المستخلص
من طرق إعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية الاستناد إلى حجية خبر الواحد. حجية خبر الواحد، بوصفها إحدى المسائل الأساسية في أصول الفقه، قد استأثرت بمباحث واسعة في مباني الاعتبار وشروط الحجية. بعض الرجاليين، بالاعتماد على هذا المبنَى، يعتبرون توصيفاتهم معتبرة؛ ولكنهم لم يولوا اهتمامًا كافيًا للاختلاف في مباني اعتبار خبر الواحد ومؤشرات حجيته وتأثيرها على تقييم التوصيفات. هذا التجاهل زاد من احتمال الخطأ في تمييز التوصيفات المعتبرة عن غير المعتبرة. يهدف هذا البحث، لرفع هذا النقص، إلى تحليل أحد هذه المباني، وهو سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، واستخدامه كأداة لتحديد مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية. منهج هذا البحث تطبيقي من حيث الهدف، وتحليلي من حيث نوع التنفيذ، ويعتمد على البيانات الكيفية. تظهر نتائج البحث أن حجية خبر الواحد عند العقلاء تستلزم مراعاة مؤشرات دقيقة. من بين هذه المؤشرات: وثاقة المخبر كشرط أساسي لاعتبار الخبر، وعدم تأثير جنس المخبر في حجية الخبر، وعدم الحاجة إلى تعدد المخبرين. كما أن الأخبار الحدسية لا تُقبل لعدم قطعيتها، واعتبار الخبر منوط بتوافقه مع سائر المصادر من خلال الفحص عن المعارض. هذا البحث، بتقديمه هذه المؤشرات، يوفر أساسًا لتقوية الصلة بين علم الأصول وعلم الرجال، ويقدم إطارًا علميًا لتقييم اعتبار التوصيفات الرجالية. بشكل خاص، يمكن استخدام نتائج هذا البحث في التقييم الأدق للتوصيفات الرجالية وتمييز التوصيفات المعتبرة عن غير المعتبرة.
مقدمة
تُعدّ حجية خبر الواحد من المباني المهمة في علم الرجال، والتي تُستخدم لإضفاء الاعتبار على توصيفات الرجاليين. بعبارة أخرى، يستند الرجاليون في كثير من الأحيان إلى حجية خبر الواحد لقبول توصيفات الرجاليين السابقين حول رواة الحديث. ولكن المشكلة التي تبرز هنا هي أن خبر الواحد نفسه لا يتمتع بحجية ذاتية، ويحتاج إلى أدلة ومبانٍ محددة لاعتباره. في الواقع، كما أن التوصيفات الرجالية لا يمكن أن تكون معتبرة بدون دليل، فإن مبنى حجية خبر الواحد نفسه لن يكون حجة بدون دليل مستند ومعتبر. لهذا السبب، تم تناول هذه المسألة في علم الأصول، وذُكرت مبانٍ مختلفة لإثبات حجية خبر الواحد، يقدم كل منها مؤشرات مختلفة لتمييز الخبر المعتبر عن غير المعتبر.
على الرغم من أن هذه الاختلافات لها تأثيرات مباشرة على تقييم صحة واعتبار الخبر والتوصيفات الرجالية، إلا أن الرجاليين عادةً لا يلتفتون إلى الاختلافات الموجودة في مباني حجية خبر الواحد، وفي كثير من الحالات يعتبرون التوصيفات الرجالية معتبرة بناءً على افتراض حجية خبر الواحد. على سبيل المثال، العبارة التالية المقتبسة من الكتاب القيّم “اعتبار سنجی احادیث شیعه” (توثيق أحاديث الشيعة) تدل على هذا النهج: “وفقًا لهذا المبنَى، الذي يشترط فقط وثاقة الراوي كما في الفقه، وليس صحة المذهب، فإن توثيقات أشخاص مثل علي بن الحسن بن فضال وأحمد بن محمد بن سعيد (ابن عقدة) حجة أيضًا، وقادرة على معارضة تضعيفات علماء مثل النجاشي وابن الغضائري”. في هذا النص، لم تؤخذ الاختلافات الموجودة في مباني حجية خبر الواحد في الاعتبار، لأنه في هذه النظرة، قُبلت مجرد الوثاقة كمعيار للتوثيق ولم يُلتفت إلى مؤشرات أخرى أو آثار متعارضة. هذا النقص موجود على نطاق واسع في التحليلات الرجالية ويمكن أن يترك آثارًا سلبية على تقييم صحة الروايات.
في سائر كتب الرجال أيضًا، على الرغم من الإشارة إلى مبنى حجية خبر الواحد، لم تحظَ هذه المسألة بالاهتمام الكافي. كتب مثل “تنقيح المقال في علم الرجال”، و”منتهى المقال في الدراية والرجال”، و”بحوث في علم الرجال”، و”الفوائد الرجالية”، و”سبك شناسى دانش رجال الحديث” (منهجية علم الرجال الحديث)، و”استناد در روش شناخت رجال اسناد” (الاستناد في منهج معرفة رجال الأسانيد)، بيّنت مبنى حجية خبر الواحد، ولكن هذه الآثار تناولت هذه المسألة بشكل عام فقط، وقلّما أُولي اهتمام لتفاصيل تأثيراتها على توثيق التوصيفات الرجالية. كما أن كتاب “مباني حجية آراء رجالى” (مباني حجية آراء الرجال) من تأليف سيف الله صرامي، باعتباره المصدر الوحيد الذي تناول هذا المبنَى بشكل أدق، لم يتمكن بسبب اتساع الموضوع وضيق مساحة الكتاب من تناول تفاصيل تأثير كل مبنى من مباني حجية خبر الواحد في توثيق التوصيفات الرجالية.
نظرًا لهذا النقص، ومع التأكيد على أن كل مبنى من مباني حجية خبر الواحد يمكن أن يقدم معاييره الخاصة لتمييز الخبر المعتبر عن غير المعتبر، من الضروري دراسة كل مبنى من مباني الحجية على حدة وتحديد مؤشرات تقييم اعتبار الخبر وفقًا لكل مبنى. لهذا السبب، يسعى البحث الحاضر، باستخدام المنهج التحليلي وبالاستفادة من المصادر المكتبية والرقمية، إلى تحليل سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، وتحديد المعايير المناسبة لتمييز الخبر المعتبر عن غير المعتبر، وبهذه الطريقة توفير أداة لتحديد مؤشرات تقييم التوصيفات الرجالية. يمكن لنتائج هذا البحث أن تمهّد الطريق لرفع مستوى الدقة في تقييم توصيفات الرجاليين.
- تحديد المفاهيم
استُخدمت بعض الكلمات والمصطلحات في عنوان المقالة أو متنها، والتي يُعدّ فهم تفاصيلها ضروريًا لنقل المفاهيم بشكل صحيح؛ لذا، قبل الدخول في صلب البحث، من الضروري تبيين المفاهیم الأساسية المستخدمة في هذا المقال.
1-1. الحجية (الاعتبار)
“الحجية” مصدر جعلي من كلمة “حجة”. استُخدمت “حجة” في اللغة بمعنيين: مصدري وغير مصدري. “حجة” المصدرية بمعنى “الاحتجاج” و”الاستدلال”. و”حجة” غير المصدرية بمعنى وجه الظفر، والبرهان، والدليل. في علم الأصول، “الحجية” بمعنى اعتبار ووثاقة دليل لإثبات أو نفي أمر ما، بشرط ألا يصل اعتبار هذا الدليل إلى درجة القطع. بعبارة أخرى، الحجة التي يقبلها الفقهاء هي دليل يمكن بالاعتماد عليه استنباط الحكم الشرعي.
الاعتبار في علم الرجال: في الدراسات الرجالية، “الاعتبار” بمعنى قبول توصيفات الرجاليين كدليل لإثبات وجود أو عدم وجود سمات مثل الوثاقة أو الضعف في راوٍ ما. هذا القبول لا يعني اليقين والقطع بصحة هذا التوصيف، بل يعني أنه يُفترض أن ما بيّنه الرجالي مطابق للواقع. على سبيل المثال، عندما يُقال “كلام النجاشي حجة”، يعني ذلك أنه إذا قال النجاشي إن فلانًا راوٍ ثقة، يُقبل هذا القول كأساس للتقييم، ويُفترض أن الواقع هو كذلك، ما لم يوجد دليل معتبر على خلافه.
إعطاء الاعتبار لتوصيفات الرجاليين: يحدث إعطاء الاعتبار عندما يُستخدم توصيف رجالي لتحديد سمات راوٍ ما، ولكن لأن هذا التوصيف لا يتمتع بحجية ذاتية، لا يمكن العمل به مباشرة. في هذه المرحلة، يجب استخدام أدلة معتبرة لتأييد اعتبار التوصيف. بعبارة أخرى، في إعطاء الاعتبار، يُسعى باستخدام أدلة قُبل اعتبارها إلى إعطاء اعتبار لتوصيفات لم تكن معتبرة في البداية. على سبيل المثال، إذا قال الشيخ الطوسي إن الراوي ضعيف، فلن يكون هذا القول قابلاً للاستناد إليه بمفرده ما لم تؤيده أدلة أخرى. هذه الأدلة عادةً ما تُعرّف مؤشرات يُعدّ وجودها في التوصيف شرطًا ضروريًا لاعتباره. تعمل هذه المؤشرات كمعايير تُقيَّم التوصيفات بناءً عليها.
توثيق التوصيفات الرجالية: “توثيق التوصيفات” مرحلة تلي إعطاء الاعتبار. في هذه المرحلة، تُفحص التوصيفات بناءً على المؤشرات المستخلصة من الأدلة المعتبرة، لتحديد ما إذا كانت تتوافق مع المعايير المحددة أم لا. إذا تطابق توصيف ما مع هذه المؤشرات، يُعرف بأنه معتبر، وإلا فيُعرف بأنه غير معتبر ويُطرح جانبًا. هاتان المرحلتان معًا تُنشئان عملية دقيقة ومنظمة لفحص وتقييم التوصيفات الرجالية. فمن ناحية، يمنح إعطاء الاعتبار حجية للتوصيفات التي تفتقر إلى الاعتبار في البداية، ومن ناحية أخرى، يقيس توثيق التوصيفات مدى تطابق هذه التوصيفات مع مؤشرات الاعتبار ويحدد النتيجة النهائية. يُعدّ هذا الإطار أساسًا للاستخدام العلمي والمنهجي للبيانات الرجالية في البحوث الرجالية.
1-2. سيرة العقلاء
“السيرة” في اصطلاح الأصوليين المشهور تُطلق على البناء العملي للناس، وسلوكهم وتصرفاتهم الشائعة والمستمرة تجاه فعل أو ترك عمل ما. بالطبع، وسّع الشهيد الصدر معنى “السيرة” وأدخل الارتكاز أيضًا ضمنها؛ بمعنى أنه أحيانًا كان يوجد عند العقلاء في زمن الشارع ارتكاز خاص، وإن لم يوجد سلوك وعمل خارجي في زمن الشارع وفقًا لهذا الارتكاز بسبب مانع ما؛ ولكن يُسمى ذلك الارتكاز الموجود في زمن الشارع “سيرة”.
السيرة على قسمين: سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء. يوجد فرق بين هاتين السيرتين من حيث الموضوع والحكم. من حيث الموضوع، منشأ سيرة المتشرعة هو الالتزام بعقيدة ودين، مثل احترام الصليب عند المسيحيين؛ بخلاف سيرة العقلاء التي ليس منشؤها الدين والمعتقد؛ بل لها مبادئ أخرى. بعبارة أخرى، المذهب والعرق والمدرسة الفكرية ليست دخيلة في السلوك العملي للعقلاء. من حيث الحكم، سيرة المتشرعة حجة بنفسها؛ مثل الإجماع الذي يكشف عن رأي المعصوم؛ أما سيرة العقلاء فتحتاج إلى إمضاء الشارع.
1-3. البينة
“البينة” في اللغة بمعنى الأمر الواضح، والحجة، والبرهان. في الواقع، كل ما يوضح ويكشف مسألة مبهمة يُسمى “بينة”. في الاصطلاح الفقهي والقانوني، يُطلق على الشهود المعتبرين شرعًا “بينة”. غالبًا ما يُقصد بالبينة رجلان عادلان؛ ولكن يمكن أيضًا أن يكون رجل عادل وامرأتان عادلتان، أو أربع نساء عادلات، أو شاهد ويمين “بينة”.
البينة وخبر الواحد كلاهما من طرق إثبات الموضوعات الشرعية. تُستخدم البينة وشهادة رجلين عادلين أكثر في باب القضاء؛ ولكن جمهور الفقهاء قبلوا اعتبار خبر رجلين عادلين ليس فقط في باب القضاء بل في جميع الموضوعات، لدرجة أنهم أشاروا إليه بقاعدة “عموم حجية البينة”. عندما يُطرح بحث اعتبار خبر الواحد في الموضوعات مقابل البينة، يُقصد به الخبر الذي لا يتوفر فيه أحد شروط العدالة أو التعدد أو الذكورة.
- مكانة مبنى حجية خبر الواحد في إعطاء الاعتبار لتوصيفات الرجاليين
من المسائل الجذرية في علم الرجال تحديد مبنى اعتبار وقبول توصيفات الرجاليين. هذه التوصيفات، التي يقدمها علماء الرجال، تشمل سمات مثل وثاقة الرواة أو ضعفهم أو مذهبهم. على سبيل المثال، يقول النجاشي في كتابه: “فلان الراوي ثقة” أو “فلان الراوي واقفي المذهب”. ولكن هذه التوصيفات لا تتمتع بحجية ذاتية، وقبولها يتطلب دليلاً معتبرًا ومحددًا.
2-1. مباني إعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية
طرح الرجاليون والأصوليون مبانٍ متنوعة لإعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية. أهم هذه المباني هي:
2-1-1. اعتبار الاطمئنان والعلم العرفي
بناءً على هذا المبنَى، إذا حصل اطمئنان عرفي بصحة التوصيف، فهذا كافٍ للحجية. هذا الاطمئنان عادةً ما ينشأ من كثرة الشواهد أو وثاقة القائل.
2-1-2. اعتبار خبر الواحد الثقة
يستند هذا المبنَى إلى حجية خبر الواحد المنقول بواسطة راوٍ ثقة. يعتقد الرجاليون أنه إذا ورد خبر واحد من شخص ثقة، فإن قبوله مبرر بسبب وثاقة الناقل.
2-1-3. اعتبار شهادة العدلين
في هذه الطريقة، إذا شهد شاهدان عادلان (عدلين) بصحة توصيف ما، يُعرف ذلك التوصيف بأنه معتبر.
2-1-4. اعتبار رأي الخبراء المتخصصين
في هذا المبنَى، يُقبل رأي الخبراء المتخصصين في علم الرجال كدليل للحجية.
2-1-5. اعتبار الظنون في الرجال من باب الانسداد الصغير
في الحالات التي يكون فيها الشارع المقدس قد حدد طريقًا للوصول إلى الأحكام الشرعية، ولكن تحقيق ذلك الطريق يتطلب شروطًا صعبة تجعل تنفيذ الحكم غير ممكن عمليًا، يُعبَّر عن هذا الوضع بالانسداد الصغير. في مثل هذه الحالة، يستنبط العقل والعرف من جعل هذا الطريق نفسه أن الشارع لم يقصد التضييق ووسّع الشروط. في علم الرجال أيضًا، تسود هذه القاعدة نفسها. بافتراض أن الشارع المقدس جعل طريق الوصول إلى الأحكام هو أخبار الرواة العدول، فإذا تم التشدد المفرط في إحراز عدالة الراوي ولم تُعتبر الظنون الحاصلة من التوصيفات الرجالية معتبرة، فسيصبح مسار الوصول إلى الأحكام الشرعية محدودًا لدرجة تتعارض عرفًا مع هدف الشارع. لهذا السبب، من باب الانسداد الصغير، يهتدي العقل إلى كفاية الظن بعدالة الراوي حتى لا يُسد مسار الوصول إلى الأحكام الشرعية. بشكل عام، في علوم مثل علم الرجال حيث لا يوجد دليل علمي أو قطعي كافٍ، يُقبل الظن في ذلك العلم كدليل معتبر اضطرارًا.
2-1-6. اعتبار مطلق الظنون من باب الانسداد الكبير
في هذا المبنَى، تُعتبر جميع الظنون التي يتم الحصول عليها بشأن صحة التوصيفات حجة دون قيود. يُطرح الانسداد الكبير عندما يوجد علم إجمالي بالتكاليف الشرعية ولكن الطرق القطعية للوصول إلى هذه التكاليف غير كافية. في مثل هذه الظروف، لا يمكن للشارع أن يكتفي باليقين فقط، ولا بد أن يعتبر الظنون معتبرة أيضًا. هذا الاعتبار يشمل الظنون الحاصلة من التوصيفات الرجالية، خاصة عندما يكون هذا الظن قويًا. بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه في حال كفاية الظنون القوية، لا ينبغي العمل بالظنون الأضعف.
بعبارة أخرى، يُطلق الانسداد الكبير على الحالة التي لا يوجد فيها دليل علمي أو قطعي كافٍ بالنسبة لمعظم الأحكام، ونتيجة لذلك يُقبل الظن بشكل مطلق كحجة. عندما يصبح الظن المطلق حجة، يسري هذا الاعتبار على جميع العلوم المتعلقة بالأحكام الشرعية، بما في ذلك علم الرجال.
بشكل عام، يكمن الفرق بين الانسداد الكبير والانسداد الصغير في نوع نظرتهما إلى حجية الظنون. في نظرية الانسداد الكبير، الظنون حجة بشكل مطلق ما لم يوجد دليل خاص على عدم حجية ظن معين. أما في الانسداد الصغير، فتختص الحجية بظن خاص فقط، لأن عدم حجية ذلك الظن الخاص يجعل كشف وتنفيذ الحكم الشرعي غير ممكن عمليًا. هذا التمييز يجعل الفهم الأدق لهاتين النظريتين ممكنًا ويساعد المتلقي على التمييز بوضوح بين هذين المبنيين.
2-2. ترتيب وأولوية المباني
لا تقع هذه المباني في مرتبة واحدة وبالعرض من بعضها البعض، بل توجد أولوية خاصة بينها. على سبيل المثال، الفقيه الذي يؤمن بالانفتاح لا يلجأ إلى مبنى حجية خبر الواحد إلا إذا لم يوجد اطمئنان عرفي – بناءً على رأي المشهور في حجية الاطمئنان – أو أدلة أقوى. الترتيب المذكور واضح في المخطط الشجري أدناه:
(تم حذف المخطط بناء على طلب المستخدم)
2-3. الاستناد إلى حجية خبر الواحد
من الطرق البارزة في إعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية الاستناد إلى حجية خبر الواحد. لاحظ الرجاليون أن علماء الأصول يعتبرون خبر الواحد حجة؛ لهذا السبب، استدلوا بأنه بما أن التوصيفات الرجالية تُعدّ نوعًا من خبر الواحد أيضًا، فيجب أن تكون هذه التوصيفات حجة كذلك. بناءً على ذلك، إذا قدم رجالي معتبر مثل النجاشي أو الشيخ الطوسي تقريرًا أو توصيفًا حول وثاقة أو ضعف راوٍ ما، فإن هذا التقرير يكتسب حجية كخبر الواحد في علم الأصول ويمكن العمل بناءً عليه.
2-4. تحليل مكانة مبنى حجية خبر الواحد
على الرغم من أن التوصيفات الرجالية تُعدّ نوعًا من خبر الواحد أيضًا، إلا أن هذا السؤال الأساسي يُطرح: هل خبر الواحد حجة تحت أي ظرف من الظروف؟ وإذا قُبلت حجية خبر الواحد، فهل يمكن لهذه الحجية أن تضمن اعتبار التوصيفات الرجالية بشكل مطلق؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب متابعة البحث من جانبين:
أولاً، يجب الانتباه إلى أدلة وشروط حجية خبر الواحد. حجية خبر الواحد ليست معتبرة بشكل ذاتي ومطلق، بل تحتاج إلى مبنى يحدد معايير اعتبارها. إذا استند مبنى حجية خبر الواحد إلى أن خبر الثقة حجة، ففي هذه الحالة يكفي إحراز وثاقة الموصِّف. أما إذا كان دليل حجية خبر الواحد هو لزوم عدالة المخبر، فلن تكون الوثاقة كافية وحدها، وسيكون إحراز العدالة ضروريًا أيضًا. على سبيل المثال، قدم ابن عقدة، أحد المصادر الرجالية المهمة للشيخ الطوسي، تقارير متعددة حول الرواة. ولكن إذا لم تُحرز عدالته، فلا يمكن الاعتماد على توصيفاته، حتى لو قُبلت وثاقته. الأهم من ذلك، في الحالات التي لا يُعرف فيها ما إذا كانت معلومات الشيخ الطوسي مأخوذة مباشرة من ابن عقدة أو من مصدر آخر، فإن عدم اليقين هذا يؤثر أيضًا على اعتبار مادة رجال الشيخ الطوسي.
بناءً على ذلك، حجية خبر الواحد هي مجرد وسيط لإعطاء الاعتبار، ولا يمكن أن تعمل بشكل مستقل كمعيار رئيس لاعتبار التوصيفات الرجالية. هذه الوساطة تعني أن خبر الواحد يجب أن يُحلل في إطار مبنى حجيته، وبناءً على ذلك تُحدد الشروط والمؤشرات اللازمة لقبول التوصيفات الرجالية.
ثانيًا، يجب الانتباه إلى الاختلافات في تفسير طبيعة هذه التوصيفات. اعتبر بعض العلماء التوصيفات الرجالية من قبيل الموضوعات المحضة، ولكن اعتبرها آخرون من قبيل الموضوعات التي تقع في طريق كشف الأحكام الشرعية. لمعرفة ما إذا كان مبنى حجية خبر الواحد ينطبق على كلا الفريقين أم لا، يجب الانتباه إلى مبنى قبول خبر الواحد. إذا كان ذلك المبنَى ودليل الاعتبار يعتبر خبر الواحد معتبرًا في كلا النوعين من الموضوعات، فيمكن بناءً على رأي كلا الفريقين الاعتماد على توصيفات الرجاليين أيضًا كنوع من خبر الواحد.
هذا التحليل يوضح أن مجرد القبول العام لحجية خبر الواحد لا يمكن أن يضمن اعتبار جميع التوصيفات الرجالية. للوصول إلى تقييم دقيق، من الضروري دراسة كل من مباني حجية خبر الواحد والشروط الخاصة لإعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية بشكل دقيق. هذا الاهتمام باختلاف المباني وتأثيرها يلعب دورًا مهمًا في صحة ودقة التقييمات الرجالية.
- سيرة العقلاء: دليل حجية خبر الواحد
خبر الواحد هو أحد أهم مصادر استنباط الأحكام الشرعية، وكانت حجيته دائمًا موضوع بحث ونقاش. قدم الفقهاء لإثبات حجية هذا المصدر أدلة متعددة من القرآن والسنة والإجماع وسيرة العقلاء. من بين هذه الأدلة، تحتل سيرة العقلاء مكانة خاصة، ويعتبرها كثير من الفقهاء الدليل الأمتن، بل الوحيد، لإثبات حجية خبر الواحد.
لفهم دور سيرة العقلاء في إثبات حجية خبر الواحد بشكل أفضل، يجب تبيين نقطتين رئيسيتين. أولاً، يجب توضيح طبيعة حجية سيرة العقلاء. هل سيرة العقلاء حجة بحد ذاتها أم أن حجيتها تحتاج إلى إمضاء الشارع؟ ثانيًا، يجب توضيح مفاد سيرة العقلاء. على ماذا تدل سيرة العقلاء؟ هل تدل سيرة العقلاء على حجية خبر الواحد بشكل مطلق أم أن حجيتها مشروطة بشروط خاصة؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستكون مفتاح الفهم الدقيق لمكانة سيرة العقلاء في إثبات حجية خبر الواحد. فيما يلي، سنتناول دراسة مفصلة لهذين السؤالين.
3-1. حجية سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد ومجالاتها
لا تتمتع سيرة العقلاء بحجية ذاتية، واعتبارها يحتاج إلى إمضاء وتأييد الشارع. بعبارة أخرى، لا يمكن الاستناد إلى سيرة العقلاء إلا إذا وجدت أدلة على موافقة وتأييد الشارع لها. طرح الفقهاء طرقًا مختلفة لإحراز هذه الموافقة. بعض هذه الطرق هي: الإمضاء الصريح للشارع في النصوص الدينية، وسكوت الشارع أمام سيرة كانت جارية في زمانهم، وغيرها.
أحيانًا يكفي “عدم الردع” لإحراز موافقة الشارع، كما في الحالة التي يكون فيها منهج الشارع وطريقته مطابقًا لطريقة العقلاء. أي أن الشارع يكون متحد المسلك مع العقلاء ويتصرف مثلهم. وكذلك في الحالة التي لا يكون فيها الشارع متحد المسلك مع العقلاء؛ ولكن العقلاء يعملون بهذه السيرة في جميع أمورهم، حتى الأمور الشرعية. إذا لم يوجد مانع للردع، فإن “عدم الردع” يكفي لحجية مثل هذه السيرة. أما في بعض الحالات، فلا يكفي “عدم الردع”، ويلزم إثبات حجية السيرة بدليل قطعي.
يعتقد بعض الفقهاء أن سكوت الشارع وعدم ردعه لسيرة العقلاء في قبول خبر الواحد كافٍ كدليل على حجيته. ومع ذلك، يختلفون في تحديد حدود هذا السكوت والحالات التي تكون فيها سيرة العقلاء حجة. تعتقد مجموعة من الفقهاء أنه لا يوجد دليل قاطع على ردع سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد. بعبارة أخرى، من وجهة نظر هذه المجموعة، وافق الشارع بشكل عام على قبول العقلاء لخبر الواحد ولم يضع له أي قيود. أما مجموعة أخرى من الفقهاء فتعتقد أن الشارع ميّز بين الأحكام والموضوعات، ووافق فقط على قبول العقلاء لخبر الواحد في مجال الأحكام. بعبارة أخرى، تعتقد هذه المجموعة أن الشارع عارض قبول خبر الواحد كدليل في مجال الموضوعات وحصر حجيته في مجال الأحكام فقط.
الدليل الرئيس للمجموعة الثانية، التي تقول بوجود رادع في مجال الموضوعات، هو رواية مسعدة بن صدقة. هذه الرواية، ببيانها أن كل شيء حلال ما لم يثبت حرمته بشكل قطعي عن طريق الاستبانة أو شهادة شاهدين عادلين، يبدو أنها تتحدى حجية خبر الواحد وتردع سيرة العقلاء في هذا المجال.
النقاش الرئيس يدور حول ما إذا كانت هذه الرواية يمكن أن تُعتبر دليلاً رادعًا ينفي حجية خبر الواحد كدليل كافٍ لإثبات الموضوعات أم لا. توجد في هذا الصدد رؤيتان عامتان:
رؤية موافقي رادعية خبر مسعدة: تعتقد مجموعة من الفقهاء أن هذه الرواية، كدليل رادع، تنفي حجية خبر الواحد في الموضوعات. ويعتقدون أن الحصر الموجود في الرواية حصر حقيقي، ولا يوجد سوى طريقين لإثبات الموضوعات: العلم الوجداني وشهادة شاهدين عادلين.
رؤية معارضي رادعية خبر مسعدة: تعارض مجموعة أخرى من الفقهاء رؤية الرادعية، وتقدم الأدلة التالية لعدم صلاحية هذه الرواية في ردع سيرة العقلاء:
- الإشكال على سند الرواية: أورد بعض المحققين إشكالاً على سند رواية مسعدة.
- التفسير المختلف لكلمة “بينة”: يعتقد بعض الفقهاء أن المعنى اللغوي لكلمة “بينة” هو المراد في هذه الرواية، وليس معناها الاصطلاحي (شهادة شاهدين عادلين).
- نفي الحصر الحقيقي: يعتقد بعض الفقهاء الآخرين أن الحصر الموجود في الرواية ليس حصرًا حقيقيًا، وتوجد طرق أخرى أيضًا لإثبات الموضوعات.
- لزوم تعدد الروايات لردع سيرة العقلاء: يرى بعض أهل الدقة أيضًا أنه لردع سيرة العقلاء، يلزم تعدد الروايات، ولا يمكن لرواية واحدة أو اثنتين بمفردها أن تطرح سيرة العقلاء جانبًا.
يتركز النزاع الرئيس في هذا البحث على معنى كلمة “بينة” ونوع الحصر الموجود في الرواية. يستند أنصار كلا الرأيين لإثبات وجهة نظرهم إلى قرائن وشواهد من النصوص الروائية والفقهية. بشكل عام، يُعدّ بحث رادعية رواية مسعدة بن صدقة بحثًا معقدًا ومتعدد الأوجه، يتطلب دراسة أدق وأعمق لجوانبه المختلفة. تتمتع الأدلة والاستدلالات المقدمة من كلا الطرفين بنقاط قوة وضعف خاصة بها، ولا يمكن ترجيح أحدها على الآخر بسهولة. ومع ذلك، بعد دراسة أدق للأدلة والاستدلالات المقدمة، يبدو أن أدلة معارضي رادعية هذه الرواية أكثر إحكامًا وقبولاً. لهذا السبب، وبافتراض الحجية المطلقة لسيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، سنتناول في تتمة هذا البحث تحليلًا أعمق لمفاد السيرة ونتائجها في إعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية.
3-2. مفاد سيرة العقلاء
توجد نظريتان حول مفاد ومحتوى سيرة العقلاء في حجية خبر الواحد:
(1) النظرية الأولى: مطلق الخبر الذي يسلم من الكذب ويكون المخبر صادقًا في قوله حجة، دون فرق بين الأغراض الشخصية والأغراض المولوية.
(2) النظرية الثانية: النظرية التي تقول إن العقلاء يفرقون بين الأغراض الشخصية والأغراض المولوية. فهم في أغراضهم الشخصية يبحثون عن الوصول إلى الواقع، واعتمادهم على خبر الثقة بالقدر الذي يوصلهم إلى الواقع. بعبارة أخرى، في الأغراض الشخصية، الوصول إلى الواقع مهم جدًا للعقلاء، ولهذا السبب يحتاطون ولا يعملون بخبر الثقة حتى يصلوا إلى وثوق واطمئنان شخصي؛ ولكن في الأغراض المولوية، التي هي مقام الاحتجاج، يعتمدون على خبر الثقة.
ضمن النظرية الثانية، يوجد قولان:
- يعتمد العقلاء في الأغراض المولوية على خبر الثقة بشكل مطلق؛ حتى لو وجد ظن بالخلاف.
- يعتمد العقلاء في الأغراض المولوية على خبر الثقة؛ بشرط أن يحصل من كلامه اطمئنان نوعي.
- تفاوت المقاربات في تفسير مفاد سيرة العقلاء وتأثيره على تدوين مؤشرات توثيق توصيفات الرجاليين
سبق أن تناولنا دراسة مفاد سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد والنظريات المختلفة حولها. كما لوحظ، توجد في هذا المجال ثلاث نظريات رئيسة. في هذا القسم، يُسعى إلى دراسة تأثير هذه النظريات على تدوين مؤشرات توثيق توصيفات الرجاليين. بعبارة أخرى، الهدف هو تحديد مدى إمكانية عمل كل من هذه النظريات الثلاث كمبنَى مستقل لتدوين مؤشرات التوثيق.
تظهر الدراسات أن النظرية الثالثة، القائمة على الاطمئنان، لا يمكن أن يكون لها أثر مستقل في هذا المجال؛ لأن هذه النظرية في الواقع ترجع إلى مبنى الاطمئنان في إعطاء الاعتبار لتوصيفات الرجاليين، وما دام الاطمئنان حاصلاً، فلا حاجة للاستناد إلى حجية خبر الواحد. أما النظرية الأولى والثانية، اللتان تؤكدان على الحجية المطلقة للخبر أو حجية الخبر في الأغراض المولوية، فيمكن استخدامهما كمبنيين مستقلين لإعطاء الاعتبار لتوصيفات الرجاليين. بمعنى أنه إذا لم يحصل اطمئنان من قول رجالي، فوفقًا لكلتا النظريتين المذكورتين، ستكون توصيفات الرجاليين حجة من باب حجية خبر الواحد.
- مؤشرات توثيق توصيفات الرجاليين
كما بُحث في القسم السابق، من بين النظريات المختلفة حول حجية خبر الواحد، يمكن الاعتماد على نظريتي الحجية المطلقة للخبر وحجية الخبر في الأغراض المولوية كمبنيين مستقلين لإعطاء الاعتبار لتوصيفات الرجاليين. في هذا القسم، نتناول الهدف الرئيس للبحث الحاضر، وهو تدوين مؤشرات لتوثيق توصيفات الرجاليين بناءً على سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد. نظرًا لغلبة الدوافع المولوية في التوصيفات الرجالية، سيكون تأثير كلتا النظريتين المذكورتين على مؤشرات توثيق توصيفات الرجاليين مشابهًا. بعبارة أخرى، سواء بناءً على نظرية الحجية المطلقة للخبر أو بناءً على نظرية حجية الخبر في الأغراض المولوية، ستُعتمد مؤشرات متماثلة للخبر والمخبر وحالات التعارض، حتى يمكن توثيق توصيفات الرجاليين. فيما يلي، نتناول دراسة دقيقة لهذه المؤشرات في ثلاثة مجالات رئيسة: مؤشرات المخبر، ومؤشرات الخبر، والمؤشرات المتعلقة بحالات التعارض.
5-1. مؤشرات المخبر
في دراسة اعتبار توصيفات الرجاليين، يلعب دور المخبر أهمية كبيرة. إذ من الممكن أن تُعتبر السمات الشخصية والجنس وعدد المخبرين عوامل مؤثرة على مدى الثقة بالخبر وتوصيفهم. لهذا السبب، يُعدّ تحديد هذه السمات بدقة ضروريًا لتقييم اعتبار التوصيفات. في هذا القسم، بتحليل سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، استُخلصت مؤشرات لتقييم المخبرين، حتى يمكن تمييز التوصيفات الرجالية المعتبرة عن غير المعتبرة.
5-1-1. المؤشر الأول: الوثاقة
في الخطوة الأولى من دراسة مؤشرات المخبر، يمكن الإشارة إلى “الوثاقة” كأهم مؤشر لقبول الخبر. يعتقد العقلاء أنه لضمان صحة خبر ما، لا حاجة إلا لسمتين أساسيتين: الصدق والضبط. “الصدق” بمعنى قول الحقيقة وعدم وجود دافع للكذب، و”الضبط” بمعنى امتلاك ذاكرة قوية لتذكر المعلومات بدقة. بعبارة أخرى، يعتقد العقلاء أن الشخص الذي عادة ما يكون صادقًا ويتذكر المعلومات بدقة جدير بالثقة وخبره قابل للقبول. هاتان السمتان كافيتان بمفردهما لضمان مطابقة الخبر للواقع، ولا حاجة لبحث سائر سمات الراوي مثل العدالة.
يعتبر بعض العلماء عدالة المخبر شرطًا أيضًا لقبول الخبر. ولكن العقلاء يعارضون هذا الرأي. “العدالة” بمعنى الاعتقاد والالتزام العملي بالحق في أصول الدين وفروعه، بينما “الوثاقة” تتعلق بقابلية الاعتماد على الخبر. يعتقد العقلاء أن كون الراوي فاسقًا أو خارجًا عن الدين لا يعني بالضرورة عدم وثاقته في نقل الخبر. بناءً على ذلك، من وجهة نظر العقلاء، “الوثاقة” وليست “العدالة” هي المعيار الرئيس لقبول الخبر.
بشكل عام، يعتقد العقلاء أن الخبر أداة لاكتساب المعلومات حول العالم المحيط، وهدفهم الرئيس من قبول الخبر هو الوصول إلى معلومات صحيحة ودقيقة. لهذا السبب، لا يلتفتون إلا إلى تلك السمات للمخبر التي تؤثر بشكل مباشر على قابلية الاعتماد على الخبر، ويعتبرون سائر السمات ثانوية في هذا المجال. لهذا السبب، الشخص الثقة، بسبب سمة وثاقته، يكون موضع ثقة العقلاء.
في النهاية، يجب القول إنه كما يجعل العقلاء وثاقة المخبر المؤشر والمعيار الرئيس لقبول خبر ما، يجب في تقييم اعتبار توصيفات الرجاليين البحث عن هذا المؤشر نفسه. بعبارة أخرى، لضمان صحة المعلومات التي يقدمها الرجاليون حول رواة الحديث، يجب الانتباه إلى مدى وثاقة الموصِّف وقابليته للاعتماد.
فيما يتعلق بوثاقة الموصِّفين، يجب الانتباه إلى نقطتين:
النقطة الأولى هي أنه لكون الرجالي ضابطًا، لا يكفي أن تكون ذاكرته أو حفظه أكثر من سهوه وخطئه. على سبيل المثال، إذا كان لشخص 40 خطأً وكان مقدار حفظه أكثر قليلاً من خطئه، فهذا المقدار من الحفظ ليس كافيًا لكونه ضابطًا. الضبط يعني ألا يكون أضعف من المتعارف عليه. المتعارف عليه مثلاً هو أن يكون لدى الشخص 20% من الأخطاء على الأكثر؛ فإذا كان أكثر من هذا المقدار، لا يعتبر العقلاء مثل هذا الشخص ضابطًا.
النقطة الثانية هي أن صحة المذهب ليست من شروط الاعتماد على التوصيف والخبر. يعتقد البعض أنه بالإضافة إلى الصدق والضبط، فإن صحة المذهب شرط لازم أيضًا للاعتماد على الخبر. ولكن هذا الشرط موضع نقاش، لأن العقلاء لا يعتبرون مثل هذا الشرط لازمًا. على سبيل المثال، على الرغم من أن مذهب ابن عقدة ذُكر بأنه زيدي جارودي، إلا أن هذا الأمر لا يمنع من قبول توصيفاته حول رواة الحديث.
5-1-2. المؤشر الثاني: عدم تأثير الجنس (كونه امرأة أو رجلاً)
المؤشر الثاني من بين مؤشرات المخبر هو عدم تأثير جنس المخبر على اعتبار الخبر. بعبارة أخرى، يعتقد العقلاء أن جنس الشخص الذي ينقل الخبر لا ينبغي أن يكون معيارًا لقبول ذلك الخبر أو رده، بل ما يهم هو وثاقة المخبر وقابليته للاعتماد. يمكن فهم هذه الرؤية بأمثلة بسيطة. لنفترض أن شخصًا يبحث عن متجر معين ويسأل أحد المارة عن العنوان. في هذه الحالة، لا يهم جنس المار (امرأة أو رجلاً). ما يجلب ثقة الشخص هو الاطمئنان إلى صدق المار، لأنه ليس لديه سبب للكذب. بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه في بعض الأحكام الشرعية الخاصة، مثل الشهادة في المحكمة، قد توجد اختلافات بين شهادة الرجل والمرأة، ولها أسبابها الفقهية الخاصة. ولكن هذه الاستثناءات لا تخل بالمبدأ العام للمساواة بين الجنسين في اعتبار الخبر.
بناءً على ما ذُكر، يمكن استنتاج أنه في التوصيفات الرجالية أيضًا، لا ينبغي التمييز بين الموصِّف الرجل والمرأة. بعبارة أبسط، إذا وصلنا توصيف من امرأة حول رواة الحديث، فيجب، بناءً على سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد، اعتباره مثل توصيف الرجل. بالطبع، نظرًا لأن الغالبية العظمى من الرجاليين كانوا رجالاً على مر التاريخ، فإن هذا المبنَى لا يُحدث تغييرًا كبيرًا في عملية الجرح والتعديل للرواة عمليًا.
5-1-3. المؤشر الثالث: عدم الحاجة إلى التعدد
في تتمة بحث مؤشرات المخبر، نتناول المؤشر الثالث في هذا المجال. بناءً على هذا المؤشر، إذا شاهد شخص يتمتع بسمتي الصدق والذاكرة القوية حدثًا ما ونقل خبره إلى الآخرين، حتى لو كان الشاهد الوحيد على ذلك الحدث، فسيعتمد العقلاء على خبره. هذا المؤشر يتوافق مع كل من نظرية الحجية المطلقة للخبر ونظرية حجية الخبر في الأغراض المولوية، ويمكن ذكر أمثلة متعددة لتأييد هذا القول.
إن التفات العقلاء إلى المؤشر الثالث في مقام الاحتجاج (الأغراض المولوية) واضح للعيان. على سبيل المثال، لنفترض أنه في قرية نائية لا توجد وسائل إعلام، والمصدر الوحيد للمعلومات هو نقل الأقوال بين الأهالي. إذا أعلن شخص موثوق به ومعتمد خبرًا حول وقوع أو عدم وقوع حدث مهم مثل اجتماع القرية، فسيعتمد سائر الأهالي على ذلك الخبر دون تردد ويتخذون قراراتهم بناءً عليه. حتى لو سُمع هذا الخبر من شخص واحد فقط، فإنه قابل للقبول للأهالي بسبب وثاقة وصدق المخبر.
في الحياة اليومية أيضًا، تُلاحظ هذه الممارسة في الأغراض الشخصية. لنفترض أن شخصًا في طريق عودته إلى المنزل سمع خبرًا مفاجئًا ومهمًا من جار موثوق به وصادق. مثلاً، يخبره الجار أن والده مرض ونُقل إلى المستشفى. في هذه الظروف، يعتمد المخبر عليه دون تردد ويتوجه إلى المستشفى لمزيد من الاطمئنان. في هذا المثال، حتى لو أكد شخص واحد فقط هذا الخبر، فإن المخبر عليه يعمل بخبر جاره بناءً على ثقته به.
أحد مؤيدات المؤشر الثالث هو تأكيد العلماء على شرط تعدد الخبر. فقد حاولوا، بالاستناد إلى أدلة مثل رواية مسعدة، إظهار أنه في الشريعة، لقبول الخبر، يجب أن يكون الخبر متعددًا. هذا التأكيد يدل على أنهم كانوا على علم بأن العقلاء في كثير من الحالات يكتفون بخبر شخص واحد موثوق به. هذه النقطة تؤكد بوضوح أنه إذا لم نقبل الدليل المانع من قبول سيرة العقلاء، ففي الظروف التي يتمتع فيها المخبر بالوثاقة وقابلية الاعتماد، تنتفي الحاجة إلى تعدد الخبر، ويمكن اعتبار هذه السمة أحد المؤشرات المهمة في قبول الخبر.
لهذا المبنَى تأثير كبير في علم الرجال والفقه، لأن كثيرًا من الرواة وُثّقوا فقط بتوثيق عام واحد أو بواسطة راوٍ واحد بشكل خاص. على سبيل المثال، الراوي المعروف، المثنى بن عبد السلام، وُثّق مرة واحدة فقط، وذلك بواسطة الكشي. بالإضافة إلى ذلك، لا يشمل المثنى بن عبد السلام أيًا من التوثيقات العامة. نظرًا لأن شرط تعدد المخبرين غير صادق بشأنه؛ فإذا اعتُبر تعدد المخبرين شرطًا لازمًا لحجية خبر الواحد، فستخرج كثير من رواياته من دائرة استنباط الفقيه.
5-2. مؤشرات الخبر
حتى الآن، تناولنا المؤشرات المتعلقة بالمخبر، وعرّفنا ثلاثة مؤشرات رئيسة في هذا المجال. ومع ذلك، لا يقتصر اعتبار التوصيفات على سمات المخبر فقط؛ بل يجب أن يستوفي الخبر نفسه أيضًا معايير محددة للقبول. الآن، نتناول دراسة المؤشرات المتعلقة بجودة الخبر. تلعب هذه المؤشرات دورًا مهمًا في تحليل وتمييز الأخبار المعتبرة عن غير المعتبرة، وتساعد على تقديم مقاربة أدق في تقييم اعتبار التوصيفات.
5-2-1. المؤشر الأول: عدم كون الخبر حدسيًا
عدم كون الخبر حدسيًا هو المؤشر الأول من بين المؤشرات المتعلقة بالخبر. يظهر تحليل سيرة العقلاء أن هذا المؤشر هو أحد المؤشرات الرئيسة في قبول الأخبار. يقيّم العقلاء بدقة منشأ ومصدر الوصول إلى مدلول الخبر لإعطاء الاعتبار للأخبار. فهم لا يقبلون إلا الأخبار التي يكون منشؤها إما حسيًا، أو قريبًا من الحس، بحيث ينخفض احتمال الخطأ إلى أدنى حد ممكن. النقطة الرئيسة في سيرة العقلاء هي أن احتمال الخطأ في الأخبار الحسية منخفض بشكل كبير. يجري العقلاء، باعتبار هذه السمة، أصل عدم الخطأ في الخبر الحسي ويعملون بمثل هذه الأخبار. الاعتماد على الأخبار الحسية يرجع إلى ارتباطها المباشر بالواقع الخارجي وعدم تدخل الاجتهاد أو الاستنتاج الذهني في عملية الوصول إليها.
في المقابل، الأخبار الحدسية، التي يكون منشؤها استنتاجات عقلية أو اجتهادية، تفتقر إلى الاعتبار عند العقلاء بسبب زيادة احتمال الخطأ. الأهم من ذلك أن العقلاء، حتى في الحالات التي يكون فيها الخبر قريبًا من الحس، يعتبرونه في حكم الخبر الحسي ويعتبرونه معتبرًا، بسبب قربه من المنشأ الحسي وانخفاض احتمال الخطأ. هذا التمييز الدقيق بين أنواع الأخبار هو أساس قرارهم في الاعتماد على خبر ما أو رده.
تقدم سيرة العقلاء هذه إرشادًا واضحًا لتقييم التوصيفات الرجالية. التوصيفات المستندة إلى مشاهدات مباشرة أو بيانات قريبة من الحس معتبرة من وجهة نظر العقلاء. أما التوصيفات المعدة بناءً على تحليل اجتهادي أو استنتاجات ذهنية فتُعتبر فاقدة للاعتبار. توفر هذه المقاربة العقلائية معيارًا أساسيًا للتمييز بين التوصيفات المعتبرة وغير المعتبرة، ويمكن استخدامها كأحد المؤشرات الرئيسة في علم الرجال.
الآثار العملية للمؤشر الثالث في علم الرجال (يبدو أن هناك خطأ في الترقيم هنا، حيث يُشار إلى “المؤشر الثالث” بينما السياق يتعلق بـ “عدم كون الخبر حدسيًا” وهو المؤشر الأول ضمن مؤشرات الخبر)
لتحليل سيرة العقلاء فيما يتعلق بعدم الاعتماد على الأخبار الحدسية وقبول الأخبار الحسية أو القريبة من الحس آثار مهمة في علم الرجال، ويؤثر بشكل مباشر على طريقة تقييم التوصيفات الرجالية. فيما يلي، تُدرس ثلاث نتائج رئيسة لهذه المقاربة:
- التحدي في الاعتبار العام لتوصيفات الرجاليين:
إحدى النتائج الرئيسة لهذا المبنَى هي التشكيك في اعتبار جميع التوصيفات الرجالية. كثير من هذه التوصيفات قد تكون قُدمت بناءً على حدس وتخمين الرجاليين، خاصة في الحالات التي لم تُقدم فيها شواهد حسية أو قريبة من الحس. بناءً على هذا التحليل، متى ما وُجد احتمال كون توصيف ما حدسيًا، ولم يُرفع هذا الاحتمال بشكل قطعي، فلا يمكن قبوله كتوصيف معتبر. بالطبع، يعتقد المرحوم الخوئي أن مجرد احتمال كون الخبر حدسيًا لا يمنع من حجيته، وفقط في حال إحراز كونه حدسيًا بشكل قطعي، لا تجيز سيرة العقلاء العمل به.
- عدم اعتبار بعض توصيفات الرجاليين المتقدمين:
تنقسم توصيفات الرجاليين المتقدمين، خاصة علماء ما قبل القرن السابع الهجري، إلى قسمين: حدسية وغير حدسية.
أ) التوصيفات الحدسية: هذه الفئة من التوصيفات، التي غالبًا ما تكون مبنية على الظن والتخمين، فاقدة للاعتبار. ثلاثة أمثلة على التوصيفات الحدسية الموجودة في المصادر الرجالية المتقدمة هي:
- التضعيف بسبب الغلو: إذا كان مبنى تضعيف الراوي مجرد اتهامه بالغلو، فمثل هذا التضعيف غير مقبول.
- التضعيف بسبب الارتباط بالغلاة: مجرد ارتباط الراوي بأشخاص لديهم أفكار غالية ليس دليلاً على تضعيفه.
- التضعيف بناءً على تحليل المتن: بعض توصيفات الرجاليين المستندة إلى تشابه سلوكي أو قولي مع الغلاة غير معتبرة بسبب احتمال الظن والتهمة. ب) التوصيفات غير الحدسية:هذه التوصيفات، التي لم يتضح كونها حسية أو حدسية، تُعتبر معتبرة بناءً على أصالة الحس، ما لم يثبت خلاف ذلك.
- القيود على قبول توصيفات الرجاليين المتأخرين:
توصيفات الرجاليين المتأخرين، خاصة من القرن السابع الهجري فصاعدًا، فاقدة للاعتبار في تقييم الرواة السابقين. عادةً ما تُدرس توصيفات هذه المجموعة في ثلاث فئات:
- نقل عبارات الرجاليين السابقين.
- توصيف الأساتذة والمعاصرين والمقربين من زمنهم.
- توصيف الرواة القدماء والسابقين. المشكلة الرئيسة تكمن في الوضع الثالث، حيث يقيّم الرجاليون المتأخرون الرواة القدماء. في هذه الحالة، عادةً ما يستندون إلى شواهد غير قطعية ومبانٍ اجتهادية خاصة بهم، وهذه الشواهد تفتقر إلى القطعية اللازمة وتُعتبر توصيفات ظنية وحدسية؛ بناءً على ذلك، تشمل مثل هذه التوصيفات أصل عدم حجية الأخبار الحدسية، ولا يمكن الاعتماد عليها.
5-2-2. توافق الخبر مع سائر المصادر (لزوم الفحص عن المعارض)
توافق الخبر مع سائر المصادر هو المؤشر الثاني من بين المؤشرات المتعلقة بالخبر. عندما توجد مصادر مختلفة لتلقي الخبر، يسعى العقلاء بشكل طبيعي، من خلال قياس ومطابقة الخبر مع سائر المصادر المعتبرة، إلى التأكد من وجود تعارض محتمل بين الأخبار. هذا السلوك نابع من حساسية العقلاء تجاه رفع التعارض وضمان صحة الخبر. ومع ذلك، هذه القاعدة مقبولة في الجملة في سيرة العقلاء وتحتاج إلى دراسة تفصيلية في مقامين: مقام العلم الإجمالي ومقام احتمال التعارض.
- مقام العلم الإجمالي بوجود التعارض:
في الحالات التي يوجد فيها علم إجمالي بوجود تعارض بين الأخبار أو الأقوال، يكون الفحص عن المعارض قطعيًا وضروريًا في نظر العقلاء. في مثل هذه الظروف، يتجاوز احتمال وجود التعارض حد الفرضية والاحتمال ويصل إلى حد العلم. هذا العلم الإجمالي يوجب إجراء فحص دقيق بين المصادر. بناءً على ذلك، لا يمكن الاعتماد على مصدر واحد فقط واتخاذ قرار دون فحص الأخبار الأخرى. في هذا المقام، تتفق كلتا النظريتين في تفسير سيرة العقلاء على لزوم الفحص عن المعارض، ولا يوجد خلاف في هذا الصدد.
- مقام احتمال التعارض:
في هذا المقام، يُطرح فقط احتمال وجود معارض، ولا يوجد علم إجمالي بالتعارض. في مثل هذه الظروف، تقدم التفسيرات المختلفة لسيرة العقلاء نتائج متفاوتة:
-
- النظرية الأولى: تعتقد هذه النظرية أن مطلق خبر الثقة حجة عند العقلاء، سواء في الأغراض الشخصية أو المولوية. ولكن هذه الحجية مقيدة بالحالات التي لا يوجد فيها احتمال تعارض بين الأخبار. في الواقع، لكي يعتمد العقلاء على خبر الثقة في مقام احتمال التعارض، يعتبرون الفحص عن المعارض ضروريًا؛ لأنه بدون هذا الفحص، لا تتشكل الثقة بالخبر عند العقلاء. بناءً على ذلك، وفقًا لهذه النظرية، حتى في مقام احتمال التعارض، يكون الفحص عن المعارض إلزاميًا.
- النظرية الثانية: تعتقد هذه النظرية أن مطلق خبر الثقة حجة في الأغراض المولوية، حتى لو وُجد احتمال تعارض أو خلاف. بعبارة أخرى، وفقًا لهذه النظرية، يعتمد العقلاء على خبر الثقة في الأغراض المولوية مع وجود احتمال الخلاف، ولا يرون حاجة للفحص عن المعارض. بشكل عام، بناءً على هاتين النظريتين، يتم الحصول على نتائج متفاوتة في مقام احتمال التعارض. وفقًا للنظرية الأولى، الفحص عن المعارض ضروري حتى في هذا المقام، وبدونه لا يعتمد العقلاء على الخبر. أما النظرية الثانية فلا تعتبر الفحص إلزاميًا وتقبل الحجية المطلقة لخبر الثقة في الأغراض المولوية.
يُطرح بحث الفحص عن المعارض في علم الرجال أيضًا بشكل جاد. بعبارة أخرى، كما يلتفت العقلاء في قبول خبر الواحد إلى لزوم الفحص عن المعارض، تجري هذه القاعدة في علم الرجال أيضًا. السؤال الأساسي هو: إذا لاحظ فقيه في كتاب مثل “رجال النجاشي” أن النجاشي وثّق راويًا ما، فهل يمكنه الاكتفاء بهذا التوثيق فقط أم يلزم فحص توصيف سائر الرجاليين أيضًا؟
الإجابة هي أنه بافتراض وجود علم إجمالي بالتعارض بين توصيفات الرجاليين، يصبح الفحص عن المعارض ضروريًا، لأن مقام العلم الإجمالي متقدم رتبةً على مقام احتمال التعارض. في مثل هذه الظروف، لا يجيز العقلاء لأحد أن يعتمد على خبر ما دون فحص التعارضات المحتملة. نتيجة لذلك، لتوثيق أو تضعيف راوٍ ما، لا يمكن الاستناد إلى توصيف رجالي واحد فقط؛ بل يلزم فحص جميع توصيفات الرجاليين للتأكد من أن التوصيف المعني لا يتعارض مع توصيفات أخرى، لأن العقلاء لا يعتمدون على الخبر إلا بمثل هذه المقاربة.
في الختام، من الضروري التنبيه إلى أن حيثية البحث فيما نحن فيه تختلف عن حيثية بحث التعارض. فيما نحن فيه، ما لم يُفحص عن المقيِّد والخاص وغيرهما، لا يصبح المطلق والعام حجة. ولكن في بحث التعادل والتراجيح، عندما يتم الفحص بالمقدار المتعارف عليه، يتحول ذلك المطلق أو العام إلى حجة فعلية. فإذا تحول ذلك المطلق إلى حجة فعلية ثم وُجد مقيِّد لاحقًا، فسيُكشف عن الحكم النهائي.
الخلاصة
هدف هذا البحث إلى تحديد مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية، فدرس سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد كإطار نظري. أظهرت النتائج أن العقلاء يعتبرون مراعاة معايير مثل وثاقة المخبر، وعدم كون الخبر حدسيًا، وتوافقه مع سائر المصادر ضرورية لقبول خبر الواحد. يمكن تفصيل هذه المعايير كالتالي:
- مؤشرات المخبر:
- وثاقة المخبر شرط رئيس.
- جنس المخبر لا يؤثر على اعتبار الخبر.
- لا حاجة لتعدد المخبرين.
- المؤشرات المتعلقة بالخبر:
- الأخبار الحدسية مرفوضة لعدم قطعيتها.
- فحص التعارضات المحتملة (الفحص عن المعارض) إلزامي لاعتبار الخبر.
تظهر هذه النتائج أنه إذا كان مبنى حجية خبر الواحد هو سيرة العقلاء، فستكون مراعاة هذه المؤشرات ضرورية. ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذه المؤشرات تعتمد على المبنَى النظري للبحث؛ بمعنى أنه بتغيير مبنى حجية خبر الواحد، قد تلزم مؤشرات أخرى أو تتغير أولوية المؤشرات.
بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ نتائج البحث خطوة نحو تقوية الصلة بين علم الأصول وعلم الرجال، لأنها تظهر أن الدقة في المباني النظرية يمكن أن تساعد على تحسين طرق تقييم التوصيفات الرجالية. كما يقدم هذا البحث إطارًا تطبيقيًا لتمييز التوصيفات المعتبرة عن غير المعتبرة، مما يمكن أن يقلل من الأخطاء المحتملة في التحليلات الرجالية.
تحديات البحث
واجهنا في مسار هذا البحث تحديات مختلفة تطلبت دقة وحلاً دقيقًا. كان أحد أهم التحديات هو التقدم بالمسار المنطقي من مبنى حجية خبر الواحد إلى استخلاص مؤشرات تقييم التوصيفات الرجالية. كان هدف هذا البحث تحديد مؤشرات تقييم اعتبار التوصيفات الرجالية بناءً على مبنى حجية خبر الواحد. لتحقيق هذا الهدف، كان من الضروري أولاً دراسة المباني المختلفة لإعطاء الاعتبار للتوصيفات الرجالية. ثم، كان يجب توجيه الاهتمام الرئيس إلى مبنى حجية خبر الواحد. ومع ذلك، لا يتمتع خبر الواحد بحجية ذاتية، ولإثبات اعتباره كان يجب تقديم أدلة معتبرة. في هذا السياق، تمسكنا بسيرة العقلاء، ولكن سيرة العقلاء أيضًا لا تتمتع باعتبار دون إمضاء الشارع، لذا لقبول سيرة العقلاء كان يجب الحديث عن إمضاء الشارع. ثم، دخلنا في المقاربات المختلفة لسيرة العقلاء، التي فسرت كل منها سيرة العقلاء بطريقة مختلفة.
(تم حذف المخطط بناء على طلب المستخدم)
التحدي الآخر للبحث كان التقدم بهذا المسار المنطقي بحيث يتمكن المتلقي من مواكبته بسهولة. لتجنب إرباك المتلقي وإجهاده، اضطررنا في بعض الحالات إلى استخدام عبارات مثل “سيرة العقلاء في قبول خبر الواحد”. كان الهدف من هذه العبارة التأكيد على أن حجية خبر الواحد تعتمد في النهاية على سيرة العقلاء. قد يؤدي الاستخدام المتكرر لهذا التعبير في بعض الحالات إلى إطالة الجمل أو صعوبة في فهم المقصود، ولكننا كنا مضطرين لاستخدام هذه العبارة. بما أن سيرة العقلاء يمكن أن تكون دليلاً على اعتبار خبر الواحد ودليلاً على اعتبار رأي الخبير المتخصص، فلو استخدمنا سيرة العقلاء بشكل مطلق، كان من المحتمل ألا تتميز المفاهيم المتشابهة عن بعضها البعض وتختلط بدليل اعتبار رأي الخبير المتخصص. لهذا السبب، للحفاظ على الدقة في تمييز هذين المجالين، كان استخدام هذا التعبير ضروريًا.
كانت هذه المسائل والتحديات من أهم صعوبات هذا البحث التي واجهناها في عملية الكتابة. نأمل أن نكون قد تمكنا من التغلب على هذه التعقيدات وتقديم مسار البحث بشكل كامل ومفهوم.
مقترحات وبحوث مستقبلية
في النهاية، يُقترح أن تتناول البحوث المستقبلية دراسة تأثير سائر مباني حجية خبر الواحد على مؤشرات تقييم التوصيفات الرجالية، وأن تبحث إمكانية تطبيق هذه المؤشرات مع مقاربات مختلفة.
المصادر
- انصاري، مرتضى (1428ق). فرائد الأصول.
- آشتياني، محمد حسن بن جعفر (1429ق). بحر الفوائد في شرح الفرائد/ طبع جديد.
- آملی، ميرزا هاشم (1395ق). مجمع الأفكار ومطرح الأنظار.
- بجنوردي، حسن (1377 ش). القواعد الفقهية.
- جناتي، محمد ابراهيم (1370 ش). منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب اسلامى.
- خميني، روح الله (قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية) (1381ش). تهذيب الأصول.
- خميني، روح الله (قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية) (1392ش). تحرير الوسيلة.
- خميني، روح الله (قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية) (1400ش). موسوعة الإمام الخميني قدس سره الشريف.
- خوئي، أبو القاسم (1372 ش). معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة.
- خوئي، أبو القاسم (1418ق). موسوعة الإمام الخوئي.
- روحاني، محمد صادق (1389ش). زبدة الأصول.
- زبيدي، مرتضى (1414ق – 1994م). تاج العروس من جواهر القاموس.
- سند، محمد (1429ق). بحوث في مباني علم الرجال.
- سيد مرتضى، علي بن حسين (1405ق). رسائل الشريف المرتضى (إبطال العمل بأخبار الآحاد).
- شبیری زنجانی، محمد جواد (1402ش). استناد در روش شناخت رجال اسناد.
- شبیری زنجانی، موسى (بلا تاريخ). كتاب نكاح.
- شهيدي، محمد تقي (بلا تاريخ). مباحث الحجج.
- صدر، محمد باقر (1417ق). بحوث في علم الأصول (الهاشمي الشاهرودي).
- صدر، محمد باقر (1419ق). دروس في علم الأصول.
- صدر، محمد باقر (1434ق). موسوعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر.
- طوسي، محمد بن حسن (1427ق). رجال الطوسي.
- فاضل موحدی لنكراني، محمد (1432ق). تفصيل الشريعة (الطهارة).
- فراهيدي، خليل بن أحمد (1409ق). العين.
- كشي، محمد بن عمر (1404ق). اختيار معرفة الرجال.
- كليني، محمد بن يعقوب (1407ق). الكافي.
- مظفر، محمد رضا (1387ش – 1429ق). أصول الفقه في مباحث الألفاظ والملازمات العقلية ومباحث الحجة والأصول العملية.
- نجاشي، أحمد بن علي (1365ش). رجال النجاشي.
- هاشمي شاهرودي، محمود (1382ش). فرهنگ فقه مطابق مذهب اهل بيت (ع).