ملخص
يعدّ تقسيم حالات المكلّف بالنسبة للحكم الشرعي من التقسيمات المهمة في علم الأصول. يمكن أن تكون هذه الحالات من الموارد الثلاثة: القطع، أو الظن، أو الشك. لا شك في أن هذه الحالات تجري في حق المجتهد، وإنما موضع الخلاف هو شمولها للمقلِّد وكيفية تقليده للمجتهد. تتناول نظريتا الاختصاص والتعميم تحديد المراد من المكلّف، حيث إن لاختيار أيٍّ من هاتين النظريتين ثمرة مهمة في مسألة جواز رجوع المقلد إلى المجتهد. إن التبيين الدقيق لانسجام كل من هاتين النظريتين في تطبيق الحالات الثلاث للمكلّف في مواجهة الحكم الشرعي، والتأكيد على مسألة جواز التقليد كثمرة تطبيقية لكشف التناقضات المَبنوية بين النظريتين، هو من المناهج الجديدة في هذا البحث. وقد استعان هذا المقال بالمنهج الوصفي التحليلي والأدوات المكتبية للتحقيق. إن الحالات الثلاث؛ القطع والظن والشك، ثابتة في حق المكلّف، أعم من المقلِّد والمجتهد، والفرق الوحيد بينهما يكمن في طريق الوصول إلى الأحكام. بناءً على نظرية التعميم، تكون الأحكام الظاهرية، كالأحكام الواقعية، مشتركة بين العالم والجاهل؛ وعليه، فإن مسألة رجوع المقلِّد إلى المجتهد، القائمة على قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم، لا إشكال فيها، ومثل هذه الثمرة غير مقبولة في نظرية الاختصاص.
مقدمة
يمكن تصور حالات المكلّف في مواجهة الحكم الشرعي على ثلاثة أنحاء: القطع، والظن، والشك. في صورة القطع بالحكم الشرعي، يعمل بقطعه، وإذا كان لديه ظن، فإنه يعمل بالأمارات، وفي صورة وجود الشك، فإنه يرجع إلى الأصول العملية. يشير الشيخ الأعظم الأنصاري في كتاب الرسائل إلى هذا التقسيم الثلاثي، ويقسم كتاب الرسائل على أساسه. لا يوجد تردد في أن كلًا من الحالات الثلاث؛ القطع والظن والشك، تجري في حق المجتهد، وأن معنى المكلّف في هذا التقسيم يشمل المجتهد (الأنصاري، 1422، ج1، ص2)؛ إنما مَحلّ الخلاف هو شمول المكلّف للمقلِّد وكيفية رجوعه إلى المجتهد. إن تصور الحالات الثلاث للمجتهد بالنسبة لمسائل النساء مثالٌ لتصوير هذه المشكلة؛ لأن المجتهد ليس مكلَّفًا بالأمور الخاصة بالنساء، فإذا كان المراد من المكلّف هو المجتهد فقط، فإنه لا تكليف عليه بالنسبة لكثير من المسائل التي لا يُبتلى بها، وعليه فلا يحصل له قطع أو ظن أو شك. كذلك، في حال القول باشتراك معنى المكلّف بين المقلِّد والمجتهد، فإن تصور وتطبيق كل من القطع والظن والشك بالنسبة للمقلد يحتاج إلى تبيين وتحليل. بناءً على ما قيل، يطرح الآن هذا السؤال: على أساس نظريتي الاختصاص والتعميم القائمتين على الحالات الثلاث؛ القطع والظن والشك، من هو المقصود بالمكلّف؟ وما الثمرة المترتبة على اختيار كل من النظريتين؟ بعد البحث في الدراسات الحالية، لم يتم العثور على بحث مستقل يتناول هاتين النظريتين بدقة. إن تحليل ومواجهة نظريتي الاختصاص والتعميم وتبيين عدم انسجام مباني كل منهما بمنهج تطبيق الحالات الثلاث (القطع، والظن، والشك) للمكلّف في مواجهة الحكم الشرعي، يعد من إبداعات هذا البحث. كما أن التأكيد على مسألة جواز التقليد كثمرة مهمة وتطبيقية لمثل هذا البحث لكشف التناقضات المبنوية لنظرية الاختصاص وإثبات النظرية المنافسة هو من المناهج الحديثة الأخرى.
1. مفهوم المكلّف وتصوير محل النزاع
التكليف من جذر «ك ل ف»، وهو في اللغة بمعنى طلب أو أمر شخص بفعل شاق (ابن منظور، 1414، ج9، ص307؛ الفيروزآبادي، د.ت، ج3، ص192؛ الفيومي، 1414، ج1، ص538).
وفي الاصطلاح، عرّفه البعض بإرادة الشارع المتعلقة بالأمر (الطوسي، 1409، ج3، ص524)، وعرّفه آخرون بطلب أمر الشارع (الأنصاري، 1415، ج13، ص248) أو الشخص ذي الشأن (الحلبي، 1403، ص112)، وفسّرته طائفة أخرى بمعنى أمر من تجب طاعته (البحراني، 1406، ج1، ص114؛ مجمع البحوث الإسلامية، 1415، ص80).
ينقسم التكليف من حيث منشأ صدوره إلى شرعي وعقلي (المازندراني، 1421، ج9، ص241). التكليف الشرعي يضعه الشارع، أما التكليف العقلي فيُعرف بأنه وظيفة الشخص بمساعدة العقل (الحلبي، 1375، ص33). يُسمى مخاطَب التكليف بالمكلّف. وقد عرّف مشهور العلماء المكلّف على النحو التالي: الشخص العاقل البالغ الذي توجهت إليه الأحكام وخاطبه الشارع، وهذا الخطاب هو نفس أمر الشارع ونهيه (الذهني، 1380، ج4، ص352؛ المحمدي، 1387، ج1، ص6؛ مكارم الشيرازي، 1424، ج2، ص229). ذكر الشيخ الأعظم الأنصاري في كتاب الرسائل حالات المكلّف على أساس القطع والظن والشك كما يلي: «اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن» (الأنصاري، 1422، ج1، ص2).
2. نظرية «الاختصاص»
في نظرية الاختصاص، تكون حالات المكلّف المختلفة من قطع وظن وشك مختصة بالمجتهد، وأقسام حالات المكلّف الثلاثة لا تشمل المقلِّد. وذلك لأن المراد من التفات المكلّف إلى الحكم الشرعي هو الالتفات التفصيلي الذي لا يحصل إلا للمجتهد بحكم اطلاعه على مدارك الأحكام. في هذه الحالة، لا مكان لظن المقلِّد وشكه في هذا البحث؛ بعبارة أخرى، إن حصول حالات القطع والظن والشك فرع الالتفات التفصيلي إلى الحكم الشرعي، وهذا الالتفات مختص بالمجتهد. إن عمومية بعض مباحث القطع بالنسبة للمقلِّد لا تدل على أن المراد من المكلّف في هذا التقسيم أعم من المقلِّد والمجتهد. بالإضافة إلى أن طرح مثل هذه المباحث لا يُعد من مسائل علم الأصول، بل ورد على نحو الاستطراد، وهذه المسائل مختصة قطعاً بالمجتهد ولا محل لطرحها بالنسبة للمقلِّد. كما أن ادعاء شمول أدلة اعتبار الطرق والأصول للمقلِّد غير قابل للطرح؛ لأن الخطابات الواردة في تشخيص موارد ومجاري الأصول العملية والأمارات والقدرة على فهم مضامينها والفحص عنها مختصة بالمتمكن منها، والمقلِّد خارج موضوعاً عن تلك الخطابات، وفي هذه الحالة يكون المجتهد نائباً عنه. وعليه، فالمقلِّد لا أهلية له بأي حال لخطابات مثل «لا تنقض اليقين بالشك» في الشبهات الحكمية؛ لأنه في هذه الحالة، وبسبب غفلة المقلِّد، لم يحصل له شك ويقين حتى يتوجه إليه هذا الخطاب. وعلى فرض حصول الشك واليقين له أيضاً، فإنه لا يفيد في حجية الاستصحاب له إلا إذا كان مجتهداً (العراقي، 1422، ج3، ص2؛ النائيني، 1406، ج3، ص3).
2-1. أدلة نظرية الاختصاص
ترجع نظرية الاختصاص إلى منهج تقسيم الأحكام الشرعية إلى واقعية وظاهرية. الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم والجاهل، أما الأحكام الظاهرية فتختص بمن يصل بها إلى الحكم الشرعي. يقوم تقرير هذا المنهج على دليلين يتم تناولهما بالبحث والتحليل.
2-1-1. اختصاص الفحص وعدم المعارض بالمجتهد
الدليل الأول على أن الأحكام الظاهرية مختصة بمن يصل إلى الحكم الشرعي هو أن أدلة الأحكام الظاهرية (الأمارات والأصول العملية) متوقفة على الفحص وعدم وجود معارض، وهذه العمليات من شؤون المجتهد لا المقلِّد؛ لأن المقلِّد لا قدرة له على فحص الدليل المعارض للخبر حتى يتمكن من الجزم بالمعارض؛ بعبارة أخرى، أدلة الأحكام الظاهرية وإن كان فيها اقتضاء الشمول للمجتهد وغير المجتهد، إلا أن جريانها بالنسبة لغير المجتهد ممتنع لوجود المانع. والمانع هنا هو الفحص عن المعارض الذي يختص بالمجتهد (العراقي، 1422، ج3، ص2).
تحليل ومناقشة
تصح هذه الرؤية إذا كان وجوب الفحص مأخوذاً من دليل خاص، وكان للدليل الخاص دلالة على أن كل شخص يريد إجراء الحكم الظاهري، يجب عليه الفحص أولاً، في حين أنه من الواضح عدم وجود دليل يدل على أن الفحص يجري على نحو القطع الموضوعي في الأحكام الظاهرية. تجدر الإشارة إلى أن الأحكام الظاهرية تجري في حال عدم إمكانية وصول المكلّف إلى حجة على خلافها. على سبيل المثال، يكون الظهور الإطلاقي حجة في حال عدم وجود دليل على تقييده. بناءً على ما قيل، لم يؤخذ عنوان الفحص في جريان الأحكام الظاهرية، حتى يقال إن المقلِّد غير قادر على الفحص في الأحكام الظاهرية، بل المهم هو عدم وجود حجة مخالفة للحكم الظاهري بالنسبة للمكلّف الذي هو في معرض الوصول إليها في الأحكام الظاهرية. لذا عندما يكون مقتضى الإطلاق في الحكم الظاهري شاملاً للمجتهد والمقلِّد (ولكن بما أن الحجة على الخلاف لم تحصل للمقلِّد)، ففي هذه الحالة، يوجد مانع لهذا المقتضي، وعليه فإن فحص المجتهد وحده يمكن أن يكون طريقاً وسبباً لإزالة هذا المانع، حتى يمكن العمل على أساس الإطلاق في الحكم الظاهري (الصدر، 1417، ج4، ص15).
يعتقد الشهيد الصدر أن المقصود بالفحص هو أمر واقعي ونفس الأمري يقوم به المكلّف، وله خصوصية أن يكون في معرض الوصول إلى دليل مخالف، ولم تحصل له حجة على خلاف ذلك الحكم الظاهري (الصدر، 1417، ج4، ص15). فحص كل مجتهد هو طريق وسبيل لإحراز عدم الوصول إلى الحجة المخالفة، لا أن نفس القيام بالفحص هو موضوع لحجية الأحكام الظاهرية. بناءً على هذا، فإن الوظيفة المستفادة من الحكم الظاهري هي أمر واقعي مشترك بين المجتهد والعامي، وفي هذه الحالة، يكون رأي المجتهد مجرد طريق لإحراز ذلك، وتقليد العامي للمجتهد هو من باب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة. لذا لا فرق في العلم بهذا الحكم المشترك بين المقلِّد والمجتهد.
2-1-2. نفي وجود المقتضي لشمولية الأحكام الشرعية
يقوم الدليل الثاني على نفي وجود المقتضي لشمولية الأحكام بين المقلِّد والمجتهد؛ أي أن الأحكام مختصة بالمجتهد فقط. لتوضيح هذه الرؤية يمكن ذكر دليلين، إثباتي وثبوتي:
الدليل الإثباتي: عند مواجهة أدلة مثل «يأتي عنكما الخبران المتعارضان فبأيهما نأخذ؟» (الكاشاني، 1427، ج1، ص291)، نجد أن القائم بالتكليف قد بُيّن صراحة في لسان الرواية؛ إذ إن المجتهد وحده له شأنية مراجعة الأخبار ومواجهة خبرين متعارضين، وعنوان «الإتيان» متوجه إليه، لا إلى المقلِّد. وكذلك رواية «العمري ثقتي فما أدى إليك فعني يؤدي»، العمري وابنه كلاهما ثقة، وكل ما يقولانه لكما ويبلغانه فهو مأخوذ مني. عندما استُخدمت كلمة «أداء» في هذه الرواية التي تتعلق بالأخذ بالأدلة الظاهرية، يُفهم أن عنوان الوصول مأخوذ في أدلة الأحكام الظاهرية، وعليه ففي حال عدم وصول شيء، لا يوجد حكم ظاهري (المنصوري، 1427، ج1، ص183).
الدليل الثبوتي: مفاد هذا الدليل أن حقيقة الأحكام الظاهرية هي الطريقية؛ أي أنها لا تملك مبادئ في متعلقاتها، بل وظيفتها الوحيدة هي المنجزية والمعذرية في حال عدم الوصول إلى الحكم الواقعي. بل المبادئ مختصة بمتعلقات الأحكام الواقعية، وهذه الرؤية هي نظرية المحقق النائيني وأتباع مدرسته. يعتقد هؤلاء في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي أنه لا يوجد تضاد بين الأحكام الظاهرية والواقعية؛ لأنه بسبب عدم وجود مبادئ في متعلقات الأحكام الظاهرية، لا يقع أي تنافٍ بين مبادئ الأحكام الظاهرية ومبادئ الأحكام الواقعية (المنصوري، 1427، ج1، ص183).
عندما يريد الشارع أن يجعل الحكم الظاهري في حق الجاهل، يمكن تصور صورتين: إما أن تُجعل مبادئ الحكم الظاهري في حقه، أو أن يُجعل نفس الحكم الظاهري له. الصورة الأولى غير ممكنة الجعل؛ لأن الحكم الظاهري لا مبادئ له ليجعلها الشارع. وإذا كان المقصود الصورة الثانية (جعل نفس الحكم الظاهري)، ففي هذه الحالة لا يترتب عليه أثر وفائدة؛ لأن المكلّف الجاهل عندما لا يصله الحكم الظاهري، لا يعود للتنجيز والتعذير معنى في حقه، وبالتالي يكون مثل هذا الجعل لغواً. لذا فإن أنصار الرؤية المذكورة يقولون بنظرية الاختصاص ويعتقدون أن المقصود بالمكلّف هو المجتهد فقط.
تحليل ومناقشة
في تحليل ونقد الدليل الإثباتي يمكن القول إن أدلة الأحكام الظاهرية ليست مختصة بمثل هذه الخطابات وأمثالها، وإلا فكيف يمكن تبرير الخطابات المطلقة مثل «رفع ما لا يعلمون»؛ لذا فإن هذه الخطابات مطلقة ولم يختصصها أي من الأصوليين بالمجتهد (الأنصاري، 1422، ج2، ص29)، وخطابات مثل «فعني يؤدي» وأمثالها ليست موضوعية، بل أُخذت فيها الطريقية.
يمكن الرد على النظرية المشار إليها في الدليل الثبوتي بطريقتين. أولاً، أن هذا البيان مبني على أصل أن الأحكام الظاهرية مفرغة من المصالح والمفاسد الموجودة في متعلقاتها. وبهذا البيان، عندما يريد المكلّف أن يحتاط يقول: «لا تشرب هذا السائل»، النهي في هذا المورد ليس بسبب وجود مفسدة في متعلق هذا النهي، بل هو لأن المكلّف قد يرتكب الحرام الواقعي. هذا الأصل وإن استخدمه عدد كبير من الأصوليين بعد المحقق النائيني، إلا أن الاستناد إليه لا يخلو من إشكال. لأنه وإن كانت حقيقة الحكم الظاهري هي الطريقية، إلا أن طريقيتها لا تعني أنها بلا مبادئ، بل هي طريقية دالة على أنها ذات مبادئ ومستقلة عن مبادئ الحكم الواقعي، بل إن مبادئها ناشئة من مبادئ الحكم الواقعي. لذا لا يوجد من هذه الجهة تضاد بين مبادئ الحكم الظاهري ومبادئ الحكم الواقعي.
الجواب الثاني على الرؤية المذكورة هو أنه في حال قبول معنى الطريقية في الأحكام الظاهرية، وهي نظرية أتباع مدرسة المحقق النائيني، وكذلك قبول مسألة أن الحكم الظاهري يختص بمن يصل إليه الحكم. في هذه الحالة، الإشكال الوارد على هذه النظرية هو: ما المقصود بالوصول؟ إذا كان المراد من هذا الوصول هو الوصول الوجداني، فهذا لا يوجب اختصاصه بالمجتهد وعدم وجود سبيل لغيره. لأن عند جميع الأصوليين، الأمارة قائمة مقام العلم، لذا يجب أن يكون المراد بالوصول هنا أعم من الوجداني والتعبدي، وفتوى المجتهد بالنسبة للمقلِّد هي في الواقع نفس إيصال الحكم الظاهري. وفي هذه الحالة، يكون وصول الحكم الظاهري بيد الجاهل على أساس فتوى المجتهد قد تم على نحو تعبدي. وعليه، فإن الأحكام الظاهرية، حتى على فرض اختصاصها بمن وصلتهم، ستشمل في هذه الحالة المقلِّد أيضاً، وبهذا البيان تكون الأحكام الظاهرية مشتركة بين العالم والجاهل على حد سواء، وبالتالي سيكون رجوع المقلِّد إلى المجتهد من باب رجوع الجاهل إلى العالم.
3. نظرية «التعميم»
على خلاف نظرية الاختصاص، تعتبر نظرية التعميم المكلّف أعم من المجتهد والمقلِّد. قال عدد كبير من الأصوليين بهذه النظرية، ويعتقدون أنه لم يُقم دليل معتبر على اختصاص الأدلة بالمجتهد في الحكم الأصولي والفرعي. على سبيل المثال، حكم حجية خبر الواحد والحكم الشرعي الفرعي الذي يحكيه الخبر، هو واحد لكل من المقلِّد والمجتهد. لذا، فالحكم الأصولي والفرعي موجود لكليهما، والمقلِّد يُعتبر كالمجتهد. وعليه، إذا وجد المكلّف قطعاً بحكم ما، عمل به دون الحاجة إلى الرجوع للمجتهد، وإذا لم يحصل له قطع، ولكن كان لديه طريق معتبر للوصول إلى الحكم الشرعي (والطريق المفترض الوحيد هو فتوى المجتهد)، فإنه يعمل به، وإذا لم يحصل له مثل هذا الطريق المعتبر وكان شاكاً في الحكم، فإنه يرجع إلى الأصول العملية.
ما قيل كان يتعلق بالحالات الثلاث للمكلّف بالنسبة للحكم الشرعي الواقعي، وفي الحكم الظاهري الأمر كذلك. إذا حصل للمقلِّد في مورد ما قطع بفتوى المجتهد، فإنه يعمل بقطعه. وإذا حصل له طريق معتبر للحكم الشرعي، كأن يخبره عادلان بفتوى المجتهد، فإنه يأخذ به، وإذا لم يحصل له مثل هذا الدليل المعتبر، فإنه يرجع إلى الأصل. وعليه، إذا كان لديه يقين بفتوى المجتهد وشك في تبدل رأيه، فإنه يستصحب بقاء ذلك الحكم. إذا أفتى أحد المجتهدين بالوجوب والآخر بالحرمة، ففي هذه الحالة يدور الأمر بين المحذورين والمكلّف مخير. وإذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب الصلاة قصراً والآخر بتمامها، ففي هذه الحالة الاحتياط واجب على المكلّف، إلا إذا قام إجماع على عدم وجوب مثل هذا الاحتياط، ففي هذه الحالة، بناءً على ما يدعيه الشيخ الأعظم الأنصاري، يكون المكلّف مخيراً (الخوئي، 1422، ج2، ص6).
خلاصة القول أن الفرق الوحيد بين المجتهد والمقلِّد في هذا البحث هو في خصوصية الطريق والأمارات. طريق وسبيل المجتهد للوصول إلى الأحكام هو الكتاب والسنة، وطريق المقلِّد للوصول إلى الحكم الشرعي هو فتوى المجتهد فقط، وكما أن ظواهر الكتاب والسنة حجة للمجتهد، فإن ظواهر كلام المجتهد (فتواه) حجة للمقلِّد، لذا مع جريان الحالات الثلاث؛ القطع والظن والشك، في حق المقلِّد والمجتهد، فإن المقصود بالمكلّف لا يختص بالمجتهد بل هو أعم من المقلِّد والمجتهد.
3-1. تقرير الشهيد الصدر لنظرية التعميم
يعتقد الشهيد الصدر أنه لإثبات نظرية التعميم وعدم اختصاص المكلّف بالمجتهد، يكفي ذكر موارد يكون فيها للمقلِّد إحدى الحالات الثلاث، ويكون مأموراً بوظيفته، وهذا الإثبات يتحدى النظرية المنافسة في الجملة، ونتيجة لذلك تثبت نظرية التعميم. يقول سماحته إن غير المجتهد (المقلِّد) يعلم أنه مكلّف بتنفيذ أحكام الله سبحانه؛ لذا في مواجهة كل واقعة، إما أن يحصل له قطع بحكم سلبي أو إيجابي، مثلاً إما أن تكون المسألة ضرورية (مثل حرمة الخمر) أو يكون يقينها ناشئاً من الإجماع (مثل حرمة العصير العنبي المغلي قبل ذهاب ثلثيه)، أو لا يحصل للمقلِّد مثل هذا القطع.
بناءً على ذلك، في الحالة الأولى (حصول القطع للمقلِّد)، يكون القطع في حقه كقطع المجتهد بالحكم الشرعي، له حجيته. وفي الحالة الثانية (عدم حصول القطع)، إما أن يحصل للمقلِّد ظن معتبر ومناسب كفتوى المجتهد التي توصل إليها المجتهد بالضرورة أو بالإجماع، ففي هذه الحالة يعمل المقلِّد بالظن وهذا الظن حجة له. أو لا يحصل للمقلِّد قطع، أو لا قدرة له على الوصول إلى فتوى المجتهد، أو لا يوجد مجتهد يمكنه الوصول إلى فتواه، أو لا قطع له بحجية الفتوى، وينتهي الأمر به إلى الشك، ففي هذه الحالة يحكم العقل استقلالاً بوظيفته، وهي البراءة أو الاشتغال أو التفصيل حسب الموارد (الصدر، 1417، ج1، ص9).
وعليه، فإن جميع المراحل التي جرت في حق المجتهد، تجري وتسري على المقلِّد أيضاً، ولكن الفرق الوحيد بينهما هو قلة بعض مصاديق العلم والعلمي في حق غير المجتهد في الوصول إلى الحكم، وهذه المسألة لا تؤدي إلى تخصيص المكلّف بالمجتهد حصراً.
تحليل ومناقشة
تقرير الشهيد الصدر لإثبات نظرية التعميم لا يخلو من إشكال؛ لأن القائلين بنظرية الاختصاص يجيبون على الإشكال الذي أورده الشهيد الصدر على نظرية الاختصاص بأن المكلّف الذي تحصل له الحالات الثلاث؛ القطع والظن والشك، ليس المراد بالظن هو الظن المطلق الحاصل حتى يقال إنه حصل الظن بفتوى المجتهد، بل المراد بالظن في هذه المسألة هو الظن المعتبر الذي بُحث عنه في علم الأصول وهو مسألة أصولية. وقد أوضح المرحوم البجنوردي هذا المطلب قائلاً إن تقييد وحصر المكلّف بالمجتهد سببه أن أساس تشخيص المسائل الأصولية هو أنها كبريات يمكن أن تقع في طريق استنتاج الأحكام الشرعية. لذا، فإن الحالات الثلاث للمكلّف (القطع والظن والشك) بالنسبة لغير المجتهد لا علاقة لها بمثل هذه الكبريات التي هي مسائل علم الأصول. وعليه، فإن البحث والنقاش حول حدوث هذه الحالات لغير المجتهدين يقع خارج علم الأصول. لأن الأصولي لا يبحث بأي حال عن حدوث حالات غير المجتهد التي لا علاقة لها بعلم الأصول (البجنوردي، حسن، 1415، ج2، ص3). ونتيجة لذلك، فإن الإشكال الرئيسي الذي يورده أتباع نظرية الاختصاص على نظرية التعميم هو الخلط بين الظن المعتبر في البحث الأصولي والظن المعتبر بشكل مطلق. ويبدو أن هذا الفهم للظن بأنه الظن المعتبر الأصولي لا دليل عليه، وعلى فرض صحة هذا الفهم للظن، فإن الحالتين الأخريين، أي القطع والشك، تجريان قطعاً في حق المقلِّد، وهذا وحده كافٍ لإثبات نظرية التعميم.
4. ثمرة البحث في نظريتي الاختصاص والتعميم
من الثمرات المهمة والأساسية المترتبة على هاتين النظريتين مسألة جواز التقليد. في حال قبول نظرية الاختصاص، يكون جواز تقليد المقلِّد للمجتهد مشكلاً، ولكن بناءً على نظرية التعميم يرتفع الإشكال. عندما يُقبل أصل شمول الأحكام الظاهرية للعالم والجاهل، ففي هذه الحالة إذا أراد المقلِّد أن يرجع في أحد الأحكام الشرعية إلى المجتهد، فإن هذا الرجوع إلى الحكم يكون مشتركاً بينهما. مثل مراجعة المريض للطبيب، فالدواء الذي يصفه الطبيب لمرض معين يشمل كليهما معاً بالتساوي، والفرق الوحيد هو أن الطبيب على علم بعلاج هذا المرض والمريض (الجاهل) لا يعلم، فهذا المورد سيكون من باب رجوع الجاهل إلى العالم. وتصح هذه القاعدة إذا وجدت حقيقة وواقعية مشتركة بين العالم والجاهل بالتساوي.
أما إذا قلنا إن الأحكام الظاهرية تختص بالعلماء فقط ولا تشمل الجهال، ففي هذه الحالة، وبناءً على مباني نظرية الاختصاص، تكون الأحكام الظاهرية مختصة بمن علم بذلك الحكم. لذا عندما يصل المجتهد إلى حكم من الأحكام الظاهرية، ويريد المقلِّد في هذا الحكم أن يرجع إلى المجتهد، يطرح في هذه الحالة سؤال حول ماهية فتوى المجتهد التي يرجع إليها المقلِّد ويقلده فيها.
بناءً على ذلك، إذا أفتى المجتهد بالحكم الواقعي، تكون الفتوى بلا علم وهي غير مقبولة؛ لأن المفروض أن المجتهد لا علم له بالحكم الواقعي. وإذا أفتى بالحكم الظاهري، يظهر إشكال أن الحكم الظاهري الذي توصل إليه المجتهد غير موجود في حق المقلِّد. على سبيل المثال، موضوع جريان الأصل العملي هو المكلّف الشاك، والحال أن المقلِّد لم يتوجه إليه تكليف حتى يشك في حكمه ويجري الأصل العملي. لأنه لم يلتفت إلى الحكم، فكيف يفتي المجتهد في حقه بمؤدى الأصل؟ نعم، صحيح أن المجتهد يشك في هذا الحكم الشرعي، ولكن بناءً على المبنى المطروح، لم يتوجه إليه تكليف حتى يصل إلى الحكم الشرعي؛ لذا، بناءً على هذا البيان، فإن من توجه إليه التكليف (المقلِّد) لا يشك في الحكم الشرعي، ومن شك في الحكم الشرعي (المجتهد) لم يتوجه إليه تكليف، وعليه ففي هذه الحالة لا يوجد موضوع لإجراء الأصل العملي في حق المجتهد.
بناءً على هذا، لا يمكن للمقلِّد أن يرجع إلى المجتهد في الأحكام الظاهرية؛ لعدم وجود حقيقة وواقعية مشتركة بينهما، بل وفقاً لهذا المبنى، سيكون قبول نظرية الاختصاص أكثر صعوبة؛ لأن استنباط الأحكام الظاهرية كأحكام النساء سيكون محل إشكال بسبب عدم ابتلاء المجتهد بها.
وعليه، فإن لازم قبول نظرية الاختصاص هو أولاً إثبات صحة جواز إفتاء المجتهد، وثانياً جواز رجوع المقلِّد إلى المجتهد، وهذه المسألة مبنية على مباني نظرية الاختصاص، القائمة على اختصاص الأحكام الظاهرية بمن يعلمون بالحكم الشرعي. لأن مبنى قبول رؤية الاختصاص في صحة رجوع المقلِّد إلى المجتهد يقوم على أصل رجوع الجاهل إلى العالم. لذا، في حال تجاهل أصل رجوع الجاهل إلى العالم، سيكون جواز التقليد من المجتهد محل تشكيك.
4-1. تقرير الميرزا النائيني في جواز تقليد المقلِّد من المجتهد
يقدم المحقق النائيني، بناءً على مبانيه القائمة على طريقية الأمارة وكاشفيتها عن الواقع، تقريراً للإشكال المطروح في جواز فتوى المجتهد ورجوع المقلِّد إليه، مفاده أن الأمارة في هذه المسألة بعد جعل الحجية لها من جانب الشارع، تتحول إلى دليل علمي، وفي هذه الحالة، وإن لم يكن المجتهد عالماً بالحكم وجداناً، إلا أنه ببركة قيام الأمارة على الحكم الواقعي، يصبح عالماً به تعبداً؛ لذا فالمفروض في المسألة أن الحكم الواقعي مشترك بين العالم والجاهل، وفي هذه الحالة تكون فتوى المجتهد فتوى بهذا الحكم الواقعي المشترك بينه وبين المقلِّد، وهذا الحكم الواقعي معلوم تعبداً للمجتهد، ولا إشكال في أن يكون التقليد أيضاً من باب رجوع الجاهل إلى العالم تعبداً (الخوئي، 1422، ج2، ص8).
وقد أورد الشهيد الصدر في توضيح هذا البيان ما يلي: في التكاليف والموارد التي يوجد فيها حكم ظاهري، على فرض قبول نظرية اختصاص المكلّف بالمجتهد، يمكن للمقلِّد أن يرجع إلى فتوى المجتهد. الحكم الظاهري وإن كان مختصاً بالمجتهد، إلا أن كلاً من المقلِّد والمجتهد سيصبحان عالمين بالحكم الواقعي المشترك تعبداً، ومقتضى دليل التعبدية هو حكومة دليل الإفتاء على العلم، وفي هذه الحالة يكون اتباع المقلِّد للفتوى هو الذي نُزّل منزلة الحكم الواقعي بواسطة هذا التعبد. ومثل هذا البيان قائم على القاعدة ولا يحتاج إلى إلحاق وإضافة دليل آخر (الصدر، 1417، ج4، ص11).
تحليل ومناقشة
الإشكال الأول: إذا تم قبول مبنى الطريقية والكاشفية للمحقق النائيني، فإنه سيكون له تطبيق في باب الأمارات فقط، لا الأصول العملية؛ لأن حجية الأصول العملية هي باعتبار الوظيفة العملية، وليس لها أي كاشفية عن الواقع، لذا فإن بيان المرحوم النائيني أخص من المدعى.
الإشكال الثاني: تقرير المحقق النائيني لا عمومية له في الظن – بالإضافة إلى عدم جريانه في الأصول العملية – وهو مقبول فقط على أساس مسلك يجعل الحجية بمعنى «جعل ما ليس بعلم علماً»؛ لذا على أساس مبنى المنجزية والمعذرية في الأمارات، وكذلك مبنى جعل الحكم المماثل، لن يكون قابلاً للقبول.
الإشكال الثالث: لا شك أن الأمارة قائمة مقام القطع الطريقي، وكذلك على مبنى المحقق النائيني قائمة مقام القطع الموضوعي أيضاً. في هذه الحالة، يكون المجتهد عالماً بالواقع تعبداً، ويجوز له أن يفتي بما قامت عليه الأمارة، وأن ينسبه إلى الشارع. وفي الواقع، هذا هو أثر ونتيجة جانشينية الأمارة في مقام القطع الموضوعي. إلا إذا قيل إن جواز الإسناد إلى الشارع وجواز الإفتاء هو حكم شرعي محض يختص بالمجتهد، وما كان محور الحديث هو الحكم الشرعي المختص بالمقلِّد، فهل يجوز للمقلِّد في هذا الحكم الشرعي الخاص أن يرجع إلى المجتهد أم لا؟ فإذا كان المجتهد عالماً بالحكم الواقعي وجداناً، فلا نزاع في صحة رجوع المقلِّد إليه، أما إذا كان المجتهد عالماً بالواقع تعبداً، ففي هذه الحالة نقول إنه لا إشكال في جانشينية الأمارة في مقام القطع الموضوعي حتى يصبح المجتهد بواسطتها عالماً بالواقع تعبداً، ولكن في هذه الحالة، يطرح سؤال: هل يمكن إطلاق عنوان «الخبير والمتخصص» على المجتهد أم لا؟
الجواب بالنفي؛ لأن ملاك رجوع المقلِّد إلى المجتهد ليس مجرد علم المجتهد التعبدي بالواقع، بل ملاك هذا الرجوع هو خبرة المجتهد وتخصصه. والعلم بالواقع عن طريق التعبد لا يتضمن هذا العنوان؛ لذا في هذه الحالة لا يمكن للمقلِّد أن يرجع إلى المجتهد، وعليه يبقى إشكال رجوع المقلِّد قائماً.
لتوضيح المطلب، يمكن طرح هذا السؤال: هل القطع الموضوعي المأخوذ في جواز رجوع المقلِّد إلى المجتهد، هل هو قطع قائم على أساس الكاشفية عن الواقع أم على أساس صفة القطع؟ المراد بالقطع الموضوعي على أساس صفة القطع هو حصول العلم من طريق خاص. ذلك أن سيرة العقلاء في باب رجوع الجاهل إلى العالم تجري في حالة كون علم العالم ناتجاً عن فن وعلم وعمليات تخصص وخبرة، لا أن يكون هذا العلم حاصلاً بأي وسيلة كانت مثل المكاشفة أو العلوم الغريبة؛ لذا إذا حصل لشخص قطع بحكم عن طريق منام رآه للإمام المعصوم (ع)، فإن تقليد المقلِّد له في هذا المورد غير جائز؛ لعدم جريان السيرة في مثل هذه الموارد. وكذلك على مبنى المحقق النائيني، في حال اعتبار صفة القطع، لن تكون الأمارة نائبة عنها، بل الأمارة تنوب فقط في حال الكاشفية عن الواقع، عن القطع الموضوعي.
حاصل المطلب أن المجتهد في هذا التقرير فاقد لصفة الخبرة والتخصص؛ لذا فإن موضوع رجوع الجاهل إلى العالم لم يتحقق، ومثل هذا التقرير لرجوع المقلِّد إلى المجتهد على أساس قاعدة «رجوع الجاهل إلى العالم» غير تام وفيه إشكال.
4-2. تقرير الشهيد الصدر في جواز تقليد المقلِّد من المجتهد
يسعى الشهيد الصدر في مسألة رجوع المقلِّد إلى المجتهد، بإلحاق وضميمة بيان خاص وتوسعة في الموضوع، إلى تقديم تقرير للمسألة خالٍ من الإشكال.
يسمي الشهيد الصدر الضميمة التي ستؤدي إلى تصحيح تقرير المحقق النائيني للمسألة بـ«فرض التنزيل». وبهذا البيان، تُفرض حالة وموقع المجتهد منزلة الفرد العامي، ويُفرض فحص وبحث المجتهد في هذه الحالة بمنزلة بحث الفرد العامي. وكذلك يقين المجتهد بالحالة السابقة وعلمه بالمعلوم الإجمالي يُنزّل منزلة يقين الفرد العامي. وعليه، في هذه الحالة بلا شك، التكاليف التي يصل إليها المجتهد ستشمل المقلِّد أيضاً. وفيما يتعلق بوظائف المكلّف بناءً على الأدلة العقلية مثل قبح العقاب بلا بيان أو منجزية العلم الإجمالي، يجب فرض أن جعل الحكم المماثل للحكم العقلي قد تم، بحيث يؤدي إلى البراءة والاحتياط الشرعيين في حق الفرد العامي؛ لأنه من الواضح أن التنزيل هنا من حيث الحكم العقلي غير معقول.
وفيما يتعلق بإثبات كيفية الاستفادة من دليل جواز التقليد، وهو سيرة العقلاء، يمكن القول إن ما يُفهم في أذهان المتشرعة من أدلة التقليد هو رجوع العامي إلى المجتهد، حتى يطبق على نفسه بمثل هذه المراجعة ما يطبقه المجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي، بحيث إن ما يثبته في حق نفسه هو عين ما يثبت في حق المجتهد من درجات إثبات الواقع أو التنجيز والتعذير بالنسبة للحكم الشرعي (الصدر، 1417، ج4، ص13). وهذا التقرير لا يجد معناه إلا في حال بيان الشهيد الصدر لرؤية «فرض التنزيل»؛ لذا بناءً على ما بُيّن، يتم اكتشاف ثبوت مثل هذا التنزيل والتوسعة في الموضوع بالنسبة للوظائف الظاهرية في الأدلة بالدلالة الالتزامية.
تحليل ومناقشة
رؤية الشهيد الصدر غير مقبولة بناءً على نظرية التنزيل؛ لأن سيرة العقلاء، كأحد أهم أدلة التقليد، مبنية على رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة، ونظرية التنزيل لا قدرة لها على مواجهة مثل هذا الدليل؛ لأن سيرة العقلاء في التقليد مبنية على مراجعة أهل الخبرة لتشخيص الحكم المشترك، في حين أنه بناءً على نظرية الاختصاص، لن يكون لمثل هذه المراجعة منشأ عقلائي. لذا فإن نظرية التنزيل لا تنسجم مع مفاد سيرة العقلاء. بالإضافة إلى ذلك، لم يُقدم دليل شرعي أو عقلي مبني على تنزيل حالات المجتهد منزلة المقلِّد. والإشكال الآخر على هذه النظرية هو أنه بناءً على نظرية الاختصاص، تكون صحة فتوى المجتهد في بعض الموارد محل تشكيك، ولا تصل النوبة إلى التقليد من المجتهد. لأنه بناءً على نظرية التنزيل، لا يمكن للمقلِّد أن يقلد المجتهد إلا إذا كان المجتهد متيقناً من عدالته وأعلميته أو مساواته (بناءً على تقليد مرجعين متساويين)، ومع ذلك، تُنزّل حالات المكلّف منزلة المجتهد ويجد الحكم الظاهري للمجتهد معنى للفرد العامي؛ لذا في حال لم يكن للمجتهد مثل هذا العلم بعدالته وأعلميته، ولم يحصل له يقين بأن حكمه الظاهري يكون للعامي حتى يفتي به. ولأن المجتهد بناءً على مبنى الاختصاص، لا يمكنه أن يفتي إلا في الأحكام التي يبتلي بها، وتصور حالات المكلّف وتنزيل حالات المكلّف عليه لن يكون جارياً، ونتيجة لذلك لن تكون فتواه صحيحة أيضاً (الحسيني الحائري، 1380، ج1، ص186).
النتيجة
حاصل القول أن الفرق الوحيد بين المجتهد والمقلِّد في هذا البحث يكمن في خصوصية الطريق. فطريق وسبيل المجتهد للوصول إلى الأحكام هو الكتاب والسنة، وطريق المقلِّد للوصول إلى الحكم الشرعي هو فتوى المجتهد فقط، وكما أن ظواهر الكتاب والسنة حجة على المجتهد، فإن ظواهر كلام المجتهد (فتواه) حجة على المقلِّد؛ وعليه، فمع جريان الحالات الثلاث؛ القطع والظن والشك، في حق المقلِّد والمجتهد، فإن المكلّف لا يختص بالمجتهد، بل يشمل المقلِّد والمجتهد معاً.
يعد جواز تقليد المقلِّد للمجتهد من الثمرات المهمة والأساسية المترتبة على نظريتي الاختصاص والتعميم. ففي حال تبني نظرية الاختصاص، يواجه جواز تقليد المقلِّد للمجتهد إشكالاً. فبناءً على مباني نظرية الاختصاص، القائمة على اختصاص الأحكام الظاهرية بالعلماء، تكون الأحكام الظاهرية مختصة بالأشخاص الذين توصلوا إلى ذلك الحكم. وعليه، فإن فتوى المجتهد بالحكم الواقعي تكون فتوى بغير علم، وفتواه بالحكم الظاهري في حق المقلِّد غير موجودة. وعلى هذا الأساس، لا يستطيع المقلِّد الرجوع إلى المجتهد في الأحكام الظاهرية، لأنه لا توجد حقيقة وواقع مشترك بينهما. وكذلك استنباط الأحكام الظاهرية، كأحكام النساء، سيكون محل إشكال لعدم ابتلاء المجتهد بها.
بناءً على نظرية التعميم، فإن الأحكام الظاهرية، كالأحكام الواقعية، لا تختص بالعلماء، بل هي مشتركة بين العالم والجاهل. وعليه، فإن مسألة رجوع المقلِّد إلى المجتهد، القائمة على قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم، تكون في الحكم المشترك وبلا إشكال. وفي النهاية، بناءً على نظرية الاختصاص، طُرح تقريران لإشكال رجوع المقلِّد إلى المجتهد، وهما تقرير المحقق النائيني والشهيد الصدر، وقد رُفضا ولم يُقبلا.
المصادر
1. ابن منظور، محمد بن مكرم (1414). لسان العرب، الطبعة الثالثة، بيروت: دار صادر.
2. الأنصاري، محمد علي (1415). الموسوعة الفقهية الميسرة، الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
3. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1422). فرائد الأصول، الطبعة السادسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
4. البجنوردي، حسن (1415). منتهى الأصول، الطبعة الثانية، قم: مكتبة بصيرتي.
5. البحراني، ابن ميثم (1406). قواعد المرام، تحقيق حسيني، الطبعة الأولى، قم: مكتبة النجفي.
6. البروجردي، حسين (1373). جامع أحاديث الشيعة، الطبعة الثالثة، قم: مهر.
7. الحسيني الحائري، كاظم (1380). مباحث الأصول، الطبعة الثانية، بيروت: دار البشير.
8. الحلبي، أبو صلاح (1403). الكافي في الفقه، تحقيق أستادي، الطبعة الأولى، أصفهان: مكتبة أمير المؤمنين (ع).
9. الحلبي، تقي بن نجم (1375). تقريب المعارف، تحقيق فارسي تبريزيان، الطبعة الأولى، بيروت: مطبعة الهادي.
10. الخوئي، سيد أبو القاسم (1422). مصباح الأصول، الطبعة الأولى، قم: مكتبة الداوري.
11. الكاشاني، محمد محسن فيض (1427). كتاب الوافي، الطبعة الأولى، قم: عطر عترت.
12. الذهني الطهراني، محمد جواد (1380). تحرير الفصول في شرح كفاية الأصول، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة الإمام المنتظر (عج).
13. الصدر، محمد باقر (1417). بحوث في علم الأصول، بتعليقات حسن عبد الساتر، الطبعة الأولى، قم: الدار الإسلامية.
14. الطوسي، محمد بن حسن (1409). التبيان، تحقيق أحمد حبيب العاملي، الطبعة الأولى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
15. العراقي، ضياء الدين (1422). نهاية الأفكار، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
16. الفيروزآبادي، فخر الدين (د.ت). قاموس المحيط، بيروت: دار العلم.
17. الفيومي، أحمد بن محمد (1414). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، الطبعة الثانية، قم: مؤسسة دار الهجرة.
18. الكليني، محمد بن يعقوب (1342). الكافي، الطبعة الرابعة، طهران: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع.
19. المازندراني، محمد صالح (1421). شرح أصول الكافي، تحقيق أبو الحسن شعراني، الطبعة الأولى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
20. مجمع البحوث الإسلامية (1415). شرح المصطلحات الكلامية، الطبعة الأولى، مشهد: آستانة رضوية.
21. المحمدي، علي (1387). شرح رسائل، الطبعة العاشرة، قم: دار الفكر.
22. مكارم الشيرازي، ناصر (1424). أنوار الأصول تقرير الأبحاث، الطبعة الثانية، قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).
23. المنصوري، أياد (1427). البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة من حلقات علم الأصول، الطبعة الأولى، قم: حسنين.
24. النائيني، محمد حسين (1406). فوائد الأصول، الطبعة الأولى، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية مؤسسة النشر الإسلامي.