاشِي فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْفَارِسِي قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (ع) جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَ مَا يَعْنِي بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ فَكَفُّ الْأَذَى وَ إِخْبَاءُ النَّفَقَةِ وَ أَمَّا التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ فَالطَّلَاقُ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ الْكِتَابُ (وسائل الشيعة، ج 21، ص 512). مع أن «المعروف» في العرف يشمل رعاية اللباس والمسكن والعلاج وعدم الإيذاء وأمثال ذلك، فقد تم في هذه الرواية تعريف بعض المصاديق العرفية بأنها «المعروف». ذيل آية 6 سورة النساء: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيادٍ وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: الْمَعْرُوفُ هُوَ الْقُوتُ وَ إِنَّمَا عَلَى الْوَصِيِّ أَوِ الْقَيِّمِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ مَا يُصْلِحُهُمْ (وسائل الشيعة، ج 17، ص 250).
  6. كما يعتقد المرحوم صاحب المعالم: «الأمر» في لسان الروايات في غير الواجبات يُستخدم كثيراً، ولذلك فإن حمله على الوجوب يحتاج إلى قرينة، راجع: (معالم الأصول، ص 74).
  7. سيأتي في تبيين المعنى العرفي واللغوي.
  8. منقول عن المرحوم الشيخ الرئيس في الحسن والقبح العقليين أنه كان يرى أن طريقة تربية الأفراد تؤثر في إدراك الحسن والقبح.
  9. «عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع)، عَنِ الْفُقَّاعِ فَقَالَ هُوَ خَمْرٌ» (الكافي، ج 6، ص 422). «والعُرْفُ والعَارِفَة والمعروف واحد ضد النكر، وهو كلُّ مَا تَعْرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه» (لسان العرب، ج 9، ص 239). «قد تكرر ذكر المعروف» في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عُرِفَ من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى النّاس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات» (النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 3، ص 216). «المعروف هو كل عمل حُسنه واضح بواسطة الشرع أو العقل» (القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً، ص 249).
  10. على الرغم من أن وجود العلم أو عدمه ليس له ارتباط بأصل الادعاء، أي كشف إمضاء الشارع بالنسبة للأمور التي يعتبرها العرف حسنة.
  11. طالب في مرحلة السطح الرابع (الدكتوراه) بالحوزة العلمية في قم. hamzealizadeh@gmail.com
  12. للاطلاع على ملاك أمر ونهي المعصوم (ع) عن سيرة، راجع: دروس في علم الأصول، ج 1، ص 262.
  13. لا يبعد أن يكون الشاهد على هذا الادعاء هو قول المرحوم الإمام (ع) في تهذيب الأصول، ج 3، ص 672 و 673. حيث يقول في رد اعتبار ارتكاز العقلاء في العمل بفتوى الميت: «فإنّه لو لم يجر السيرة بينهم على العمل بقول الميت – وإن فرض ارتكازهم على جوازه – لا يكون للردع موضوع؛ فإنّ ما هو الواجب على الشارع ردعه هو ردّ السيرة التي جرت عليها العقلاء حسب ارتكازهم، وأما مع عدم الجري على طبق الارتكاز فما هو الغرض حاصل من دون ردع»؛ ولكن على أي حال، هذا الدليل يجري في بحث السيرة العملية للعقلاء، والإشكال المذكور لا يرد عليه.
  14. مستفاد من نهاية الدراية في شرح الكفاية (طبع قديم)، ج 3، ص 30 و 31.
  15. المناقشات المذكورة طرحها الشهيد الصدر في بحث السير المستحدثة، وهذه المناقشات قابلة للانطباق على الارتكازات المستحدثة أيضاً (مباحث الأصول، ج 2، ص 129).
Scroll to Top