تقييم نظرية انقطاع عذاب جهنم في فكر الدكتور صادقي الطهراني

ملخص

المشهور بين المفكرين المسلمين هو القول بخلود عذاب جهنم، حتى ادّعى بعضهم الإجماع عليه. ولكن في المقابل، تبنّى بعض المفكرين مثل ابن عربي، وابن تيمية، وابن القيم الجوزية، ورشيد رضا، والدكتور صادقي الطهراني نظرية انقطاع عذاب جهنم. ومن بين هؤلاء، أولى الدكتور صادقي الطهراني اهتمامًا خاصًا لدراسة هذه النظرية، حيث قام، ضمن نقده لنظرية خلود العذاب، ببحث زواياها المختلفة على نحو موسع في مباحثه التفسيرية والكلامية. ويهدف هذا البحث إلى تنظيم وتقييم رؤيته. ومن خلال هذا البحث، يتضح أنه بحسب رأي الدكتور صادقي الطهراني، فإن مفردة «الخلود» لا تدل على «الأبدية» فحسب، بل في آيات القرآن الكريم أيضًا، تعبر عن «البقاء الطويل». وما يُستفاد من آيات القرآن الكريم بشأن الخلود هو «الخلود في النار» وليس «خلود النار». ولكن يبدو أن هذه النظرية، المستقاة من سابقين مثل ابن تيمية وابن القيم الجوزية ورشيد رضا وغيرهم، غير مقبولة، فهي لا تفتقر إلى دليل عقلي معتبر فحسب، بل تتعارض أيضًا مع الثقافة القرآنية.

مقدمة

يُعد خلود عذاب جهنم من المسائل الأساسية في علم المعاد، وله مكانة خاصة في الثقافة القرآنية. وقد تناولت 85 آية من آيات القرآن مسألة الخلود، منها 34 آية تتعلق بخلود العذاب. وقد أولى مفكرو علم المعاد اهتمامًا خاصًا لهذه المسألة، وطُرحت فيها دائمًا رؤيتان رئيسيتان. المشهور بين العلماء المسلمين هو تبني نظرية خلود عذاب جهنم، وقد اعتبرها بعضهم، مثل الفخر الرازي (1405هـ، ص 400)، والتفتازاني (1409هـ، ج 5، ص 131)، والشهيد الثاني (1409هـ، ص 56)، والشيخ الطوسي (د.ت، ج 2، ص 524)، والطبرسي (1372، ج 2، ص 788)، والخواجه نصير الدين الطوسي (1416هـ، ص 146)، والعلامة المجلسي (1362، ج 8، ص 350)، إجماعية. ولكن في المقابل، لم يقبل بعض المفكرين بخلود عذاب جهنم؛ مثل محيي الدين بن عربي (1994، ج 13، ص 516)، وابن تيمية وابن القيم الجوزية (ابن القيم الجوزية، د.ت، ص 255؛ عبد الخالق كاظم، 1383، ص 168)، ورشيد رضا (1338، ج 8، ص 99)، والشيخ شلتوت (عبد الخالق كاظم، 1383، ص 171)، والدكتور صادقي الطهراني (1977، ج 17، ص 131).

وفي هذا السياق، أولى الدكتور صادقي الطهراني اهتمامًا خاصًا بدراسة هذه المسألة، وضمن نقده لنظرية خلود عذاب جهنم وتبنيه لرؤية انقطاع العذاب، بحث زواياها المختلفة على نحو موسع في مباحثه التفسيرية والكلامية، ولكن للأسف، لم يُلتفت كثيرًا إلى تحليل وتقييم رؤيته. وعلى الرغم من البحث المستفيض، لم نجد سوى مقالة واحدة تناولت دراسة مقارنة لهذه المسألة في فكر العلامة الطباطبائي والدكتور صادقي الطهراني (محمدي، 1392، ص 130-145)، والتي اقتصرت على وصف رؤيتيهما دون تقييم. من هنا، يسعى هذا البحث، بأسلوب وصفي-تحليلي، وضمن جمع وتنظيم رؤى الدكتور صادقي من تفسيره الترتيبي والموضوعي ومباحثه العقدية، إلى تقديم صورة كاملة لنظريته، وضمن استعراض زواياها المختلفة، يقوم بتقييمها ويجيب عن الأسئلة التالية:

1- ما هي مقومات نظرية انقطاع عذاب جهنم في فكر الدكتور صادقي الطهراني؟

2- ما هي الأدلة التي أقامها على إثبات نظرية انقطاع العذاب وفناء نار جهنم؟

3- هل نظرية انقطاع عذاب جهنم، وفقًا لتقرير الدكتور صادقي الطهراني، من ابتكاراته الخاصة، أم أن آخرين قد طرحوها قبله؟

4- كيف يتم تقييم مقومات وأدلة هذه النظرية؟

تبيين نظرية انقطاع العذاب

تُطرح رؤيتان رئيسيتان في مسألة خلود عذاب أهل النار. المشهور بين المفكرين المسلمين هو تبني نظرية خلود عذاب جهنم (الفخر الرازي، 1405هـ، ص 400؛ التفتازاني، 1409هـ، ج 5، ص 131؛ الطوسي، 1416هـ، ص 146)، ولكن توجد خلافات بينهم في تحديد مصاديق العذاب الخالد. جمهور المسلمين يرون أن العذاب الخالد خاص بالكفار، بينما يرى الخوارج والمعتزلة أن مرتكب الكبائر، إذا مات دون توبة، يستحق العذاب الخالد أيضًا (الفخر الرازي، 1405هـ، ص 397؛ الجرجاني، 1419هـ، ج 8، ص 312). وفي مقابل الرؤية المشهورة، أنكر بعض العلماء نظرية خلود عذاب جهنم بشكل كامل، وطرحوا نظرية انقطاع العذاب بتقارير مختلفة، وسنستعرض فيما يلي تقرير نظرية الدكتور صادقي الطهراني ضمن المقومات التالية.

1. ملاءمة انقطاع العذاب مع مفردة الخلود في الثقافة القرآنية

تلعب دراسة معنى مفردة «الخلود» في الثقافة القرآنية دورًا مهمًا في مسألة خلود العذاب الإلهي. بحسب رأي الدكتور صادقي الطهراني، فإن مفردة «الخلود» لا تعني «الأبدية» فحسب، بل تعني أيضًا «البقاء الطويل» في الثقافة اللغوية وآيات القرآن (صادقي الطهراني، 1395، ص 291؛ نفسه، 1977، ج 30، ص 45). ويرى أنه على الرغم من أن إرادة معنى البقاء الطويل من مفردة «الخلود» هي إرادة للمعنى الحقيقي للفظ ولا تحتاج إلى قرينة، إلا أنه في آيات القرآن توجد قرائن قطعية على إرادة هذا المعنى، وأهمها ما يلي:

أولًا: مفردة الخلود في الآيتين ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (الأعراف: 176) و ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (الهمزة: 3)، تعبر بوضوح عن البقاء الطويل، ولا يقبل أي عاقل تفسيرها بالأبدية. (نفسه، 1395، ص 291)

ثانيًا: وصف الخلود في بعض آيات القرآن (النساء: 57، 122، 169؛ المائدة: 119) بمفردة «أبدًا»، مما يدل على تقسيم الخلود إلى أبدي وغير أبدي من جهة، وبطلان تفسير الخلود بالأبدية من جهة أخرى. (نفسه، ص 292)

ثالثًا: تقابل خلود الثواب مع خلود العذاب، ووصف خلود الثواب بالأبدية في بعض آيات القرآن (البينة: 6-8)، هو قرينة أخرى على بطلان تفسير الخلود بالأبدية. (نفسه، 1977، ج 30، ص 404؛ نفسه، 1395، ص 292)

2. التفريق بين «خلود النار» و «الخلود في النار»

في فكر الدكتور صادقي الطهراني، على الرغم من أن مفردة الخلود لا تدل وحدها على الأبدية وتعني البقاء الطويل وتنقسم إلى قسمين: أبدي وغير أبدي، فإنه بالنسبة للآيات التي تتحدث عن خلود العذاب الإلهي، يجب التمييز بين «خلود النار» و «الخلود في النار». خلود النار يعني أن نار العذاب الإلهي دائمة، وأن الكفار سيظلون فيها دائمًا. أما الخلود في النار، فيعني أنه طالما وجدت نار العذاب الإلهي، فإن الكفار سيظلون فيها. في هذا السياق، يستلزم «خلود النار» خلود عذاب الكفار، أما «الخلود في النار» فلا يستلزم خلود النار نفسها؛ لأن الخلود في النار يعني فقط وقوع الكفار في النار مع فرض وجود النار الإلهية، ومن البديهي أنه مع انتفاء النار، ينتفي وقوع الكفار فيها سالبًا بانتفاء الموضوع. في ضوء هذا التفريق، يرى الدكتور صادقي الطهراني أن ما يُستفاد من آيات القرآن الكريم بشأن الخلود هو «الخلود في النار» وليس «خلود النار». (نفسه، 1977، ج 17، ص 131-132 و 135-136)

وقد قام الدكتور صادقي في ضوء هذا التفريق بتفسير الآيات التي يُظن أنها تدل على خلود العذاب، ولكنه يرى أنها لا تدل على ذلك:

أولًا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ (فاطر: 36). هذه الآية تعبر فقط عن عدم موت الكفار وعدم تخفيف عذابهم مع فرض وجود النار، وبالتالي فإن موتهم مع فرض زوال النار لا يتعارض معها. (نفسه، ص 132). والآية ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ (الزخرف: 77) هي أيضًا كالآية السابقة، تعبر عن خلود العذاب الإلهي مع فرض وجود النار، ولا تتعارض مع زوال الكفار بزوال النار. (نفسه، ج 26، ص 366)

ثانيًا: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ (الأعلى: 13). هذه الآية أيضًا تعبر فقط عن عدم موت الكفار في النار مع فرض وجود النار، وبالتالي فإن موتهم مع فرض زوال النار لا يتعارض معها. (نفسه، ج 24، ص 345). بعبارة أخرى، تدل هذه الآية على التزامن والتلازم بين وجود النار والمخلدين فيها. ومن البديهي أن هذا التلازم ينسجم مع خلود النار، فيكون المخلدون خالدين، وينسجم أيضًا مع عدم خلودها. (نفسه، ج 17، ص 131-132)

ثالثًا: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (الحج: 22) والآية ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: 167) تدلان أيضًا على الخلود، ولكنهما تدلان فقط على عدم خروج الكفار من العذاب مع فرض وجود العذاب. وبالتالي، لا تتعارضان مع زوال النار نفسها؛ لأنه في هذه الحالة، لا يصدق الخروج من النار. فالخروج من النار يصدق عندما تكون هناك نار، ولكن الكفار ليسوا فيها؛ لا عندما لا توجد نار أصلًا (نفسه، ج 20، ص 44؛ ج 17، ص 132). ومفاد آية ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: 167) هو كمفاد الآية السابقة. (نفسه، ج 17، ص 132)

رابعًا: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (الزخرف: 74-75). «الإبلاس» هو الحزن الذي يعرض بسبب شدة الاضطرار. عدم تخفيف العذاب في هذه الآية مشروط بوجود العذاب، وبالتالي لا يتعارض مع فرض انتفاء العذاب. (نفسه)

خامسًا: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 56). مفردة «كلما» هنا لا تعبر عن خلود العذاب، بل تقيم تلازمًا بين «نضج الجلد» و «تجدده». ولكن إلى متى تنضج الجلود، وهل نضجها دائمي حتى يكون تجددها كذلك، الآية لا تدل على ذلك. (نفسه، ص 133). وبالتالي، فإن هذه الآية أيضًا لا تدل على خلود العذاب.

وقد ذكر الدكتور صادقي آيات أخرى ونفى دلالتها على خلود العذاب، وتفسيرها يتضح من تفسير الآيات السابقة. (نفسه)

3. فناء النار وموت الكافرين

يرى الدكتور صادقي الطهراني، استكمالًا لهذه النظرية، أن النار الإلهية فانية، ويعتقد أنه طالما وجدت النار، فإن الكفار يظلون فيها، ولكن النار نفسها ستزول يومًا ما. (نفسه، ج 7، ص 100؛ ج 26، ص 365؛ ج 30، ص 404). ومع زوال النار، يُطرح احتمالان بشأن الكفار:

أولًا: بزوال النار، يموت الكفار أيضًا، وبالتالي فإن الكفار، على الرغم من أنهم يظلون في النار الإلهية حتى وجودها ولا يعرض عليهم الموت، فإنهم يموتون بعد فناء النار. (نفسه، ج 30، ص 404). ويرى الدكتور صادقي في بعض المواضع أن موت الكفار يسبق فناء النار، وبعد موتهم تفنى النار. (نفسه، ج 7، ص 100)

ثانيًا: بزوال النار، لا يفنى الكفار أنفسهم، ولكنهم لا يشملون بالرحمة الإلهية، ولا يشملون بالعذاب الإلهي. (نفسه، ج 17، ص 133)

ويرى الدكتور صادقي الطهراني أن الاحتمال الأول هو الأنسجم مع آيات القرآن؛ لأن آيات القرآن تؤكد على أن النار الإلهية لا تخفف (الزخرف: 75) ولا تُرفع (البقرة: 86). وعندما لا يخفف العذاب الإلهي، فإنه لا يُسلب منهم، سواء كانت هناك نار وسُلب منهم، أو زالت النار وهم موجودون. وبالتالي، مع فناء النار، يزول الكفار أيضًا. (نفسه)

وفقًا لهذا التقرير، فإن مقومات نظرية الدكتور صادقي الطهراني هي كالتالي:

أولًا: مفردة «الخلود» لا تعني «الأبدية» فحسب، بل تعني أيضًا «البقاء الطويل» في الثقافة اللغوية وآيات القرآن. وبالتالي، فإن نظرية انقطاع العذاب لا تتعارض مع مفردة الخلود.

ثانيًا: ما يُستفاد من آيات القرآن بشأن الخلود هو «الخلود في النار» وليس «خلود النار».

ثالثًا: طالما وجدت النار، فإن الكفار يظلون فيها، ولكن النار نفسها ستزول يومًا ما، وسيزول الكفار أيضًا.

أدلة النظرية

خلاصة رؤية الدكتور صادقي الطهراني هي عدم خلود النار وفناؤها وموت الكفار. ولإثبات هذه النظرية ونقد نظرية خلود العذاب، قدم الأدلة التالية:

1. الملاءمة مع العدل الإلهي

إن التناسب بين الذنب والعذاب، وبشكل عام بين العمل والجزاء، هو مقتضى العدل الإلهي، وقد أكدت عليه آيات كثيرة وعبرت عنه بتعبيرات مثل «جزاء وفاقًا» (النبأ: 26). في ضوء هذا الأصل القرآني، فإن خلود العذاب غير مقبول؛ لأن العذاب غير المحدود مقابل ذنب محدود صدر من مذنب محدود في زمن محدود ومصحوب بآثار محدودة، لا ينسجم مع العدل الإلهي والجزاء الوفاق القرآني. (صادقي الطهراني، 1977، ج 17، ص 131)

قد يُطرح هذا الإشكال بأن خلود العذاب ينسجم تمامًا مع العدل الإلهي؛ لأن الذات الإلهية هي التي عُصيت، وكما أن عظمة وكمال الذات الإلهية غير محدودين، فإن جزاء عصيان أوامرها سيكون أيضًا غير محدود، وبالتالي فإن خلود العذاب متناسب تمامًا مع عصيان الأوامر الإلهية. وقد أجاب الدكتور صادقي الطهراني على هذا بعدة أجوبة:

أولًا: يمكن دراسة الذنب من ثلاثة جوانب: أ) العاصي، ب) آثار الذنب، ج) الشخص المعصي. في هذا السياق، المعيار في العذاب هو المذنب نفسه وآثار ذنبه، لا مكانة الشخص المعصي؛ لأن مقتضى العدل هو أن يُلاحظ في عقوبة الذنب، وضع المذنب المتناهي، لا المعصي غير المتناهي. المعيار هو الوضع الضعيف الذي يجب اتباعه، لا وضع الشخص القوي.

ثانيًا: مكانة الشخص المعصي ليست في اختيار العاصي، وأساسًا لا يلتفت الشخص العاصي إلى مكانة الشخص المعصي حتى يؤدي علو مكانته إلى زيادة عذاب العاصي.

ثالثًا: إذا كان معيار العذاب هو المكانة العالية للشخص المعصي، فإن جميع الذنوب ستُعد من الكبائر، مما يستلزم اضطراب النظام الجزائي للحدود والديات والتعزيرات.

رابعًا: يخبرنا القرآن الكريم أيضًا عن المساواة بين الجزاء والذنب نفسه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (الشورى: 40)، لا المساواة بين الجزاء ومكانة الشخص المعصي. (نفسه، ص 136-137)

2. الملاءمة مع سعة الرحمة الإلهية

إن خلود العذاب لا ينسجم مع العدل الإلهي فحسب، بل مع الرحمة الإلهية الواسعة أيضًا. وبالتالي، بالنظر إلى سعة الرحمة الإلهية، لن يكون عذاب الكفار خالدًا، بل سيأتي يوم تفنى فيه نار العذاب الإلهي. (نفسه، ص 131 وج 26، ص 365؛ نفسه، 1392، ج 5، ص 51). وفقًا لآيات القرآن (الأنعام: 12 و 56)، أوجب الله الرحمة على نفسه. (نفسه، 1977، ج 9، ص 349). لو لم يكن لازم ترك العذاب هو ترك العدالة والترغيب في الذنب، لما تركت الرحمة الإلهية مكانًا للعذاب، ولما كان العذاب حسنًا. (نفسه، 1392، ج 5، ص 51)

3. الملاءمة مع الحكمة الإلهية

إن خلود عذاب الكفار لا ينسجم مع الحكمة الإلهية أيضًا ويستلزم اللغو. (نفسه، 1977، ج 30، ص 49)

4. الملاءمة مع فلسفة وجود النار

فلسفة وجود النار والعذاب الإلهي هي التطهير. عندما تتلوث نفس الإنسان في عالم الدنيا، إذا تطهرت بواسطة توبة نصوح في نفس العالم، فلا حاجة للتطهير بالنار. أما إذا لم تتطهر في الدنيا وتطهرت في نار البرزخ، فلا حاجة لنار جهنم. ولكن إذا لم تتطهر بنار البرزخ وبنار جهنم المؤقتة، انقطع عذابها. أما إذا كان وجود هذا المذنب كله ملوثًا ولم يتطهر بنار جهنم، فإن مقتضى الرحمة الإلهية والعدل والفضل الإلهي هو أن تفنى هذه النفس بفناء النار؛ لأن فلسفة وجود النار هي تطهير النفس، وبما أن هذه النفس غير قابلة للتطهير، تنتفي فلسفة وجود النار، ولا يبقى مبرر لوجود النار. (نفسه)

5. الملاءمة مع آية اللبث أحقابًا

الآية ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (النبأ: 23) تدل على مدة توقف الكفار في عذاب جهنم. مفردة «أحقاب» جمع «حُقب»، وتعني مقدارًا مبهمًا من الزمن؛ كما يقول النبي موسى (عليه السلام): ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (الكهف: 60)؛ «لن أتوقف عن البحث حتى أصل إلى ملتقى البحرين؛ وإن واصلت طريقي مدة طويلة!». إذًا، «حقب» تدل على زمن محدود، فيكون جمعها (أحقاب) متناهيًا أيضًا، ولن يكون عذاب جهنم خالدًا. (نفسه، ص 42). وقد حدد الدكتور صادقي في بعض المواضع حدود الأحقاب، فأقلها سنة وأكثرها ثمانون سنة. (نفسه، 1392، ج 5، ص 53)

ويذكر في نهاية هذه النقطة أنه بالنظر إلى الأدلة العقلية المذكورة، فإن الروايات التي تدل على خلود العذاب هي موضوعة وغير مقبولة. (نفسه، 1977، ج 17، ص 134). وفي موضع آخر، اعتبر روايات خلود العذاب رواية أو روايتين تخالفان القرآن. (نفسه، 1392، ج 5، ص 53)

تقييم رؤية الدكتور صادقي الطهراني

في تقييم زوايا نظرية انقطاع العذاب، نبدأ بتقييم مدى أصالة هذه النظرية، ثم ندرس أصل النظرية في محورين: «تقييم مقومات النظرية» و «تقييم أدلتها».

1. تقييم مدى أصالة النظرية

لقد طرح الدكتور صادقي الطهراني نظرية انقطاع العذاب على نطاق واسع. السؤال هو: هل هذه النظرية من ابتكاراته، أم طُرحت قبله أيضًا؟ اعتبر بعض الباحثين الدكتور صادقي في هذه النظرية تابعًا لابن عربي. (محمدي، 1392، ص 143). ولكن مماثلة رؤيته مع رؤية ابن عربي تنبع من عدم التأمل الكافي في رؤية ابن عربي. لذلك، من المناسب أن نتناول التمايز الأساسي بين رؤيته ورؤية ابن عربي – كأهم شخصية بين معارضي نظرية خلود العذاب.

يميز ابن عربي من جهة بين العذاب الظاهري والعذاب الباطني، ويرى أن العذاب الباطني خالد. (ابن عربي، 1994، ج 3، ص 98)، ومن جهة أخرى، فيما يتعلق بالعذاب الظاهري، يميز بين «انقطاع النار» و «انقطاع الألم»، ولا يقبل بانقطاع النار، بل يرى أن النار خالدة. (نفسه، ج 4، ص 403؛ ج 9، ص 421). ولكنه يقبل بانقطاع الألم، بحيث أن المذنبين بعد ألم وعناء طويلين، تشملهم الرحمة الإلهية الواسعة ويفقدون الإحساس بالألم والعناء، وتنسجم طبائعهم مع العذاب. (نفسه، ج 13، ص 516). إذًا، يوجد هذا التمايز الأساسي بين رؤية الدكتور صادقي الطهراني ورؤية ابن عربي، حيث يرى ابن عربي، خلافًا له، أن العذاب الباطني خالد من جهة، ومن جهة أخرى، لا يقبل بنظرية انقطاع النار وفناء نار جهنم، بل يصرح بأن نار جهنم خالدة، ويرى فقط أن ألم أهل النار ينقطع. ومن جهة ثالثة، خلافًا لصادقي الطهراني، ينكر صراحة فناء أهل النار. (نفسه، ج 4، ص 403؛ اسماعيلي، 1390، ص 29)

إن رؤية الدكتور صادقي الطهراني، على الرغم من تميزها عن رؤية ابن عربي، ليست من ابتكاراته، ويمكن العثور على أهم مقوماتها في بيانات بعض المفكرين الآخرين قبله، وسنشير إلى رؤاهم.

أولًا: نسب ابن أبي العز الحنفي في شرح عقائد الطحاوية نظرية فناء نار جهنم وانقطاع عذاب أهلها إلى عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وآخرين. (ابن أبي العز الحنفي، 2005، ص 428)

ثانيًا: طرح ابن تيمية أيضًا نظرية فناء نار جهنم وانقطاع عذاب أهلها وقبلها. ونسب تلميذه ابن القيم الجوزية هذه الرؤية إليه. (ابن القيم الجوزية، د.ت، ص 255)

ثالثًا: قبل ابن القيم الجوزية أيضًا هذه النظرية. ويرى أنه لا توجد في القرآن الكريم آية واحدة تدل على خلود النار. ما طُرح في الثقافة القرآنية هو عدم تخفيف عذاب أهل النار وعدم خروجهم من العذاب، ويوجد تمايز واضح بين «خلود العذاب» و «الخلود في العذاب»؛ لأن الثاني مشروط بوجود العذاب، ومع فناء النار نفسها لا يتعارض؛ بينما يفنى أهل النار تبعًا لفناء النار. ولإثبات دعواه، طرح ابن القيم أدلة ورد بعضها في بيانات الدكتور صادقي الطهراني أيضًا. وقد طرح ابن القيم هذه النظرية على نطاق واسع في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. (نفسه، ص 255؛ عبد الخالق كاظم، 1383، ص 168)

رابعًا: قبل رشيد رضا أيضًا، اتباعًا لابن القيم، نظرية فناء النار ونقل رؤيته على نطاق واسع في تفسيره ومدحه. (رشيد رضا، 1338، ج 8، ص 99)

خامسًا: قبل الشيخ محمود شلتوت، من علماء الأزهر المعاصرين، أيضًا نظرية فناء النار، وصرح بأنه يوجد تمايز واضح بين «خلود العذاب» و «الخلود في العذاب»؛ لأن الثاني مشروط بوجود العذاب. (عبد الخالق كاظم، 1383، ص 171)

بهذه النظرة التاريخية، يتضح أن نظرية فناء النار وانقطاع العذاب قد طُرحت قبل الدكتور صادقي الطهراني أيضًا. وفي هذا السياق، بالدقة والتأمل في أدبيات الدكتور صادقي الطهراني وأدبيات هذه السلسلة من السابقين، نصل إلى نتيجة أن أدبياته ليست فقط في طرح أصل هذه النظرية، بل في قسم الأدلة أيضًا هي نفس الأدبيات التي طرحها أولئك، وحتى في بعض المواضع، العبارات متشابهة. لذلك، يبدو أن صادقي الطهراني في طرح هذه النظرية مدين لهم، وبتأثره بهم، طرح هذه النظرية.

2. تقييم مقومات النظرية

مقومات هذه النظرية هي «ملاءمة انقطاع العذاب مع مفردة الخلود في الثقافة القرآنية»، و «التفريق بين «خلود النار» و «الخلود في النار» في الثقافة القرآنية»، و «فناء النار وموت الكفار»، وتقييمها كالتالي:

1- تقييم ملاءمة انقطاع العذاب مع مفردة الخلود في الثقافة القرآنية

يرى الدكتور صادقي الطهراني أن مفردة «الخلود» لا تعني «الأبدية» فحسب، بل في الثقافة اللغوية وآيات القرآن أيضًا تعني «البقاء الطويل». (صادقي الطهراني، 1395، ص 291؛ نفسه، 1977، ج 30، ص 45). وفي تقييم هذه الرؤية، لا بد من الانتباه إلى النقاط التالية:

أولًا: بالتأمل في بيانات اللغويين، يتضح أن غالبيتهم فسروا مفردة «الخلود» بالأبدية. وقد فسر الأزهري، نقلًا عن الليث، الخلود بالبقاء وعدم الخروج. (د.ت، ج 7، ص 124)، والزبيدي ذكر نفس المعنى. (د.ت، ج 4، ص 437). وابن دريد أيضًا فسر الخلود بالبقاء الدائم. (د.ت، ج 1، ص 579)، والجوهري فسره بالبقاء الأبدي. (د.ت، ج 2، ص 469).

ولكن في هذا السياق، فسر الراغب الأصفهاني الخلود بعدم الفساد، والبقاء على حالة واحدة، والبقاء الطويل، وذكر أن الجبال تسمى «خوالد» لأنها تبقى طويلًا، لا لأنها أبدية. (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، ص 291). ولكن يبدو أنه في هذا التحليل اللغوي، حدث خلط واضح بين المفهوم والمصداق، وهو خطأ شائع في مجال علم اللغة؛ لأنه من جهة، يسمى عدم الفساد خلودًا لأنه يستلزم دوام البقاء على حالة السلامة، ومن جهة أخرى، يجب حساب دوام بقاء كل شيء بحسب ذلك الشيء نفسه. فدوام بقاء الجبال يعبر عن بقائها في كل المدة الزمنية التي لها شأنية البقاء. ومن البديهي أن شأنية بقاء الجبال محدودة، ولكن محدودية بقائها لا تعني أبدًا أن مفردة الخلود لا تعني دوام البقاء، بل تعبر عن البقاء الطويل. ومما يؤيد هذه النقطة أن بعض اللغويين الدقيقين مثل إسماعيل بن حماد الجوهري، مع أنهم فسروا مفردة الخلود بـ «دوام البقاء»، لم يعتبروا تسمية الجبال بـ «خوالد» مستلزمة لإيجاد معنى جديد باسم «البقاء الطويل» في مقابل «البقاء الدائم». (الجوهري، د.ت، ج 2، ص 469). إذًا، يمكن تلخيص رؤية اللغويين في علم المفردات بأن لهذه المفردة معنى حقيقيًا واحدًا هو «دوام البقاء»، والمعاني الأخرى هي من مصاديقها.

ثانيًا: وفقًا للتوضيح السابق، فإن استشهاد الدكتور صادقي الطهراني بآية ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (الأعراف: 176) و ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (الهمزة: 3) لإثبات أن معنى مفردة الخلود هو البقاء الطويل (صادقي الطهراني، 1395، ص 291) غير مقبول أيضًا، وينبع من خلط المصداق بالمفهوم وتفاوت المصاديق في مقدار شأنية دوام البقاء.

ثالثًا: استشهاد الدكتور صادقي (نفسه، ص 292) بوصف الخلود في بعض آيات القرآن بمفردة «أبدًا» (النساء: 57، 122، 169؛ المائدة: 119) غير مقبول أيضًا؛ لأنه من جهة، تُستخدم مفردة «أبدًا» في الأدبيات العربية لإفادة التأكيد، ومن جهة أخرى، وفقًا للتوضيح السابق، يختلف مقدار شأنية دوام البقاء في مصاديق الخلود، ويمكن أن تعبر مفردة «أبدًا» عن مقدار شأنية دوام البقاء الذي لا يُطرح فيه في بعض المصاديق، محدودية وتناهٍ زمني، ويكون مصداق الخلود خلودًا دائمًا. إذًا، الاستشهاد بهذه المفردة ليس صحيحًا.

2- تقييم التفريق بين «خلود النار» و «الخلود في النار»

يميز الدكتور صادقي الطهراني بين الآيات التي تعبر عن خلود العذاب الإلهي، بين «الخلود في النار» و «خلود النار»، ويرى أن مفاد آيات القرآن هو الخلود في النار. (صادقي الطهراني، 1977، ج 17، ص 131 و 135). وفي تقييم هذه الرؤية، لا بد من الانتباه إلى النقاط التالية:

أولًا: في رؤية الدكتور صادقي، نشهد بشكل عام تناقضًا داخليًا يظهر بوضوح في هذا القسم أيضًا. فهو من جهة، بالاعتماد على آيات مثل ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النمل: 90)، ﴿لَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (يس: 54)، ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 39) وما شابهها، يطرح نظرية تجسم الأعمال ويصرح بأن «الجزاء» هو نفس الأعمال وظهورها الملكوتي. (نفسه، ج 22، ص 278؛ ج 25، ص 81). ومن جهة أخرى، يطرح نظرية التفريق بين «خلود النار» و «الخلود في النار». (نفسه، ج 17، ص 131 و 135). ولكن هاتين الدعويين تتناقضان؛ لأن التفريق المذكور يكون مقبولًا عندما تكون نار العذاب الإلهي حقيقة خارجة عن الإنسان الجهنمي وظرفًا لوجوده، ولكن وفقًا للدعوى الثانية، نار العذاب الإلهي هي نفس أعمال الإنسان. وبناءً على مبدأ تجسم الأعمال، فإن ثواب وعقاب الأعمال الحسنة أو السيئة ليسا شيئًا سوى تلك الأعمال، وبين أعمال الإنسان وعواقبها علاقة تكوينية، والعامل المعذب الخارجي ليس له دور؛ فأعمال البشر تتحول إلى أخلاق وملكات نفسية، وفي الآخرة تظهر هذه الأخلاق والملكات النفسية مرة أخرى ضمن أجسام ذلك العالم. الصورة الحقيقية للإنسان تعتمد على نياته وخصاله وملكاته النفسية، وعلى هذا الأساس، وإن كان البشر متساوين في الصورة الظاهرية، فإنهم من حيث الصورة الباطنية، أي الخصال والملكات، لديهم أنواع أو أصناف مختلفة. الإنسان نوع متوسط وتحته أنواع كثيرة. الإنسان الذي ترسخت في روحه الأفعال القبيحة، يشكل نوعًا جديدًا تكون تلك الأفعال بمنزلة فصله المميز، ويوم القيامة هو فقط ظرف لظهور آثار أفعال الإنسان الإرادية. (الآملي، 1422هـ، ج 3، ص 464؛ صدر المتألهين، 1360، ص 329؛ نفسه، 1361، ص 282؛ الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 91-93). وفقًا لهذه النظرية، النار ليست شيئًا منفصلًا عن الإنسان الجهنمي. في هذه الحالة، فإن التفريق بين «خلود النار» و «الخلود في النار» لن يكون صحيحًا؛ لأنه بناءً على هذا المبدأ، فإن خلود الإنسان في النار يعني خلود النار نفسها التي هي ظهور لأعمال الإنسان. وفقًا لهذا التوضيح، فإن التفريق بين المصطلحين المذكورين ممكن فقط في ضوء نقد نظرية تجسم الأعمال.

ثانيًا: التناقض الآخر في رؤيته يتعلق بالبعد الدلالي لمفردة الخلود. فهو من جهة، فسر مفردة الخلود بالبقاء الطويل، ومن جهة أخرى، فسرها بمعنى الخلود في ضوء القرائن الموجودة في بعض الآيات (النساء: 57، 122، 169؛ المائدة: 119). (صادقي الطهراني، 1395، ص 292). ومن جهة ثالثة، نفى العذاب الخالد، ويرى أن مفاد آيات القرآن هو الخلود في النار، لا خلود النار؛ بينما يتعارض المطلب الثالث مع المطلب الثاني؛ لأن لازم المطلب الثالث هو أن مفردة الخلود الموجودة في نفس الآيات التي فيها قرائن دالة على معنى الخلود، هي أيضًا بمعنى البقاء الطويل، لا الخلود؛ لأنه يصرح بأن بقاء النار طويل، لا دائم.

ثالثًا: بغض النظر عن النقطتين الأولى والثانية، فإن التفريق بين «الخلود في النار» و «خلود النار» لا ينسجم مع سياق آيات القرآن؛ لأن مفردة «في» في تركيب «خالدين في النار» تعبر عن قيد توضيحي وتبين ظرف بقاء أهل النار، لا قيدًا احترازيًا ليخصص الخلود بوجود النار. والاستنتاج الثاني لا ينسجم مع سياق الآيات والفهم العرفي العربي لها. والشاهد على هذه النقطة هو أن نفس التعبير ورد في آيات متعددة بشأن أهل الجنة؛ ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 82)، ولكن الدكتور صادقي الطهراني لم يطرح الاستنتاج الاحترازي بشأنهم، بل قبل بخلود الثواب. (نفسه، 1977، ج 30، ص 45)

3- تقييم فناء النار وموت الكافرين

يرى الدكتور صادقي الطهراني أن النار الإلهية فانية، وبالتالي فإن أهل النار أيضًا فانون ومائتون. (نفسه، ص 404؛ ج 7، ص 100؛ ج 26، ص 365). وفي تقييم هذه الرؤية، لا بد من الانتباه إلى النقاط التالية:

أولًا: وفقًا لما صرح به هو نفسه، فإن آيات القرآن تدل فقط على الخلود في النار، لا على خلود النار نفسها. إذًا، وفقًا لرؤيته، كما أن آيات القرآن لا تدل على عدم فناء النار، فإنها لا تدل على فنائها أيضًا. إذًا، نظرية فناء النار ليس لها أي دليل قرآني.

ثانيًا: فناء النار وموت أهل النار ليس فقط لا دليل قرآني له، بل الأدلة العقلية التي طرحها هو أيضًا لا تدل عليه؛ لأنه بفرض قبول عدم انسجام خلود النار مع العدل والرحمة والحكمة الإلهية، فإن نظرية فناء النار وموت أهل النار لا تثبت؛ لأن هذه الأدلة العقلية تدل فقط على نفي خلود العذاب، بينما يمكن أن يكون لنفي خلود العذاب عدة مصاديق:

أ) يدخل أهل النار الجنة بعد فناء النار، لا أنهم يموتون. وقد طرح هذه الرؤية بعض أتباع نظرية فناء النار. (عبد الخالق كاظم، 1383، ص 168)

ب) يمكن، مثل ابن عربي، التمييز بين «فناء العذاب» و «فناء النار»؛ بحيث أنه بعد عذاب طويل لأهل النار، على الرغم من وجود النار، لا يوجد عذاب، بل ينسجم مزاج أهل النار مع النار. (ابن عربي، 1994، ج 13، ص 516)

ج) يمكن القول إن أهل النار بعد عذاب طويل، يدخلون في حالة من التخدير والغيبوبة. وهذه النظرية مستفادة أيضًا من كلمات ابن عربي. (نفسه، ج 4، ص 403)

إذًا، نظرية فناء النار وموت أهل النار ليس فقط لا شاهد قرآني لها، بل الأدلة العقلية أيضًا، على فرض تماميتها، أعم من هذه النظرية ولا تثبتها.

ثالثًا: يرى الدكتور صادقي الطهراني، فيما يتعلق بالعلاقة الزمنية بين «فناء النار» و «فناء أهل النار»، في بعض المواضع أن فناء أهل النار يكون بعد فناء النار. (صادقي الطهراني، 1977، ج 30، ص 404)، وفي بعض المواضع، يرى أن موت الكفار يسبق فناء النار، وبعد موتهم تفنى النار. (نفسه، ج 7، ص 100). هذا بينما لا ينسجم أي من هذين الاحتمالين مع نظرية تجسم الأعمال التي يقبل بها هو. (نفسه، ج 22، ص 278؛ ج 25، ص 81)، لأنها وفقًا لنظرية تجسم الأعمال، فإن النار هي الظهور الملكوتي لأعمال الإنسان، والتفريق الزمني بين «فناء النار» و «فناء أهل النار» يعبر عن عدم قبول هذه النظرية، وكل هذا يدل على التناقض الداخلي في نظرية صادقي.

3. تقييم أدلة النظرية

يقيم الدكتور صادقي الطهراني خمسة أدلة لإثبات نظرية انقطاع العذاب، ومفادها الأصلي هو نقد نظرية خلود العذاب الذي يستلزم إثبات نظرية انقطاع العذاب. لذلك، نقوم بتقييم مفادها في إطار نقد نظرية خلود العذاب.

1- تقييم عدم انسجام خلود العذاب مع العدل الإلهي

إن عدم انسجام خلود العذاب مع العدل الإلهي هو من أهم أدلة نقد نظرية خلود العذاب. وفي تقييم هذا الدليل، لا بد من الانتباه إلى النقاط التالية:

أولًا: وفقًا لنظرية تجسم الأعمال التي قبل بها الدكتور صادقي الطهراني أيضًا (نفسه)، فإن العذاب هو ظهور للآثار التي تترتب على صورة ونوعية الشقاوة. وهذه الآثار هي معلول للمخالفات التي يرتكبها الإنسان العاصي وتصبح ملكة له تدريجيًا، لا أن الآثار المذكورة هي معلول مباشر وفوري لمخالفاته حتى يُقال: المخالفات محدودة ومعدودة، فلماذا يكون عذابها لا نهائيًا؟ إذًا، العمل هو ظاهرة زمنية تزول، ولكن خلاصتها تبقى في نفس العامل، وتجعل نفس الإنسان بهيمية أو شيطانية أو ملكية. أعمال الجوارح وإن كانت محدودة ومؤقتة، فإن أعمال القلب دائمة، والأمر الدائم يتبعه أثر خالد. (الآملي، 1422هـ، ج 3، ص 464؛ صدر المتألهين، 1360، ص 329؛ نفسه، 1361، ص 282؛ الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 91-93). وبالاستفادة من مبادئ الحكمة المتعالية والاستناد إلى كلام صدر المتألهين والعلامة الطباطبائي، يمكن توضيح هذه النقطة بأن الإنسان نوع متوسط وتحته أنواع كثيرة. الإنسان الذي ترسخت في روحه الأفعال القبيحة، يشكل نوعًا جديدًا تكون تلك الأفعال بمنزلة فصله المميز. إذًا، صدور الأفعال القبيحة منه وظهور العذاب في جهنم ليس قسريًا، بل طبيعي تمامًا، وعلة صدورها أيضًا هي الصورة الجديدة التي وجدت فيه، وهذه الصورة دائمة وثابتة وفصل مميز له، لذا ينسجم تمامًا مع خلود العذاب. (صدر المتألهين، 1981، ج 7، ص 88؛ الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 412)

ثانيًا: الروح أمر مجرد، ثابت وغير قابل للموت، لذا فإن الكفر والشرك والنفاق والمعصية التي هي باطنها النار، إذا أصبحت وصفًا راسخًا للروح وملكة لشخص، فإنه سيكون دائمًا في الدنيا والآخرة، قرينًا لعامل العذاب، وسيكون خالدًا في النار. الروح ليست وجودًا ماديًا حتى تكون في طول التاريخ والزمان. الروح ليست غير محدودة، ولكنها مجردة وثابتة، وبالتالي فإن عامل العذاب والنار الذي هو وصف راسخ وملكة لها، سيكون ثابتًا ودائمًا. بالإضافة إلى أن خلود العذاب هو فقط لمن أصبحت الرذائل ملكة لهم بحيث أنهم حتى بعد قيام الدليل المعتبر وتمامية الحجة يقاومون الأنبياء الإلهيين، لا لمن كانت ذنوبهم في حد الهيئات العارضة. (صدر المتألهين، 1981، ج 7، ص 88؛ الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 412)

ثالثًا: في خلود أهل النار المعاندين، يجب أيضًا قياس أصل العمل وثقله؛ لأن جميع الذنوب ليست متساوية. بعض الذنوب عظيمة لدرجة أن عمرًا خالدًا لا يكفي لعقوبتها وجزائها. على سبيل المثال، إذا قام شخص بالضغط على زر في ثانية واحدة وفجر قنبلة وحول ملايين البشر إلى رماد، فإن البشر الذين سيولدون من نسلهم حتى يوم القيامة، وربما يكونون من الصالحين والأتقياء، سيحكم عليه بالعذاب الخالد في أي محكمة صالحة وعادلة. (جوادي آملي، 1387، ج 5، ص 501)

2- تقييم عدم انسجام خلود العذاب مع سعة الرحمة الإلهية

في تقييم ادعاء «عدم انسجام خلود العذاب مع سعة الرحمة الإلهية»، لا بد من الانتباه إلى نقطتين:

أولًا: منشأ هذه الشبهة هو التفسير العاطفي للرحمة الإلهية، وهذا التصور لا ينسجم فقط مع خلود العذاب، بل مع أصل العذاب أيضًا. الرحمة الإلهية أمر تكويني وحقيقي، لا عاطفي وانفعالي، بمعنى رقة القلب وحرقة الفؤاد الذي يتنزه عنه الله تعالى. (الشريف المرتضى، 1998، ج 1، ص 73؛ الملا عبد الله اليزدي، 1412هـ، ص 142؛ الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 414)

ثانيًا: الرحمة الإلهية نوعان: أحدهما رحمة عامة وشاملة توصل كل موجود بحسب استعداده إلى كماله اللائق به، ولا يخرج شيء عن نطاق هذه الرحمة الإلهية، وقد خلق العالم على هندسة هذه الرحمة، وعلى أساسها، يوضع كل من الرحمة الخاصة والغضب المخصوص في مكانه. والآخر هو رحمة خاصة بالمؤمنين والمتقين، والآخرون محرومون منها. معنى لا محدودية الرحمة الإلهية في الرحمة العامة يختلف عن معناها في الرحمة الخاصة؛ لأن الرحمة العامة ليس لها مقابل أصلًا، ولكن الرحمة الخاصة لها مقابل وهو الغضب. ما يوجد في العالم، حتى العذاب، هو على أساس رحمة الله المطلقة؛ وإن كان العذاب بالنسبة لأهل الجنة غضبًا، لا رحمة. إذًا، العذاب الخالد لا يتعارض مع رحمة الله العامة، بل هو عين الرحمة المطلقة، وإن كان لا يجتمع مع الرحمة الخاصة في مكان واحد، فإن المعذب باختياره يختار عمدًا طريق الأشقياء والكافرين ويجعل نفسه شقيًا. وعلى هذا الأساس، فإن الله الرحمن له عذاب أيضًا. (جوادي آملي، 1387، ج 5، ص 492)

3- تقييم عدم انسجام خلود العذاب مع الحكمة الإلهية

وفقًا لما ورد في الإجابة على الدليلين السابقين، تتضح الإجابة على هذا الدليل أيضًا. وفقًا لما سبق، فإن العذاب الإلهي هو ظهور لملكات الإنسان نفسه، وليس أمرًا خارجيًا. إن عدم انسجام خلود العذاب مع الحكمة الإلهية مبني على أساس أن العذاب يُعتبر أمرًا خارجيًا ويحمله الله على الجهنمي. ولكن بناءً على نظرية تجسم الأعمال، فإن العذاب هو ظهور لأعماله هو، ولا يُطرح مثل هذا السؤال.

4- تقييم عدم انسجام خلود العذاب مع فلسفة وجود النار

بالتأمل في الإجابات السابقة، تتضح الإجابة على هذا الدليل أيضًا؛ لأنه وفقًا لما سبق، فإن نار العذاب الإلهي هي ظهور لملكات الإنسان نفسه، وليس أمرًا خارجيًا. إن عدم انسجام خلود العذاب مع فلسفة وجود النار مبني على أساس أن العذاب أمر خارجي ويحمله الله على الجهنمي؛ ولكن بناءً على نظرية تجسم الأعمال، فإن العذاب هو ظهور لأعماله هو، ولا يُطرح مثل هذا السؤال. فلسفة وجود النار هي وجود الملكات القبيحة في الإنسان التي هي نتيجة لأعمال وهيئات قبيحة.

5- تقييم عدم انسجام خلود العذاب مع آية لبث أحقاب

في تقييم دلالة آية ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (النبأ: 23) على انقطاع العذاب، لا بد من الانتباه إلى عدة نقاط:

أولًا: مفردة «أحقاب» جمع «حقب». وقد فسر كثير من اللغويين والمفسرين هذه المفردة بـ «الزمان المبهم». وقد نقل الراغب الأصفهاني أولًا رأي من يقولون إن «الحقبة» ثمانون سنة، ثم لم يقبله، ويقول: «الصحيح أن الحقبة مدة زمنية مبهمة». (الراغب الأصفهاني، 1412هـ، ص 248). والفراهيدي أيضًا يرى أن «الحقبة» هي زمان مبهم من الدهر. (الفراهيدي، 1410هـ، ج 3، ص 53). وابن منظور ينقل عن الفراء أن مفردة «أحقاب» لا تدل على زمان محدد، بل على تتابع الزمان. (ابن منظور، 1414هـ، ج 1، ص 326). والزمخشري أيضًا يرى أن هذه المفردة تعبر عن تتابع الزمان إلى ما لا نهاية. (الزمخشري، 1407هـ، ج 4، ص 688). وصاحب تفسير كنز الدقائق أيضًا يرى أن هذه المفردة تعبر عن تتابع الزمان، ولا يقبل دلالتها على انقطاع العذاب. (القمي المشهدي، 1368، ج 14، ص 102)

ثانيًا: بالإضافة إلى تصريح اللغويين، توجد في سياق الآية المذكورة قرينة على خلود العذاب. يقول الله تعالى في تتمة الآية: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (النبأ: 30). وفقًا لهذه الآية، يُقال للكفار بعد لبث أحقاب: «فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابًا». الآن، إذا كان العذاب ينقطع، فإن هذه الآية ستكون كاذبة، ولن تكون زيادة العذاب صادقة. ومن البديهي أن تفسير الآية بأن زيادة العذاب مشروطة ببقاء العذاب ليس صحيحًا؛ لأن الآية لم تذكر شيئًا عن وجود العذاب، واشتراط ذلك يحتاج إلى إثبات.

ثالثًا: التمسك بـ ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (النبأ: 23) لإثبات انقطاع العذاب هو تمسك بمفهوم العدد؛ بينما يرى مشهور الأصوليين أن العدد ليس له مفهوم.

رابعًا: وفقًا لبعض الروايات، فإن الآية المذكورة تتعلق بمن لا يكون عذابهم خالدًا، ويخرجون من النار. (العروسي الحويزي، 1415هـ، ج 5، ص 495)، وبالتالي حتى مع غض النظر عن الإجابات السابقة، فإن التمسك بهذه الآية لإثبات خلود عذاب الكفار ليس صحيحًا.

خامسًا: وفقًا لما ورد في تقييم الأدلة السابقة، يُستفاد خلود العذاب من آيات كثيرة من القرآن الكريم بوضوح، ومفردة الخلود تعبر عن خلود العذاب؛ لذلك حتى لو كان هناك إبهام في مفاد الآية المذكورة، فإن صراحة الآيات الأخرى تُعتبر قرينة واضحة على تفسير هذه الآية.

وفقًا لما سبق، فإن أدلة الدكتور صادقي الطهراني لإثبات نظرية انقطاع العذاب ونقد نظرية خلود العذاب ليست تامة، وبالنظر إلى ظهور الآيات في خلود عذاب الكفار، فإن نظرية خلود العذاب مقبولة.

4. تقييم النظرية في ضوء الروايات

في تقييم نظرية انقطاع عذاب الدكتور صادقي الطهراني في ضوء الروايات، لا بد من الانتباه إلى النقاط التالية:

أولًا: يرى الدكتور صادقي الطهراني أن روايات خلود العذاب مخالفة للقرآن. (صادقي الطهراني، 1392، ج 5، ص 53). وفقًا لما ورد في المبحث السابق، فإن أدلة الدكتور صادقي الطهراني لإثبات نظرية انقطاع العذاب ونقد نظرية خلود العذاب ليست تامة، وبالنظر إلى ظهور الآيات في خلود عذاب الكفار، فإن نظرية خلود العذاب مقبولة. إذًا، ادعاء مخالفة روايات خلود العذاب للقرآن ليس صحيحًا، والروايات المذكورة مقبولة.

ثانيًا: اعتبر الدكتور صادقي الطهراني روايات خلود العذاب رواية أو روايتين. (نفسه). هذا بينما وردت روايات كثيرة بشأن خلود العذاب الإلهي، وبتعبير العلامة الطباطبائي، وصلت هذه الروايات إلى حد الاستفاضة. (الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 411)، ونشير إلى نماذج منها:

أ) في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه عندما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يُؤتى بالموت ويُذبح، ثم يُقال: «خلود فلا موت أبدًا». (الحر العاملي، 1418هـ، ج 1، ص 372)

ب) في حديث آخر، يقول الراوي للإمام الصادق (عليه السلام): بلغنا أن يومًا يأتي على جهنم تُغلق فيه أبوابها. فقال الإمام (عليه السلام): لا، والله، إن عذاب الله دائم. (نفسه، ص 374)

ج) في حديث آخر ورد أنه عندما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يوضع الموت بين الجنة والنار ويُباد. بعد ذلك، ينادي منادٍ: يا أهل الجنة ويا أهل النار، لا موت بعد اليوم وأنتم خالدون. (القمي، 1404هـ، ج 2، ص 50؛ المجلسي، 1362، ج 8، ص 345)

ثالثًا: في بعض الروايات، طُرحت شبهة عدم انسجام خلود العذاب مع العدل الإلهي وأُجيب عليها. فقد طرح يهودي هذه الشبهة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إذا كان ربك لا يظلم، فكيف يعذب من لم يذنب إلا أيامًا معدودة (مدة محدودة) في النار إلى الأبد؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن خلوده في العذاب الإلهي بسبب نيته؛ لأن نيته كانت أنه لو عاش عمرًا خالدًا، لظل يذنب، وهذه النية أسوأ بكثير من العمل. كما أن خلود شخص في الجنة بسبب نيته أنه لو عاش دائمًا في الدنيا، لما ترك طاعة الله، وهذه النية أفضل من العمل. إذًا، على أساس النيات، سيخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ لأن الله تعالى يقول: «يا نبي، أعلن أن كل شخص يعمل على شاكلته، أي بنيته وطبيعته الذاتية، والله أعلم بمن هو أهدى». (الصدوق، 1398هـ، ص 398). إن استدلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العقلي بآية ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ (الإسراء: 84) يعبر عن هذه الحقيقة وهي أن أساس خلود الجنة أو النار لا يقتصر على الفكر، بل شاكلة الإنسان، أي ذاته وطبيعته وعقيدته، تميل بنيته إلى الخير أو الشر، وتصبح المعصية أو العبادة ذاتية له، وإلا فإنه لا يؤاخذ أحدًا بمجرد النية. إذًا، المراد بالنية نوع من العمل والعقيدة. ونتيجة لذلك، يكتسب الإنسان المذنب في الدنيا لنفسه وجودًا جهنميًا، وفي الآخرة يصل إلى أصله، أي إلى النار الكبرى. إذًا، العذاب هو الآثار التي تترتب على صورة ونوعية الشقاوة. (جوادي آملي، 1387، ج 5، ص 500؛ الطباطبائي، 1411هـ، ج 1، ص 412)

الخاتمة

نتائج هذا البحث هي كالتالي:

1- المشهور بين العلماء المسلمين هو تبني نظرية خلود عذاب جهنم، وقد اعتبرها بعضهم مثل الفخر الرازي والتفتازاني والشهيد الثاني والشيخ الطوسي والطبرسي والخواجه نصير الدين الطوسي والعلامة المجلسي إجماعية. ولكن في المقابل، لم يقبل بعض المفكرين بخلود عذاب جهنم، ومنهم الدكتور صادقي الطهراني.

2- مقومات نظرية الدكتور صادقي الطهراني في تبيين نظرية انقطاع العذاب هي كالتالي: أولًا: مفردة «الخلود» لا تعني «الأبدية» فحسب، بل في الثقافة اللغوية وآيات القرآن أيضًا تعني «البقاء الطويل»، وبالتالي فإن نظرية انقطاع العذاب لا تتعارض مع مفردة الخلود. ثانيًا: ما يُستفاد من آيات القرآن بشأن الخلود هو «الخلود في النار» وليس «خلود النار». ثالثًا: طالما وجدت النار، فإن الكفار يظلون فيها، ولكن النار نفسها ستزول يومًا ما، وسيزول الكفار أيضًا.

3- أقام الدكتور صادقي الطهراني عدة أدلة لإثبات نظرية انقطاع العذاب؛ منها: الملاءمة مع العدل الإلهي، والملاءمة مع سعة الرحمة الإلهية، والملاءمة مع الحكمة الإلهية، والملاءمة مع فلسفة وجود النار، والملاءمة مع آية لبث أحقاب.

4- مماثلة رؤية صادقي الطهراني مع رؤية ابن عربي ليست صحيحة، ويوجد بينهما تمايز أساسي. رؤيته، على الرغم من تميزها عن رؤية ابن عربي، ليست من ابتكاراته، وقبله طرحها أشخاص مثل عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن تيمية، وابن القيم الجوزية، ورشيد رضا، والشيخ شلتوت، ويبدو أن الدكتور صادقي في هذه النظرية مدين لهم.

5- بالتأمل في بيانات اللغويين، يتضح أن غالبيتهم فسروا مفردة «الخلود» بالخلود. ولكن في هذا السياق، فسر بعضهم مثل الراغب الأصفهاني الخلود بعدم الفساد، والبقاء على حالة واحدة، والبقاء الطويل. ولكن يبدو أنه في هذا التحليل اللغوي، حدث خلط واضح بين المفهوم والمصداق، وهو خطأ شائع في مجال علم اللغة.

6- التفريق بين «الخلود في النار» و «خلود النار» ليس صحيحًا، ويتعارض مع نظرية تجسم الأعمال. بالإضافة إلى أنه لا ينسجم مع سياق آيات القرآن؛ لأن مفردة «في» في تركيب «خالدين في النار» تعبر عن قيد توضيحي وتبين ظرف بقاء أهل النار، لا قيدًا احترازيًا ليخصص الخلود بوجود النار.

7- فناء النار وموت أهل النار ليس فقط لا دليل قرآني له، بل الأدلة العقلية التي طرحها الدكتور صادقي أيضًا لا تدل عليه؛ لأن هذه الأدلة العقلية تدل فقط على نفي خلود العذاب، بينما يمكن أن يكون لنفي خلود العذاب عدة مصاديق.

8- ادعاء «عدم انسجام خلود العذاب مع العدل الإلهي» يتعارض أيضًا مع نظرية تجسم الأعمال؛ كما أنه في ضوء نظرية تجسم الأعمال، تتضح الإجابة على دليل الحكمة الإلهية وفلسفة وجود النار أيضًا.

9- ادعاء «عدم انسجام خلود العذاب مع سعة الرحمة الإلهية» ليس صحيحًا، ومنشؤه التفسير العاطفي للرحمة الإلهية. بالإضافة إلى أن العذاب الخالد لا يتعارض مع رحمة الله العامة، بل هو عين الرحمة المطلقة.

10- التمسك بآية لبث أحقاب لإثبات نظرية انقطاع العذاب ليس صحيحًا؛ لأنه من جهة، فسر كثير من اللغويين والمفسرين مفردة «أحقاب» بـ «الزمان المبهم»، ومن جهة أخرى، آية ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (النبأ: 30) التي هي في سياق آية لبث أحقاب، هي نفسها قرينة على خلود العذاب، ومن جهة ثالثة، وفقًا لبعض الروايات، فإن الآية المذكورة تتعلق بمن لا يكون عذابهم خالدًا ويخرجون من النار.

قائمة المصادر

1. القرآن الكريم.

2. الآملي، السيد حيدر (1422هـ)، تفسير المحيط الأعظم، طهران: منظمة الطباعة والنشر بوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

3. ابن أبي العز الحنفي (2005)، شرح العقيدة الطحاوية، بغداد: دار الكتاب العربي.

4. ابن دريد، محمد بن حسن (د.ت)، جمهرة اللغة، بيروت: دار العلم للملايين.

5. ابن عربي، محيي الدين (1994)، الفتوحات المكية، تحقيق: عثمان يحيى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

6. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (د.ت)، حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، جدة: دار عالم الفوائد.

7. ابن منظور، محمد بن مكرم (1414هـ)، لسان العرب، بيروت: دار الصادر.

8. الأزهري، محمد بن أحمد (د.ت)، تهذيب اللغة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

9. اسماعيلي، مسعود (1390)، «خلود العذاب في مكتب ابن عربي»، فصلية المعارف العقلية، العدد 20، ص 7-46.

10. التفتازاني، سعد الدين (1409هـ)، شرح المقاصد، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، قم: نشر الشريف الرضي.

11. الجرجاني، مير سيد شريف (1419هـ)، شرح المواقف، بيروت: دار الكتب العلمية.

12. جوادي آملي، عبد الله (1387)، تفسير موضوعي قرآن كريم، قم: إسراء.

13. الجوهري، إسماعيل بن حماد (د.ت)، الصحاح، بيروت: دار العلم للملايين.

14. الحر العاملي، محمد بن حسن (1418هـ)، الفصول المهمة في أصول الأئمة، قم: مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا (عليه السلام).

15. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، دمشق: دار القلم.

16. رشيد رضا، محمد (1338)، تفسير المنار، مصر: مطبعة المنار.

17. الزبيدي، محمد بن محمد (د.ت)، تاج العروس، بيروت: دار الفكر.

18. الزمخشري، محمود (1407هـ)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتاب العربي.

19. الشريف المرتضى، علي بن حسين (1998)، أمالي، القاهرة: دار الفكر العربي.

20. الشهيد الثاني، زين الدين (1409هـ)، حقائق الإيمان، قم: مكتبة آية الله مرعشي النجفي.

21. صادقي الطهراني، محمد (1392)، التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، قم: شكرانه.

22. صادقي الطهراني، محمد (1395)، عقائدنا، قم: شكرانه.

23. صادقي الطهراني، محمد (1977)، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة، بيروت: مؤسسة الأعلمي.

24. صدر المتألهين، محمد (1360)، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، تصحيح وتعليق: السيد جلال الدين آشتياني، مشهد: مركز نشر دانشگاهي.

25. صدر المتألهين، محمد (1361)، العرشية، طهران: انتشارات مولى.

26. صدر المتألهين، محمد (1981)، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

27. الصدوق، محمد بن علي (1398هـ)، التوحيد، قم: جامعة المدرسين بحوزة قم العلمية.

28. الطباطبائي، السيد محمد حسين (1411هـ)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي.

29. الطبرسي، فضل بن حسن (1372)، مجمع البيان، طهران: ناصر خسرو.

30. الطوسي، محمد بن حسن (د.ت)، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق: أحمد قصير العاملي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

31. الطوسي، نصير الدين (1416هـ)، قواعد العقائد، تحقيق: علي رباني كلبايكاني، قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

32. عبد الخالق كاظم، محمد (1383)، الخلود في جهنم، قم: المركز العالمي للدراسات الإسلامية.

33. العروسي الحويزي، عبد علي بن جمعة (1415هـ)، تفسير نور الثقلين، تحقيق: السيد هاشم رسولي محلاتي، قم: إسماعيليان.

34. الفخر الرازي، محمد بن عمر (1405هـ)، تلخيص المحصل، بيروت: دار الأضواء.

35. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1410هـ)، كتاب العين، قم: نشر هجرت.

36. القمي المشهدي، محمد بن محمدرضا (1368)، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق: حسين دركاهي، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

37. القمي، علي بن إبراهيم (1404هـ)، تفسير القمي، قم: دار الكتاب.

38. المجلسي، محمد باقر (1362)، بحار الأنوار، طهران: دار الكتب الإسلامية.

39. محمدي، ناصر؛ جوادي، حسن (1392)، «دراسة مقارنة لآراء العلامة الطباطبائي وآية الله صادقي حول مكانة الخلود في المعاد الجسماني»، مجموعة مقالات المؤتمر الثاني للصحوة القرآنية، قم: شكرانه.

40. اليزدي، عبد الله بن شهاب الدين (1412هـ)، الحاشية على تهذيب المنطق، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

Scroll to Top