الملخص
من أهم المسائل في مجال الفقه الطبي مسألة إضرار الإنسان بجسده، وهو ما يُصطلح عليه بالإضرار بالنفس. ظاهراً لم يتردد أحد من الفقهاء في حرمة الإضرار بالنفس الذي يؤدي إلى هلاك النفس أو قطع عضو؛ ولكن الأضرار الأقل من حد الإهلاك وقطع العضو وقعت محلاً للاختلاف، حيث ذهب مشهور الفقهاء إلى عدم جوازها، وذهب آخرون إلى جوازها. أقام القائلون بالحرمة أدلة متنوعة لإثباتها؛ ولكن لم يستند أي منهم إلى أدلة حرمة الإسراف والتبذير. يجيب هذا البحث بأسلوب وصفي تحليلي وأداة جمع المعلومات المكتبية على هذا السؤال: هل يمكن إثبات حرمة الإضرار بالنفس بمقدار أقل من إهلاك النفس وقطع العضو، بالاستناد إلى أدلة حرمة الإسراف والتبذير أم لا؟ أي هل الأدلة الدالة على حرمة الإسراف والتبذير، لها تطبيق في مسألة الإضرار بالنفس أم لا؟ تظهر نتائج هذا البحث أنه يمكن تصور أساليب مختلفة للاستناد إلى أدلة حرمة الإسراف والتبذير؛ ولكن الأسلوب الصحيح الوحيد هو استخدام منهج تنقيح المناط والأولوية العقلائية، الذي يمكنه أن يدرك أولوية حفظ النفس مقارنة بالأموال. بناءً على ذلك، من الممكن الاستفادة من أدلة حرمة الإسراف لإثبات حرمة الإضرار بالنفس.
المقدمة
الإضرار بالنفس من المسائل التي حظيت باهتمام الفقهاء الأعلام منذ القدم، وشكلت محورًا لبحوث مستفيضة؛ ذلك أن البشر منذ غابر الأزمان، كانوا يعرضون أنفسهم أحيانًا بدوافع عقلائية وأحيانًا أخرى دون غرض عقلائي لبعض الأضرار الجسدية أو النفسية أو المالية.
ومن بين الدوافع المذكورة: التخلص الوهمي من مصاعب الحياة بالانتحار أو استخدام الأدوية ذات التأثير السلبي على روح الإنسان ونفسيته، والهروب من أمراض أشد خطورة بإلحاق الضرر ببعض أعضاء الجسد أو المواد الضارة بالروح والنفس، وكسب الرزق ببيع أعضاء الجسد أو تحمل أضرار أخرى، والتلذذ باستعمال مواد ضارة بالجسم أو الروح، ولفت انتباه الآخرين في الواقع الحقيقي أو الافتراضي، والتجارب الطبية، والوصول إلى بعض المقامات المعنوية و….
بالطبع، بعض الدوافع التي تدفع الإنسان لإلحاق الضرر بنفسه لها صبغة عقلائية ويؤيدها العرف العقلائي، بل قد يوجد دليل شرعي على جوازها أو وجوبها، مثل العمليات الجراحية وبتر الأعضاء للعلاج. في هذه الحالات، تجري قاعدة التزاحم، وإذا وجدت مصلحة أهم في إلحاق الضرر بالنفس، يُحكم بجوازه.
بناءً على ذلك، فإن الموارد المذكورة خارجة عن محل بحثنا، ويجب أن نركز البحث في الموارد التي لا يترتب فيها هدف عقلائي خاص على الإضرار بالنفس؛ بل إن الإنسان من أجل دوافع تافهة أو أهداف أقل أهمية من السلامة، يلحق الضرر بسلامته.
وبطبيعة الحال، للإضرار بالنفس مراتب متعددة، لا خلاف في بعض مصاديقها، وبعضها الآخر كان محل خلاف بين الفقهاء: ١. قتل النفس، ٢. قطع عضو، ٣. زوال إحدى القوى أو الحواس، كالبصر والسمع أو الإنجاب، ٤. المرض، ٥. تحقير النفس وإذلالها، ٦. تحمل المشقة والتعب.
من هذه الموارد، لا شك في حرمة المرتبة الأولى؛ فالانتحار منهي عنه في القرآن (البقرة: ١٩٥) وهو قبيح عقلاً. كما لا خلاف في حرمة المرتبة الثانية؛ فحتى الذين شككوا في حرمة بعض مراتب الإضرار (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج٣، ص٥٦٦) لم يترددوا في حرمة قطع العضو. المرتبة الخامسة، أي تحقير النفس وإذلالها، لا تردد فيها أيضًا؛ إذ نُهي عن مثل هذا الفعل صراحة في بعض الروايات الصحيحة. (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٥، ص٦٣)
من جهة أخرى، لا شك في جواز المرتبة الأخيرة (الشعور بالتعب)؛ لأن أدلة حرمة الإضرار منصرفة عن هذا المورد. إذن، تبقى المرتبتان الثالثة والرابعة، اللتان نُسب إلى مشهور الفقهاء أنهما حرام، ولكن المحقق الخوئي يجيزهما. (الخوئي، ١٤١٧هـ، ج٣، ص٥٦٦)
من الواضح أن كل فقيه من هؤلاء قد قدم أدلة على رأيه؛ ولكننا لا نريد أن نتناول جميع هذه الأدلة؛ بل نعتزم، بالتركيز على هذه الموارد الخلافية، أن نلقي نظرة خاصة على أدلة حرمة الإسراف والتبذير التي لم يطرحها الفقهاء، والتي لا تبدو في النظرة الأولى ذات صلة مباشرة بمسألة الإضرار بالنفس، بل إن عنوانها لا علاقة له بمسألة الإضرار؛ ولكن قد يمكن، بالدقة والتعمق في مدلولها ومفهومها، استنباط حرمة الإضرار بالنفس في المراتب المذكورة.
وبالطبع، هذه الدراسة بصرف النظر عن المناقشات التي قد تُجرى في أدلة حرمة الإسراف؛ إذن، السؤال الأساسي للبحث الحالي هو: «ما هو دور أدلة حرمة الإسراف والتبذير في مسألة الإضرار بالنفس، وهل يمكن الاستفادة من هذه الأدلة لإثبات حرمة الإضرار بالنفس؟».
لقد طرح العديد من الأعلام في كتبهم حرمة الإضرار بالنفس، وكما ذكرنا سابقًا، فإن حرمتها مشهورة بينهم؛ مثلاً، كتب الشيخ الأنصاري في هذا الصدد: «قد استفيد من الأدلة العقلية والنقلية تحريم الإضرار بالنفس.» (الأنصاري، ١٤١٤هـ، ص ١١٦) أو يقول المحقق المراغي: «كل ما يسمى ضررًا في نظر العرف؛ سواء كان في المال أو في المنفعة أو في الحق أو في البدن أو في العرض، فهو غير جائز، وفي هذه المسألة لا فرق بين المالك نفسه وغيره؛ أي كما أن الإضرار بالآخرين حرام، فالإضرار بالنفس غير جائز أيضًا.» (المراغي، ١٤١٧هـ، ج١، ص٣١٥) ويقول المحقق الحكيم أيضًا: «أن الإضرار بالنفس حرام.» (الحكيم، ١٤١٦هـ، ج١٠، ص٨٩)
الآن، وبالنظر إلى الدوافع الكثيرة الموجودة في مجتمع اليوم لبعض مراتب الإضرار؛ مثل جراحات التجميل، وكسب الدخل عن طريق بيع الأعضاء دون ضرورة و…. إذا أمكن إقامة أدلة جديدة على الحرمة، فإن فتوى المشهور تتقوى، وبالإضافة إلى إقناع المكلفين، يمكن للمشرع أيضًا أن يمنع مثل هذه الأمور في المجتمع بدعامة أقوى؛ ولكن في غير هذه الحالة، تتوفر أرضية أفضل لفتوى غير المشهور، ويتمتع مواطنو المجتمع بحرية أكبر في بعض السبل الضارة.
في العديد من الأبحاث، طُرحت مسألة «الإضرار بالنفس» وأشير إلى حكمها في مناسبات مختلفة؛ مثل مقالة «الإضرار بالنفس في استهلاك المخدرات من منظور القرآن وفقه الإمامية وأهل السنة» (مهدي حميدي)، ومقالة «دراسة فقهية لزراعة الأظافر والرموش» (هادي سعيدي)، ومقالة «دراسة أحكام تحديد النسل ومنع الحمل، بمنهج يركز على ضرورة زيادة السكان وأزمة شيخوخة المجتمع» (جمال نيك كار ومحمود إمامي نمين)، ومقالة «دراسة المبادئ الفقهية – الحقوقية لبيع أعضاء جسم الإنسان بمنهج يركز على رأي الإمام الخميني».
ولكن الكاتب، بالبحث الواسع، لم يجد أي مقال أو كتاب يشير إلى العلاقة بين مسألة الإسراف والإضرار بالنفس. نعم، بعض الكتابات اعتبرت الإسراف في المال المعتد به أحد مصاديق الإسراف (السبحاني، ١٤١٥هـ، ج٢، ص١٦٥)؛ ولكن لم يذكروا أبدًا أدلة حرمة الإسراف كأحد أدلة حرمة الإضرار بالنفس. هذه القضية بالذات تضاعف أهمية البحث في هذه المسألة.
قبل الدخول في البحث، ندرس المفاهيم المطروحة في هذا المجال؛ ثم نشير إلى الأساليب الموجودة لربط مسألة الإسراف في الأموال بمسألة الإضرار بالنفس، وندرس طرق إثبات حرمة الإضرار بالنفس من هذا الطريق. بعد ذلك، بنظرة تطبيقية، نأتي بأدلة حرمة الإسراف إلى الميدان ونقوم بتحليل تطبيقها على مسألة الإضرار بالنفس.
۱. تبيين المفاهيم
۱-۱. دراسة مفهوم الإضرار بالنفس
جذر الإضرار هو مادة «ضرر» التي تقابل النفع، وتستخدم بمعنى النقصان في الشيء (الفراهيدي، ١٤١٠هـ، ج٧، ٢٤٤). إذن «الإضرار» يعني إيجاد النقص، وعندما يضاف إلى النفس، يعني أن الإنسان يؤذي نفسه؛ على سبيل المثال، يضع جسده أو روحه في ضيق أو يحدث نقصًا في أعضائه وقدراته؛ بالطبع، كما قيل في المقدمة، فإن الإضرار بالنفس في بحثنا له دائرة أضيق ويشمل فقط المرتبتين الثالثة والرابعة.
۲-۱. دراسة مفهوم الإسراف
ذكر الخليل الفراهيدي معانٍ مختلفة للإسراف؛ مثلاً يقول: الإسراف نقيض الاقتصاد والاعتدال. كما استخدم مادة «السرف» بمعنى الجهل والخطأ (الفراهيدي، ١٤١٠هـ، ج٧، ٢٤٤)؛ ابن الأثير يذكر مادة «سرف» بمعانٍ مختلفة وينقل عنها معاني متنوعة مثل الغفلة، والإفراط في الإنفاق، والإنفاق في غير طاعة الله، ثم يقول: مادة «الإسراف» في الأحاديث استُخدمت في الغالب بمعنى الذنب والخطأ الكبير (ابن الأثير، ١٣٦٧ش، ج٢، ص٣٦١). كما اعتبر ابن فارس مادة «سرف» ذات معانٍ متعددة، وأحيانًا بمعنى تجاوز الحد، وأحيانًا بمعنى الإغفال، وأحيانًا بمعنى الجهل. (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج٣، ص١٥٣)
بناءً على ذلك، ذُكرت معانٍ متعددة للإسراف، وقد أوردها المحقق النراقي على النحو التالي:
١. الإغفال، ٢. الجهل، ٣. الخطأ، ٤. الخطل (الفحش)، ٥. التبذير، ٦. ضد القصد (ضد الاعتدال)، ٧. تجاوز الحد، ٨. تجاوز حد الاستواء، ٩. الإنفاق على شخص غير محتاج، ١٠. الإنفاق في غير محله، ١١. الإنفاق في غير طاعة الله، ١٢. الإنفاق في معصية، ١٣. زيادة الذنب، ١٤. القبيح في نظر العقلاء، ١٥. جهل خاص (الجهل بالحقوق).
بالطبع، يعتبر الكثير من هذه المعاني فرعية ويعيدها إلى المعنى الأصلي. ويكتب في هذا الصدد: المعنى الأول والثاني والخامس عشر واحد. كما أن المعنى الثالث والرابع متحدان، والمعنى الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والثالث عشر تعود أيضًا إلى معنى واحد. ومن ثم، فإن جميع المعاني الخمسة عشر تعود إلى خمسة معانٍ: الجهل، الخطأ، تجاوز الحد، الإنفاق في معصية الله، وما هو قبيح عند العقلاء. (النراقي، ١٤١٧هـ، ص ٦٢٣ – ٦٢٤)
كما يبدو أن المقصود بالجهل والخطأ هنا ليس ضد العلم والعمد؛ بل بمعنى السلوك الجاهل الذي أشير إليه في آية النبأ ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾. ومن ثم فإن هذين المعنيين هما مصاديق لتجاوز الحد ويعودان إلى نفس المعنى. في النهاية، المعاني التي قد تكون مقصودة في بحثنا هي المعاني الثالث والرابع والخامس – أي تجاوز الحد، الإنفاق في المعصية، وما هو قبيح عند العقلاء. بالطبع، «تجاوز الحد» و«الأشياء التي يقبحها العقلاء» قد تكون واحدة أيضًا؛ لأن تجاوز الحد هو ما يقبحه العقلاء. وعليه، فإن الإسراف في بحثنا لا يزيد عن معنيين: تجاوز الحد، الإنفاق في معصية الله، وإن كان من غير المستبعد أن يعود المعنى الثاني أيضًا إلى المفهوم الأول؛ لأن كل معصية هي تجاوز للحد.
بناءً على ذلك، ربما يمكن القول إن المعنى الأصلي للإسراف هو «تجاوز الحد». ومن ثم، يجب أولاً تحديد ملاك «الحد» الذي يعتبر تجاوزه إسرافًا.
ويبدو أن المقصود بالحد الذي يحقق تجاوزه مفهوم الإسراف هو الحد الوسط المعتدل الذي يقع بين الإفراط والتفريط. وشاهد هذا الادعاء هو قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧). عباد الرحمن هم عباد، عندما ينفقون، لا يسرفون ولا يضيقون، بل يكونون بين ذلك حدًا وسطًا. بناءً على ذلك، في هذه الرواية، فُسّر «القوام» بالحد الوسط. (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج٢١، ص٥٥٤)
والشاهد الآخر هو مرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ذيل الآية ٢١٩ من سورة البقرة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ حيث قال: «العفو الوسط». (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج٢١، ص٥٥١)
توجد أدلة أخرى بهذا المضمون تظهر أن المقصود بالحد هو الحد الوسط المعتدل الذي يسمى أحيانًا «القصد» و«الاقتصاد». (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج٢١، ص٥٥٠ – ٥٥٤) الملاك والمعيار لمعرفة هذا الحد هو العرف؛ لأنه لمعرفة حقائق المعاني اللغوية، يجب الرجوع إلى مصاديقها العرفية، ومن وجهة نظر العرف، الحد الوسط هو نفس المقدار الذي يحتاجه الإنسان ويتناسب مع وضعه. بناءً على ذلك، كل إنفاق أو عطاء للمال، أو قتل، أو كلام، أو أي فعل آخر يخرج عن هذين الملاكين (مراعاة الحاجة والتناسب مع الوضع) يعتبر إسرافًا.
على أي حال، على الرغم من أن مفهوم الإسراف في اصطلاح الفقهاء مأخوذ من معناه اللغوي ولا يوجد فرق كبير بينهما؛ إلا أنه في بعض المصاديق، قد يكون هناك اختلاف، وهذا ليس بسبب اختلاف جوهري بينهما؛ بل بسبب اختلاف الحد الوسط في الفئات المختلفة حسب المكانة والظروف.
بالإضافة إلى الملاك العرفي، يمكن أيضًا اعتبار الملاك الشرعي لتحديد الحد الوسط؛ لأنه في كثير من آيات القرآن، سُمي تجاوز الملاكات الشرعية إسرافًا. (الأعراف: ٨١؛ النمل: ٥٥؛ آل عمران: ١٤٧؛ الشعراء: ١٥١؛ غافر: ٢٨ و٤٣؛ الزمر: ٥٣)
في كثير من الآيات المشار إليها، ذُكر الإسراف بشكل مطلق ودون ذكر متعلق، وتُوعد عليه بالعذاب. في هذه الآيات، المراد بالإسراف هو تجاوز الحدود الإلهية. إذن، يتضح أن الشارع المقدس قد جعل تعاليمه حدًا وسطًا، وكل من يخالفها يسمى مسرفًا. بناءً على ذلك، فإن تحديد الحد الوسط مبني على ملاكين: العرف والشرع، وبالطبع العرف له موضوعية فقط حيث لم يحدد الشرع حدًا.
۳-۱. دراسة مفهوم التبذير
يعتبر معظم اللغويين أن التبذير يعني النثر والتفريق، والذي يستخدم بمناسبة إضاعة المال. (الواسطي، ١٤١٤هـ، ج٦، ص٦٧؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج٤، ص٥٠) على سبيل المثال، يكتب الراغب: «التبذير هو النثر، وأصله إلقاء البذر. ومن ثم، يستخدم استعارة لكل من يضيع ماله.» (الراغب، ١٤١٢هـ، ص١١٣-١١٤)
ويقول الواسطي أيضًا: «التبذير في اللغة يعني إفساد المال وتفريقه إسرافًا. وقال البعض إن التبذير يعني إنفاق المال في المعاصي. وقيل أيضًا إن التبذير هو أن ينفق من ماله بحيث لا يبقى شيء لقوته، وهذا هو ما جاء في آية ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩). نقل أستاذنا عن كبار علماء الصرف أن التبذير يعني نثر البذر، ومن معانيه صرف المال في أشياء لا تليق به، وهذا يشمل الإسراف في عرف اللغة ويستخدم فيه حقيقة أيضًا.
وقال البعض إن التبذير هو تجاوز موضع الحق وهو عبارة عن الجهل بكيفية ومكانة الحق، والإسراف هو تجاوز في الكمية ينشأ عن الجهل بمقادير الحق.» (الواسطي، ١٤١٤هـ، ج٦، ص٦٨)
بناءً على ذلك، يمكن القول: الفرق بين التبذير والإسراف هو أن التبذير يعني تضييع المال وإنفاقه في طرق غير لائقة؛ ولكن الإسراف يعني تجاوز الحد والقيام بفعل (مثل الأكل والشرب والإنفاق والقتل و…) أكثر من الحاجة. وبالطبع، أحيانًا يستخدم الإسراف بمعنى التبذير أيضًا.
۲. علاقة حرمة الإسراف والتبذير بحرمة الإضرار بالنفس
الآن، مع الأخذ في الاعتبار معاني الإسراف والتبذير، ننتقل إلى دراسة أدلة الحرمة وتطبيقها على مسألة الإضرار بالنفس. نحن، مثل مشهور الفقهاء – الذين نقل عنهم المحقق النراقي الإجماع على حرمة الإسراف (النراقي، ١٤١٧هـ، ص٦١٥-٦١٩) – نضع الأصل على حرمة الإسراف ونتغاضى عن المناقشات التي قد تطرح في أدلة الحرمة ونقبل هذا الأمر كأصل موضوعي، وندرس طرق الاستناد إلى أدلة حرمة الإسراف في سبيل تعيين وتشخيص حكم الإضرار بالنفس. لإثبات حرمة الإضرار بالنفس عن طريق أدلة حرمة الإسراف، هناك ثلاث طرق:
۱-۲. طرح الإضرار بالنفس بوصفه مصداقاً للإسراف
الطريقة الأولى هي أن نقول: الإضرار بالنفس هو بحد ذاته أحد مصاديق الإسراف؛ لأنه في كثير من الآيات التي نهت عن الإسراف وذمت المسرفين، جاء الإسراف بمعنى التجاوز المطلق للحدود الإلهية ولم يتعلق بأمر خاص (الأعراف: ٨١؛ النمل: ٥٥؛ آل عمران: ١٤٧؛ الشعراء: ١٥١؛ غافر: ٢٨ و٤٣؛ الزمر: ٥٣)؛ وإن كان بعضها تعلق بالإسراف في أمور خاصة، مثل الأكل والشرب والقتل و… (النساء: ٦؛ الفرقان: ٦٧؛ الإسراء: ٢٦-٢٧). في المجموعة الأولى، حذف المتعلق يفيد العموم، ومن ثم، فإن كل إسراف وتجاوز للحد حرام. بناءً على ذلك، الإضرار بالنفس أيضًا كأحد مصاديق تجاوز الحدود الإلهية حرام.
من الواضح أن أول إشكال يرد على هذا الاستدلال بهذا البيان البسيط هو أنه نوع من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ لأنه في المرحلة السابقة يجب أن يثبت أن الإضرار بالنفس حرام لكي يُعد تجاوزًا للحدود الإلهية وتشمله هذه الآيات. فلا يمكن بالتمسك بهذه الآيات إثبات كونه تجاوزًا وحرمته.
نعم، قد يقال: المقصود بهذه الآيات ليس تجاوز الحدود الشرعية؛ بل تجاوز الحدود العرفية. فكل من يتجاوز الحدود العرفية، يُعد مسرفًا وآثمًا. وعليه، فإن ملاك حرمة الإضرار بالنفس هو أيضًا النظرة العرفية؛ أي إذا ثبت في مورد ما أن الإضرار بالنفس هو خروج عن حد الاعتدال العرفي، فإنه يعتبر مصداقًا للإسراف ويكون حرامًا، وفي غير هذه الصورة، يكون جائزًا.
ببيان آخر، أحيانًا يتعلق الإسراف بشيء خاص، مثل الإنفاق والأكل والشرب، حيث يكون تشخيص حده الوسط ممكنًا من قبل المكلف نفسه؛ على سبيل المثال، يمكن للمكلف أن يفهم كمية الطعام التي تشبعه، وما زاد عن ذلك فهو إسراف؛ أو يمكنه أن يفهم كم هي نفقات حياته، وكم من إنفاق أمواله يجعله فقيرًا؛ ولكن أحيانًا لا يستطيع المكلف بنفسه تشخيص الحد الوسط بسهولة. في هذه الموارد، يجب على العرف أو الشارع تحديد الحد الوسط، مثل أن المكلف لا يستطيع التمييز بين القتل بحق والقتل بغير حق. من ثم، فإن الشارع يحدد الحد الوسط – أي القتل المباح.
كذلك في بحث الإضرار بالنفس، لا يعرف المكلف إلى أي حد يكون وضع الجسد في المشقة وإلحاق الضرر به معتدلاً، وإلى أي حد هو إسراف، وإلى أي حد هو طلب للراحة. هنا يجب أن يرجع إلى العرف ليميز الفرق بين الإضرار بالبدن وطلب الراحة والحد الوسط في حالته الخاصة، أو يجب أن يحصل على نص من الشارع يحدد له حد الاعتدال. على سبيل المثال، في حالة الإنسان الذي يفصل جزءًا من جسده لعلاج مرض أهم؛ فإن مثل هذا الإضرار، لا من وجهة نظر العرف ولا الشرع، لا يُعد تجاوزًا للحد؛ أما في حالة إلحاق الضرر بنفسه دون سبب، أو لربح ضئيل أو متعة زائلة، يعرض نفسه لخطر أو مرض كبير، فإنه يصدق عليه تجاوز الحد.
بالطبع، إذا سلمنا بأن العرف في بعض الموارد صامت أو متردد ولا يستطيع أن يميز بشكل قاطع صدق مفهوم ما؛ فربما يكون صدق تجاوز الحد مشكوكًا فيه؛ مثل الحالة التي يؤثر فيها الإنسان ويبيع كليته لمساعدة شخص آخر، فليس من المعلوم هل يصدق عليه تجاوز الحد أم لا؛ لأنه قد يعتبره فريق من العقلاء تجاوزًا للحد والبعض الآخر لا.
الفرض هنا هو أن الشرع لم يحدد حدًا لذلك؛ لأنه لو حدد حدًا، لما كانت هناك حاجة لهذه الأبحاث ولكان حكم أي نوع من الإضرار معلومًا بسهولة. كذلك في هذه الموارد، لا يمكن التمسك بأدلة حرمة الإسراف؛ لأن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية سيحدث. فيجب الرجوع إلى أحكام الشك في هذه الموارد، مثل الاحتياط أو البراءة.
على أي حال، إذا أردنا استخدام هذه الطريقة، فإنها تشمل فقط الأضرار التي ثبت كونها إسرافًا في المرحلة السابقة. وعليه، يجب أن نبحث بشكل منفصل في أي مرتبة من الإضرار بالنفس هي إسراف وأي مرتبة ليست كذلك، وعندما يتضح جواب هذا السؤال، لن تكون هناك حاجة لمطلب آخر، وبحد ذاتها تثبت حرمة الإضرار بالنفس، إلا إذا لم نقبل أصل حرمة الإسراف.
المؤيد لوجود هذه الطريقة هو مرسلة علي بن إبراهيم التي تشير مباشرة إلى كون ما يضر بالبدن إسرافًا، وتعتبر الإضرار بالبدن أحد مصاديق الإسراف.
«… لَيْسَ فِيمَا أَصْلَحَ الْبَدَنَ إِسْرَافٌ، إِنِّي رُبَّمَا أَمَرْتُ بِالنَّقِيِّ فَيُلَتُّ بِالزَّيْتِ فَأَتَدَلَّكُ بِهِ، إِنَّمَا الْإِسْرَافُ فِيمَا أَفْسَدَ الْمَالَ وَأَضَرَّ بِالْبَدَنِ…» قال الإمام الصادق عليه السلام: ليس في ما يحفظ صحة البدن إسراف. أنا نفسي أحيانًا آمر بخلط الدقيق وزيت الزيتون وأدهن به جسدي، بل الإسراف في الأشياء التي تتلف المال وتضر بالبدن. (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٦، ص٥٤)
في هذه الرواية، هناك ثلاث نقاط تستحق التفكير والتأمل:
أولاً: هذه الرواية نقلها الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن عدة من الأصحاب، عن أحمد بن محمد، جميعهم عن عثمان بن عيسى، عن إسحاق بن عبد العزيز، عن بعض أصحابه، عن الإمام الصادق (عليه السلام). إذن، بالنظر إلى أن أصحاب إسحاق بن عبد العزيز غير معروفين، فإن هذه الرواية مرسلة، ولهذا السبب لا يمكن أن تكون إلا مؤيدًا.
ثانيًا: ربما قصد الإمام الصادق (عليه السلام) مجموع إتلاف المال والإضرار بالبدن، وهذا الاحتمال يوجب إجمال الرواية؛ خاصة أنه استخدم «الواو» بدلاً من «أو». فإذا أردنا إثبات حرمة الإضرار بدون إتلاف مال، وإتلاف المال بدون إضرار بالبدن، فيجب استخدام أدلة أخرى.
ثالثًا: قد لا يكون مفاد الرواية أن كل إضرار بالبدن مصداق للإسراف؛ بل معناها أن الإسراف يجب البحث عنه بين الأشياء التي تسبب إتلاف المال أو الإضرار بالبدن؛ أي قد يكون هناك إضرار بالبدن، ولكنه ليس مصداقًا للإسراف.
هذا يشبه قول الشارع على سبيل المثال: الزكاة فقط في الحنطة والتمر. معنى هذا الكلام ليس أن كل تمر يتعلق به الزكاة؛ بل معناه أن الزكاة لها معنى فقط في دائرة الحنطة والتمر، ومتى ما تحققت شروطها، وجبت.
في بحثنا أيضًا، الإسراف له معنى فقط في دائرة الأشياء التي تتلف المال أو تضر بالبدن، ومتى ما تحقق عنوان الإسراف في هذه الأمور، ترتبت الحرمة أيضًا؛ ولكن هذا لا يعني أن كل إضرار بالبدن يُعد إسرافًا. بعبارة فنية، هذه الرواية تفيد حصر الإسراف في إتلاف المال والإضرار بالبدن، لا حصر الإضرار بالبدن في كونه إسرافًا.
۲-۲. طرح الإسراف بوصفه أحد مصاديق الإضرار
كما أُشير سابقًا، اعتبر بعض العلماء المعاصرين إتلاف المال أحد مصاديق الإضرار بالنفس. (السبحاني، ١٤١٥هـ، ج٢، ص١٦٥) وفقًا لهذا الرأي، علة حرمة الإسراف هي أنه يوجب الإضرار بالنفس أو المال؛ أي بدلاً من أن يكون الإضرار من مصاديق الإسراف؛ نجعل الإسراف وإتلاف المال من مصاديق الإضرار بالنفس. حينئذ، بالنظر إلى حرمة الإسراف، يتضح أن حرمة الإضرار بالنفس أمر مفروغ عنه، مما أوجب حرمة الإسراف. هذا يشبه القول بأن الفقاع، لأنه نوع من الخمر، فهو حرام. هذه القضية تظهر أن حرمة الخمر أمر مفروغ عنه، وإلا لما كان لها دلالة على حرمة الفقاع.
ويبدو أن هذه الطريقة ليست تامة أيضًا؛ للأسباب التالية:
أولاً: قد يكون هذا الأمر ممكنًا من الناحية الثبوتية؛ ولكن من الناحية الإثباتية، ليس لدينا دليل يثبت أن الإسراف والتبذير حُرّما بسبب الإضرار بالنفس، وإلا لما كان الإسراف والتبذير في موضع لا ضرر فيه حرامًا. دليل هذا القول هو رواية عامة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال لسعد – وهو يتوضأ من ماء النهر -: «يا سعد! ما هذا السرف؟» فقال سعد بن أبي وقاص: أفي الوضوء سرف؟ فقال (صلى الله عليه وآله): «نعم وإن كنت على نهر جار!» (الشيباني، بدون تاريخ، ج٢، ص٢٢٢، ح٧٠٦٥)
ثانيًا: أن تكون جميع مراتب الإضرار بالنفس حرامًا هو أول الكلام. فكما سنقول: قد تكون مرتبة من الإضرار بالنفس المتعلقة بأموال الإنسان، بسبب خصائصها وتبعاتها الخاصة، حرامًا؛ ولكن مرتبة أخرى منها، تتعلق بسلامة الإنسان، لا تكون حرامًا. وعليه، فإن الإسراف والتبذير الذي يوجب مثل هذه المرتبة من الإضرار سيكون جائزًا. سيأتي توضيح أوسع لهذا المطلب في ذيل الطريقة الثالثة.
۳-۲. الاستفادة من تنقيح المناط
في الطريقة الثالثة، ليس الإضرار من مصاديق الإسراف؛ ولكن عن طريق تنقيح المناط وقياس الأولوية، تثبت حرمته؛ لأنه عندما يكون الإفراط في استخدام الأموال وإتلافها وحتى الإفراط في إنفاقها غير جائز (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٤، ص٥٤)، فبطريق أولى، إتلاف السلامة وأعضاء الجسد لن يكون جائزًا.
ويبدو أن هذه الطريقة لا إشكال فيها؛ لأن نفس الملاك الذي قد يوجد في حرمة الإسراف بسبب إتلاف الأموال والإفراط في استخدامها، موجود أيضًا في الإضرار بالنفس؛ بعبارة أخرى، الملاك الملزم الذي يترتب عليه حرمة الإسراف، هو نفس الملاك الملزم الموجود في الإضرار بالنفس؛ بل قد تكون الأولوية فيه قابلة للإثبات.
ببيان آخر، إذا نظرنا بنظرة شمولية وتأملنا في عواقب الإسراف في الأموال والإضرار بالنفس على مدى حياة البشر، سندرك أنه كما أن الحكم الكلي بجواز الإسراف في الأموال يؤدي إلى تدمير اقتصاد المجتمع وفقر نسبة كبيرة جدًا من أفراده وتبعات سلبية أخرى؛ فإن الحكم بجواز الإضرار بالنفس بدون غرض عقلائي يقضي أيضًا على جزء من الموارد (السلامة والأموال)، ولا يمكن تصور ملاك هنا يسبب الحكم بالجواز؛ بل إذا كانت الثروة والمال لهما قيمة، فإن السلامة والصحة الجسدية والروحية لها قيمة مضاعفة. بمعنى أن العرف العقلائي يدرك أولوية حفظ النفس بالنسبة لحفظ الأموال ويعتبرها ألزم من حفظ المال.
بناءً على ذلك، من وجهة نظر هذا البحث، فإن ملاك حفظ النفس وسلامة الإنسان، بالنسبة للأموال والثروة، له أهمية أكبر. دليل ذلك هو الروايات التي تأمر في حالة التخيير بين التضحية بالنفس أو الأموال، بأن نجعل الأموال فداءً للنفس. (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج١٦، ص١٩٢-١٩٣) ومن ذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام) في وصاياه لأصحابه: «فَإِذَا حَضَرَتْ بَلِيَّةٌ فَاجْعَلُوا أَمْوَالَكُمْ دُونَ أَنْفُسِكُمْ»؛ أي إذا حلت بكم شدة، فاجعلوا أموالكم درعًا لأنفسكم (الحر العاملي، ١٤٠٩، ج١٦، ص١٩٢)؛ أي في المقارنة بين المال والنفس، فإن النفس والسلامة هي التي لها قيمة أكبر.
بالطبع، قد يدعي أحدهم أن هذه الروايات ظاهرة في حفظ النفس ولا تشمل الأضرار الأقل من الموت؛ ولكن بالنظر إلى أنها ألقيت على العرف، والعرف يفهم منها الأضرار الأقل من الموت أيضًا، فلا يمكن قبول مثل هذا الادعاء. على أي حال، إذا قبل أحدهم هذا الادعاء، فلا يمكنه استخدام هذه الروايات كدليل وشاهد.
ولكن هناك دليل آخر على هذه الأولوية العقلائية، وهو أنه في الشرع نفسه، لجميع أجزاء البدن، حُددت دية أو أرش، وهو في الواقع نوع من التقييم المالي. بناءً على ذلك، إذا كان إتلاف المال حرامًا، فإن الإضرار بالنفس هو أيضًا نوع من إتلاف الأمور المالية.
بناءً على ذلك، إذا كان إتلاف ورقة نقدية بدون غرض عقلائي إسرافًا وحرامًا، فمن المؤكد أن إيذاء الجسد، خاصة الأضرار الجسيمة للجسد والروح، بطريق أولى، سيكون قبيحًا وحرامًا، ولا يوجد دليل على عدم الحكم بحرمة الإضرار الجسيم بالبدن، وفي مثل هذه الأولويات العقلائية، لن تكون للاحتمالات القليلة القيمة والبدائية وظيفة أو تطبيق؛ بعبارة أخرى، في مثل هذه الحالات، النظرة العقلية غير فعالة ويجب النظر إلى المسألة وتقييم أهمية الموضوعين بنظرة عرفية وعقلائية، والعقلاء هنا يدركون أولوية حفظ النفس على حفظ المال ويحكمون بالأولوية؛ ومع وجود مثل هذه الأولوية، يتحقق اليقين بالحكم.
۳. دراسة تطبيقية لبعض أدلة حرمة الإسراف والتبذير
يبدو أن الفقهاء متفقون على أن الإسراف في الأمور المالية حرام (النراقي، ١٤١٧هـ، ٦١٩)؛ لأن آيات وروايات كثيرة تدل عليه، وقد تمسكوا بالإجماع والدليل العقلي أيضًا. مع غض النظر عن المناقشات التي قد ترد في بعض الأدلة، نفترض حرمة الإسراف في الأمور المالية.
الآيات التي تدل على حرمة الإسراف تنقسم إلى عدة مجموعات:
۱-۳. في بعض الآيات، متعلق كلمة الإسراف معين، مثل:
أولاً. ﴿…لا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَ بِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا…﴾ (النساء: ٦)… لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافًا وعجلة، خشية أن يكبروا ويأخذوا أموالهم منكم…..
في هذه الآية الشريفة، متعلق الإسراف هو أكل أموال اليتامى، ولا ترتبط بمسألة الإضرار بالنفس إلا إذا استخدمنا تنقيح المناط وقلنا إذا كان الإضرار بأموال اليتامى غير جائز، فبطريق أولى، الإضرار بالنفس غير جائز أيضًا.
ولكن يبدو أن كون هذا الاستدلال قياسًا وباطلاً واضح تمامًا؛ لأنه قد يوجد في حفظ أموال اليتامى ملاك وخصوصية أهم حتى من ملاك حفظ سلامتنا. إذن، مجرد هذا الاحتمال يمنع الاستدلال بهذه الآية.
ثانياً. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧)؛ والذين إذا أنفقوا لا يبذرون ولا يضيقون، بل يختارون بين الأمرين حدًا وسطًا.
في تفسير هذه الآية، وردت رواية تقول: إن الإمام الصادق (عليه السلام) تلا هذه الآية ثم أخذ حفنة من الحصى وضغط عليها بيده. ثم قال: هذا هو الإقتار الذي ذكره الله في كتابه. ثم أخذ حفنة أخرى وفتح يده بالكامل وقال: هذا هو الإسراف. ثم أخذ حفنة أخرى وألقى بعضها وأبقى بعضها وقال: هذا هو القوام. (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٤، ص٥٤)
إذن في هذه الآية، متعلق الإسراف هو الإنفاق، والشارع المقدس بيّن حد جواز الإنفاق، والإمام الصادق (عليه السلام) أيضًا لتوضيحه بدقة، لجأ إلى مثال عرفي واضح وشرحه لمخاطبه بحفنة من الحصى.
من وجهة نظر هذا البحث، الاستفادة من هذه الآية في بحث الإضرار بالنفس ممكنة على أساس الأولوية العرفية، ويمكن بتنقيح المناط وقياس الأولوية، نقل حكم الإسراف إلى الإضرار بالنفس؛ لأنه على الرغم من وجود فرق من وجهة نظر عقلية بين الإسراف في الإنفاق والإضرار بالبدن؛ ولكن من وجهة نظر عرفية، الإسراف في الإنفاق نوع من إتلاف المال، وبالنظر إلى أن حفظ السلامة، وفقًا للتوضيح السابق، أهم من حفظ المال من وجهة نظر العرف، يتضح أنه بطريق أولى، الإضرار بالنفس – وهو نفس إتلاف سلامة البدن – له ملاك الحرمة.
ثالثاً. ﴿وَ آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَ كَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (الإسراء: ٢٦ – ٢٧)؛ وأعطِ ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ولا تبذر تبذيرًا، فإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورًا.
۲-۳. في بعض الآيات، لم يرد متعلق الإسراف؛ ولكن يحتمل أن يتم تحديده بقرينة السياق السابق أو اللاحق، مثل:
أولاً. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (المائدة: ۳۲)
لهذا السبب، فرضنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا. ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات، ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون.
في هذه الآية الشريفة، لم يحدد في أي شيء كان كثير من بني إسرائيل يسرفون، ولهذا السبب، قد يتبادر إلى الذهن في البداية أن الإسراف في كل شيء مذموم؛ ولكن ربما يمكن بالنظر إلى أن أصل هذه الآية حول قتل النفس، أن يكون متعلق الإسراف هو مسألة قتل الآخرين. إذن، الآية في مقام ذم الذين يسرفون في قتل النفس؛ أي يقتلون بدون سبب وجيه (قصاص أو فساد في الأرض) حياة الآخرين. وقد نُقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضًا أن المسرفين هم الذين يريقون الدماء ويستحلون المحرمات. (الطبرسي، ١٤٠٨هـ، ج٣، ص٢٩٠)
على أي حال، ليس لهذه الآية فائدة كبيرة في بحثنا؛ لأنها بشكل عام لا نزاع في حرمة قتل النفس؛ بل النزاع في الأضرار الأقل من ذلك. بالإضافة إلى ذلك، ظهور هذه الآية في قتل الآخرين. بناءً على ذلك، لا تشمل الآية حتى بحث قتل النفس، وموضوعها محصور في قتل الآخرين.
ثانياً. ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: ۳۳) هذه الآية أيضًا مثل الآية السابقة، تتعلق بمسألة قتل النفس.
ثالثاً. ﴿… كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَ لَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ (الأنعام: ١٤١)؛ كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده، ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين.
في ذيل هذه الآية، ورد أيضًا أن رجلاً سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عنها. فقال الإمام: فلان (ذكر اسمه) كان له حقل، وعندما كان يحصده، كان يتصدق به كله ويبقى هو وعياله بلا قوت. فجعل الله تعالى هذا الفعل إسرافًا. (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٤، ص٥٥)
إذن، في هذه الآية الشريفة، على الرغم من أن ﴿ولا تسرفوا﴾ و ﴿لا يحب المسرفين﴾ جاءتا بدون متعلق، ولكن بالنظر إلى الرواية المذكورة، وبما أن الآية في مقام بيان حكم الإنفاق من المحاصيل، فإن المقصود هو الإفراط في الإنفاق. إذن، الاستفادة من هذه الآية في بحثنا متوقفة أيضًا على تنقيح المناط، بنفس الطريقة والأسلوب الذي مر في الآية الأولى.
رابعاً. ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَ لَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ۳۱)؛ يا بني آدم، خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين.
هذه الآية تتعلق أيضًا بالأكل والشرب وأخذ الزينة عند دخول المسجد. إذن، يمكن القول بالنظر إلى أن حرمة الإسراف في هذه الأمور هي بسبب إتلاف الأموال، وحفظ السلامة له أهمية أكبر من المال، فإن هذه الآية تدل بالالتزام على حرمة الإضرار بالنفس أيضًا.
نعم، إذا قلنا إن حرمة الإسراف في الأكل والشرب بملاك إتلاف السلامة – أي لأنه يتلف سلامة الإنسان – فإن هذه الآية يمكن أن تدل مباشرة على حرمة الإضرار بالنفس ولا تحتاج بعد ذلك إلى تنقيح المناط. بالطبع، هذا الفرض يعود إلى نفس الطريقة الثانية التي قلنا إنه ليس لها دليل إثباتي. بالإضافة إلى ذلك، لازمة هذا القول هي أن نعتبر الشره في الأكل حرامًا.
خامساً. ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (الأعراف: ۸۱؛ النمل: ٥٥)؛ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون.
هذه الآية نزلت بشأن فعل قوم لوط الشنيع، وعلى الرغم من عدم تحديد متعلق الإسراف في نهايتها؛ إلا أنه يمكن القول إن المراد بالإسراف هو تجاوز الحد الذي وضعه الله تعالى لإشباع الشهوة، أو المقصود أن قوم لوط لم يكونوا يكتفون بفعل ذلك العمل الشنيع أحيانًا؛ بل كانوا يفرطون في هذه المسألة إلى درجة أنهم لم يكفوا أيديهم عن هذا الفعل القبيح حتى مع وجود النساء والفتيات، وكانوا يعتدون على المسافرين والغرباء بالقوة. بناءً على ذلك، موضوع هذه الآية محدود، ولا يستفاد منها حرمة الإسراف في جميع الأمور؛ ولكن يمكن إثبات حرمة الإسراف في المجال المذكور.
۳-۳. في إحدى آيات القرآن، ورد متعلق كلمة الإسراف، ولكنه مطلق، مثل:
﴿… رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ (آل عمران: ١٤٧)؛ ربنا، اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
في هذه الآية الشريفة، «إسرافنا في أمرنا» من باب ذكر العام بعد الخاص، ومتعلق الإسراف هو كل ما يُعد من شؤون الإنسان؛ أي كأن في هذه الآية، الإفراط في أي عمل غير جائز؛ ولكن هل المقصود بالإفراط، تجاوز الحد الشرعي في الأعمال أم تجاوز الحد العرفي في الأعمال؟
إذا كان المقصود تجاوز الحد الشرعي، فليس له معنى أكثر من سائر أدلة التكاليف، ومعناه اغفر لنا ذنوبنا وإفراطنا في ارتكاب الذنب؛ ولكن إذا كان المقصود تجاوز الحد العرفي، فهذا يعني أن الإنسان لا ينبغي أن يفعل شيئًا أكثر مما يستحسنه العرف. فإذا شخص العرف أن هذا المقدار من الإنفاق هو إفراط، فإن الشارع ينهى عنه.
على أي حال، مع وجود هذين الاحتمالين، لن يكون الاستدلال بالآية الشريفة في بحثنا ممكنًا؛ لأنه إذا كان المراد هو الحد الشرعي، فيجب أولاً إثبات أن الإضرار بالنفس هو خروج عن الحد الشرعي ليكون مشمولاً بنهي هذه الآية. وكذلك إذا كان المراد هو الحد العرفي، فإنه يشمل فقط الأضرار التي يعتبرها العرف إفراطًا في الإضرار؛ بينما عندما يحصل الإنسان على منفعة مقابل الإضرار بالنفس، فإن تشخيص الحد العرفي أمر صعب للغاية.
بناءً على ذلك، في مثل هذه الحالات، بشأن مدى ما يعتبر إفراطًا وإسرافًا، ومدى ما يعتبر تقصيرًا وتفريطًا، يجب أن يُفهم من سائر الأدلة، والتمسك بهذه الآية لإثبات حرمته هو تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
٤-٣. في بعض الآيات، لم يُذكر أي متعلق للإسراف.
كلمات «إسراف» أو «مسرف» في هذه الآيات، تعني تجاوز الحق والخروج عن حد الاعتدال والصراط المستقيم، وبتعبير أدق، تعني ارتكاب الذنب والمعصية؛ وإن كان الإفراط في الذنب قد أُشرب فيها؛ أي على الرغم من أن بعض المؤمنين قد يقعون في المعصية أحيانًا، إلا أن البعض الآخر يفرطون في الذنب والمعصية لدرجة أن كلمة «مسرف» تليق بهم. عدد هذه الآيات كثير، ونحن نشير فقط إلى بعض الأمثلة:
أولاً. ﴿وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (الشعراء: ١٥١ – ١٥٢)؛ ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ثانياً. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: ٢٨)؛ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.
ثالثاً. ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (غافر: ٤٣)؛ وأن مردنا إلى الله، وأن المسرفين هم أصحاب النار.
رابعاً. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣)؛ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم.
في هذه الآية أيضًا، لم يُحدد متعلق الإسراف؛ ولكن بقرينة تتمة الآية التي ورد فيها مسألة المغفرة الإلهية، يمكن أن يُفهم أن المقصود بالإسراف هو الذنب والمعصية، وقد أُشرب فيها الإفراط والإفراط. ببيان آخر، الذنوب توقع الإنسان في عواقب دنيوية وأخروية، وتُعد نوعًا من الظلم على النفس، ولهذا السبب، تعدت كلمة «أسرفوا» بـ «على» وأضيفت إلى «أنفسهم»؛ أي من يفرط في الذنب، يظلم نفسه ظلمًا كبيرًا؛ ولكن مع ذلك، لا ينبغي أن ييأس من رحمة الله.
قد يقول قائل: إذا كان الإسراف على النفس في هذه الآية بمعنى الظلم على النفس، فإنه يشمل الإضرار بالنفس أيضًا. وعليه، فإن هذه الآية وحدها يمكن أن تكون دليلاً على حرمة الإضرار بالنفس.
في الجواب نقول:
أولاً: الظاهر أنه بالنظر إلى طرح مسألة المغفرة الإلهية والنهي عن اليأس، فإن هذه الآية منصرفة إلى المسائل المعنوية والأخروية. إذن المقصود بالإسراف على النفس هو الذنوب والمعاصي التي توقع الإنسان في غضب الله وعقابه.
ثانيًا: على فرض أننا تغاضينا عن الإشكال الأول، فإن الاستناد إلى هذه الآية ممكن فقط في مورد الأضرار التي ثبت كونها ظلمًا وذنبًا؛ أي فقط تلك المرتبة من الإضرار بالنفس التي ثبت كونها ظلمًا وذنبًا، ستكون مشمولة بهذه الآية، مثل مرتبة إهلاك النفس.
ولكن الكلام هو: هل يمكن بهذه الآية إثبات أن الأضرار الأقل من إهلاك النفس حرام أيضًا؟ يبدو أن مثل هذا الأمر غير ممكن، وينجر إلى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ إلا إذا قلنا: طبقًا لهذه الآية، كل عمل يُحسب من وجهة نظر العرف ظلمًا على النفس، فهو حرام. من الواضح أنه في هذه الحالة، يقوم العرف بالموازنة، ولا يعتبر الأضرار التي يحصل الإنسان مقابلها على فائدة متناسبة ظلمًا على النفس، ويعتبر الأضرار التي لا تتبعها فائدة متناسبة ظلمًا على النفس.
۴. ملاحظتان حول تقييد حرمة الإسراف
أولاً: قال البعض لا إسراف في أمور الخير؛ لأنه في بعض الروايات، نُفي الإسراف في أمور الخير. (الحلي، ١٤١٠هـ، ج١، ص٣٩٥؛ الأردبيلي، ١٤١١هـ، ج٩، ص٢٠٠؛ الشيرازي، ١٤٢٥هـ، ص٤٧) مع غض النظر عن الإشكالات التي قد ترد على هذا الرأي، إذا استنبطنا حرمة الإضرار بالنفس من أدلة حرمة الإسراف، واعتمدنا الرأي الأول في مورد الإسراف، فبطبيعة الحال، في مورد الإضرار أيضًا، تُخصص حرمته في أمور الخير؛ أي الإضرار بالنفس في أمور الخير لا إشكال فيه؛ كما يعتقد البعض أن الإضرار بالنفس في سبيل زيارة حضرة سيد الشهداء (عليه السلام) أو إقامة العزاء له لا إشكال فيه. كذلك أحيانًا يتمسك بقصة بعض الأنبياء، مثل حضرة يعقوب (عليه السلام) الذي بكى في فراق حضرة يوسف (عليه السلام) حتى فقد بصره. (السند، ١٤٢٤هـ، ج١، ص٣٣٩-٣٤٣)
ثانيًا: موردان من الموارد التي نُهي عنها في القرآن الكريم هما الإسراف في الأكل والشرب والإسراف في الإنفاق؛ بينما لم يفتِ الفقهاء في أي منهما بالحرمة واكتفوا بالكراهة. على سبيل المثال، من المسلم به عند الفقهاء أن الشره – وهو نوع من الإسراف – مكروه، لا حرام. نعم، التبذير وإتلاف المواد الغذائية حرام. المحدث الكبير الكليني (رحمه الله) أيضًا فهم من الأحاديث كراهة الإسراف واستحباب الاعتدال، وسمى عنوان الباب بهذا الاسم. (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٦، ص٥٤)
إذن، لا مفر من ألا نعتبر الإسراف في هذه الآيات متعلقًا بالأكل والشرب، بل نقول إن المقصود من ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ۳۱) هو أن تأكلوا وتشربوا نعم الله؛ ولكن لا تستخدموها في معصية الله. كذلك في مورد الإنفاق، المقصود هو ألا تنفقوا أموالكم في طريق المعصية. وقد قيل سابقًا إن هذا المعنى ذُكر للإسراف في بعض كتب اللغة.
طبقًا لهذا الرأي، يمكن القول: الإسراف بحد ذاته ليس حرامًا؛ بل يعتمد على متعلقه. الإسراف في الموارد التي تعني الإفراط في الأكل والشرب والإنفاق… ليس حرامًا، وفي الموضع الذي يعني تجاوز المحرمات والحدود الإلهية – من حيث أنه يقع تحت عنوان تلك المحرمات – حرام؛ لا من حيث أنه يقع تحت عنوان «الإسراف».
إذن، كون المسرفين قد تُوعدوا بالعذاب في الآيات الإلهية، هو بسبب إفراطهم في ارتكاب تلك المحرمات.
وعليه، يجب أن نقول إن إتلاف أعضاء الجسد بدون غرض عقلائي غير جائز؛ ولكن الإفراط في استخدامها – حتى لو أدى إلى الضرر – في سبيل الحق ولأهداف عقلائية لا إشكال فيه.
الخاتمة
بحثنا يدور حول الأضرار الأقل من الانتحار وقطع الأعضاء التي لا يوجد لها غرض عقلائي متناسب. قيل إن أدلة حرمة الإسراف في الأمور المالية يمكن أن ترتبط بمثل هذه الأضرار للنفس بثلاث طرق؛ الطريقة الأولى هي أن نقول إن الإضرار بالنفس هو بحد ذاته أحد مصاديق الإسراف؛ ولكن هذه الطريقة تنتهي بالتمسك بالعام في الشبهة المصداقية. الطريقة الثانية هي أن نقول إن الإسراف هو أحد مصاديق الإضرار بالنفس؛ ولكن هذه الطريقة، على الرغم من إمكانها ثبوتًا، إلا أنه لا يوجد دليل إثباتي لها. من ثم، طرحنا الطريقة الثالثة التي تعتمد على قياس الأولوية؛ بمعنى أنه عندما يكون الإفراط في استخدام الأموال وإتلافها وحتى الإفراط في إنفاقها غير جائز، فبطريق أولى، إتلاف السلامة وإتلاف أعضاء الجسد لن يكون جائزًا.
لقد طبقنا هذا المطلب بشكل موردي على الآيات الدالة على حرمة الإسراف، وبالمناسبة، درسنا بعض الروايات أيضًا في ذيل الآيات، وعلمنا أن تطبيق بعض هذه الأدلة على الإضرار بالنفس ممكن عن طريق قياس الأولوية؛ لأن ملاك الحرمة الذي ورد في هذه الأدلة هو إتلاف الأموال؛ بينما إتلاف السلامة من وجهة نظر عقلائية له أهمية أكبر من إتلاف المال. بالطبع، هذه النقطة بصرف النظر عن التردد الموجود في أصل حرمة الإسراف في الأكل والشرب والإنفاق – الذي أردنا من خلال حرمتها إثبات حرمة الإضرار – موجودة. إذن، هذه النقطة يجب أن تُدرس في محلها.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
۱. ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد (١٣٦٧ش)، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم: مؤسسة إسماعيليان.
۲. ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا (١٤٠٤ق)، معجم مقاييس اللغة، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي.
۳. ابن منظور، أبو الفضل، جمال الدين، محمد بن مكرم (١٤١٤ق)، لسان العرب، بيروت: دار الفكر – دار صادر.
٤. الأردبيلي، أحمد بن محمد (١٤١١ق)، مجمع الفائدة والبرهان، قم: مؤسسة نشر إسلامي.
٥. الأنصاري (الشيخ الأنصاري)، مرتضى بن محمد أمين (١٤١٤ق)، رسائل فقهية، قم: مؤتمر تكريم الشيخ الأعظم الأنصاري.
٦. البرقي، أبو جعفر، أحمد بن محمد بن خالد (١٣٧١ق)، المحاسن، قم: دار الكتب الإسلامية.
٧. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩ق)، تفصيل وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
٨. الحكيم، السيد محسن الطباطبائي (١٤١٦ق)، مستمسك العروة الوثقى، قم: مؤسسة دار التفسير.
۹. الحلي (العلامة الحلي)، حسن بن يوسف بن مطهر (١٤١٠ق)، إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
۱۰. الحميري، عبد الله بن جعفر (١٤١٣ق)، قرب الإسناد، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
۱۱. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤١٧ق)، القواعد الفقهية والاجتهاد والتقليد (الهداية في الأصول)، مقرر: حسن صافي الأصفهاني، قم: مؤسسة صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
۱۲. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢ق)، مفردات ألفاظ القرآن، لبنان – سوريا: دار العلم – دار الشامية.
١٣. السبحاني، جعفر (١٤١٥ق)، الرسائل الأربع، قم: مؤسسة إمام صادق عليه السلام.
١٤. السند، محمد (١٤٢٤ق)، الشعائر الحسينية، قم: دار الغدير.
١٥. الشيباني، أحمد بن حنبل (بلا تا)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، القاهرة: مؤسسة قرطبة.
١٦. الشيرازي، السيد محمد الحسيني (١٤٢٥ق)، المال، أخذًا وعطاءً وصرفًا، بيروت: دار العلوم.
۱۷. ابن بابويه (الشيخ الصدوق)، محمد بن علي (١٤١٣ق)، كتاب من لا يحضره الفقيه، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
۱۸. الطبرسي، فضل بن حسن (١٤٠٨ق)، مجمع البيان، بيروت: دار المعرفة.
۱۹. الطريحي، فخر الدين (١٤١٦ق)، مجمع البحرين، طهران: كتابفروشي مرتضوي.
۲۰. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤١٠ق)، كتاب العين، قم: نشر هجرت.
۲۱. الفيومي، أحمد بن محمد المقري (بلا تا)، المصباح المنير، قم: منشورات دار الرضي.
۲۲. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ق)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
۲۳. المراغي، السيد مير عبد الفتاح بن علي حسيني (١٤١٧ق)، العناوين الفقهية، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٢٤. النراقي، المولى أحمد بن محمد مهدي (١٤١٧ق)، عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي.
٢٥. الواسطي الزبيدي، السيد محمد مرتضى الحسيني (١٤١٤ق)، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت: دار الفكر.
الهوامش
1. باحث في مركز فقهي أئمة اطهار (عليهم السلام)، mahdaviss32@gmail.com.