الملخص
من بين الأحاديث التفسيرية المعتبرة – والتي غالبًا ما تتأثر بمقام العصمة والإمامة للمعصومين (ع) – نجد حالات لم يعتمد فيها النبي الأكرم (ص) والأئمة الهداة (ع) بالضرورة على مقام عصمتهم وعلمهم الشخصي، بل توصلوا من خلال الدقة والتدبر في مفردات القرآن والاستناد إليها إلى استنباطات لطيفة. وكانوا يتوقعون من أتباعهم مثل هذه الاستنباطات، بل كانوا أحيانًا يستفهمون منهم ويعاتبونهم بعبارات استفهامية تعجبية مثل: «أما تقرأ هذه الآية…؟! أما قرأت…؟! أما سمعت الله يقول…؟!» لعدم استخلاصهم مثل هذه المعاني من القرآن. إن إعادة دراسة هذه الأحاديث – التي هي في الواقع مصاديق لتدبر المعصومين (ع) في القرآن وليست تفسيرًا أو تأويلاً – تكتسب أهمية بالغة؛ إذ تقدم أساليب ونماذج قيّمة للمهتمين بالتدبر في القرآن. تسعى هذه المقالة، بمنهج استكشافي-تحليلي ومن خلال البحث في التفاسير الروائية، إلى الإجابة عن هذا السؤال: ما هي أنماط التدبر في القرآن التي يمكن استخلاصها من ثنايا الأحاديث التفسيرية للمعصومين وتقديمها كأساليب ونماذج للتدبر؟ الأنماط المستخلصة هي: استنباط الدقائق من تقديم وتأخير الكلمات؛ الاهتمام بالآيات اللاحقة للوصول إلى معاني المفردات؛ استنباط الدقائق من البنية اللغوية للمفردات؛ تبيين الآيات بعضها ببعض؛ التدبر في ضوء مخاطبة القرآن؛ التدبر في قالب الدعاء وغيرها.
1. طرح المسألة
في بعض أحاديث المعصومين (ع) الواردة في ذيل آيات القرآن، تم شرح وتوضيح معنى ومفهوم بعض المفردات والعبارات، وذُكرت مصاديق لها، دون أن يكون فيها استدلال أو استناد خاص إلى ألفاظ الآيات. وفي بعض الأحاديث الأخرى، تم تأويل كلمات وعبارات وآيات من القرآن، وبُيّنت معانيها الباطنية وحقائقها الخارجية؛ وفي هذه الأحاديث أيضًا لم يُستدل أو يُستند إلى كلمات وعبارات الآيات، بل قام المعصومون (ع) ببيان هذا النوع من الأحاديث بالاعتماد على علم الإمامة الخاص بهم. وفي مجموعة ثالثة، على عكس الفئتين الأوليين، توصل المعصومون (ع) بالاستناد إلى بعض المفردات والعبارات والجمل في الآيات، وبالدقة والتدبر فيها، إلى استنباطات لطيفة. بعبارة أخرى، اهتم الأئمة الهداة (ع) في الفئة الأولى (الأحاديث التفسيرية) بالتفسير، وفي الفئة الثانية (الأحاديث التأويلية) بالتأويل، وفي الفئة الثالثة (الأحاديث التدبرية) بالتدبر في القرآن، وقدموا لأتباعهم أساليب ونماذج للتدبر والدقة في آيات القرآن.
تسعى هذه المقالة إلى بيان الفرق بين الأحاديث التدبرية والفئتين الأخريين، واستخراج أنماط منها في نطاق التفاسير الروائية الشيعية، خاصة تفسير البرهان للبحراني ونور الثقلين للحويزي، وإعادة دراسة بعض القواعد والأساليب المستخدمة فيها وتقديمها كأساليب ونماذج مناسبة للاستنباط من القرآن. بناءً على هذا، فإن السؤال الرئيس في هذه المقالة هو: ما هي أنماط التدبر في القرآن التي يمكن تحديدها في أحاديث المعصومين (ع)؟
في السنوات الأخيرة، حيث انفتح باب التدبر في القرآن أكثر من أي وقت مضى، وطُرحت ضرورة التدبر في القرآن في مجتمعنا بعناية وتشجيع من بعض العلماء والباحثين، وتشكلت بعض مدارس التدبر في القرآن، وأبدت مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب، اهتمامًا بهذا الموضوع، وربما اعتمدوا بعض الأساليب لتحقيق هذا الغرض، فمن الضروري إجراء المزيد من البحث حول التدبر في القرآن وأنماطه الصحيحة في أحاديث المعصومين (ع)، وتقديم الأساليب والنماذج القيمة للتدبر في القرآن.
فيما يتعلق بخلفية موضوع هذه المقالة، يمكن الإشارة إلى فئتين من الأعمال؛ 1. الأعمال المتعلقة بالتدبر وأساليبه. 2. الأعمال المتعلقة بتصنيف الأحاديث التفسيرية. بالنسبة للفئة الأولى، كُتبت أعمال عديدة؛ ولكن من المؤكد أن أيًا منها لا يغطي موضوع هذه المقالة؛ ومنها: «منهجية التدبر في القرآن» تأليف عبد العلي بازركان؛ حيث قدم المؤلف في هذا الأثر بعض القواعد لفهم صحيح للمفردات والعبارات والآيات واستنباط الدقائق منها، ولم يلتزم في تقديم أساليبه وطرقه بتبيين أنواع وأنماط التدبر في القرآن من قِبل المعصومين. «بحث حول التدبر في القرآن» تأليف ولي الله نقي بورفر؛ في هذا الكتاب أيضًا، طُرحت الخلفيات والمفاتيح والأصول والمباني والأساليب للتدبر، وبالطبع تمت الإشارة إلى بعض الأحاديث، لكنه لا يوجد أي التزام بتصنيف مصاديق التدبر في أحاديث المعصومين. «التدبر في القرآن، يشمل: الخلفيات، المفاتيح، الأصول، الطرق، المراحل، والنماذج» تأليف محمد بيستوني؛ هذا الكتاب في الواقع هو مختارات من الكتاب السابق، ومثله لا يتداخل مع موضوع هذه المقالة. «تعليم أساليب التدبر في القرآن (دورة من عشرة مجلدات)»، تأليف أحمدرضا أخوت؛ هذا الأثر أيضًا، على الرغم من تفصيله، لا يتداخل مع الموضوع الأصلي لهذه المقالة. هذا الكتاب يتناول بشكل أساسي أصول ومراحل وأساليب وطرق دراسة وفهم القرآن، وفي أي من مجلداته لا يتناول التعريف بأنماط تدبر المعصومين في القرآن. «منهج البحث الموضوعي في القرآن» تأليف محمد علي لساني فشاركي وحسين مرادي زنجاني؛ يقدم هذا الكتاب مراحل وأساليب للبحث والدراسة لموضوع معين في القرآن ولا علاقة له بموضوع هذه المقالة. «منهج البحث البنيوي في القرآن» تأليف محمد علي لساني فشاركي وحسين مرادي زنجاني؛ هذا الكتاب أيضًا يقدم مراحل ومقاطع لدراسة مفاهيم سورة ما، ولا يدخل في تصنيف أحاديث المعصومين بخصوص التدبر في القرآن.
فيما يتعلق بتصنيف الأحاديث التفسيرية، فقد تم تأليف العديد من الأعمال أيضًا.1 الأعمال الموجودة تصنف الأحاديث التفسيرية من جوانب مختلفة وفي فئات متنوعة، وتذكر نماذج لها؛ فئات مثل: أحاديث فضائل الآيات والسور، بيان المعاني اللغوية، الأحاديث التوضيحية، الأحاديث الفقهية، الأحاديث القصصية، رسم فضاء النزول، الأحاديث المبينة للحكمة وعلة تشريع الأحكام الإلهية، بيان المصاديق الظاهرية، الأحاديث التمثيلية، التشبيهية، التصويرية، بيان المعاني المجازية، بيان المعاني الرمزية، بيان المصاديق والمفاهيم الخفية، الأحاديث المعرفة بمقامات أهل البيت (ع) كمصاديق أتم للآية، الأحاديث الكاشفة عن المفاهيم الغيبية و….
من الواضح تمامًا أن تقديم كل هذه الأعمال وبيان اختلافها عن موضوع هذه المقالة غير ممكن في هذا المقال؛ ما يمكن قوله هو أن كل هذه الأعمال تندرج تحت تصنيف الأحاديث التفسيرية للمعصومين (ع)، ولم يصنف أي منها حالات التدبر في القرآن في أحاديث المعصومين.
منهج البحث في هذه المقالة هو منهج استكشافي-تحليلي، وقد تم جمع معلوماته بأسلوب مكتبي ووثائقي. وبما أن هذا البحث يسعى إلى تحديد حالات خاصة من الأحاديث، فقد استفدنا من المنهج الاستكشافي، وبما أن الأحاديث المكتشفة شكلت أساسًا لتقديم رؤى جديدة في بحث التدبر في القرآن، فقد استخدمنا المنهج التحليلي. لهذا الغرض، بالرجوع إلى التفاسير الروائية الشيعية مثل البرهان ونور الثقلين وبعض المصادر الروائية الأخرى، قمنا باستخراج الأحاديث التي توصل فيها المعصومون (ع) إلى استنباطات لطيفة بالاستناد إلى مفردات وعبارات القرآن (لا بالاعتماد على علمهم الشخصي ومصدر الإمامة)، وقمنا بتحليلها وتصنيفها، وفي النهاية، قدمنا أنماطًا منها مع نماذج من الأحاديث.
2. الفرق بين التفسير والتدبّر
التفسير علم تخصصي وخارج عن قدرة العامة، والله لم يدعُ إليه دعوة عامة. للتفسير مسائله ومباحثه الخاصة، ويتطلب علومًا وفنونًا متعددة كعلوم الأدب والبلاغة كشرط مسبق (الكافيجي، دون تاريخ، 27)، وبدون التمكن من هذه العلوم لا يمكن الدخول في هذا المجال. أما التدبر، فهو أعم من التفسير، وقد دعا الله إليه دعوة عامة (الخميني، 1373 هـ.ش، 191). إن التمكن والتخصص المطلوب في التفسير ليس ضروريًا في التدبر، ويمكن لمختلف الأفراد، بالتقيد ببعض القيود والشروط، وكذلك بالاستفادة من نتاج مباحث المفسرين، أن يسعوا إلى التدبر في ألفاظ الآيات واستنباط الدقائق والعثور على الرسائل واللطائف فيها.
التفسير، في الغالب، من جنس الشرح والتوضيح وحل المشكلات وتفصيل المجملات وبيان المتعلقات وتبيين المبهمات وتطويل الإشارات وتعيين المصاديق وإظهار المضمرات وتشخيص المقدرات ورفع وإرجاع موارد التضاد والتناقض و… أما التدبر، فهو أكثر من جنس استنطاق الآيات بهدف استخلاص النقاط والرسائل والكشف عن التناسبات والانسجامات وطرح الأسئلة وإبداء الدهشة وما شابه ذلك (للتفصيل حول الفرق بين التفسير والتدبر، انظر: نقي بورفر، 371؛ لساني فشاركي، 1394 هـ.ش، 161-171؛ خوشمنش، 1387 هـ.ش؛ محمد علي نجاد، 1394 هـ.ش؛ مرادي زنجاني، 1398 هـ.ش، 21).
يقول الإمام الخميني (ره) في بيان الفرق بين هذين المفهومين: «من الحجب الأخرى التي تمنع الاستفادة من هذه الصحيفة النورانية، الاعتقاد بأنه لا يحق لأحد الاستفادة من القرآن الشريف إلا بما كتبه المفسرون أو فهموه، وقد خلطوا بين التفكر والتدبر في الآيات الشريفة والتفسير بالرأي – الممنوع – وبهذا الرأي الفاسد والعقيدة الباطلة، جردوا القرآن الشريف من جميع فنون الاستفادة وجعلوه مهجورًا تمامًا. في حين أن الاستفادات الأخلاقية والإيمانية والعرفانية لا علاقة لها بالتفسير بأي وجه من الوجوه حتى تُحسب تفسيرًا بالرأي» (الخميني، 1373 هـ.ش، 191).
في بيان الإمام الخميني (ره)، الحجاب الذي يمنع الاستفادة من القرآن هو من جنس «الاعتقاد»؛ اعتقاد باطل وفاسد أدى إلى أن القرآن الكريم لم يعد قابلاً للاستفادة لعامة الناس. هذا الاعتقاد، في الواقع، هو «خلط للمبحث»؛ خلط بحث التدبر ببحث التفسير. هذا المعتقد للأسف قد ترسخ بين المسلمين وحرمهم من فيوضات القرآن، وبالتأكيد فإن طريق إنقاذ القرآن من الهجران هو أيضًا التفريق بين التفسير والتدبر وفتح باب التدبر أمام الناس.
عبارة «جميع فنون الاستفادة» في كلام الإمام الخميني (ره) تشير إلى أن كل شكل من أشكال الانتفاع والاستفادة من القرآن منوط بفتح طريق التدبر أمام الإنسان. إذا أُغلق هذا الباب، فلن يعود على الإنسان خير من القرآن. هذا التعبير من حضرة الإمام (ره) له جذور في أحاديث الرسول الأكرم (ص) والأئمة الهداة (ع) بخصوص أهمية التدبر، وهو بالتأكيد مستلهم منها؛ الأحاديث التي تعتبر القراءة بدون تدبر عديمة الفائدة وضائعة؛ مثل: «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتدبرها» (الطبرسي، 1379 هـ.ق، 2: 554)، وكذلك الحديث المعروف الذي يقول: «لا خير في قراءة ليس فيها تدبر» (الكليني، 1365 هـ.ق، 1: 36). (لمزيد من الدراسة حول الفرق بين التفسير والتدبر، راجع: مرادي زنجاني، 1398 هـ.ش، 86-96).
3. مكانة التدبر في القرآن وضرورته من منظور الأحاديث
قبل أن نتناول مكانة التدبر وضرورته من منظور الأحاديث، لا بد من الإشارة إلى أن الله في أربع آيات من القرآن الكريم، بأسلوب استفهامي وتعجبي – يتضمن نوعًا من العتاب والشكوى – دعا الجميع إلى التدبر، وأبدى استياءه من عدم التدبر في القرآن، وتساءل عن موانعه: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد: 24)؛ «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ» (ص: 29)؛ «أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ» (المؤمنون: 68)؛ «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» (النساء: 82). ثلاث من هذه الآيات بدأت بحرف الاستفهام «أ» مضافًا إليه «الفاء» (أف) وتلاها مباشرة فعل منفي «لا يَتَدَبَّرُونَ، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا». هذا الأسلوب البياني «أفلا… أفلم…» يتضمن توبيخًا وتشويقًا ودعوة، وفي الوقت نفسه، تعجبًا واستفهامًا (انظر أيضًا: الطباطبائي، 1397 هـ.ش، 5: 20؛ ابن عاشور، 1420 هـ.ق، 26: 95؛ ملاحويش، 1382 هـ.ق، 6: 29). وفي الآية 29 من سورة ص، حرف «اللام» في كلمة «ليدبروا» يشير بوضوح إلى أن التدبر جزء من حكمة نزول القرآن ووظيفة عامة (الطباطبائي، 1397 هـ.ق، 17: 197؛ فخر الرازي، 1420 هـ.ق، 26: 388).
التدبر في القرآن، في بيان الأحاديث، كان محل تأكيد وترغيب كبير؛ نذكر هنا بعض النماذج من هذه الأحاديث مع شرح موجز:
1. «تَدَبَّرُوا آيَاتِ الْقُرْآنِ وَاعْتَبِرُوا بِهِ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ الْعِبَرِ؛ تدبروا في آيات القرآن واعتبروا بها؛ فإنها أبلغ العبر» (التميمي الآمدي، 1366 هـ.ش، 111). في هذا البيان العلوي (ع)، طُرح التدبر كمقدمة ومهيئ للاعتبار (أخذ العبرة)، وبدونه لا تتوفر أرضية الاعتبار من آيات القرآن.
2. في حديث عن النبي الأكرم (ص)، تم تقديم التدبر في القرآن في مصاف فهم الآيات الإلهية، وبمثابة تمهيد له: «مَعَاشِرَ النَّاسِ، تَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ وَافْهَمُوا آيَاتِهِ…؛ يا أيها الناس، تدبروا القرآن وافهموا آياته…». ومن المثير للاهتمام أنه في تتمة هذا الحديث، تم افتراض مسألة تفسير القرآن كعمل تخصصي لا يقدر عليه الجميع، بل هو منوط بقادة الدين فقط (البحراني، 1415 هـ.ق، 2: 232).
3. قال الإمام الصادق (ع) مخاطبًا المفضل: لو أن الشيعة تدبروا في القرآن، لوقفوا على جميع فضائل أهل البيت (ع)، ولزال عن وجودهم كل شك وتردد. بعبارة أخرى، عدم التدبر في القرآن أدى إلى أن فضائل أهل البيت (ع) بقيت مخفية عن كثير من الناس، ولم يتضح لهم مقامهم ومكانتهم السامية: «يَا مُفَضَّلُ، لَوْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ شِيعَتُنَا لَمَا شَكُّوا فِي فَضْلِنَا» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 53: 26).
4. العبارة المشهورة «أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ» عن الإمام علي (ع) كلنا قد سمعناها، ولكننا قليلًا ما نلتفت إليها، وعمليًا لا نؤمن بها، ونفكر مع أنفسنا أنه من غير الممكن ألا تكون لقراءة القرآن أي فائدة. هذه الجملة وردت ضمن حديث طويل نسبيًا، وُضعت فيه القراءة بدون تدبر في مصاف العبادة بدون تفكر والعلم بدون تفهم: «…أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ، أَلَا لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ، أَلَا لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَكُّرٌ» (الكليني، 1388 هـ.ق، 1: 37). كون العلم بدون فهم والعبادة بدون فكر مسألة مشهورة ومقبولة؛ والآن، لماذا يجب أن يكون عدم فائدة القراءة بدون تدبر محل إنكار واستبعاد؟ حديث «وَيْلٌ لِمَنْ لَاكَهَا بَيْنَ لِحْيَيْهِ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهَا؛ ويل لمن يلوك القرآن بين فكيه ولا يتدبره» (الطبرسي، 1379 هـ.ق، 2: 554) يشير أيضًا إلى هذه الحقيقة.
4. أنماط تدبر المعصومين (ع) في القرآن
الأئمة الهداة (ع)، الذين أكدوا على مسألة التدبر إلى هذا الحد، قد أولوا هم أيضًا في تعاملهم مع القرآن عناية خاصة بالتدبر، وكانوا يشجعون أتباعهم دائمًا على التدبر، وكانوا يبدون استياءهم من عدم قدرتهم على إيجاد إجابات لأسئلتهم في القرآن، وعمليًا، كانوا يدخلونهم في هذا الجو بتقديم نماذج من التدبر.
في بعض الأحاديث، تكررت الجمل الاستفهامية-التعجبية بشكل ملحوظ، مثل: «أَمَا تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ…؟ أَمَا قَرَأْتَ…؟ أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ؟ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ؟ و…؛ ألم تقرأ هذه الآية؟ ألم تقرأ؟ ألم تقرأ هذه الآية؟ ألم تسمع أن الله يقول و…»؛ رسالة هذه التعبيرات الاستفهامية هي أنكم تقرؤون هذه الآيات ودائمًا ما تقرؤونها وتسمعونها، وربما تحفظونها عن ظهر قلب، لكنكم لا تلتفتون إليها ولا تستنطقونها ولا تتدبرون فيها، وأصلاً لا تعتبرونها محتوى لنكتة أو قول. هذه التعبيرات تحكي عن حقيقة أن أهل البيت (ع) كانوا يتعجبون ويندهشون من بعض أسئلة الصحابة وتصريحاتهم، كيف يمكن لمسلم أن يقرأ القرآن وفي الوقت نفسه لا يجد إجابة لمثل هذه الأسئلة! هل يمكن للإنسان أن يقرأ هذه الآية ويبقى مع هذا الشك والمشكلة؟ كان المعصومون (ع) في قالب هذه الأحاديث يسعون إلى دعوة شيعتهم للتدبر في القرآن للوصول إلى استنباطات مختلفة من الآيات. على سبيل المثال:
1. «عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) يَقُولُ: وَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا، فَالْحَسَنَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَالسَّيِّئَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّنْ يَرْتَكِبُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَغْلِبُ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ» (الحر العاملي، 1414 هـ.ق، 16: 103). اقتبس الإمام الصادق (ع) من آية: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا» جملة تحذيرية: «ويل لمن غلبت آحاده أعشاره؛ ويل لمن غلبت آحاد (سيئاته) أعشار (حسناته)»؛ الكثير منا قد قرأ وسمع هذه الآية الشريفة مرارًا، ولكننا لم نلتفت أبدًا إلى هذا التحذير الأساسي. يعلمنا الإمام (ع) في قالب هذا الحديث وبخطاب تأملي «أَمَا سَمِعْتَ»، أن نصغي جيدًا إلى آيات الله ونسمع الرسالة الكامنة فيها ولا نمر عليها مرور الكرام. قد تكون الآية في ظاهرها مجرد جملة خبرية، ولكنها تخفي عشرات التحذيرات والأوامر والنواهي والتوبيخ والدعاء وغيرها.
2. «… شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) مَا أَلْقَى مِنَ الْأَوْجَاعِ وَالتُّخَمِ، فَقَالَ: تَغَدَّ وَتَعَشَّ وَلَا تَأْكُلْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا فَإِنَّ فِيهِ فَسَادَ الْبَدَنِ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 63: 342). في هذا الحديث، قال الإمام الصادق (ع) لأحد أصحابه الذي كان يشكو من آلام جسدية: تناول طعامك صباحًا ومساءً فقط ولا تأكل شيئًا بين هاتين الوجبتين. ثم، في مقام الاستدلال، تلا آية من الآيات المتعلقة بالجنة: «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا». هنا أيضًا نلاحظ أن الإمام (ع) في مقام تعليم هذه النقطة الأساسية وهي أن آيات الجنة والنار ليست فقط للترغيب والترهيب، بل يجب علينا أيضًا أن نتعلم منها أسلوب الحياة الصحيح وآداب السلوك المادي والمعنوي.
3. «عَنْ مِسْمَعٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَمٌّ مِنْ غُمُومِ الدُّنْيَا أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَسْجِدَهُ وَيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَيَدْعُوَ اللَّهَ فِيهِمَا؟ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ»؟ (البحراني، 1415 هـ.ق، 1: 209). هنا أيضًا نلاحظ أن الإمام بقراءة جزء من آية، يعرب عن تعجبه من أننا لا نسمع الرسالة الواضحة والجليّة لهذه الآية. القرآن يقول بكل صراحة: «اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ»، ومع ذلك، نلجأ إلى كل شيء عند مواجهة المشاكل والمصائب إلا الصلاة!
4. «عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع): إِنَّ النَّاسَ قِبَلَنَا قَدْ أَكْثَرُوا فِي الصِّفَةِ، فَمَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: مَكْرُوهٌ، أَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى، تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ» (الصدوق، 1398 هـ.ق، 458). في هذا الحديث، يستنبط الإمام الباقر (ع) في رده على زرارة الذي سأل عن وصف ذات الله، من آية قصيرة من ثلاث أو أربع كلمات «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى» أمرًا أساسيًا يتعلق بالمباحث الاعتقادية والكلامية، ويقولون لا تخوضوا في وصف ذات الله تعالى، لأن منتهى كل شيء هو الله، وإذا أردتم البحث والحوار، فتحدثوا في غير ذات الله، وأكثر في ما يتعلق بأفعاله.
في هذا القسم، يُقدم أولاً تعريف لمفردات: النمط، التصنيف، والتدبر؛ ثم تُعرض أنماط تدبر المعصومين في القرآن.
«النمط» في اللغة؛ مرادف لكلمات مثل النوع، الطريقة، اللون، الشكل، الصنف، الفئة، إلخ. (عميد، 1350 هـ.ش، 793)، والتصنيف هو تقسيم البيانات وتنظيمها بناءً على خصائصها ووفقًا لمعايير خاصة (ساروخاني، 1380 هـ.ش، 2: 168). التصنيف في دراسات الحديث هو أيضًا نهج علمي لتصنيف الأحاديث يسعى إلى تنظيم الأحاديث في مجموعة متماسكة من خلال تقديم معايير خاصة. كما أن المقصود بالتصنيف في أبحاث التفسير الروائي هو التصنيف المنهجي والموضوعي للأحاديث القرآنية إلى أنواع مختلفة، مع مراعاة الخصائص النصية لكل نوع (راد، 1397 هـ.ش، 17). بناءً على هذا، فإن المراد من تصنيف أنماط التدبر في أحاديث المعصومين (ع) في هذا المقال هو: استعادة وتحديد مختلف أنماط تدبر المعصومين (ع) في القرآن، بناءً على المعيار الذي تم ذكره في بيان المسألة والمبدأ الذي طُرح بخصوص الفرق بين التفسير والتدبر.
«التدبر» في الأصل، مشتق من كلمة «دُبُر» التي تقابل «قُبُل» (ابن منظور، 1405 هـ.ق، 4: 268؛ الراغب الأصفهاني، 1412 هـ.ق، 1: 306). ترجمة «دبر» في اللغة الفارسية هي: خلف، وراء، بعد، مؤخرة، نهاية، مستقبل، غائب، ذيل كل شيء (دهخدا، 1377 هـ.ش، 7: 10462). بالتالي، التدبر يعني عدم الاكتفاء ببداية الشيء وظاهره، والسعي وراء استمراره ونهايته وعاقبته، والبحث عما وراء وما بعد كل شيء. بعض مكونات معنى التدبر في كلام الباحثين هي: التأمل في الألفاظ والمعاني والتبصر فيها (البيضاوي، 1418 هـ.ق، 2: 87)؛ التأمل في آية تلي آية أخرى (الطباطبائي، 1397 هـ.ش، 20: 5)؛ تتبع الآيات بشكل متتالٍ والتأمل في علاقاتها ببعضها البعض (المصدر نفسه، 5: 26)؛ وضع كل كلمة بعد كلمة أخرى بهدف توضيح القرآن بالقرآن (صادقي طهراني، 1419 هـ.ق، 10: 509)؛ النظر في عواقب الأمور وتأويل المسائل (الثعالبي، 1418 هـ.ق، 2: 269)؛ عدم التوقف عند ظواهر المعاني والأحداث والسعي لمعرفة ما وراءها (المدرسي، 1419 هـ.ق، 6: 338)؛ سماع القرآن (ابن أبي حاتم، 1419 هـ.ق، 3: 1014)؛ النظر والتفكر في غايات ومقاصد الكلام (المراغي، دون تاريخ، 5: 103)؛ طلب الهداية والدلالة من القرآن (النيسابوري، 1416 هـ.ق، 2: 457)؛ استخراج جواهر معاني القرآن بواسطة غوص الفكر والاستنباط (القشيري، دون تاريخ، 1: 35)؛ وضع أجزاء الكلام بعضها تلو بعض للوصول إلى معانٍ جديدة (صادقي طهراني، 1365 هـ.ش، 1: 237)؛ التدبر يعني حصول وتحقق مفهوم التدبير والاختيار والأخذ لعاقبة القرآن واستخلاص هذا المعنى من القرآن (مصطفوي، 1380 هـ.ش، 6: 102).
لا شك أنه لا يمكن إخراج أي من هذه الحالات من دائرة معنى التدبر؛ وفقًا للمعنى اللغوي للتدبر، يمكن لجميع هذه المكونات مع بعض الملاحظات أن تدخل في هذا المجال، وبالطبع يمكن إضافة مكونات أخرى إليها؛ مكونات جديدة ليست بالضرورة من جنس التفكير ومن صنف الاستنباط، ومثل معظم الحالات المذكورة، ليست مجرد فعل ونشاط، بل لها جانب من القبول والتبني أيضًا.
1-4. التدبر في تقديم وتأخير مفردات الآيات
مسألة تقديم وتأخير مفردات القرآن توفر مجالاً واسعًا للتدبر. وقد خُصص لهذا الموضوع باب خاص بين علوم القرآن المختلفة، بل وأُلفت فيه كتب مستقلة (على سبيل المثال، انظر: السيوطي، 1422 هـ.ق، 1400). يمكن العثور على العديد من الأحاديث التي يمكن فيها تتبع ومحاكاة دقة وانتباه المعصومين (ع) لهذه المسألة؛ منها:
1. يقول جابر: إن النبي الأكرم (ص) عندما دخل مكة، طاف بالبيت سبع مرات، ثم قرأ هذه الآية: «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى»، ثم صلى خلف مقام إبراهيم، ثم استلم الحجر الأسود. ثم قال: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ؛ بدأنا بما بدأ الله به»، ثم بدأ سعيه من الصفا وتلا هذه الآية: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ» (البقرة: 158) (القرطبي، 1405 هـ.ق، 2: 182). في هذا الحديث، انتبه النبي الأكرم (ص) إلى موضع الكلمات في هذه الآية، وبالاستناد إلى تقديم وتأخير كلمتي «الصفا والمروة»، قال إن السعي في مناسك الحج بين الصفا والمروة يجب أن يبدأ من الصفا وينتهي عند المروة؛ لأن كلمة «الصفا» في نص الآية جاءت قبل «المروة». تعبير «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ».
2. «عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع): تَابِعْ بَيْنَ الْوُضُوءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ابْدَأْ بِالْوَجْهِ ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ ثُمَّ امْسَحِ الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ، وَلَا تُقَدِّمَنَّ شَيْئًا بَيْنَ يَدَيْ شَيْءٍ تُخَالِفْ مَا أُمِرْتَ بِهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: ابْدَأْ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 2: 274). في هذا الحديث، أمر الإمام الباقر (ع) زرارة أولاً بخصوص الوضوء بمراعاة ترتيب أفعال الوضوء – كما ذُكر في القرآن – وفي النهاية قال في شكل توصية عامة: «ابْدَأْ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ».
3. في حديث، يؤكد الإمام الحسين (ع) نقلاً عن الإمام علي (ع)، بالإشارة إلى الآية 71 من سورة التوبة، على أهمية وأولوية ودور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المحوري مقارنة بباقي الفرائض الدينية، وفي هذا الصدد، يستندون إلى ذكر هاتين الفريضتين الإلهيتين قبل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله: «وَقَالَ: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَبَدَأَ اللَّهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَةً مِنْهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا إِذَا أُدِّيَتْ وَأُقِيمَتِ اسْتَقَامَتِ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا» (الحر العاملي، 1414 هـ.ق، 16: 130).
4. الإمام زين العابدين (ع) بالاستناد إلى ترتيب وتقديم وتأخير كلمات «الله، الملائكة، وأولوا العلم» في الآية الشريفة «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ…» (آل عمران: 18) والمقارنة التي جرت بينهم، يعظم مقام أهل العلم ويجعلهم قرناء الملائكة ويقول: «… فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ وَثَلَّثَ بِأُولِي الْعِلْمِ الَّذِينَ هُمْ قُرَنَاءُ مَلَائِكَتِهِ» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 1: 181). بناءً على هذا النوع من الأحاديث، يمكن القول إن ترتيب وتسلسل كلمات وعبارات القرآن له حساب وكتاب سماوي، ويحتوي على لطائف وإشارات كثيرة يمكن الوصول إلى بعضها في ضوء إرشادات قادة الدين.
2-4. الدور المحوري للآيات السابقة واللاحقة في الفهم الصحيح للمفردات
يتجه باحثو القرآن، حسب العادة القديمة وبهدف فهم معاني مفردات القرآن، إلى التراجم وكتب اللغة والتفاسير؛ إحدى الطرق التي يمكن أن تزيد من درجة اطمئناننا للمعنى الذي وجدناه لكلمات القرآن، أو تعلمنا المعنى الحقيقي لكلمات القرآن، هي الاهتمام الجاد بالعبارات والآيات التالية والسابقة والسياق لتلك المفردة قيد البحث. في تفسير كلمة «الصمد» في سورة الإخلاص، يبدو أنه كان هناك جدل بين أهل البصرة حول المعنى الدقيق لهذه الكلمة. الإمام الحسين (ع) في رسالة إلى أهل البصرة نهاهم عن الجدال في معاني ألفاظ القرآن وأحالهم إلى القرآن نفسه وقال إن الله نفسه قد فسر معنى «الصمد» في الآيتين التاليتين «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» (الصدوق، 1398 هـ.ق، 91). الإمام (ع) في هذا الحديث، أكثر من كونه في مقام تبيين معنى «الصمد»، يسعى إلى تقديم قاعدة كلية فيما يتعلق بفهم كلمات ومفردات القرآن، وتلك القاعدة هي أنه عند مواجهة كلمات وتراكيب غير مألوفة (غريب القرآن) لا نجادل بلا طائل ولا نكتفي بالمصادر اللغوية والتراجم والتفاسير، بل نتدبر أولاً في القرآن نفسه، خاصة في الآيات التالية والسابقة للآية، ونحصل على مقصود الله بشكل رئيسي من هذا الطريق، ثم نراجع المصادر الأخرى. يمكن تجربة نموذج من هذه الدقة والتدبرات الفعالة والحاسمة فيما يتعلق بكلمة «هلوع»: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا» (المعارج: 19). من المؤكد أن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة هو ما ذُكر في الآيتين التاليتين: «إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا» (المعارج: 20-21). الهلوع هو من يجزع ويتألم ويصرخ عند الشر والضرر، ويمنع الآخرين من الخير والنعمة عند الخير والرخاء.
3-4. استنباط الدقائق من البنية اللغوية للكلمات
البنية اللغوية (الصرفية والنحوية و…)2 لكلمات القرآن هي بلا شك مجال واسع للبحث والتدبر في القرآن. يمكن مشاهدة نموذج من هذا الاهتمام والدقة في حديث منقول عن تفسير البرهان. الإمام علي (ع) بالتركيز على البنية اللغوية لإحدى كلمات القرآن يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا» (البحراني، 1416 هـ.ق، 5: 220). في هذا النموذج، توصل الإمام بدقة في بنية كلمة «فَعَقَرُوهَا» (الشعراء: 157) التي جاءت بصيغة الجمع وليس المفرد، إلى نقطة دقيقة جدًا، ومن تلك النقطة توصل إلى قانون وقاعدة كلية. يبدو أن الإمام (ع) فكر مع نفسه؛ أن قاتل ناقة صالح كان شخصًا واحدًا، لذا كان يجب أن تكون الكلمة الكريمة بصيغة المفرد «فعقرها». كونها بصيغة الجمع يحمل هذه النقطة: على الرغم من أن قاتل ناقة صالح كان شخصًا واحدًا، إلا أن الراضين بهذا الفعل كانوا كثيرين، وقد نظر الله إليهم جميعًا كقتلة ونسب فعل «العقر» إليهم جميعًا. هذا الرضا والسخط هو ما يجعل الإنسان ينتمي إلى جماعة أو يخرج منها: «إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ». هذا الاستنباط من الإمام يوفر لنا مجالات متنوعة للتدبر في القرآن، لنتفكر في بنية مفردات القرآن ونستخلص منها النقاط والحكم والقوانين والقواعد؛ من كون الأفعال جمعًا أو مفردًا؛ من كونها للحاضر أو للغائب، ومن…
4-4. استنباط الدقائق من المفهوم العام للآيات
قادة الدين، كما كانوا يتوصلون إلى نقاط لطيفة من كلمة واحدة أو من بنية كلمة وعبارة؛ كانوا أحيانًا بالتركيز على آية ومفهومها العام يتوصلون إلى حقائق قيمة؛ يمكن مشاهدة نماذج من هذا الاستنباط في هذين الحديثين المشهورين عن أمير المؤمنين (ع): قال الإمام علي (ع): إن كل الزهد والورع قد لُخص في جملتين من القرآن: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ» (الحديد: 23)، فمن لم يأسف على ما فاته ولم يفرح بما أتاه، فقد أدى حق الزهد (السيد الرضي، 1414 هـ.ق، 553). وفي حديث آخر يقول الإمام (ع): «أَمَا إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَآيَةً تَجْمَعُ الطِّبَّ كُلَّهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا؛ إن في القرآن لآية تجمع الطب كله: كلوا واشربوا ولا تسرفوا» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 62: 267). هذه التصريحات من المعصومين هي نتاج تدبرهم وتعمقهم في القرآن. على الرغم من أنه لا شك في أن مقام الإمامة والعصمة لهؤلاء كان مؤثرًا في مثل هذه الاستنباطات من القرآن، إلا أن هذه المسألة لا تسقط عن الآخرين واجب الخوض في الآيات واكتشاف مختلف العلوم والمعارف من القرآن ومشاهدة حقائق الوجود في مرآة الآيات. كما أن المعصومين أنفسهم قد شجعونا ببيانات مختلفة على أن يكون لنا مثل هذا التوجه نحو آيات القرآن. قال الإمام السجاد (ع): «آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَكُلَّمَا فُتِحَتْ خِزَانَةٌ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْظُرَ مَا فِيهَا» (الكليني، 1388 هـ.ق، 2: 610). بالتالي، عند قراءة القرآن، من المستحسن أن نكون واعين، ونعتبر كل آية من آيات القرآن خزانة لا تنتهي تستحق التوقف والتأمل، لا المرور العابر. الجدير بالذكر أن علماء مثل الغزالي ذهبوا أبعد من ذلك، واعتبروا ليس كل آية بل كل كلمة من كلمات القرآن مدخلاً ومطلعًا لعلم (الغزالي، 1351 هـ.ق، 1: 289).
5-4. تبيين الآيات بعضها ببعض
مظاهر ومصاديق تبيين آيات القرآن بعضها ببعض في سبيل الفهم الصحيح للقرآن (التدبر في القرآن) في سنة وسيرة المعصومين (ع) كثيرة جدًا. النبي الأكرم (ص) والأئمة الهداة (ع) كانوا بالتأكيد يراعون قواعد وأصولاً خاصة في هذه الإحالات، يمكن من خلال استخراجها وتحليلها ودراستها الوصول إلى نموذج شامل في إحالة الآيات إلى بعضها البعض. على سبيل المثال، قال أمير المؤمنين (ع): «…فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. وَقَالَ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ. فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قِلٍّ، اسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَاسْتَقْرَضَكُمْ وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا…» (السيد الرضي، 1414 هـ.ق، 266). بناءً على هذا الحديث، يمكن لكثير من الآيات التي تحمل بيانًا كليًا، مثل آية «وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…» وأمثالها، أن تكون ذات جانب تبييني وتوضيحي بالنسبة لكثير من الآيات الأخرى. كما أن الإمام (ع) في هذا الحديث قد بيّن الطبيعة الحقيقية لطلب الله النصرة والقرض في ضوء هذه الآيات، بأن طلب الله النصرة ليس عن ذل وعجز، وطلبه القرض ليس عن فقر وحاجة.
6-4. المخاطبة مع كلام الله
حصيلة تدبر المعصومين (ع) لم تظهر دائمًا في شكل مطالب وقضايا اعتقادية وأخلاقية و…، بل اتخذت أشكالاً أخرى أيضًا. استنباطات المعصومين (ع) من القرآن تجلت أحيانًا في شكل مخاطبة مع القرآن. كانوا دائمًا يرون أنفسهم مخاطبين بآيات القرآن الكريم، وفي بعض الحالات عند قراءة القرآن، كانوا يقيمون علاقة ثنائية مع القرآن، وفي مقام مخاطبة كلام الله، كانوا ينطقون بعبارات، أحيانًا في تصديق فحوى الكلام، وأحيانًا في الإجابة على سؤال مطروح في الآية، وأحيانًا في مقام امتثال أمر الله الذي بُيّن في الآية. قراءة القرآن بهذا التوجه هي أحد أهم أركان التدبر في القرآن. بعض أنماط هذه المخاطبة هي كالتالي:
1. قال الإمام الصادق (ع): «بعد تلاوة آية «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»، قل مع نفسك: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وبعد تلاوة آية «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، قل مع نفسك: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 60: 246).
2. كان النبي الأكرم (ص) بعد إتمام سورة القيامة، وعند آية «أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى»، ينطق بعبارة «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبَلَى» (السيوطي، 1365 هـ.ش، 6: 296). وقد روي سلوك مشابه عن الإمام الرضا (ع) أيضًا (القمي، 1368 هـ.ق، 14: 46).
3. يروي أبو أمامة أنه صلى مع رسول الله (ص). كان حضرته بعد أداء فريضة الحج، يكرر تلاوة سورة القيامة. وعندما قرأ الآية الأخيرة: «أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى»، قال: «بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (السيوطي، 1365 هـ.ش، 6: 296).
4. حسب رواية الزبير بن العوام، قرأ النبي الأكرم (ص) في عرفة آية «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ» إلى آخرها «هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ثم قالوا: «وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يَا رَبِّ»، وفي رواية أخرى قالوا: «وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (المصدر نفسه، 2: 12).
5. يقول صالح بن مسمار: إن النبي الأكرم (ص) عندما قرأ آية «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟»، قال: «جَهْلُهُ» (المصدر نفسه، 6: 323). وفقًا لهذا الحديث الشريف، يمكن لكثير من الآيات التي تحمل أسئلة أن تكون محط اهتمام وتركيز الإنسان، ومن اللائق أن يجيب الإنسان على هذه الأسئلة.
6. نُقل عن الإمام علي (ع) أنه بعد قراءة آيات «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ» قال: «يَا لَهُ مَرَامًا مَا أَبْعَدَهُ! وَزَوْرًا مَا أَغْفَلَهُ! وَخَطَرًا مَا أَفْظَعَهُ! لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ! أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ؟ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ؟ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَادًا خَوَتْ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ، وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَرًا، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَرًا…؛ يا له من مرمى ما أبعده، وزائرين ما أغفلهم، وخطر ما أفظعه! لقد أخلوا منهم أي مدّكر، وتناولوهم من مكان بعيد! أفبمصارع آبائهم يفخرون؟ أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت، وحركات سكنت، ولأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا…» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 74: 434).
يُلاحظ في هذا الحديث الشريف كيف أن آيات سورة التكاثر التي نقرؤها عادة ونمر عليها، أصبحت أرضية لانتباه وتأمل وتدبر الإمام علي (ع)، وأساسًا لخطبة عظيمة. الإمام بقراءة سورة التكاثر، يبدي تعجبه وحيرته واستفهامه مرارًا وتكرارًا بشأن الأفراد الذين وقعوا في فخ التكاثر والتفاخر، وبهذا القرآن الصاعد الذي يضعه أمام القرآن النازل (سورة التكاثر)، يعلمنا أنه لا ينبغي أن نمر على آيات القرآن، بل يجب أن نبدي رد فعل تجاهها، ولو كان في حدود التعجب والاستفهام.
في رواية أخرى، قال حضرته عند تلاوة آية: «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»: «أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّةً، وَأَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً. لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ. يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ؟ وَمَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ؟ وَمَا آنَسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ؟ أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ؟ أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِهَا…» (المجلسي، 1403 هـ.ق، 68: 192). في هذا الحديث الشريف، يردد الإمام علي (ع) متوافقًا مع كلام الله، سؤال الله «مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ» بألفاظ وعبارات أخرى، ويواصل هذا التوبيخ الإلهي بألفاظ من عنده.
عبارة «كان إذا» التي تظهر كثيرًا في هذا النوع من الأحاديث، تحكي عن العادة الدائمة للأئمة الهداة (ع) في هذا النوع من المخاطبات مع كلام الله المجيد؛ مثلاً «وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ…» يعني أن عادة حضرته عند قراءة سورة التين كانت… (للتفصيل، راجع: مرادي ورحماني زاده، 1394 هـ.ش، 50).
7-4. الدعاء والتدبر في القرآن
حس المخاطبة مع كلام الله والتدبر في آيات القرآن في سيرة المعصومين (ع)، تجلى أحيانًا في قالب الدعاء. هنا قد يُطرح سؤال: كيف يمكن أن يُعتبر اقتباس الدعاء من القرآن تدبرًا؟ في الإجابة، يجب القول إنه وفقًا لما جاء في المعنى اللغوي والاصطلاحي، فإن التدبر من زاوية ما هو الاقتباس نفسه؛ أي أخذ قبس من الآيات؛ الآن، قد يكون هذا القبس فكرة أو دعاء أو شيئًا آخر. ما هو مؤكد هو أنه بدون توقف وتركيز ودقة في الآيات، لا يمكن اقتباس واستخراج هذه الأدعية.
1. روي عن النبي الأكرم (ص) أنه كان عند تلاوة آيات «فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا»، باقتباس من هذه الآيات نفسها، يقول: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا» (الحسكاني، 1411 هـ.ق، 1: 451).
2. حسب رواية عبد الرحمن بن كثير، قال الإمام الصادق (ع): «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى زَوْجَتِهِ فِي لَيْلَةِ بِنَائِهِ بِهَا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِأَمَانَتِكَ أَخَذْتُهَا، وَبِكَلِمَاتِكَ اسْتَحْلَلْتُ فَرْجَهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ جَعَلْتَ فِي رَحِمِهَا شَيْئًا فَاجْعَلْهُ بَارًّا تَقِيًّا مُؤْمِنًا سَوِيًّا وَلَا تَجْعَلْ فِيهِ شِرْكًا لِلشَّيْطَانِ. فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَهَلْ يَكُونُ فِيهِ شِرْكٌ لِلشَّيْطَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِإِبْلِيسَ: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ الْآيَةَ…؛ عندما يدخل أحدكم على زوجته في ليلة الزفاف، فليقل: اللهم بأمانتك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها، اللهم فإن جعلت في رحمها شيئًا فاجعله بارًا تقيًا مؤمنًا سويًا ولا تجعل فيه شركًا للشيطان. قال الراوي: قلت: جعلت فداك، وهل يكون فيه شرك للشيطان؟ قال: نعم يا عبد الرحمن، ألم تسمع قول الله تعالى لإبليس: «وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ»؟» (نفس المصدر). في هذا الحديث، يعلّم الإمام (ع) أصحابه، باقتباس من عبارة «وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ» (الإسراء: 64)، أن يقرؤوا هذا الدعاء عند نية المباشرة مع زوجاتهم: «اللَّهُمَّ فَإِنْ جَعَلْتَ فِي رَحِمِهَا شَيْئًا فَاجْعَلْهُ بَارًّا تَقِيًّا مُؤْمِنًا سَوِيًّا وَلَا تَجْعَلْ فِيهِ شِرْكًا لِلشَّيْطَانِ». هذا التعليم يفتح لنا بابًا واسعًا فيما يتعلق بالدعاء، حيث يمكننا أن نقتبس أدعية مختلفة من كل آية من آيات القرآن، حتى من قصص القرآن، وفي ضوئها نعرض حاجاتنا إلى الله، وفي الوقت نفسه نزيد من أنسنا بألفاظ وعبارات القرآن.
5. الاستنتاجات
1. النبي الأكرم (ص) والأئمة الهداة (ع)، وفقًا للرسالة التي يحملونها، قد رسموا ببراعة تامة أنماط التدبر اللائقة والمناسبة في القرآن ليقتدي بها أتباعهم في أحاديثهم، وقدموا نماذج من التدبر واستنباط الدقائق من ألفاظ القرآن. هؤلاء الذين أكدوا على مسألة التدبر إلى هذا الحد، كانوا هم أيضًا في تعاملهم مع القرآن يولون عناية خاصة للتدبر، وكانوا دائمًا يشجعون أتباعهم على التدبر، وكانوا يبدون استياءهم من عدم قدرتهم على إيجاد إجابات لأسئلتهم في القرآن، وعمليًا كانوا يدخلونهم في هذا الجو بتقديم نماذج من التدبر.
2. بالنظر إلى أن باب التدبر في القرآن قد أصبح أكثر انفتاحًا في مجتمعنا، وحتى أن بعض تيارات التدبر في القرآن قد تشكلت، وطُرحت أساليب وطرق لهذا الغرض، فمن الضروري إجراء المزيد من البحث فيما يتعلق بالتدبر في القرآن وقواعده وأساليبه في أحاديث المعصومين (ع)، وتقديم الأساليب والنماذج اللائقة للتدبر في القرآن لتجنب الأضرار المحتملة التي كانت دائمًا مطروحة في هذا المسار.
3. بالنظر إلى الضرورة المذكورة أعلاه، تم السعي في هذه المقالة إلى استخراج وتقديم أنماط من تدبر المعصومين (ع)، وليس تفسيرهم أو تأويلهم، كأساليب ونماذج عملية وتطبيقية. من الواضح تمامًا أن هناك أنماطًا أخرى كثيرة في هذا النوع من الأحاديث، مخفية دون أن يكون لها اسم أو علامة، وتتطلب بحث المحققين.
4. في الأحاديث التي ذُكرت في هذه المقالة كمظاهر ومصاديق لتدبر المعصومين (ع) في القرآن، كانت طبيعة النقاط المستنبطة من الآيات بحيث يمكن للأفراد غير المعصومين أيضًا الحصول عليها، وأصلاً كان صدور هذا النوع من الأحاديث بهدف تقديم نموذج وتشجيع وترغيب الأصحاب على التدبر في القرآن.
5. مسألة تقديم وتأخير مفردات القرآن توفر أرضية واسعة للتدبر؛ يمكن العثور على العديد من الأحاديث التي يمكن فيها متابعة ومحاكاة دقة وانتباه المعصومين (ع) لهذه المسألة.
6. إحدى طرق الوصول إلى المعنى والمفهوم الصحيح لمفردات القرآن هي الاهتمام الجاد بالعبارات التالية لها. هذه الدقة والانتباه في أحاديث المعصومين (ع) تُشاهد بكثرة أيضًا، وتوفر لنا أساليب ونماذج كثيرة للتدبر.
7. التدبر في بنية مفردات القرآن مثل كون الأفعال جمعًا أو مفردًا، حاضرًا أو غائبًا و…، هو مجال آخر لاستخراج اللطائف والظرائف من الآيات، وتوجد نماذج من هذا الاهتمام والدقة في أحاديث المعصومين يمكن الاقتداء بها.
8. قادة الدين، كما كانوا يتوصلون إلى نقاط لطيفة من كلمة واحدة أو من بنية كلمة وعبارة؛ كانوا أحيانًا بالتركيز على آية ومفهومها العام يتوصلون إلى حقائق قيمة؛ يمكن متابعة نماذج من هذا الاستنباط في بيان الأحاديث.
9. مظاهر ومصاديق تبيين آيات القرآن بعضها ببعض في سبيل الفهم الصحيح للقرآن (التدبر في القرآن) في أحاديث المعصومين (ع) كثيرة. النبي الأكرم (ص) والأئمة الهداة (ع) كانوا بالتأكيد يراعون قواعد وأصولاً خاصة في هذه الإحالات، يمكن من خلال استخراجها وتحليلها ودراستها الوصول إلى نموذج شامل في إحالة الآيات إلى بعضها البعض.
10. حصيلة تدبر المعصومين (ع) في القرآن تجلت أحيانًا في شكل مخاطبة مع القرآن. كانوا دائمًا يرون أنفسهم مخاطبين بآيات القرآن الكريم، وفي بعض الحالات عند قراءة القرآن، كانوا يقيمون علاقة ثنائية مع القرآن، وفي مقام مخاطبة كلام الله، كانوا ينطقون بعبارات، أحيانًا في تصديق فحوى الكلام، وأحيانًا في الإجابة على سؤال مطروح في الآية، وأحيانًا في مقام امتثال أمر الله الذي بُيّن في الآية.
11. حس المخاطبة مع كلام الله والتدبر في آيات القرآن في أحاديث المعصومين (ع)، تجلى أحيانًا في قالب الدعاء. هذا التعليم يفتح لنا بابًا واسعًا حيث يمكننا أن نقتبس أدعية مختلفة من كل آية من آيات القرآن، حتى من قصص القرآن، وفي الوقت نفسه نزيد من أنسنا بألفاظ وعبارات القرآن.
الهوامش
1. بعض المقالات والأطروحات التي تناولت تصنيف الروايات التفسيرية هي: بصيرتي برزكي، 1394 هـ.ش؛ بوركبيريان، 1394 هـ.ش؛ جلالي كندري وأميني، 1393 هـ.ش، 240-260؛ جلالي كندري وميثاقي، 1390 هـ.ش، 27-66؛ خاكبور، 1391 هـ.ش، 91-121؛ خالدي، 1396 هـ.ش؛ خوشدوني، 1396 هـ.ش؛ رستم نجاد، 1388 هـ.ش، 75-94؛ صفري، 1387 هـ.ش؛ عابدي وخاكبور، 1390 هـ.ش، 22-40؛ كوهي وآخرون، 1393 هـ.ش، 120-141؛ محفوظي وآخرون، 1394 هـ.ش، 160-176؛ مصلائي بور يزدي وديمه كاركراب، 1389 هـ.ش، 75-96؛ مهريزي، 1389 هـ.ش، 4-34؛ موسوي وخليلي، دون تاريخ، 58-76؛ ناصح وبهرامي، 1395 هـ.ش، 193-214؛ نوروزي وبرادران، 1393 هـ.ش، 26-44؛ نوروزي وبرادران، 1393 هـ.ش، 80-98؛ وحدتي شبيري، 1392 هـ.ش، 145-164.
2. السياق هو نفس أسلوب الكلام وكيفية ترتيب الكلمات والعبارات والنظم الخاص والسير العام للكلام (بابائي، 1381 هـ.ش، 120).