الملخص
تُعدّ قاعدة نفي السبيل إحدى القواعد الفقهية الهامة، ويتناول هذا المقال دراسة هذه القاعدة وتطبيقها في النظام الإعلامي والفضاء السيبراني. وبما أن النظام والمجتمع الإسلامي يقع تحت هيمنة ونفوذ الكفار من خلال الفضاء السيبراني وأدواته، وتصبح معلومات المسلمين متاحة لأعدائهم، فإن هذا البحث، باعتماده على المنهج الوصفي التحليلي المستند إلى البيانات المكتبية، قد توصل إلى نتيجة مفادها أنه استناداً إلى قاعدة نفي السبيل، لا يمكن استخدام الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية إلا في حالات الضرورة أو في حالات مثل استخدامها ضد العدو نفسه.
المقدمة
تحتل القواعد الفقهية مكانة هامة في التعاليم الفقهية؛ إذ إنها تقع في طريق استنباط المسائل الشرعية وتؤدي دوراً قيّماً في استخراج الحكم الشرعي. وتلعب قاعدة «نفي السبيل»، وهي إحدى هذه القواعد، دوراً مهماً في العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحقوقية وغيرها بين المسلمين والكفار، وتُعتبر مؤشراً لتعديل وتنظيم هذه العلاقات، وبمثابة حافظ لاستقلال المسلمين وعزتهم وكرامتهم. في العصر الحاضر، يُعدّ النظام الإعلامي والفضاء السيبراني والإنترنت أحد الجوانب الهامة في علاقات المسلمين بالكفار. لقد أثّر نفوذ الإنترنت وانتشاره في جميع شؤون الحياة وأبعادها، المادية والمعنوية، تأثيراً كبيراً على نمط حياة البشر، وجعل الإنسان معتمداً عليه إلى درجة أنه من دونه هو والفضاء السيبراني، يتحول إلى كائن أعزل ومقيّد. وهذا الموضوع، حتى لو لم يكن كذلك من الناحية العملية، فإنه من الناحية النظرية قد ترك أثراً عميقاً على روح ونفس إنسان الجيل الحاضر؛ لدرجة أن مجرد التفكير للحظة في عدم توفر الإنترنت في الحياة اليومية أصبح أمراً صعباً وشاقاً للغاية بالنسبة لشريحة كبيرة من مستخدمي الإنترنت. لم يتناول فقهاء السلف قاعدة نفي السبيل بشكل مستقل، بل استندوا إليها في ثنايا أبحاثهم (المراغي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص ٣٤٩)؛ أما المتأخرون فقد أجروا دراسات كثيرة حول هذه القاعدة الفقهية، وتناولوا تحليل وتبيين جوانبها المختلفة. وفيما يتعلق بالنظام الاتصالي والفضاء السيبراني وحتى الإعلام، توجد مقالات قريبة من موضوعنا الحالي؛ لكن هذه الكتابات إما خصصت كل محتواها أو جزءاً منه لدراسة هذه القاعدة في سياق الفضاء السيبراني؛ إلا أن الاهتمام بمستندات هذه القاعدة وموارد تطبيقها في النظام الإعلامي، وكذلك الأقوال المطروحة في هذا المجال وأدلتها، بالإضافة إلى سبل الخروج من الأضرار، قد تم بحثه بشكل أقل، ومن هذا المنطلق يُعدّ هذا البحث جديداً في هذا المجال. في عالمنا اليوم الذي تسعى فيه الدول المهيمنة إلى بسط نفوذها واستعمار البلدان الإسلامية، تُعتبر هذه القاعدة حصناً منيعاً في وجه هذه الهجمات. إن أي نشاط أو قرار أو اتفاق يُعقد بين المسلمين وغير المسلمين في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية وغيرها، بحيث يمهد لهيمنة الكفار على المسلمين، يتضح فيه مكانة قاعدة نفي السبيل وتطبيقها، وبتطبيق مضامينها، لن يجد الأجانب أدنى سبيل للنفوذ والهيمنة على المسلمين. في هذا البحث، يتناول الكاتب أولاً دراسة قاعدة نفي السبيل وأدلتها، ثم يبحث في نشاط واستخدام الإنترنت والفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية على أساس قاعدة نفي السبيل.
١. دراسة المفاهيم
قبل الخوض في أي بحث دقيق وعلمي، من الضروري دراسة مفاهيم الكلمات المفتاحية لذلك البحث لمساعدة القارئ على فهم المحتوى بشكل أفضل.
١-١. الجعل
الجعل في اللغة يعني الوضع (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ١١، ص ١١٠) والوضع (القرشي، ١٤١٢هـ، ج٢، ص٣٨). يرى البعض أن المراد بالجعل هو الجعل التشريعي؛ بمعنى أن الله تعالى في عالم التشريع، لم يضع حكماً يوجب تسلط الكفار على المؤمنين (الموسوي البجنوردي، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ١٨٨). ويعتقد البعض الآخر أن المراد بالجعل هو الجعل التكويني؛ أي أن الله في عالم التكوين لم يجعل للكفار غلبة على المؤمنين؛ بل إن المؤمنين هم دائماً المتفوقون والغالبون (الموسوي الخميني، ١٤٢١هـ، ج ٢، ص ٧٢٣). ويرى بعض المفكرين أن ما يتناسب أكثر مع ظاهر الآية هو القول الأول؛ لأن محتوى هذه الآية ليس حول التكوين وكيفية التحقق الخارجي لعلاقات الكفار والمؤمنين، ولا يتوافق مع الواقع والحقائق التاريخية؛ إذ إن كثيراً من الكفار قد انتصروا ظاهراً على المؤمنين وحققوا الغلبة والاستعلاء (عميد الزنجاني، ١٣٨٦ش، ج ٣، ص ٢٧)؛ بناءً على ذلك، يعلن الله في مقام التشريع وسن القوانين أنه لم يشرّع أبداً حكماً يوجب تسلط الكفار على المؤمنين.
١-٢. السبيل
السبيل في اللغة يعني الطريق (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ٣٩٥؛ ابن الأثير، بلا تا، ج ٢، ص٣٣٨؛ الطريحي، ١٤١٦هـ، ج ٥، ص ٣٩١ – ٣٩٣)؛ ولكن في آية نفي السبيل، وردت احتمالات مختلفة حول معنى السبيل. أشار القرطبي وبعض المفسرين، مع الإشارة إلى الاحتمالات المختلفة، إلى خمسة أوجه في معنى السبيل (القرطبي، ١٣٦٤هـ، ج ٥، ص ٤١٩؛ الطبرسي، ۱۳۷۲ش، ج ٣، ص ۱۹۷؛ الفخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ذيل الآية).
أ) الحجة في الدنيا: يعتقد البعض أن المراد بالسبيل في ذيل الآية هو تفوق حجة المسلم، وهو ما ينسبونه إلى أكثر المفسرين (الفاضل الجواد، ١٣٦٥ش، ج3، ص ٥٣). ويقبل فريق آخر هذا القول بالإشارة إلى بعض الحالات التي غلب فيها الكفار على المؤمنين والمسلمين (الصورآبادي، ۱۳۸۰ش، ج ۱، ص ٤١٩).
ب) الحجة في الآخرة: يعتقد بعض المفسرين، بسبب عطف هذا الجزء على فقرة «فالله يحكم بينكم يوم القيامة»، أن المراد هو الحجة في الآخرة، وينسبون ذلك إلى أمير المؤمنين علي (ع) وابن عباس (الفخر الرازي، ۱۴۲۰ق، ذيل الآية؛ ابن قتيبة، بلا تا، ذيل الآية).
ج) النصر: يرى بعض المفسرين، بقبولهم هذا الرأي، أنه وإن كان من الممكن أن يقع المؤمنون في هذه الدنيا تحت غلبة الكفار، إلا أن هذا من باب الابتلاء والامتحان، والنصر النهائي – بعون الله – هو للمؤمنين (دروزة، ١٣٨٣ق، ج ٨، ص٢٦٦). وقد طرح البعض القول بالنصر مع الدليل والحجة في مراد الآية (الطبرسي، ۱۳۷۲ش، ج۳، ص۱۹۷).
د) السلطة الخارجية: يطرح بعض المفسرين احتمال السلطة الخارجية ما دام المسلمون ملتزمين بلوازم إيمانهم، ويستندون إلى آية «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (آل عمران: ١٣٩) (سيد قطب، ١٤١٢ق، ذيل الآية؛ الطباطبائي اليزدي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص١١٦). بالطبع، طُرحت احتمالات أخرى في هذا المجال أشار إليها بعض المفسرين (الفخر الرازي، ۱۴۲۰ق، ذيل الآية؛ الطبرسي ۱۳۷۲ش، ج۳، ص۱۹۷).
١-٣. المؤمن والكافر
في هذه الآية الشريفة، ليس المراد بالمؤمن المعنى الخاص الذي يقتصر على الشيعة؛ بل يشمل كل من يقر بالشهادتين (الأنصاري، ١٤١٥ق، ج ٣، ص ٥٩٠) ولا يصدر منه ما يقتضي الكفر. في المقابل، يُطلق الكافر على من يؤمن بدين غير الإسلام، أو ينكر ضرورياً من ضروريات دين الإسلام مع قبوله للإسلام (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٢، ص ٣٣٧). يكتب الطبرسي في معنى الكفر: «الكفر في اللغة مقابل الشكر؛ كما أن الحمد خلاف الذم؛ فبناءً على ذلك، الكفر هو ستر النعمة وإخفاؤها، والشكر هو نشر النعمة وإظهارها… والكفر في الاصطلاح الشرعي عبارة عن إنكار ما أوجب الله معرفته على عباده، كمعرفة توحيده وعدله، ونبيه، ومعرفة كل ما جاء من عند الله ويُعد من أركان الشريعة الإسلامية؛ فمن أنكر شيئاً مما قيل فهو كافر…» (الطبرسي، ۱۳۷۲ش، ج ١، ص١٢٦ – ١٢٧)؛ إذن، الكفر في الاصطلاح يعني إنكار الإسلام أو أركان دين الإسلام.
١-٤. النظام الإعلامي
لوسائل الإعلام اليوم تعريف واسع، وهي لا تقتصر على الراديو والتلفزيون والصحيفة والمجلة والكتاب كما في الماضي. في عالم اليوم، تحولت وسائل الإعلام الجماعية بسبب كثرتها إلى وسائل إعلام فردية، ومن جهة أخرى، أصبحت جبهة ثقافية عظيمة. الإعلام في اللغة يعني الإيصال، وفي الاصطلاح يُطلق على الوسيلة التي تُستخدم لنقل وتبادل المعلومات والأفكار والآراء بين أفراد المجتمع، وهي وسيط مادي وعملي في عملية الاتصال (أبراهام بي بونك، ١٣٧٦ش، ص ٣٢). وبهذا التعريف، تُعتبر وسائل مثل التلفزيون، الراديو، الصحف، المجلات، القنوات الفضائية، الفضاء السيبراني، والإنترنت من مصاديق الإعلام. مع تطور التكنولوجيا في العالم وتعدد وسائل الإعلام، تندرج مصاديقها في فئات وتصنيفات مختلفة: وسائل الإعلام المرئية مثل التلفزيون والسينما والإنترنت، وسائل الإعلام المسموعة مثل الراديو، وسائل الإعلام المكتوبة مثل الكتب والمطبوعات والمجلات، وسائل الإعلام الأداتية مثل الكتيبات والإعلانات والكتالوجات واللوحات الإعلانية والملصقات والنشرات واللافتات والشعارات والأفلام القصيرة والطويلة والأفلام الدعائية والخطب والمؤتمرات والمسرح، ووسائل الإعلام المؤسسية أو الجماعية مثل العلاقات العامة والشركات الناشرة والمؤسسات السينمائية، ووسائل الإعلام العابرة للمؤسسات مثل مكاتب العلاقات الدولية ووكالات الأنباء وشبكات التوزيع والشركات الاحتكارية وشبكات الأقمار الصناعية والأفلام السينمائية والإنترنت (كليفورد جي كريستيانز، ١٣٨٥ش، ص٩٢). المراد بالإعلام في هذه الكتابة هو الإنترنت والفضاء السيبراني بشكل خاص، وسيتم بحث هذا الموضوع في ضوء قاعدة نفي السبيل.
٢. مفاد القاعدة
قاعدة «نفي السبيل» مأخوذة من الآية ١٤١ من سورة النساء: «الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً». يعتقد مشهور الفقهاء أنه بناءً على هذه الآية، في العلاقات بين المسلمين والكفار، لم يُجعل شرعاً أي قرار أو حكم يتضمن أي نوع من التفوق أو السلطة أو الامتياز للكفار على المسلمين؛ على سبيل المثال، عمومات وإطلاقات أدلة المعاملات تجيز العلاقات الاقتصادية مع الكفار؛ ولكن إذا أدت المعاملة مع الكافر إلى تسلطه وهيمنته على المسلم، فهي باطلة؛ لأن تملك الكافر للمسلم هو من أبرز مصاديق سلطة الكافر على المسلم (الموسوي البجنوردي، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ١٦٢). ويرى الإمام الخميني أيضاً أن مفاد هذه القاعدة هو نفي سلطة الأجانب والكفار على الأمة الإسلامية (راجع: الموسوي الخميني، ١٤٢١هـ، ج ٢، ص ٧٢٠ – ٧٢٧) ويشير إلى أن القاعدة ومفادها تحذير للمسلمين ليكونوا يقظين ويخرجوا بكل وسيلة ممكنة من تحت هيمنة وسيطرة الأجانب والكفار. في الحقيقة، لم يجعل الله في هذه الآية سبيلاً لسلطة الكفار على المسلمين حتى لا يكون هناك ذريعة أخرى للمسلمين، بعد سيطرة الكفار عليهم، كتقدير ومشيئة إلهية لتحمل الظلم والقهر من جانبهم (نفس المصدر، ص ٧٢٥).
٣. مكانة القاعدة
قسم المحققون القواعد الفقهية من زوايا مختلفة إلى أقسام متعددة، ولتوضيح مكانة هذه القاعدة، نلقي عليها نظرة سريعة.
أ) تنقسم القواعد الفقهية من حيث شمولية مواردها إلى أربعة أقسام:
– قواعد تجري في جميع أبواب الفقه، مثل قاعدة «لا حرج ولا ضرر»؛
– قواعد تُستخدم في المعاملات بالمعنى العام، مثل «العقود تابعة للقصود» وقاعدة «اللزوم والسلطنة»؛
– قواعد تجري فقط في أبواب المعاملات بالمعنى الخاص، مثل قاعدة «تلف المبيع في زمن الخيار» وقاعدة «ما يضمن»؛
– قواعد تسري فقط في أبواب العبادات، مثل قاعدة «الشكوك»، وقاعدة «الإمكان»، و«من أدرك».
ب) من حيث الشبهات الحكمية والموضوعية، تكون القواعد الفقهية أحياناً خاصة بالشبهات الموضوعية مثل قاعدة التجاوز والحلية، وأحياناً تكون مشتركة مثل قاعدة لا ضرر والعسر والحرج والميسور.
ج) تنقسم القواعد الفقهية من حيث امتلاكها للمدرك وعدمه إلى أقسام مختلفة. قسمها الشهيد الصدر من هذا الجانب إلى خمسة أقسام (الصدر، ١٤١٧هـ، ج ١، ص٢٦).
د) تنقسم القواعد الفقهية من حيث المدرك والمصدر إلى قسمين أساسيين:
– قواعد مأخوذة من الآيات والروايات، مثل قاعدة «لا ضرر»؛
– قواعد مأخوذة من موارد فقهية مختلفة، وهي مشهورة بالأشباه والنظائر، مثل قاعدة «العقود تتبع القصود»، و«الأولوية»، و«الأهم والمهم».
قاعدة نفي السبيل، من حيث التقسيم الأول، هي من القواعد الواسعة والشاملة في جميع أبواب الفقه. وبناءً على التقسيم الثاني، تُعد هذه القاعدة من القواعد المشتركة بين الشبهات الموضوعية والحكمية، وفي التقسيم الثالث، هي من القواعد التي لها مدرك عقلي ونقلي. ومن حيث التقسيم الرابع، تُعد هذه القاعدة من القواعد التي أُخذت ألفاظها ومتنها من الأدلة، خاصة القرآن الكريم. بالنظر إلى ما سبق، اتضحت أهمية ومكانة القاعدة من جوانب مختلفة. فيما يلي، سنبحث الأدلة والمستندات التي يمكن التمسك بها لإثبات حجية واعتبار القاعدة.
٤. مستندات القاعدة
٤-١. الآيات
٤-١-١. آية نفي السبيل
«الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» (النساء: ١٤١)؛ «الذين يترقبون بكم الدوائر؛ فإن كان لكم نصر من الله قالوا: ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين حظ، قالوا: ألم نكن أقوى منكم ونحمكم من المؤمنين؟ فالله سيحكم بينكم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً».
هذه الآية من الأدلة الرئيسية للقاعدة، والألفاظ التي يستخدمها الفقهاء للتعبير عن هذه القاعدة مأخوذة من هذه الآية. لتبيين مفهوم ومفاد الآية، لا بد أولاً من دراسة معنى ومراد بعض الكلمات:
– ضمير «بينكم» في «فالله يحكم بينكم يوم القيامة»:
للمفسرين آراء مختلفة في تبيين وإرجاع ضمير «بينكم». يرى البعض أن المراد به الحكم بين أهل الإيمان والنفاق (ذيل الآية؛ النووي، ١٤١٧ق، ذيل الآية؛ سيد قطب، ١٤١٢ق، ذيل الآية)، وصرح بعض المفسرين بسعة نطاق مرجع الضمير في هذا القسم (الطوسي، بلا تا، ج ٣، ص ٣٦٤؛ الطبرسي، ١٣٧٢ش، ج ٣، ص ١٩٦)، ويرى البعض الآخر أن الأصل كان «بينكم وبينهم» ولكن «بينهم» حُذفت (الآلوسي، ١٤١٥ق، ذيل الآية؛ الثعالبي، ١٤١٨ق، ج ٢، ص ٣١٨). إلى جانب هذه الآراء، تعتقد مجموعة أن ضمير «كم» في هذا الجزء من الآية هو خطاب للمؤمنين؛ وإن كان يشمل المنافقين والكفار أيضاً (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص١١٦).
توجد بين المفسرين أقوال مختلفة حول تفسير فقرة «لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» (النساء: ١٤١). يعتقد البعض أن المراد هو نفي سلطة وتفوق الكفار على المؤمنين في الآخرة، لا في الدنيا، ودليلهم على ذلك هو هذا الجزء من الآية: «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (النساء: ١٤١) (الطبرسي، ١٣٧٢ش، ج ٢، ص ١٢٨؛ الفخر الرازي، ١٤٢٠ق، ج ١١، ص ٨٣؛ القرطبي، ١٣٦٤ق، ج ٥، ص ٤١٩؛ الطباطبائي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص ١١٦). ويرى البعض الآخر أن «السبيل» في الآية الشريفة يعني الحجة؛ مع توضيح أن الكفار وإن تفوقوا على المسلمين من حيث العدد والعدة، إلا أنهم لا يستطيعون أبداً أن ينتصروا عليهم ويغلبوهم في الحجة والاستدلال. ويعتقد فريق آخر أن المراد من الآية ١٤١ من سورة النساء هو نفي تسلط الكفار بحيث يزول كيان ووجود المسلمين، ودليلهم على ذلك هو رواية عن النبي الأكرم (ص) يقول فيها: «دعوت ربي أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم»؛ طلبت من ربي ألا يسلط على أمتي عدواً من غير المسلمين (الطباطبائي، ١٣٩٠ش، ج ٥، ص١١٦).
يعتقد بعض المفسرين أن مراد الآية هو أن الكفار من حيث كونهم كفاراً ليس لهم سلطة على المؤمنين من حيث كونهم مؤمنين؛ ولهذا السبب، حيثما عمل الكفار بمقتضى كفرهم وعمل المؤمنون بمقتضى إيمانهم، كانت الغلبة والنصر للمؤمنين (الزحيلي، ١٤١١ق، ج ٥، ص ٣٢٥). وبالطبع، جعل البعض أيضاً الجملة محل البحث دليلاً على القاعدة المعروفة بنفي السبيل، ويرون أن ظهور هذه الجملة هو أن الله في عالم التشريع والأحكام لم يجعل أي حكم يستلزم نوعاً من التسلط والتفوق للكافر على المسلم (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص١١٦).
يعتقد آية الله فاضل اللنكراني في هذا المجال أن هذه الآية حاكمة على سائر القواعد والأصول الأولية؛ فأصول مثل «أحل الله البيع» (البقرة: ٢٧٥) أو «أوفوا بالعهد» وغيرها تجري في حال لم توجب سلطة الكافر على المسلم (فاضل اللنكراني، ١٤١٦ق، ص ٢٤٠).
٤-١-٢.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبيناً» (النساء: ١٤٤)؛ أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجة واضحة؟
نهت مجموعة من الآيات بلهجة شديدة المسلمين عن اتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء لهم. يقول الله في الآية ١٤٤ من سورة النساء: «أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجة واضحة؟»
هذه الآية وما شابهها تنهى بشدة عن ولاية الكفار أو مودتهم التي هي منشأ السلطة والحاكمية الاعتبارية والواقعية. وقد جعل الله في الآية التالية جزاء هذا العمل الدرك الأسفل من النار. من الواضح جداً أن تحريم إقامة علاقة مع الكفار في مجال المودة أو الولاية يفيد بالدلالة الالتزامية صراحةً أن قبول أي شكل من أشكال سلطة الأجانب وتمهيد الطريق لحاكميتهم وسلطتهم حرام وموجب لعذاب نار جهنم. بناءً على ذلك، فإن أي علاقة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو عزل أو نصب يوجب سلطة الكفار، فهو حرام.
٤-١-٣.
الآية التالية جديرة بالاهتمام في هذا السياق:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ» (آل عمران: ١١٨)؛ أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا أولياء من غيركم (الكفار والمشركين) لا يقصرون في إفسادكم. يحبون ما يوقعكم في المشقة. قد ظهرت الكراهية من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر. قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون.
يُستفاد من هذه الآية أنه لا ينبغي الثقة بالكفار وإفشاء أسرار المجتمع الإسلامي لهم؛ لأن كلمة «بطانة» تعني اللباس الداخلي، وهي هنا كناية عن أنه لا ينبغي أن يكون الكفار من المقربين الذين يُؤتمنون على الأسرار. ومن جهة أخرى، تدل هذه الآية على أن التعلق بالأجانب والثقة بهم يؤدي إلى هلاك عقل المسلمين وفكرهم؛ لأن «خبال» يعني هلاك الفكر والعقل.
٤-٢. الروايات
١. «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَالْكُفَّارُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتَى لا يَحْجُبُونَ وَلَا يَرِثُونَ» (الصدوق، ١٤١٣ق، ج ٤، ص ٣٣٤).
هذا الحديث ورد في كتاب «من لا يحضره الفقيه» و«الخلاف» بدون سند وطريق معتبر، حيث وصلت سلسلة الرواة ونقلة الحديث إلى المعصوم، وهو في الاصطلاح «مرسل»، ومن حيث السند فيه إشكال (السيفي المازندراني، ١٤٢٥ق، ج ١، ص ٢٤٢ – ٢٤٣)؛ ولكن البعض، مع تأييدهم لكونه مرسلاً، يعتبرونه من المراسيل المعتبرة؛ مثل الإمام الخميني الذي يقول: «فلا إشكال في كونه معتمداً عليه؛ لكونه مشهوراً بين الفريقين على ما شهد به الأعلام، والشيخ الصدوق نسبه إلى النبي (ص) جزماً، فهو من المراسيل المعتبرة» (الموسوي الخميني، ١٤٢١ق، ج ٢، ص٧٢٦).
بناءً على هذا الحديث، كل عمل يؤدي إلى تسلط الكفار على المسلمين وعلو الكفر على الإسلام هو غير مشروع (السيفي المازندراني، ١٤٢٥ق، ج ١، ص ٢٤٦). ويعتقد آية الله فاضل اللنكراني أنه كما أن الكفار في مقابل الإسلام، لا الكفر، فإن المراد بالإسلام في هذا الحديث هو المسلمون، وليس نفس الإسلام؛ فبناءً على ذلك، المقصود من هذا الحديث الشريف هو أنه لم يُجعل في الإسلام حكم يكون بضرر المسلمين وربح الكفار، مما يؤدي إلى تفوقهم على المسلمين؛ بل إن جميع الأحكام المتعلقة بالعلاقات بين المسلمين والكفار قد جُعلت لصالح المسلمين، ولُوحظ علوهم على الكفار (فاضل اللنكراني، ١٤١٦ق، ص ٢٤٤).
٤-٣. الإجماع
الدليل الآخر الذي يُستدل به على هذه القاعدة هو الإجماع (نفس المصدر، ص ٢٣٣). يعتقد آية الله فاضل اللنكراني أن هناك إجماعاً على أنه لم يوضع أي حكم يؤدي إلى أن يجد الكافر سبيلاً على المسلم ويتسلط عليه. ونقل الإجماع في هذا الخصوص يصل إلى حد التواتر (نفس المصدر، ص ٢٣٩).
بالطبع، يعتقد بعض المفكرين في رد حجية الإجماع؛ أنه على الرغم من أن الإجماع – سواء كان محصلاً أو منقولاً – ليس له حجية ذاتية، إلا أنه يكون حجة عندما يكون كاشفاً عن قول المعصوم؛ ولكن الإمام الخميني في تحقيقاته الأصولية يؤكد على عدم حجية الإجماع الذاتية (الموسوي الخميني، ١٤١٥ق، ج ١، ص ٢٥٤ – ٢٥٥)، وهو ما يراه الكاتب أقرب إلى الصواب.
٤-٤. العقل
للعقل في الفقه الشيعي مكانة خاصة، حيث وُصف في الروايات بأنه الحجة الباطنة (الكليني، ١٣٦٥ش، ج ١، ص ١٠). تقتضي عزة الإسلام وكرامة المسلمين أن الله تعالى لم يجعل في أحكامه وشريعته أي حكم يوجب ذل المسلم أمام الكافر، ويمكن الادعاء بالقطع واليقين أنه لا يوجد حكم مجعول في الشريعة الإسلامية يقتضي تحقير المسلم وإذلاله أمام الكافر (الموسوي البجنوردي، ١٤١٩ق، ج ١، ص ١٥٩؛ فاضل اللنكراني، ١٤١٦ق، ص ٢٤٧).
بناءً على ذلك، لا ينبغي للدولة الإسلامية في علاقاتها الخارجية أن تضع سياسات وتتصرف بطريقة تضع عزة المسلمين تحت السؤال؛ لأن أصل العزة الإسلامية والسيادة الدينية في سيرة وأقوال الأئمة المعصومين هو أساس وضع السياسات؛ على سبيل المثال، الإمام علي (ع)، مع توصيته بحسن المعاشرة والسلوك السلمي مع غير المسلمين، لا يتجاهل تأمين العزة الدينية والسيادة الإسلامية: «يجب أن تمزجوا في سلوككم بين الحاجة والاستغناء، وأن تجمعوا بين حسن المعاشرة ولين القول، مع العزة والنزهة الدينية» (المحمدي الري شهري، ١٣٧٩ش، ج ٤، ص ٣٣٧).
٥. قاعدة نفي السبيل في النظام الإعلامي
إن انتشار الإنترنت السريع وتطور التكنولوجيا المتسارع في العصر الحاضر قد أثر بشدة على المجتمعات التقليدية والثقافات. في غضون ذلك، أدى عجز بعض الدول عن السيطرة على هذا الفضاء ومحتواه إلى مضاعفة التأثيرات السلبية لهذا الفضاء، وترك المراهقين والشباب بلا دفاع أمامه. وفقاً للإحصاءات العالمية، يشكل المحتوى الإباحي والفاحش أكثر من ثلاثين بالمائة من إجمالي محتوى الإنترنت، والذي يتطلب تنقية ورقابة دقيقة، وهذا في حين أن عشرة بالمائة فقط من عرض النطاق الترددي في البلاد يتم تصفيته بشكل فعال (tarrant, 2016, p.5).
إن عدم وجود تدريب مناسب حول كيفية الاستخدام الصحيح للفضاء السيبراني والإنترنت، وكذلك عدم وجود أدوات تقنية كافية للتنقية ورصد الشبهات الدينية والمحتويات الإباحية وغيرها من قبل المؤسسات المسؤولة وعدم تفاعلها معها، قد ألحق أضراراً جسيمة بمعتقدات المستخدمين، وهذا هو السبب الذي أدى إلى أن معظم الأضرار الناجمة عن الإنترنت والفضاء السيبراني قد لحقت بفئة المراهقين والشباب في البلاد.
يواجه المستخدمون في الإنترنت أسئلة وقضايا فقهية ناشئة لا يمكن إدارتها بالطرق التقليدية. تُطرح قضايا مثل اختلاط الرجال والنساء، والشهوة، والنظر، والشبهات العقائدية وغيرها في الفضاء السيبراني أيضاً. بالنظر إلى النصوص الدينية، لا تقتصر المحرمات على الفضاء الحقيقي فقط، فمثلاً، لا يقتصر الإشكال الشرعي في حديث ومزاح شخصين غير محرمين على الفضاء الحقيقي والمادي فقط، وأي تواصل وجذب انتباه غير المحرم – سواء في الفضاء المادي أو السيبراني – حرام وفقاً لرأي جميع المراجع. بالطبع، لا تكون الأحكام المتعلقة بالفضاء السيبراني بهذه البساطة دائماً، وتحتاج إلى مزيد من البحث والتحقيق والشفافية.
معظم مشاكل الشباب والمراهقين في الفضاء السيبراني تتأثر بأنواع المنكرات وعدم مراعاة الأحكام الفقهية مثل الواجب، الحرام، المستحب، المكروه والمباح في الفضاء السيبراني، وهذا الموضوع قد حوّل الإنترنت والفضاء السيبراني إلى أداة متروكة ومنفلتة، استهدفت السلامة النفسية والروحية والعقائدية للناس، وخاصة فئة الشباب والمراهقين (راجع: حميداني، ١٣٩٨ش، ص ٦٨-٨٣).
يستغل أعداء النظام الإسلامي الفضاء السيبراني والإنترنت لإزالة الحياء والقضاء على قبح الخطيئة ونشر المنكرات والفحشاء في المجتمع الإسلامي، وكذلك لتشويه سمعة المتدينين، من خلال بث الشائعات والاتهامات، ويلحق طيف واسع من مستخدمي الفضاء السيبراني، بسبب ضعف ثقافتهم الإعلامية والدينية، الضرر بنشر هذه الشائعات، وفي فترة قصيرة تتحقق أهداف الأعداء – سواء عن قصد أو غير قصد.
إن تنقية محتوى الفضاء السيبراني والسيطرة عليه هي من واجبات الحكومة، ويجب أن يكون المستفيدون والمستخدمون للفضاء السيبراني على دراية بأضراره. بناءً على «قاعدة نفي السبيل»، المأخوذة من الآية ١٤١ من سورة النساء: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»؛ لم يجعل الله للكافرين أي سلطة على المؤمنين. وبهذه القاعدة، يُمنع كل إجراء يوفر أرضية لتأثير الكفار ونفوذهم وسيطرتهم الفكرية أو الاقتصادية أو الثقافية. هذه الآية تدل على النفي المطلق لسلطة الكفار، ولازم ذلك نفي جميع السبل (الطرق) – سواء من الناحية التكوينية أو التشريعية. يُستفاد من هذه الآية أنه لا ينبغي إيجاد أي قدرة لنفوذ الكفار وسيطرتهم على المؤمنين. فالشبكات الاجتماعية والسيبرانية هي قناة للنفوذ والهيمنة والإشراف المعلوماتي والهيمنة الفكرية للعدو. لذلك، فإن هذه القدرة تعزز نفوذ الكفار. وبالتالي، فإن فضاء الشبكات الاجتماعية بهذه الجودة يوفر إمكانية سيطرة الكفار والأعداء؛ فالبرامج والتطبيقات مثل واتساب أو إنستغرام التي تخضع لسيطرة الصهاينة، لا ينبغي من خلالها توفير مقدمات سيطرتهم ودول غربية أخرى؛ إلا في حالات استثنائية يمكن فيها الاستفادة من هذا الفضاء لصالح النظام الإسلامي وتوفير مقدمات إزالة سيطرتهم.
بناءً على ذلك، فإن الحكم المهم الذي يصدر من الشارع في هذا الفرض من خلال نفي السبيل، هو وجوب دفع الضرر المحتمل؛ لأن الشبكات الاجتماعية في الواقع تؤدي إلى تسهيل الحرام، والفحشاء، وهتك الستر، وإيذاء المؤمن، ونشر الأكاذيب، والتجسس، والطعن في الإسلام؛ لذلك، ما لم يكن المكلف في مأمن من الأضرار، فإن استخدام الفضاء السيبراني غير جائز. يعتقد أصحاب هذه النظرية أن الشبكات الاجتماعية، مثل العديد من التقنيات، لها استخدامات مفيدة وضارة مثل السكين. إذا كان الدخول إلى الفضاء السيبراني والشبكات الواسعة وغير المرخصة؛ بحيث يهدد أسس النظام ولا يقتصر على الإخلال بنظام المعيشة، فإن المسامحة في هذا الفضاء غير جائزة؛ لأنه إذا تم التسامح في هذه الأمور، فإن أصل النظام يزول. الفضاء السيبراني بمحتوياته وهياكله المتنوعة، مع ما يوفره من فرص وقدرات هائلة مثل الوصول السهل إلى المعلومات وانتشارها وسهولة الوصول إليها في أي نقطة من العالم، يحمل في طياته أضراراً وتهديدات خطيرة، وقد سعى الأعداء، من خلال الاستفادة من هذه القدرة الهائلة، إلى تحقيق أهدافهم بأقل تكلفة (راجع: إيزدهي، ١٣٩٧ش).
تُستخدم هذه القاعدة عادة في أصول الدين والمباحث الكلامية، وهي قاعدة عقلائية. لقد أدى الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية حتى الآن إلى أمور مثل نشر الفحشاء، وإيذاء المؤمن، والتجسس، ونشر الأكاذيب وغيرها، وكل من هذه الأمور له عمومات وإطلاقات هي بحد ذاتها دليل كافٍ على حرمة الاستخدام في مسائل الفضاء السيبراني. لذلك، فإن الأدوات والوسائل التي لها مثل هذه الأضرار الجسيمة، ما لم تُرفع أضرارها ولا يجد المكلف نفسه في مأمن من هذه المهالك والأضرار، فإن استخدامها له حرام. وهذا الحكم يشمل استخدام جميع الوسائل السيبرانية والفضائية أيضاً.
إذا تم القبول بأن أعداء الإسلام، بناءً على القرائن والشواهد الكثيرة، قد أسسوا الإنترنت والفضاء السيبراني بهدف تعزيز نفوذهم وهيمنتهم واستخلاص المعلومات وكذلك تحقيق أهدافهم المعلنة والخفية، بحيث يستفيدون منه في الأوقات الضرورية واللازمة، فإن الاستفادة من هذا الفضاء والأداة يؤدي إلى الوقوف في صف جنود الكفار، وهو إعانة على الإثم بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم جواز استخدامه ثابت بنصوص قطعية لا إشكال فيها.
٦. دراسة إشكاليات الفضاء السيبراني وسُبُل الخروج منها
بالإضافة إلى أن وجود المواطنين وبقائهم في الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية يستلزم أموراً نُهي عنها في الفقه الشيعي، نشير إلى بعضها:
أ) الركون والاعتماد على الظالمين.
«وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (هود: ١١٣)؛ ولا تعتمدوا على الظالمين، فإن ذلك يؤدي إلى أن تمسكم النار.
ب) اتخاذ الكفار محرم أسرار.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً» (آل عمران: ١١٨)؛ أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا من غيركم بطانة (أولياء) لا يألونكم فساداً.
بناءً على ذلك، للحفاظ على النظام، لا ينبغي فقط تجنب الحضور والبقاء في هذه البرامج؛ بل يجب أيضاً توفير الأرضية لإزالة سلطتها.
كما ذُكر، سعى أعداء النظام الإسلامي من خلال التوسل بالفضاء السيبراني وأدواته إلى السيطرة على النظام الإعلامي للمجتمع الإسلامي، وإذا ثبت أن منتجات الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية، أولاً وبالذات، تهدف إلى الإشراف الثقافي والسياسي والاقتصادي والتجسسي للعدو لضرب القيم الدينية، وأن الشبكات الاجتماعية ليست مجرد أداة؛ بل هي فضاء برمجي منظم، فلا يمكن اعتبار الفضاء السيبراني وأدواته من الآلات المشتركة التي يكون جزء منها حلالاً وجزء آخر حراماً؛ لذلك، لا يمكن استخدام الشبكات الاجتماعية إلا في حالة الضرورة. الضرورة حكم واقعي ثانوي يجيز استخدام الفضاء السيبراني على أساسه، وكذلك يجوز استخدام الفضاء السيبراني في التوجه ضد الأعداء. ولكن إذا قيل إن استخدام الفضاء السيبراني جائز فقط في نطاق الضرورة، فلا يمكن الترويج لقدرات الفضاء السيبراني ووضعه في متناول عامة الناس.
من وجهة نظر فقهية، فإن الحكومة مكلفة بالسيطرة على محتوى الفضاء السيبراني وتطهيره والإشراف المعلوماتي عليه، ومع تنظيم قواعد للفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية، يمكنها اتخاذ خطوة نحو تحسين ومراقبة هذا المجال من خلال إتاحة هذا الفضاء للمستخدمين. لذلك، يجب بالتأكيد إدارة هذا الفضاء وتوجيهه نحو إنتاج محتوى سليم ومناسب في قوالب جذابة ومتوافقة مع الذوق والثقافة المحلية، وما لم يتم اتخاذ إجراء عملي وتخطيط مدروس له من الناحية الثقافية، فإن هذا الفضاء سيحمل في طياته الأضرار والتهديدات، وهو أرضية مناسبة للتجسس على الخصوصيات الشخصية والمعلومات الهامة للبلاد؛ لأن تبادل المعلومات عبر الإنترنت الدولي يخضع لإدارة ومراقبة العدو؛ ولهذا السبب، يجب على النظام أن يعمل على راحة ورفاهية الناس؛ بل يجب على النظام الإسلامي أيضاً في الفضاء الاجتماعي أن يفكر في برامج وبدائل مناسبة وفعالة، حتى يتمكن من خلال ذلك من إزالة أسباب تسلط الكفار على المسلمين (راجع: إيزدهي، ١٣٩٧ش).
الخاتمة
بالنظر إلى النقاط التي ذُكرت، تتضح أهمية بحث ودراسة هذه القاعدة المأخوذة من حكم العقل ورواية علو المسلمين. على الرغم من أن الاستناد إلى الإجماع، بالنظر إلى النقاط المذكورة، مثير للجدل؛ إلا أن الفقهاء، استناداً إلى الإدراك العقلي، يعتبرون قاعدة نفي السبيل واضحة ويؤكدون على ضرورة مراعاة هذه القاعدة في تطبيق الفروع الفقهية. يرفض الفقهاء العظام، بناءً على محتوى هذه القاعدة التي تمثل منطق الإسلام في العلاقات الدولية للمسلمين، إقامة أي علاقة والقيام بأي عمل يؤدي إلى هيمنة الكفار الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والعقائدية على المسلمين، ولا يعتبرونه مشروعاً. إن مفاد هذه القاعدة يهب المسلمين رؤية العزة وطلب الاستقلال. إن التفوق التكويني للمسلمين على الكفار، على الأقل من حيث المنطق والتعاليم الإسلامية، أي الحجة، ومن حيث الحقانية الواقعية، فإن العمل به يجلب العزة.
كما ذُكر، فإن من مصاديق آية نفي السبيل ليس فقط بيع وشراء العبد المسلم للكافر أو زواج المرأة المسلمة من الكافر؛ بل إن المصداق الأكبر هو ألا يقع النظام الإسلامي تحت هيمنة الكفار الحربيين بمساعدة برامج التجسس. الحرمة في إتاحة معلومات المسلمين للكفار، وحرمة التجسس لصالح الأجانب، وحرمة عرض المحتويات الضالة، وحرمة الإعانة على الإثم، ليست سوى جزء من القواعد والأدلة الفقهية المطروحة التي يمكن أن تنتج عدم جواز عرض البرامج الغربية مثل إنستغرام وفيسبوك وتليغرام من قبل الحكومة. بالنظر إلى النقاط المذكورة، يتضح أن تصميم وإنتاج هذه الأنظمة كان أولاً وبالذات لأغراض سياسية لنفوذ العدو والتجسس وضرب القيم والهيمنة الفكرية على المجتمعات المختلفة، وأن الشبكات الأمنية هي المسؤولة عن ترويج وتحليل بياناتها. إن الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية في الواقع ليست أدوات مشتركة؛ لأن الأداة المشتركة في الفقه تتعلق بالأجهزة المادية؛ بينما تتكون هذه الشبكات من برامج وأجهزة مادية ولا تُعتبر مجرد وعاء. من منظور الفقه الكلي، فإن الحكومة ملزمة بالسيطرة على محتوى الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية وتطهيره. وبهذه الأوصاف، لا يمكن استخدام الفضاء السيبراني والشبكات الاجتماعية إلا في حالة الضرورة التي هي حكم ثانوي، أو في حالات مثل الاستخدام ضد العدو نفسه.
قائمة المصادر
القرآن الكريم.
1. أبراهام بي بونك (١٣٧٦ش). علم النفس الاجتماعي التطبيقي. (ترجمة: فرهاد ماهر)، [مكان النشر غير مذكور]: [الناشر غير مذكور].
2. الآلوسي، محمد بن عبد الله (١٤١٥ق). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. بيروت: دار الكتب العلمية.
3. ابن الأثير، مبارك بن محمد (بلا تا). النهاية في غريب الحديث والأثر. قم: مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.
4. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (بلا تا). تفسير غريب القرآن. [مكان النشر غير مذكور]: [الناشر غير مذكور].
5. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (١٤١٤ق). لسان العرب. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دار صادر.
6. إيزدهي، سيد سجاد (۱۳۹۷ش). ندوة علمية «فقه الإنترنت والفضاء السيبراني»، متاح على: http://ijtihadnet.ir.
7. الثعالبي، عبد الرحمن (١٤١٨ق). جواهر الحسان في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
8. حميداني، طاهرة (۱۳۹۸ش). دراسة تأثير أضرار الفضاء السيبراني على الصحة النفسية للطلاب. [مكان النشر غير مذكور]: [الناشر غير مذكور].
9. دروزة، محمد عزت (١٣٨٣ق). التفسير الحديث. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.
10. الزحيلي، وهبة (١٤١١ق). التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج. دمشق: دار الفكر.
11. الصورآبادي، أبو بكر عتيق بن محمد (١٣٨٠ق). تفسير سورآبادي. طهران: فرهنگ نشر نو.
12. سيد قطب (١٤١٢ق). في ظلال القرآن. بيروت: دار الشروق.
13. السيفي المازندراني، علي أكبر (١٤٢٥ق). مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
14. الصدر، محمد باقر (١٤١٧ق). بحوث في علم الأصول. قم: مؤسسة دائرة المعارف الإسلامي بر مذهب أهل البيت (ع).
15. الطباطبائي اليزدي، سيد محمد كاظم (١٤١٧ق). العروة الوثقى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
16. الطباطبائي، محمد حسين (١٣٩٠ش). الميزان في تفسير القرآن. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
17. الطبرسي، فضل بن حسن (۱۳۷۲ش). مجمع البيان في تفسير القرآن. طهران: انتشارات ناصر خسرو.
18. الطريحي، فخر الدين (١٤١٦ق). مجمع البحرين. طهران: كتاب فروشي مرتضوي.
19. الطوسي، محمد بن حسن (بلا تا). التبيان في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
20. عميد زنجاني، عباس علي (١٣٨٦ش). قواعد فقه – بخش حقوق عمومي. طهران: سمت.
21. فاضل جواد، جواد بن سعيد (١٣٦٥ش). مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام. طهران: كتاب فروشي مرتضوي.
22. فاضل اللنكراني، محمد (١٤١٦ق). القواعد الفقهية. قم: چاپخانه مهر.
23. الفخر الرازي، محمد (١٤٢٠ق). مفاتيح الغيب. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
24. الفيض الكاشاني، ملا محسن (١٤١٨ق). الأصفى في تفسير القرآن. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي.
25. القرشي، سيد علي أكبر (١٤١٢ق). قاموس قرآن. طهران: دار الكتب الإسلامية.
26. القرطبي، محمد (١٣٦٤ق). الجامع لأحكام القرآن. طهران: انتشارات ناصر خسرو.
27. كليفورد جي كريستيانز (١٣٨٥ش). فناوري و نظريه سه وجهي رسانه در بازانديشي درباره رسانه. [مكان النشر غير مذكور]: دين و فرهنگ.
28. المحمدي الري شهري، محمد (۱۳۷۹ش). موسوعة الإمام علي (ع). قم: دار الحديث.
29. المراغي، سيد مير عبد الفتاح (١٤١٧ق). العناوين الفقهية. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
30. الموسوي البجنوردي، سيد حسن (١٤١٩ق). القواعد الفقهية. قم: نشر الهادي.
31. الموسوي الخميني، سيد روح الله (١٤٢١ق). كتاب البيع. طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني (ره).
32. _____ (١٤١٥ق). أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية. قم: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.
33. النجفي، محمد حسن (١٤٠٤ق). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
34. Tarrant Shira, (2016). The Pornography Industry: What Everyone Needs to Know. Oxford University Press.
الهوامش
1. باحث وأستاذ السطح الرابع في حوزة قم العلمية، محقق وباحث (المؤلف المسؤول)؛ abbas.meghdadi@yahoo.com.
2. باحث وأستاذ السطح الرابع في حوزة قم العلمية، محقق وباحث؛ mehdimeghdadi69@gmail.com.