ملخص
حتى ما قبل الآخوند الخراساني، كان الأصوليون يرون عدم الإجزاء في الأصول العملية كما هو الحال في الأمارات، وقد انتقد بعض الأصوليين المعاصرين مثل المرحوم النائيني والخوئي رأي الآخوند. من وجهة نظرهم، فإن حكومة أدلة الأصول العملية هي، في أقصى تقدير، حكومة ظاهرية، ووظيفتها الكاملة منوطة ومشروطة بالشك في الحكم الواقعي. ومع انكشاف الحكم الواقعي، لا يبقى مجال لتصور الحكومة حتى يكون للبحث عن الإجزاء معنى. يستمر هذا الحوار، وقد دافع البعض عن رأي الآخوند، معتبرين أن الفهم الصحيح للقضية منوط بالتحليل الدقيق للعلاقات بين الأدلة. لقد ظن منتقدو الآخوند أنه تكلم عن حكومة أدلة الأصول العملية على الأحكام الواقعية للطهارة والنجاسة، بينما هو في الحقيقة يتكلم عن حكومة الأدلة على آثار الطهارة والنجاسة. والحكومة في هذا المستوى لا تؤدي إلا إلى إجزاء المأتي به عن المأمور به الواقعي، وليس لها نتيجة أخرى.
المقدمة
من بين مسائل علم الأصول مسألة إجزاء المأمور به عن الأمر. والمقصود بهذا العنوان بشكل عام، هو اقتضاء كفاية المأمور به عن الأمر إذا أُتي به وفقاً لشروطه. لقد طرح معظم الأصوليين المعاصرين هذه المسألة، بسبب هيمنة نظام كتاب (كفاية الأصول) على كرسي علم الأصول في الحوزات العلمية، في سياق مباحث دلالة الأمر وصيغته. ولكن كما نبه الآخوند وغيره، فإن هذه المسألة لا ترتبط بالألفاظ ودلالة صيغة الأمر، بل هي من الملازمات العقلية. ولكن نظراً لأن النظام الموجود في كفاية الأصول يفتقر إلى مدخل مستقل تحت عنوان الملازمات العقلية، فقد اضطر الآخوند إلى إدراجها ضمن المسائل المتعلقة بمباحث الألفاظ، وتحديداً في تتمة صيغة الأمر. وبالطبع، توجد بعض التوجيهات التي يمكن على أساسها الدفاع عن إدراج هذا البحث في تتمة صيغة الأمر وطبيعته اللفظية، ولكن الدافع الأكبر هو نظام كفاية الأصول نفسه الذي حدد لها هذا الموضع. في بعض المؤلفات الحديثة مثل (أصول الفقه) للمرحوم المظفر، تم فصل مسألة الإجزاء ومقدمة الواجب والضد تماماً عن المباحث الأخرى وأُدرجت تحت عنوان الملازمات العقلية. على أي حال، فإن دراسة هذه المسألة من منظور المرحوم الآخوند، الذي له مكانة معروفة في تدوين المسائل وابتكار النظريات الأصولية، تعد من حيث المحتوى والمنهج مفيدة وملهمة، كما أنها تظهر، بشكل خاص، ديناميكية وتطور الاجتهاد في الفقه الإمامي؛ خاصة وأن الآخوند قد نظر في هذه المسألة من زاوية جديدة ونقد الفكر المشهور. إن مبناه في التفريق بين الأصول العملية والأمارات يكمن في اختلاف لسان جعلهما؛ فمن وجهة نظر الآخوند، لسان أدلة الأصول العملية مثل الاستصحاب وأصالة الطهارة وأصالة الحلية وأمثالها هو لسان الحكومة، وبهذه الميزة يفسر أدلة اشتراط الجزئية والمانعية في الواجبات المركبة. وبناءً على ذلك، إذا أحرز المكلف بعض الشروط أو الأجزاء في فرض الشك أو نفى المانع في واجب مثل الصلاة بالأصول العملية وصلى معتمداً عليها، فإن انكشاف الخلاف في المستقبل ليس له أي تأثير، وهذه الصلاة نفسها تكفي عن المأمور به الواقعي.
ورغم أن هذه النظرية قد لاقت استحساناً من بعض الأصوليين المعاصرين، إلا أنها واجهت انتقادات من بعض تلاميذ الآخوند والأصوليين البارزين مثل المرحوم النائيني والخوئي. فمن وجهة نظر أمثال النائيني، لا يمكن أن يكون تفريق الأصول العملية عن الأمارات بناءً على لسان الدليل مجدياً؛ لأن الأصول والأمارات كلها مسبوقة بالشك ومشروطة به، وإذا كان هناك تفسير أو إشراف، فإنه يكون على المستوى الظاهري وفي ظرف الشك، لا أن يتمكن حقيقةً من بسط أو قبض شرط أو جزء أو مانع في الواجبات المركبة. وبناءً على ذلك، بارتفاع الشك، ينتهي كل شيء، ويجب على المكلف أن يتخذ قراراً بشأن التكليف الواقعي الذي فاته.
دراسة المفهوم
1. الإجزاء
كما أوضح المرحوم الآخوند في بداية هذا البحث تحت عنوان أمور مقدماتية، فإن مصطلح (الإجزاء) ليس مصطلحاً خاصاً، بل استُخدم في تركيب «الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء» بمعناه اللغوي نفسه.1 جاء فيه: «الظاهر أن الإجزاء هنا استُخدم بمعناه اللغوي نفسه؛ أي الكفاية. وإن كان ما يقع مُكفياً مختلفاً؛ فإن إتيان المأمور به الذي له أمر واقعي يكفي عن الأمر الواقعي ويوجب سقوط التعبد به، ومن ثم لا يلزم إتيانه مجدداً. وكذلك، إتيان المأمور به الذي له أمر اضطراري وظاهري، يجزئ عن القضاء خارج الوقت ويوجب سقوط القضاء بالنسبة للأمر الواقعي. وبناءً على ذلك، فإن مصطلح الإجزاء في هذا المبحث لم يصبح مصطلحاً خاصاً في سقوط التعبد أو سقوط القضاء». (الخراساني، 1409هـ: 82). كما يلاحظ، فإن الإجزاء من وجهة نظر المرحوم الآخوند هو بمعنى الكفاية، وأن تفسير البعض له بإسقاط التعبد مجدداً أو إسقاط القضاء ليس صحيحاً، بل هذه من لوازم معناه. نعم، ما وقع البحث فيه في الفقه والأصول هو (ما يكفي عنه)؛ أي، بمنهج فقهي وأصولي في الإجزاء، وبتعبير المرحوم الأصفهاني، يُطرح شيئان: الأول، ما يكفي، والثاني، ما يكفى عنه. (الأصفهاني، نهاية الدراية، 1429هـ: 1/369). وبما أن (ما يكفى عنه) يرتبط بالإعادة والقضاء، فإن الإجزاء يُستخدم بالنسبة لهما؛ مثلاً، في الأمر الظاهري يُقال: «الصلاة مع التيمم في ظروف الاضطرار مجزئة»؛ أي أن الصلاة مع التيمم في ظروفها الخاصة تجزئ عن الصلاة مع الوضوء، وفي حال رفع الاضطرار لا تلزم الإعادة والقضاء. أو في مورد الأمر الظاهري يُقال: «الصلاة مع استصحاب الطهارة مجزئة»؛ أي أن «الصلاة» مع الوضوء الاستصحابي تكفي عن الصلاة مع الوضوء الواقعي والحقيقي، وفي حال انكشاف خلاف الظاهر، لا يلزم قضاؤها وإعادتها. على أي حال، معنى الإجزاء واضح، والمراد به كفاية إتيان المأمور به بالنسبة لأمر نفسه؛ أي إذا أدى المكلف عملاً وفقاً للشروط التي أُمر بها، فلا تلزم إعادته في داخل الوقت أو قضاؤه في خارج الوقت. بالطبع، أشار الآخوند في أمثلته إلى كفاية الأمر الاضطراري والظاهري عن الأمر الواقعي، وهو ناظر إلى البحث المستقبلي. ما كان من اللازم والأفضل طرحه هنا هو كفاية المأمور به مطلقاً عن أمره نفسه؛ أي أن إتيان المأمور به، سواء كان واقعياً أم اضطرارياً أم ظاهرياً، يكفي عن أمره نفسه، وبالتالي يوجب سقوط ذلك الأمر. وقد أشار الآخوند إلى هذه المسألة بشكل عام مسبقاً في العنوان. (الخراساني، كفاية الأصول، 1409هـ: 81). لذلك، وكما ذكر بعض المعاصرين وشراح فكر الآخوند، فإن طرح سقوط القضاء في الأوامر الاضطرارية والظاهرية هنا سابق لأوانه، وإن كان صحيحاً من حيث المحتوى ومباحث المستقبل. (الفيروزآبادي، عناية الأصول، 1400هـ: 1/258؛ فاضل اللنكراني، أصول فقه الشيعة، 1381ش: 4/9).
2. الأصول العملية
الأصول العملية هي قسم من أقسام الحكم الظاهري، والقسم الآخر هو الأمارات. الأمارات جُعلت لإحراز الواقع، ومن هذا المنطلق هي بالضرورة طريق ظني يكشف عن نسبة من الواقع؛ مثل خبر الواحد. أما الأصول العملية، فهي تبين فقط تكليف المكلف في مقام الشك، ولا علاقة لها بالواقع ونسبة كشفه.2 في الواقع، الأصول العملية مثل أصالة البراءة هي حلول لإنقاذ المكلف من الحيرة، لا لتوضيح حكم ذلك الموضوع المشكوك. (الصدر، 1418هـ: 2/23). إذن، الأدلة التي تكشف عن الحكم الشرعي بشكل كشف غير تام، تسمى أمارات، وما لا يستطيع كشف الحكم الشرعي وليس له جانب كشف الواقع، فهو من الأصول العملية: «الأصل حكمي يُجعل للمكلف في مقام الشك، ولم يلحظ فيه جهة الكشف والنظر إلى الواقع». (المشكيني، 1374ش: 56). كما أوضح الأصوليون، الشك في الأصول العملية يُتخذ موضوعاً، ومع الحفاظ عليه يُعين للمكلف وظيفة عملية. فإذا لم يتمكن الفقيه من استنباط حكم مثل التبغ من المصادر الموجودة وبقي في شك، تأتي نوبة التمسك بالأصل العملي، الذي هو في موضعه مبين للحكم، ولكن ليس حكم ذلك الموضوع المشكوك، بل حكم ما يجب على المكلف الشاك أن يفعله في هذه الظروف. إذن، الأصول العملية في بيان الحكم الشرعي مثل الأمارات، وكلاهما يبين الحكم الظاهري في ظروف يكون فيها الحكم الواقعي مشكوكاً؛ لأن الأمارات أيضاً، مثل العلم، ليس لها «كاشفية قطعية» عن الواقع، بل هي توجب الظن بالواقع على الأكثر. ولكن شرعاً، هذا المقدار من الكشف الناقص معتبر بدلاً من العلم، وبتعبير المرحوم النائيني، تم تتميمه. وهذه الميزة إما غير موجودة في الأصول أو لم تلحظ أصلاً، وبناءً عليها، يُخلَّص المكلف فقط من الحيرة تجاه ذلك الموضوع المشكوك. نتيجة لذلك، تُصنف الأصول العملية من حيث بيان الحكم في ظروف الجهل بالواقع مثل الأمارات، وكلاهما من الأحكام الظاهرية. ولكن وفقاً لترتيب كفاية الأصول الذي شكّل نظام علم الأصول في العصر الحاضر، خُصص المقصد السابع من علم الأصول للأصول العملية، وفُصلت مسائلها عن الأمارات. لقد طرح المرحوم الآخوند الأمارات قبل الأصول العملية في المقصد السادس لبحث وظيفة وحجية أمور مثل القطع، والظواهر، والإجماع، وخبر الواحد. والميزة المشتركة لهذه الفئة من الأدلة هي الكاشفية وإحراز الواقع. ولكن في الوقت نفسه، بحث مقتضى الأمارات والأصول في مسألة الإجزاء، باعتبارهما من الأحكام الظاهرية، في مقام واحد، وقد استمر الأصوليون بعده على هذا المنهج.
تحرير محل النزاع
كما قرر بعض الأصوليين، المسألة الرئيسية في إجزاء المأمور به المطابق للأصل هي: أن دليلاً من نوع الأمارة أو الأصل يدل على تحقق جزء أو شرط لمأمور به مركب مثل الصلاة، أو ينفي مانعاً منه، ويقوم المكلف على أساسه بأداء الصلاة، ولكن بعد ذلك ينكشف خلافه، وأن صلاته كانت في الواقع فاقدة للشرط أو مشتملة على المانع. في مثل هذه الحالات، ما الذي يجب فعله؟ هل ما أتى به المكلف يكفي عن المأمور به الواقعي ولا يحتاج إلى إعادة وقضاء؟ (الإمام الخميني، مناهج الوصول، 1415هـ: 1/315؛ الفيروزآبادي، عناية الأصول، 1400هـ: 1/268). مثلاً، طهارة اللباس من شروط الصلاة، وفي حالة لا يعلم المكلف ما إذا كان هذا اللباس طاهراً أم نجساً، لكنه يصلي به استناداً إلى قاعدة الطهارة، وبعد فترة، قبل أن يقضيها أو بعد انتهاء وقت الصلاة، يتضح له نجاسة ذلك اللباس، فإن صلاته واقعاً كانت تفتقر إلى شرط الطهارة. كذلك، إذا رفع مانعية شيء في الصلاة مثل شعر الأرنب استناداً إلى قاعدة الرفع وصلى بتلك الصلاة، ولكن انكشف لاحقاً أن ذلك الشيء كان واقعاً من الموانع، وأن الصلاة به باطلة، فماذا يجب أن يفعل؟ مع الأخذ في الاعتبار هذه التوضيحات، فإن الشبهات الموضوعية خارجة عن محل النزاع. (الخوئي، 1422هـ: 1/372). وكذلك، أي بحث عن جريان الأصول العملية بالنسبة لأصل التكليف، منفي من وجهة نظر الآخوند؛ مثلاً، إذا صلى المكلف صلاة الجمعة بدلاً من صلاة الظهر يوم الجمعة استناداً إلى الاستصحاب، ثم انكشف خلافه وعلم أنه كان مأموراً بصلاة الظهر، فإن احتمال الإجزاء منفي. (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 87). ولكن من وجهة نظر المرحوم الخوئي، الشك في أصل التكليف هو مثل سائر الموارد تابع للمبنى الأصولي في باب حجية الأمارات والأصول، سواء كان من باب السببية أو الطريقية. (الخوئي، 1417هـ: 2/280). على أي حال، موضوع هذا المقال يتركز على مبنى الآخوند الخراساني، ولا يُطرح فيه الشك في التكليف.
الآراء
هل الإتيان بالتكليف المطابق للأصل مجزئ عن المأمور به أم لا؟ جواب المرحوم الآخوند على هذا السؤال إيجابي، ولكن بعض الأصوليين الآخرين مثل المرحوم الخوئي قدموا إجابة مختلفة. يمكن اعتبار هاتين الإجابتين مؤشرين للآراء المتقابلة في هذه المسألة وتقييمها. بالطبع، قبل الآخوند، كان جواب الأصوليين على هذا السؤال سلبياً مطلقاً. (المظفر، 1378ش: 260). ولكن بشكل عام، كما يلخص المرحوم الخوئي، توجد أربعة آراء حول الإجزاء وعدمه في هذا الشأن: «اختلفت كلماتهم في الإجزاء وعدمه على أقوال: (1) الإجزاء مطلقاً، و(2) عدمه كذلك، و(3) التفصيل بين الأمارات والأصول، بالتزام عدم الإجزاء في موارد قيام الأمارات والإجزاء في موارد جريان الأصول، و(4) التفصيل بين القول بالطريقية والقول بالسببية، بالتزام الإجزاء على الثاني وعدمه على الأول». (الخوئي، 1422هـ: 1/374). كما يُلاحظ، فإن الموضوع الأصلي هو «إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن المأمور به بالأمر الواقعي وعدمه فيما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني أو تعبدي». (الفياض، 1417هـ: 2/250). ولكن موضوع هذا المقال هو الرأي الثالث؛ أي بتصحيح أصل التفريق، نحصر نطاق النقاشات في موارد جريان الأصول العملية، وبالترتيب، نعرض أولاً رأي المرحوم الآخوند ونحلله: كما أشير، من وجهة نظر المرحوم الآخوند، يندرج مقتضى الأصول والأمارات كلاهما في مسألة الإجزاء تحت عنوان «الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري»، ولكن مع فارق أن لسان جعلهما مختلف؛ فـ لسان الجعل في قاعدة الطهارة والحلية والاستصحاب وأمثالها، هو تحقيق وتنقيح لموضوع التكليف: «والتحقيق أن ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره كقاعدة الطهارة أو الحلية بل واستصحابهما في وجه قوي ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزي، فإن دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط ومبيناً لدائرة الشرط وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجباً لانكشاف فقدان العمل لشرطه…». (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 76). هذا البيان هو مزيج من الدعوى والاستدلال، وقد تحدث فيه المرحوم الآخوند عن رأيه المختار القائم على إجزاء إتيان المأمور به بالأمر الظاهري كالأصل عن الأمر الواقعي، واستدل عليه بالحكومة على النحو التالي: 1. لسان الأدلة في أصول مثل الاستصحاب، وقاعدة الطهارة، وأصل الحلية، هو لسان الحكومة على أدلة اشتراط الطهارة وتبيين المراد منها في الصلاة. 2. هذا اللسان له القدرة على أن يصنع موضوعاً للتكليف تعبداً، أو يجعل شرطاً، أو جزءاً، أو ينفي مانعاً، ويفسر أن مراد الشارع من جعل هذه الأمور أعم من الواقعي والتعبدي منها. 3. نتيجة لذلك، فإن حكومة أدلة الأصول العملية على أدلة اشتراط الطهارة أو الجزئية (مثلاً السورة في الصلاة)، إما أنها تؤدي إلى توسيع دائرة الشرطية والجزئية وتخلق لها مصاديق تعبدية، أو تؤدي إلى تضييق دائرة الموضوع وتنفي شرطية وجزئية الأمور المشكوكة عن ذلك التكليف. بالنظر إلى هذا التحليل لعلاقة أدلة الأصول بأدلة الاشتراط وأمثالها، في موارد جريان الأصول العملية مثل الاستصحاب أو القواعد مثل الطهارة والحلية في إثبات جزء أو شرط أو نفي مانع، فإن المكلف قد أدى تكليفاً له شرط ويبدو أنه لا نقص فيه، ومن ثم، فإن إجزاءه عن المأمور به أمر مسلم به ولا ينبغي الشك فيه. بعبارة أخرى، لا يؤدي كشف الخلاف في هذا المورد إلى كشف الخلاف وفقدان الشرط، ولا معنى أصلاً لكشف الخلاف؛ لأن الشرط قد توسع بمقتضى الأصل أو القاعدة، وكان المكلف واجداً له، ويجب عليه أن يؤدي ذلك المأمور به وفقه.
نموذجان تطبيقيان
كما يُستفاد من نص كفاية الأصول، فإن استدلال المرحوم الآخوند والنماذج التي طرحها تشمل كلاً من الأصول العملية المعروفة مثل الاستصحاب، والقواعد مثل الطهارة والحلية والبراءة الشرعية التي يُعبّر عنها أيضاً بأصالة الطهارة وأصالة الحلية. ومن الواضح أن تطبيق نظرية الحكومة وتوضيح علاقتها بأدلة هذه المجموعة يتطلب مجالاً آخر وأوسع، ولكن فيما يلي محاولة لتوضيح نموذجين منها: أدلة قاعدة الطهارة مثل «وَكُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ»4 (النوري، 1408هـ: 2/583) و«كُلُّ شَيْءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ» (الحر العاملي، 1416هـ: 3/467) حاكمة من وجهة نظر العرف على أدلة اشتراط الطهارة في الصلاة وكل ما هو مشروط بالطهارة مثل «وَلاَ صَلاةَ إِلا بِطَهُورٍ» (الحر العاملي، 1416هـ: 1/372)، وتفسر المراد منها وتوسعه إلى الطهارة الواقعية والظاهرية؛ لأنه إذا لم يتم الجمع بين هاتين الطائفتين من الأدلة بهذه الطريقة، فإنه يؤدي إلى التناقض أو لغوية الطائفة الثانية؛ أي لا يمكن الالتزام بأن الشارع من جهة قد اعتبر الطهارة الواقعية في الصلاة وبعض الأحكام الأخرى، ومن جهة أخرى قال: كل شيء مشكوك الطهارة، فهو طاهر لكم! هذا تناقض. ومن جهة أخرى، هذا الحكم الثاني ليس ناظراً إلى أدلة النجاسات؛ لأن ما هو نجس أو طاهر في الخارج لا يتغير ماهيته بسبب الشك، حتى لو كان نجساً يصبح طاهراً بسبب شك المكلف، بل هو ناظر إلى آثار الطاهر الواقعي ويوسعها، بأن مراد الشارع ليس حصر تلك الآثار في الطاهر الواقعي، بل يمكنكم ترتيب الآثار التي للطاهر الواقعي على هذا المشكوك الطهارة. ومثلاً، كما تصلون بالطاهر الواقعي أو تأكلونه، الآن صلوا بهذا المشكوك وكلوه، وإذا لم يترتب أثر الطاهر الواقعي عليه، فإن جعل الحكم للمشكوك الطهارة لغو. نتيجة لذلك، فإن إتيان الصلاة التي أُحرز شرط الطهارة فيها بأصالة الطهارة، مجزئ عن المأمور به الواقعي، وإذا انكشف الخلاف في داخل الوقت أو خارجه وعلم المكلف أن اللباس الذي كان مشكوكاً وصلى به كان نجساً واقعاً، فلا يضر بالصلاة المؤداة حتى تحتاج إلى إعادة أو قضاء؛ لأنه صلى بمصداق تعبدي للطهارة وسعه الشارع، وبتعبير المرحوم الأصفهاني، لم ينكشف الخلاف:5 «من الواضح أن مفاد قوله – عليه السلام: «كلّ شيء طاهر أو حلال» هو الحكم بالطهارة أو الحلية ابتداءً من غير نظر إلى واقع يحكي عنه، والحكم بالطهارة حكم بترتيب آثارها، وإنشاء لأحكامها التكليفية والوضعية – ومنها الشرطية – فلا محالة يوجب ضمه إلى الأدلة الواقعية التوسعة في الشرطية، ومثله ليس له كشف الخلاف؛ لأن ضم غير الواقع إلى الواقع لم ينكشف خلافه». (الأصفهاني، نهاية الدراية، 1429هـ: 1/392). هذا التبيين لعلاقة أدلة قاعدة الطهارة بآثار الطهارة الواقعية وإن كان يتعلق بمورد أدت فيه الحكومة إلى التوسعة وأثبتت لواجب شرطاً أو جزءاً تعبداً، إلا أنه يمكن أن ينطبق كنموذج على علاقة قاعدة الرفع وأدلة الجزئية والشرطية أيضاً. مثلاً، نحن نعلم أن واجباً مثل الصلاة مركب من أجزاء وشروط، ومن جهة أخرى، قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:6 «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لاَ يَعْلَمُونَ…» (الحر العاملي، 1416هـ: 15/369). وفقاً لهذه الرواية، من بين الأمور التي رُفعت أحكامها عن المسلمين على فرض وجودها في الواقع، هو «ما لا يعلمون؛ أي ما لا يعرفونه»؛7 ولفظ «ما» اصطلاحاً موصول، وفي هذا التركيب يشمل الحكم والموضوع معاً؛ أي كل ما لا يعرفه الإنسان، لم يجعل الشارع له حكماً، والمكلف حر في العمل؛ مثلاً، إذا لم يُعثر على دليل على جزئية السورة أو مانعية شعر حيوان مثل الأرنب في الصلاة بعد الفحص، فلا يوجد حكم في ذلك المجال. ولكن هل المقصود بذلك اختصاص أحكام الجزء والشرط بمن يعلم بها؟ وهل لمن لم يستطع العثور على دليل وبقي في شك، قد خُصص الجزء والشرط واقعاً؟ قطعاً، بالنظر إلى اشتراك العالم والجاهل في الأحكام وبطلان التصويب بناءً على المنهج الإمامي القاطع، فإن الجواب على هذه الأسئلة سلبي، ويبقى خيار واحد فقط، وهو الرفع الظاهري لآثار الجزئية والمانعية؛ أي إذا لم نكن نعلم حكم السورة واقعاً وما إذا كانت جزءاً أم لا، أو شعر الأرنب في الصلاة هل هو من الموانع أم لا، والآن نحن نشك، فنرتب آثار عدم الجزئية وعدم المانعية الواقعية، ونعمل كما لو أنه لم يُجعل أصلاً شرط أو مانع في هذه الموارد. هذا النوع من التوافق بين أدلة قاعدة الرفع وأدلة الأجزاء والشروط، مبني على تلقي العرف للحكومة بينها، حتى يتم من جهة حفظ ظاهر كلتا الطائفتين من الأدلة، ومن جهة أخرى، تجنب التوالي الفاسدة مثل اختصاص الأحكام بالعلماء والتصويب. نتيجة لذلك، إذا صُليت الصلاة بدون سورة بمقتضى حديث الرفع، فإن هذه الصلاة مجزئة عن الأمر الواقعي؛ لأن الشارع نفسه أجاز أن تُصلى الصلاة في فرض الشك في جزئية السورة بدونها، ومن ثم، في حال كشف جزئية السورة في الصلاة، لم ينكشف الخلاف؛8 لأن المكلف في فرض الشك، أتى بالمأمور به وفقاً لأمر الشارع، الذي ينطبق عليه عنوان الصلاة.
خلاصة: من وجهة نظر المرحوم الآخوند، يختلف مقتضى الأمارات عن الأصول العملية في الإجزاء؛ فإتيان المأمور به عن الأمر الواقعي في حال كشف الخلاف إذا كان قد تم على أساس الأصول العملية، فهو مجزئ ولا يحتاج إلى إعادة وقضاء. أما في الأمارات، فالأمر ليس كذلك، وفي حال كشف الخلاف، على القاعدة وبصرف النظر عن الأدلة الأخرى، يجب الإعادة أو القضاء. وجذر هذا الاختلاف يعود إلى لسان هاتين الفئتين من الأدلة؛ ففي الأصول العملية، لسان الأدلة حاكم على أدلة اشتراط الجزئية والمانعية، ويوسعها أو يضيقها، ومن ثم، لا معنى لكشف الخلاف بالنسبة للواقع. أما وظيفة لسان أدلة الأمارات، فهي الكشف عن الواقع، ولا تتصرف في تلك الأدلة. ومن ثم، في حال كشف الخلاف، يُكشف عن خلل في المأمور به الواقعي، ويجب على المكلف أن يجبره. هذا التحليل للمرحوم الآخوند في تفريق الأصول العملية عن الأمارات في مسألة الإجزاء، هو ابتكار، وقد انتقده معظم تلامذته باستثناء المرحوم الأصفهاني.
الانتقادات والآراء المخالفة
كما أشير، واجه رأي المرحوم الآخوند في مسألة إجزاء الأوامر الظاهرية المستندة إلى الأصول العملية انتقاد بعض الأصوليين ومن بينهم تلامذته البارزون مثل المرحوم النائيني؛ فمن وجهة نظره، التفريق بين لسان أدلة الأصول العملية والأمارات لا يجدي نفعاً، ولا يمكن من هذه الزاوية تقييم مقتضى الأصول العملية في باب الإجزاء بشكل مختلف عن الأمارات. بناءً على ذلك، بدأ المنهج النقدي للآخوند من حلقة تلامذته نفسها، واستمر على يد المرحوم الخوئي. وعلى هذا الأساس، وإن كان النقد للمنهج الآخوندي في هذه المسألة له جذور في الأفكار الأصولية للمرحوم النائيني، إلا أنه يجب التركيز على أفكار المرحوم الخوئي لسببين: أولاً، المرحوم الخوئي من تلاميذ المرحوم النائيني، وفي استمرار لطريقة تفكيره، يُتوقع من جانبه أن نشهد مزيداً من الصقل والنضج في هذا المنهج النقدي. ثانياً، عصر الخوئي وإن لم يكن له فاصل تاريخي كبير عن عصر الآخوند، إلا أنه يفصل بينهما جيل واحد، ودراسة هذه المسألة في مثل هذا المنظور تظهر مدى تحول وديناميكية علم الأصول في إطار الاجتهاد الفقهي الشيعي في عصرين مختلفين. بناءً على هذه المقدمة، من وجهة نظر الخوئي، بالإضافة إلى موارد الأصول، يُتصور الإجزاء في الأمارات أيضاً، بشرط أن نقبل بنظرية السببية من حيث المبنى النظري.9 إذن، ما يمكن أن يكون حلاً في هذه المسألة ليس التفريق بين لسان أدلة الأصول والأمارات، بل التفريق بين المباني المتعلقة بحجية جميع الأوامر الظاهرية. والدعوى والاستدلال الذي قدمه الآخوند يواجه موارد نقض، كما أنه يعاني من مشكلة تحليلية، ولكن أولاً:
1. عرض موارد النقض
توجد في الفقه حالات تجري فيها أصالة الطهارة والاستصحاب وأمثالها في ظروف الشك، ولكن بعد كشف خلاف مفادها، حكم الفقهاء والأصوليون في تلك الحالات بعدم الإجزاء، ولم يعتمدوا على مقتضى هذه الأصول؛ مثلاً: أ) في الموارد التي يكون فيها المشكوك متعلقاً بغير أبواب الصلاة والأحكام الوضعية مثل الملكية والزوجية، ويُحكم ببقائها بناءً على الاستصحاب، فإنه مع كشف الخلاف، تبطل جميع التصرفات المترتبة على الملكية والزوجية، ولم يلتزم أي فقيه بصحة التصرفات والإجراءات الملكية المبنية على الاستصحاب، مع أن المرحوم الآخوند يرى أن استصحاب شرطية الملكية يوسعها إلى الظاهري والواقعي؛ أي أن استصحاب الملكية يثبت الملكية الظاهرية للمكلف في فرض الشك، وتكون إجراءاته في الظاهر ملكية. وأبعاد هذه الدعوى في الواقع تستلزم تعميم جميع آثار المستصحب الواقعي على الظاهري.10 ب) إذا توضأ مكلف بماء مشكوك استناداً إلى قاعدة الطهارة أو الاستصحاب، ثم علم أن ذلك الماء كان نجساً، فلا يمكن الحكم بصحة ذلك الوضوء والصلاة التي صلاها به. ج) إذا غُسل لباس نجس بماء أُحرزت طهارته استناداً إلى أصالة الطهارة أو الاستصحاب، ثم كشف الخلاف وعُلم أن ذلك الماء كان نجساً، فلا يمكن الحكم بطهارة ذلك اللباس. بإذعان الآخوند، فإن أدلة قاعدة الطهارة أو الاستصحاب في هذين الموردين الأخيرين؛ أي الشك في الطهارة الحدثية وحتى الخبثية، توسع شرطية الطهارة، وعلى القاعدة يجب أن يكون ذلك الوضوء صحيحاً واللباس طاهراً. ولكن في الفقه لم يُعتمد على ذلك، والجميع قائل بنجاسة اللباس وعدم صحة الوضوء. هذه النماذج تظهر بوضوح أنه على الرغم من جريان الأصول العملية في بعض الموارد، فإنه مع كشف الخلاف تبطل جميع آثارها، ولم يجرؤ أي فقيه على تجاهل كشف الخلاف استناداً إلى أن هذه النماذج كانت مجرى للأصول العملية. إذن، جريان الأصول في فرض الشك لا يغير شيئاً في الواقع، ومن ثم، في حال كشف الخلاف، يجب العمل على القاعدة بمقتضى العلم في جميع الموارد. في التقريرات المتاحة من دروس المرحوم الخوئي (الخوئي، 1417هـ: 2/255؛ نفسه، 1422هـ: 1/275) وكذلك في حاشيته على كلام أستاذه (الخوئي، 1352ش: 1/198-199)، تكررت هذه النماذج مع اختلاف طفيف، ولكن يبدو أن الموردين الأخيرين لم يُبينا بدقة؛ لأنه إذا أُحرزت الطهارة من الحدث أو الخبث في مورد بالاستصحاب أو بأصل الطهارة، ثم صُليت به صلاة، وبعد ذلك كُشف خلاف الأصل، فإن الصلاة صحيحة، وهذا المثال على الأقل محل نقاش ولا يمكن طرحه كمورد نقض لدعوى المرحوم الآخوند. وما هو مسلم به وأفتى الجميع ببطلان تلك الطهارة، ومنهم المرحوم الآخوند نفسه الذي لا يمكنه أن ينفرد عن الآخرين، هو كشف الخلاف قبل الصلاة؛ مثلاً، شخص يتوضأ بماء استناداً إلى الاستصحاب أو أصالة الطهارة، أو يطهر به بدنه أو لباسه، ولكن «قبل الصلاة» يزول شكه ويعلم بنجاسة ذلك الماء، في هذه الحالة لا يمكنه الصلاة بذلك الوضوء أو البدن المطهر ظاهراً. خلافاً لمقرري درس المرحوم الخوئي، فإن بعض مقرري دروس الأصول للشهيد الصدر فقط هم من انتبهوا لهذه النقطة وطرحوا المثال بدقة.11 وفي تقرير النائيني أيضاً، طُرحت نجاسة الملاقي فقط كمورد للنقض؛ أي إذا حُكم بطهارة شيء في مورد بالاستصحاب أو أصالة الطهارة، ولكن بعد ذلك كُشف خلافه ونجاسته، ففي هذه الحالة، كل ما لامسه يُحكم بنجاسته، مع أن أدلة الأصول العملية من وجهة نظر الآخوند قد وسعت الطهارة، وفي حين ملاقاة ذلك الشيء المشكوك بشيء آخر، كان طاهراً ظاهراً استناداً إلى الأصول، وبعد ذلك لم يلامس نجساً آخر. (النائيني، 1376ش: 1/251). في هذا الفرض، إذا حُكم بطهارة الملاقي، فإن ذلك يؤدي إلى التناقض؛ لأنه كيف يمكن أن يكون الملاقي (اللباس أو النجس) طاهراً بينما الملاقي (الماء المستخدم) نجس؟ على أي حال، ما طُرح تحت عنوان النقض على رأي ومبنى المرحوم الآخوند، هو مهم جداً من وجهة نظر المرحوم الأصفهاني ومن أقوى الانتقادات في هذا المجال. (الأصفهاني، 1416هـ: 1/127).
الردود على موارد النقض
أجاب بعض المعاصرين على ما طُرح كموارد نقض؛ مثل أن أمثال الخوئي قد خلطوا بين نسبة الحكومة بين الأدلة، وظنوا أن أدلة الاستصحاب وأمثالها قد تصرفت حاكمة في أدلة الطهارة والنجاسة ووسعتها أو ضيقتها. ومن ثم، أثاروا هذا السؤال: كيف يمكن مع وجود حكومة الاستصحاب أو أصالة الطهارة، في فرض كشف الخلاف، أن لا يُحكم بصحة الوضوء أو طهارة البدن واللباس؟ المفروض أن الماء في وقت الاستخدام كان مشكوكاً ومجرى لأصل مثل الاستصحاب أو أصالة الطهارة، وبناءً على الحكومة، حُصل على شرط ظاهري وتعبدي للطهارة. بناءً على ذلك، من وجهة نظر بعض المدافعين عن نظرية الإجزاء في الأصول العملية، ليست هناك حكومة بين أدلة الأصول العملية والنجاسات حتى يتم التصرف في واقعها ويُعلن النجس الواقعي طاهراً في ظرف الشك، وبناءً على ذلك يُستنتج أنه يجب في فرض كشف الخلاف أيضاً قبول طهارة الملاقي للمستصحب. بل الحكومة هي بين أدلة الأصول وآثار الأشياء النجسة؛ لأن التصرف في واقع الأشياء النجسة من حيث الشك غير معقول، ولكن التصرف في آثارها وفي مجالات التشريع مثل الشرطية والجزئية والمانعية ممكن، ويمكن للشارع أن يُلزم المكلف بترتيب آثار الطاهر الواقعي على الشيء المشكوك في طهارته، حتى يرتب في ظرف الشك آثار الطاهر الواقعي على ذلك الماء المشكوك؛ مثلاً، من جملة آثار الماء الطاهر الواقعي صحة الوضوء وتطهير البدن واللباس به، والتي تترتب بحكم الاستصحاب وأصالة الطهارة في ظرف الشك على الماء المشكوك. والنتيجة العرفية لجمع هذه الفئة من الأدلة، كما وُضح سابقاً، مع أدلة شرطية الطهارة، ستكون توسيع شرطية الطهارة للمكلف في زمان الشك. بناءً على ذلك، الحكم بنجاسة الملاقي في حال كشف نجاسة الملاقي، هو من آثار النجاسة نفسها، والشارع لم يتصرف فيه حتى يستثني مورد الشك. (الإمام الخميني، 1415هـ: 1/318). بالإضافة إلى ذلك، المثال المطروح خارج عن محل النزاع ومتعلق بمورد زوال الشرط قبل الشروع في العمل أو إتمامه، وفي مثل هذا الفرض، إذا بطل الوضوء بأي جهة، فإن شرط الطهارة يزول، ومع كشف الخلاف في طهارة الماء المشكوك، يزول الشرط أيضاً. وبالطبع، يجب الانتباه إلى هذه النقطة أيضاً، وهي أن القواعد الأصولية ليست مثل القواعد الفلسفية حتى لا تقبل أي تخصيص وتقييد. ومن ثم، يمكن اعتبار موارد النقض مثل نجاسة الملاقي كتخصيص. وكذلك، النماذج التي قُدمت من باب المعاملات كموارد نقض، لا تخل بدعوى واستدلال الآخوند المتركز على المأمور به المركب من أجزاء وشروط في العبادات، وأصلاً، فإن محل بحث الإجزاء في علم الأصول هو كفاية المأتي به بالأمر الاضطراري والظاهري عن الأمر الواقعي؛ لأنه فقط في هذه الموارد يُتصور إمكانية جلب وجبران المصلحة بشكل بديل بواسطة الأوامر الظاهرية، أما في باب المعاملات التي تكون ملاكاتها ومصالحها عقلانية وتابعة للمتغيرات الواقعية في الخارج، فإن تصور جبران المصلحة عن طريق الاستصحاب وسائر الأصول العملية غير معقول.
2. الرد التحليلي
كان محور استدلال المرحوم الآخوند هو حكومة لسان أدلة الأصول على أدلة الشرطية والجزئية والمانعية في الواجبات المركبة؛ ومن وجهة نظره، هذه الميزة مفقودة في لسان أدلة الأمارات، وهي ناظرة إلى الواقع وكشفه. ومن ثم، مع كشف خلاف الواقع في الأمارات، لا معنى للإذعان بالإجزاء، ويجب تدارك وجبران الواقع نفسه. أما الأصول العملية التي لم تُجعل ناظرة إلى الواقع، فإن كشف الواقعية ليس كشفاً لخلاف مفاد الأصول حتى يُبحث عن الجبران والتدارك. فأدلة الأصول العملية، بتصرفها في أدلة المانعية والجزئية والشرطية، أضافت مصاديق تعبدية، وقد عمل المكلف بإتيانها بالشرط والجزء أو عدم المانع التعبدي؛ أي أن كشف أن الماء المستخدم في الوضوء بالاستصحاب كان نجساً واقعاً، أو أن حيواناً ما بناءً على أصالة الطهارة غير مأكول اللحم وجلده في الصلاة من الموانع، ليس كشفاً لخلاف الاستصحاب وأصل الطهارة؛ لأنها لم تكن متكفلة بإثبات الواقع، بل كانت متكفلة بتوسيع شرطية الطهارة والحلية في ظرف الشك إلى طهارة وحلية ظاهرية، والمكلف قد أتى بها. لقد تبع المرحوم الخوئي المرحوم النائيني، فقبل أولاً بتصرف أدلة الأصول في أدلة الاشتراط وأمثالها على أساس الحكومة، ولكنه لم يقبل بالنتيجة النهائية للمرحوم الآخوند القائمة على الإجزاء؛ فمن وجهة نظره، تحليل علاقات أدلة الأصول والاشتراط والجزئية على أساس آلية الحكومة صحيح، ولكن لا ينبغي أن ننسى أن هذه الحكومة مسبوقة بالشك في الحكم الواقعي، وحكومتها ظاهرية ومؤقتة. بناءً على ذلك، فإن كل وظيفتها محدودة بظرف الشك، ومع ارتفاع الشك، لا وجود لحكومة حتى يُبحث عن مقتضاها في جهة التوسعة أو التضييق الحقيقي للشرطية وأمثالها: «إن هذه الحكومة حكومة ظاهرية موقتة بزمن الجهل بالواقع والشك فيه وليست بحكومة واقعية، لكي توجب توسعة الواقع أو تضييقه. ونتيجة هذه الحكومة بطبيعة الحال ترتيب آثار الواقع ما لم ينكشف الخلاف، فإذا انكشف فلا بد من العمل على طبق الواقع. وبكلمة أخرى، إن الشرط هو الطهارة أو الحلية الواقعية فحسب بمقتضى الأدلة الواقعية، وهذه القواعد والأصول إنما تثبت الطهارة أو الحلية في مواردها عند الشك والجهل بها، والمكلف مأمور بترتيب آثار الواقع عليها ما دام هذا الشك والجهل. فإذا ارتفع انكشف أن العمل فاقد له من الأول وعليه فما أتى به غير مأمور به واقعاً. ومن الطبيعي أن إجزاء غير المأمور به عن المأمور يحتاج إلى دليل خاص وإلا فمقتضى القاعدة عدم إجزائه عنه». (الخوئي، محاضرات في أصول الفقه، 1417هـ: 2/257). إذن، وفقاً لتوضيح الخوئي، إذا أحرز المكلف طهارة بدنه أو لباسه بالاستصحاب أو أصالة الطهارة وصلى به، ولكن في الواقع كانا نجسين، فإن صلاته ستكون صحيحة في الظاهر وستكون لها آثار الصلاة الواقعية، ولكنها في الواقع باطلة؛ لأنها أقيمت بدون طهارة ومع نجاسة. الكشف في مثل هذه الموارد، كاشف عن أن صلاته كانت فاقدة للشرط من البداية، وأنه لم يؤد الصلاة التي كان يجب عليه أن يؤديها واقعاً، ونتيجة لذلك، لم تكن مطابقة للمأمور به حتى لا تحتاج إلى إعادة وقضاء. إذن، ما هي وظيفة الأمر الظاهري أو جريان الأصول العملية في هذه الموارد؟ الجواب الواضح للمرحوم الخوئي هو أنه بإتيان المأمور به الظاهري، يكون المكلف معذوراً في ترك المأمور به الواقعي ما دام الجهل والشك باقيين، فإذا انكشف خلافه، فلا عذر له حتى يستمر على تلك الشروط، بل يجب عليه إذا كان الوقت باقياً أن يعيد، وإلا فعليه القضاء؛ لأن حقيقة الأحكام الظاهرية هي أحكام عذرية، لا أنها أحكام حقيقية: «فالأحكام الظاهرية في الحقيقة أحكام عذرية فحسب، وليست أحكاماً حقيقية في قبال الأحكام الواقعية، والمكلف مأمور بترتيب آثار الواقع عليها ما دام الجهل، وإذا ارتفع ارتفع عذره، وبعده لا يكون معذوراً في ترك الواقع وترتيب آثاره عليه من الأول». (الخوئي، 1417هـ: 2/257). كما يُلاحظ، من وجهة نظر المرحوم الخوئي، الحكومة على قسمين ولا وظيفة واحدة لهما: 1) الحكومة الواقعية: في هذا النوع من الحكومة، لم يؤخذ الشك في الحكم الواقعي كموضوع، ونتيجة لذلك، يوجب التوسعة أو التضييق في موضوع الدليل المحكوم. 2) الحكومة الظاهرية: هذا النوع من الحكومة خاص بالشك في الحكم الواقعي، وفقط بشكل ظاهري ومؤقت يوجب التوسعة والتضييق في الدليل المحكوم. 3) وظيفة الحكومة الظاهرية مثل جميع الأحكام الظاهرية هي أن المكلف ما دام جاهلاً وشاكاً، يكون معذوراً في ترك الحكم الواقعي، لا أن تكليفه الواقعي ينقلب. 4) بزوال الشك وكشف الخلاف، ينتهي عذر المكلف، ويجب عليه أن يعمل وفقاً لما كُلف به واقعاً؛ لأن المأتي به الظاهري لا يجزئ عن المأمور به الواقعي. بالطبع، كل هذه النقاشات معطوفة على مقتضى القاعدة في الإجزاء لتحديد دور أدلة الأصول العملية في هذا الشأن؛ أي إذا أحرز مكلف شرطاً مشكوكاً بناءً على جريان أصل الاستصحاب أو قاعدة الطهارة وأمثالها، أو نفى جزءاً مشكوكاً، أو أحرز حلية استخدام جلد حيوان ما في الصلاة، ثم أظهر الواقع خلاف ذلك، فماذا يجب أن يفعل؟ بناءً على ذلك، في مورد ما، قد يُصرف النظر عن مقتضى الأصول العملية أو الأحكام الظاهرية الأخرى بسبب دليل خاص، وهذا لا علاقة له بمسألة الإجزاء وإن كان يؤدي إلى نفس النتيجة.
الدفاعات والنقود
يبدو أن المرحوم النائيني هو أول من طرح تقسيم الحكومة إلى واقعية وظاهرية، ثم استمر بعض الأصوليين وشراح الأفكار الأصولية للآخوند في ذلك. وملاك هذا التقسيم هو أخذ الشك أو عدمه بالنسبة للحكم الواقعي؛ أي إذا أُخذ الشك والجهل بالحكم الواقعي في جعل أي حكم، فهذا الحكم ظاهري، ومن حيث الرتبة، متأخر عن الحكم الواقعي وفي طوله. وإذا لم يلحظ الشك في الواقع وجُعل كحكم أولي، فهذا حكم واقعي وفي عرض ذلك. بناءً على ذلك، فإن حكومة «الطواف بالبيت صلاة» بالنسبة لـ«لا صلاة إلا بطهور»، واقعية؛ لأن «الطواف بالبيت صلاة» ليس مشروطاً بالشك في أي حكم، ومن ثم، فإن حكومته على أدلة شروط الصلاة واقعية؛ أي أنه تم توسيع مصداق تعبدي آخر للصلاة بشكل دائم حتى يُعمل به في بعض الأحكام والشروط، مثل الصلاة. أما حكومة أصالة الطهارة والاستصحاب على أحكام الطهارة، فهي ظاهرية؛ لأنها مشروطة بالشك في الواقع؛ أي أن المكلف يمكنه العمل بناءً على الاستصحاب وأصالة الطهارة في مورد يشك فيه بالنسبة للطهارة الواقعية لذلك المورد. بناءً على ذلك، فإن جعل ووظيفة تلك الحكومة تابع للشك، ومع ارتفاعه ترتفع هذه الحكومة من تلقاء نفسها، لا أن الطهارة الظاهرية قد أضيفت إلى جانب الطهارة الواقعية كمصداق دائم وتوسع مصداق الطهارة؛ أصلاً، بالنظر إلى دور الشك في موضوع أصالة الطهارة وأمثالها، فإن تصور توسعة الطهارة إلى واقعية وظاهرية متناقض. هذا المبنى وأمثلته في تقسيم الحكومة إلى واقعية وظاهرية قد طُرح بشكل واسع في آثار المرحوم النائيني والخوئي وغيرهما. (النائيني، 1376ش: 1/250؛ الخوئي، 1417هـ: 2/257). ولكن يبدو أن أصل هذا المبنى والتقسيم في مورد الحكومة وتطبيقه في المسألة المتنازع عليها، لا يخلوان من إشكال؛ لأنه: أولاً، الحكومة هي إشراف مفسر لدليل على دليل آخر، وتقسيمها إلى ظاهري وواقعي لا معنى له؛ فأي دليل إذا كانت له عرفاً القدرة على تبيين وتفسير دليل آخر، فهو مفسر له وحاكم عليه. بناءً على ذلك، فإن تقسيمه باعتبار أن المستفاد منه حكم ظاهري أو واقعي، لا علاقة له بالحكومة. (الإمام الخميني، 1423هـ: 2/112). ثانياً، على فرض أن بعض الحكومات ظاهرية، إلا أنها لا تنطبق في مورد مقتضى الأصول العملية بالنسبة للإجزاء؛ لأننا في هذا المورد نواجه ثلاثة أدلة: الأول، دليل النجاسة الواقعية للثوب أو البدن الذي كُشف واقعه الآن وعُلم أنه قد لامس نجاسة؛ الثاني، دليل اشتراط الطهارة في الصلاة؛ مثل «لا صلاة إلا بطهور»؛ الثالث، دليل أصالة الطهارة أو الاستصحاب. (الإمام الخميني، 1430هـ: 476؛ الصدر، نفس المصدر: 4/458). لقد ظن منتقدو المرحوم الآخوند أنه يتحدث عن حكومة دليل أصالة الطهارة على دليل نجاسة الثوب، وهو دليل واقعي، بينما لا توجد هذه النسبة بينهما؛ لأن أصالة الطهارة لا يمكنها أن تجعل ما هو نجس في الواقع طاهراً أو ذا آثار واقعية؛ فهذا تناقض، والأصل العملي في أقصى تقدير قد عنونه طاهراً في ظرف الشك، والآن بزوال الشك يجب ترتيب آثاره الخاصة، ومنها عدم طهارة الصلاة التي صليت به. كما أجاب المرحوم الأصفهاني وقد مر سابقاً (الأصفهاني، 1429هـ: 1/392)، هذا الظن في حق الآخوند ليس صواباً؛ لأنه لم يتحدث عن حكومة الاستصحاب وأصالة الطهارة على النجاسة الواقعية، بل تحدث عن حكومتها على أدلة الاشتراط والجزئية والمانعية. بناءً على ذلك، أن الشك في الطهارة والنجاسة لا يمكنه تغيير الواقع أمر مسلم به ومورد اتفاق، ولكن الشارع يمكنه التصرف في آثاره ويجعله مثل الطاهر الواقعي؛ مثلاً، من جملة آثار الطهارة الواقعية، صحة الصلاة به وجواز أكله وشربه، وترتيب آثار الطاهر الواقعي على المشكوك، يصحح الصلاة به واستخدامه في الأمور المتوقفة على الطهارة. وأصل الدعوى هو هذا؛ أي أن الشارع من جهة قد شرط أموراً بالطهارة، ومن جهة أخرى، حكم بترتيب آثار الطهارة الواقعية على الموارد المشكوكة. ومقتضى الجمع العرفي بين هاتين الفئتين من الأدلة هو أن مراد الشارع من الطهارة في مقام الشرط، ليس الطهارة الواقعية فحسب، بل هو يقبل الطهارة الظاهرية أيضاً، ونتيجة لذلك، فإن أصالة الطهارة وأمثالها حاكمة على دليل شرطية الطهارة في الصلاة وتوسعه إلى الطهارة الواقعية والظاهرية، ولا يوجد أي تعارض مع أدلة النجاسة الواقعية؛ لأن «فإن كون الشيء نجساً في الواقع ليس معارضاً لوجوب ترتيب أثر الطهارة». (الإمام الخميني، 1430هـ: 476؛ نفسه، 1423هـ: 1/151). بناءً على ذلك، فإن محاولة المرحوم الخوئي في تقديم تصور عن عدم التنافي بين الأحكام الظاهرية والواقعية في هذا المورد متكلفة وبلا جدوى. (الخوئي، 1422هـ: 1/375-377). إذن، الدليل المحكوم ليس دليل النجاسة الواقعية حتى يُعتبر الدليل الحاكم عليه ظاهرياً ويُتصور فيه كشف الخلاف، بل هو دليل الاشتراط، ومن هذه الجهة، لا معنى لكشف الخلاف فيه؛ لأن الشارع نفسه قد وسع شرط الطهارة، وكان المكلف واجداً له حين العمل، ولم يُكشف خلافه أيضاً.
النتيجة
مشهور الأصوليين، ومنهم المرحوم النائيني والمرحوم الخوئي، في مسألة إجزاء المأمور به الظاهري، سواء كان بمقتضى الأمارة أو الأصل، قائلون بعدم الإجزاء؛ أي في فرض كشف خلاف مقتضى الأمارة أو الأصل العملي، وعُلم أن ما أُتي به فاقد للشروط اللازمة أو غير خالٍ من المانع، يجب على المكلف أن يعيد المأمور به الواقعي أو يقضيه؛ لأن حجية الأحكام الظاهرية محدودة بشروط الشك، ومع زوال الشك، تزول الأحكام المترتبة عليها أيضاً، ويجب على المكلف أن يقرر مجدداً بشأن التكليف الذي فاته. المرحوم الآخوند الخراساني، على ما يبدو، لأول مرة، فرّق بين الأصول العملية مثل الاستصحاب وأصالة الطهارة وأصالة الحلية وأصالة البراءة الشرعية وبين الأمارات، وقال بالإجزاء فيها؛ هذا التفريق مبني على حكومة لسان دليل هذه الفئة من الأحكام الظاهرية، التي بهذه الميزة تفسر وتبين أدلة الشرطية والجزئية أو المانعية في الواجبات المركبة. هذه الفئة من الأحكام، مثل أدلة أصالة الطهارة، تفسر أدلة شرطية الطهارة في الصلاة وتوسعها إلى الطهارة الظاهرية والواقعية. نتيجة لذلك، فإن العمل بمقتضى مثل أصالة الطهارة هو عمل بمقتضى شرط موسع اعتبره الشارع، وكشف الخلاف بالنسبة للماء المشكوك لا يؤدي إلى كشف الخلاف في العمل بالشرط؛ فالمكلف في كل حال كان واجداً لشرط الطهارة. لقد انتقد المرحوم النائيني طرح الحكومة بين الأدلة في هذا المورد؛ فمن وجهة نظره، الحكومة التي يتحدث عنها الآخوند في هذه الموارد هي على الأكثر حكومة ظاهرية؛ أي أن حكومة أصالة الطهارة على دليل نجاسة الثوب الذي عُلم الآن أنه طُهر بماء نجس، مسبوقة ومشروطة بالشك في الحكم الواقعي، ومع زوال الشك، ينتفي جريان أصالة الطهارة، ويجب من جديد ترتيب الآثار الواقعية للنجس عليه. على الرغم من أن معظم الشراح والأصوليين المعاصرين قد استحسنوا نقد النائيني، إلا أن البعض مثل المرحوم الإمام الخميني قد استمروا في مسار الآخوند. يوضح الإمام أن مقصود الآخوند من الحكومة بين الأدلة ليس الحكومة بين أدلة الأصول العملية والمتنجسات حتى تكون في طولها وظاهرية، بل بين الأصول العملية والآثار الشرعية لها مثل الطهارة في الصلاة. من هذا المنظور، لسان أدلة الأصول العملية حاكم على أدلة الآثار الشرعية المشكوكة، وحقيقةً قد وسعها. بالطبع، كل هذه النقاشات متركزة على مقتضى أدلة الأصول العملية في باب الإجزاء، ولا علاقة لها بالأدلة والقواعد الخاصة الأخرى في هذه الموارد.
قائمة المصادر
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، 1409هـ.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، إشراف: محمد عوض مرعب – آنسة فاطمة محمد أصلان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1429هـ.
الأصفهاني، محمد حسين، بحوث في الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، 1416هـ.
الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، 1429هـ.
الإمام الخميني، سيد روح الله الموسوي، تهذيب الأصول، تقرير: جعفر سبحاني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، 1423هـ.
ــــــــــــــــــــــــ، محاضرات في الأصول، تقرير: حسين علي منتظري، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، 1430هـ.
ــــــــــــــــــــــــ، مناهج الأصول، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، 1415هـ.
الحر العاملي، محمد، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، الطبعة الأولى، 1416هـ.
الخوئي، سيد أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، تقرير: محمد إسحاق فياض، دار الهادي، قم، 1417هـ.
ــــــــــــــــــــــــ، مصباح الأصول، تقرير: سيد سرور حسيني بهسودي (واعظ)، مكتبة الداوري، قم، 1422هـ.
الشهيد الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، تقرير: حسن عبد الساتر، الدار الإسلامية، بيروت، 1417هـ.
ــــــــــــــــــــــــ، دروس في علم الأصول، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1418هـ.
فاضل اللنكراني، محمد، أصول فقه الشيعة، تقرير: محمود ملكي أصفهاني، مركز فقهي أئمة أطهار عليهم السلام، قم، 1381ش.
الفيروزآبادي، مرتضى حسيني، عناية الأصول، كتاب فروشي فيروزآبادي، قم، 1400هـ.
المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، تعليقة: عباس علي زارعي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، 1378ش.
النائيني، ميرزا محمد حسين، فوائد الأصول، تقرير: محمد علي كاظميني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، 1376ش.
النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، 1408هـ.
الهوامش
1. «جَزَّأَ: الْجِيمُ وَالزَّاءُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالشَّيْءِ. يُقَالُ اجْتَزَأْتُ بِالشَّيْءِ اجْتِزَاءً، إِذَا اكْتَفَيْتُ بِهِ. وَأَجْزَانِي الشَّيْءُ إِجْزَاءً إِذَا كَفَانِي». (ابن فارس، 1979م: 1/455).
2. «… كل حكم ثبت ظاهراً عند الجهل بالحكم الواقعي الثابت في علم الله تعالى فيشمل الحكم الثابت بالأمارات والأصول معاً فيكون الحكم الظاهري». (المظفر، 1378ش: 255).
3. الفرق بين الموضوع والمتعلق هو أن الموضوع دائماً مفروض الوجود في الخارج وخارج عن اختيار وإرادة المكلف، أما المتعلق فهو أمور تقع تحت إرادة المكلف ويجب تحقيقها في الخارج. فمثلاً وجوب الصوم، موضوعه مؤلف من عدة عناصر تتوقف عليها فعلية الوجوب، فلا يكون الوجوب فعلياً وثابتاً إلا إذا وجد مكلف غير مسافر ولا مريض وهلّ عليه هلال شهر رمضان، وأما متعلق هذا الوجوب فهو الفعل الذي يؤديه المكلف نتيجة لتوجه الوجوب إليه، وهو الصوم في هذا المثال. وعلى هذا الضوء، نستطيع أن نميز بين متعلق الوجوب وموضوعه… (الشهيد الصدر، 1418هـ: 1/122). لا شبهة في أن متعلق الأحكام هو فعل المكلف وما هو في الخارج ليصدر عنه، وهو فاعله وجاعله… (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 158). بناءً على ذلك، في فرض الشك بالنسبة لطهارة ماء معين في الخارج، بجريان قاعدة الطهارة أو باستصحاب طهارته في حال وجود حالة سابقة للطهارة، يثبت طهارته، والمكلف، كما في حالة وجود ماء طاهر واقعاً في حوزته، يُؤمر بالصلاة، ولكن السجود وأفعال الصلاة الأخرى هي من المتعلقات، وفي فرض الشك، بجريان قاعدة التجاوز في أثناء الصلاة أو قاعدة الفراغ بعدها، يُحكم بتحققها.
4. نقل مؤلف المستدرك هذا النص عن مقنع الشيخ الصدوق، ولكنه هناك أيضاً ضُبط بهذا التعبير دون إسناد إلى معصوم: «اعلم أن الماء كله طاهر، إلا ما علمت أنه قذر». (المقنع، 1415هـ: 15). وقد ذكر المصححان الجديدان للمستدرك فقط أن المصدر الأصلي ورد فيه «إلا ما علمت» بدلاً من «حتى تعلم». بالطبع، في كتاب من لا يحضره الفقيه، رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام مرسلاً وبهذا التعبير: «كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر». (القمي، 1363ش: 1/5) حيث ورد فيه «ماء» بدلاً من «شيء» وهو معدود من مرسلات الفقيه. في تتمة هذا المقال، نُقل نص من نهاية الدراية صحح فيه المصححون الجدد رواية «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر» إلى تهذيب الأحكام 1: 284.
5. «هذا مضمون حديثين: الأول: «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر». التهذيب 1: 284-285 باب: 12/ الحديث: 119، والمقنع: 5. والحديث الثاني: «كل شيء هو لك حلال حتى تعرف أنه حرام…». الكافي 5: 313 الحديث: 40 من باب النوادر، كتاب المعيشة». (الأصفهاني، 1429هـ: 1/393). في الهامش السابق، وُضح أن النص الأول بهذه المواصفات غير موجود في التهذيب والمقنع.
6. «فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقاً كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع والوضع شرعاً». (الفيروزآبادي، 1400هـ: 4/22).
7. جريان البراءة في الشبهات الحكمية مشروط بالفحص عن الدليل، فإذا يئس الفقيه من العثور على دليل، يمكنه إجراء البراءة، ولكن في الشبهات الموضوعية، لا يلزم الفحص عن الدليل.
8. «فإذا ورد قوله سبحانه «أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل» (الإسراء: 78)، وفرضنا أن السنة دلت على اعتبار أجزاء وشرائط، ثم حكم الشارع امتناناً برفع ما لا يعلمون من الأجزاء والشرائط، يفهم العرف أن كيفية إطاعة الأمر في حال الشك في وجوب السورة مثلاً، هو إتيانها بلا سورة، وفي حال الشك في مانعية شيء، جواز إتيانها معه، فإذا امتثله كذلك فقد امتثل قوله سبحانه «أقم الصلاة» بحكومة أدلة الرفع على أدلة الجزء والشرط والمانع». (الإمام الخميني، 1423هـ: 1/151).
9. «والصحيح هو التفصيل بين نظرية الطريقية في باب الأمارات والحجج ونظرية السببية، مقتضى القاعدة عدم الإجزاء مطلقاً يعني في أبواب العبادات والمعاملات وفي موارد الأصول والأمارات إلا أن يقوم دليل خاص على الإجزاء في مورد، وعلى ضوء النظرية الثانية مقتضى القاعدة الإجزاء كذلك إلا أن يقوم دليل خاص على عدمه في مورد». (الفياض، 1417هـ: 2/290).
10. «إن الحكومة لو كانت واقعية فلا بد من ترتيب جميع آثار الواقع لا خصوص الشرطية…». يوضح المرحوم الخوئي في حاشية هذا النص الذي قرره عن أستاذه كإشكال رابع على نظرية الآخوند: «ولازم ذلك هو الالتزام بطهارة المغسول بماء محكوم بالطهارة ظاهراً وبصحة الوضوء أو الغسل به ولو انكشف نجاسة ذلك الماء بعد ذلك واقعاً وكذلك لازمه الالتزام بملكية الثمن واقعاً للبائع المالك للمثمن بحكم الاستصحاب». (الخوئي، أجود التقريرات، 1352ش: 1/198-199).
11. «لو توضأ بماء نجس جهلاً أو أجرى أصالة الطهارة في الماء المشكوك نجاسته وتوضأ به ثم انكشف له أن هذا الماء نجس قبل أن يصلي، حينئذ يلزم على صاحب الكفاية أن يقول بصحة وضوئه حتى بعد انكشاف نجاسة الماء وقبل الصلاة كما يلزم على صاحب الكفاية أن يجيز صلاته بوضوئه بالماء النجس حتى قبل أن يصلي به، وذلك لأن دليل «لا وضوء إلا بالماء الطاهر» أصبح محكوماً لدليل «كل شيء لك طاهر» وهكذا غيره». (الصدر، 1417هـ: 4/460).
12. «عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا تُعَادُ الصَّلاةُ إِلا مِنْ خَمْسَةٍ: الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ». (الحر العاملي، 1416هـ: 4/312).