تحليل الروايات الموهمة للتكفير في ضوء مراتب الكفر والضلالة والمصطلح القرآني

الملخص

يُعدُّ تكفير الفرق الإسلامية من أهم تحديات العالم الإسلامي في العصر الحاضر، وأحد عوامل الاختلاف والتفرقة بين أبناء الأمة الإسلامية. إن جذور التكفير تضرب في الاستنباطات غير الصحيحة للآيات والروايات، وتوفر الذريعة اللازمة للجماعات المنحرفة والمتطرفة. وهذا الأمر يوضح ضرورة إعادة قراءة ونقد أسس وجذور التكفير. من ناحية أخرى، إن وجود روايات شيعية توهم تكفير الفرق الإسلامية، وبعض التفسيرات غير الراسخة في هذا المجال، قد وفر ذريعة للتيارات الإعلامية المعادية لإذكاء نار الفرقة والتوتر. يسعى هذا المقال، الذي تم إعداده وفق المنهج الوصفي التحليلي والمكتبي، إلى تقديم تحليل متين وشامل لمجموعة الروايات الشيعية الموهمة لتكفير الفرق الإسلامية، وذلك استنادًا إلى دراسة مصطلح «المؤمن» في القرآن و«مراتب الكفر والشرك والضلالة» في الآيات، ومن خلال عرضها على القرآن، ونقد الاستنباطات غير الصحيحة، وبيان بعض آثارها الفقهية الهامة. تظهر نتائج البحث أن الكفر والشرك والضلالة قد استُخدمت في القرآن بمراتب متفاوتة، وأن النقطة المحورية في تحليل الروايات المذكورة ورفع التنافي الظاهري بينها وبين الروايات المعارضة تكمن في الالتفات إلى هذه النقطة. كذلك، فإن مصطلح «المؤمن» في القرآن يشمل «عموم المسلمين» – إلا في حالات خاصة – والأحكام الفقهية مثل الطهارة وحرمة الغيبة تشمل جميع الفرق الإسلامية المختلفة.

1. طرح المسألة

تعاني الأمة الإسلامية في العصر الحاضر من خلافات مذهبية حادة، وتتجه التيارات المتطرفة أكثر فأكثر إلى ممارسة العنف باسم الإسلام. إن سلاح «التكفير»، على الرغم من وجوده منذ زمن بعيد بين أتباع الأديان، قد تحول اليوم في العالم الإسلامي إلى عامل للتفرقة والتشتت وذريعة للحرب وسفك الدماء. إن تشكيل الجماعات التكفيرية، قبل أن ينشأ من دعم وإدارة نظام الهيمنة، هو نتاج نوع من الفكر؛ فكر يزين نفسه بعقيدة كفر عموم المسلمين، ويبيح دماءهم وأموالهم في نظر أصحابه. ورغم أن الساحة العسكرية والسياسية قد شهدت زوال جزء كبير من بؤر التكفير والعنف بفضل جهاد المجاهدين، فإن هذا الفكر سيبقى ضيفًا غير مرغوب فيه على الأمة الإسلامية لعقود قادمة على الأقل.

في مقابل هذا التيار، يوجد اتهام التكفير الموجه لعلماء الإسلام والفرق المذهبية؛ حيث يقوم أفراد وتيارات، بدوافع وأسباب مختلفة، بنسبة تكفير عموم المسلمين إلى «علماء الشيعة» أو «علماء أهل السنة»، ويصبون الزيت على نار الخلافات. وتستند هذه الجماعات أيضًا إلى بعض الآراء والتفسيرات الموجودة في طيات كتب الفقه والتفسير.

بناءً على ذلك، فإن دراسة أسس فكر التكفير ونقد مستنداته تعد ضرورة ملحة في العصر الحاضر، وهو ما يجب أن يتم في مختلف المجالات التفسيرية والحديثية والفقهية بين المذاهب الإسلامية المتعددة.

في المصادر التفسيرية والفقهية لأهل السنة، تُلاحظ بكثرة أسس التكفير المبنية على تفسيرات خاطئة للآيات والروايات، خاصة في موضوع «الصحابة»؛ حتى إن بعضهم اعتبر أي نقد أو انتقاص للصحابة في حد الكفر! (ابن حجر، 1415هـ، 1: 22، نقلًا عن أبي زرعة الرازي). على سبيل المثال، يروي ابن كثير قولًا لمالك يُستنبط منه تكفير الشيعة من الآية 29 من سورة الفتح، لأنهم يغتاظون من الصحابة ويكرهونهم، وكل من كان كذلك فهو كافر بحكم الآية! (ابن كثير، 1419هـ، 7: 338)، وهو ما أثار اعتراض العلامة القاسمي. يقول في كلام متين: هذا الاستنباط يخالف ما أجمع عليه محققو أهل السنة؛ ففي رأيهم، لا يجوز تكفير أهل القبلة. التكفير كان بلاءً من القرون الوسطى، تسارع إليه الفقهاء، ويا للدماء التي أُريقت في هذا السبيل! (القاسمي، 1418هـ، 8: 513).

في مصادر الشيعة أيضًا، يمكن اعتبار وجود روايات موهمة بتكفير سائر الفرق الإسلامية التحدي الأهم في هذا المجال، والذي يجب تحليله تحليلًا صحيحًا بجعل القرآن أساسًا لذلك. سؤال البحث هو: بناءً على الأسس القرآنية، كيف يجب تحليل وتقييم الروايات الشيعية التي ظاهرها يدل على تكفير سائر المسلمين؟ وفرضية البحث هي أن مفتاح الإجابة على هذا السؤال يكمن في موضوع «مراتب الكفر» ويعتمد على المعارف القرآنية – التي هي حجة على عموم المسلمين – وبعرض الروايات عليها، يمكن ضمن تقديم تحليل متين، نقد الاستنباطات الخاطئة. الفكرة المذكورة في هذا البحث فعالة أيضًا لجزء من روايات أهل السنة في هذا المجال؛ وإن كان تناولها يتطلب مجالًا آخر.

2. مراتب الكفر في القرآن

بناءً على آيات القرآن الكريم، فإن «الكفر» له مراتب متعددة، وقد أدى الخلط بينها في التفسير وفي الأحكام الفقهية إلى زلات وأخطاء فاحشة. ما يلي مستفاد من رواية الإمام الصادق (ع) في باب وجوه الكفر (راجع: الكليني، 1367ش، 2: 389-390) ومكمل بروايات أخرى وآيات مرتبطة:

۱- المرتبة الأولى: كفر الجحود

الكفر عن «إنكار وتكذيب»، بمعنى أن يُعرض الحق والحقيقة بشكل كامل وبدون أي إبهام على الأفراد، فيقومون بـ«تكذيبها» عنادًا واستكبارًا. آيات متعددة من القرآن تشير إلى هذه المرتبة من الكفر: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14). فعل «استيقنتها» بعد عبارة «جحدوا بها» يوضح المفهوم الدقيق لـ«الجحود»؛ وهو مفهوم يقترن بالعلم والمعرفة التامة بالحقيقة. ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (هود: 59). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (البقرة: 89).

في الرواية المذكورة من الكافي (راجع: الكليني، 1367ش، 2: 389-390)، يُعتبر «الإلحاد واللائكية»، أي إنكار وجود الله والمعاد وعالم الغيب بشكل كلي، والذي ينشأ عن التخمينات والأوهام التي لا أساس لها، نوعًا من كفر الجحود: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: 24).

۲- المرتبة الثانية: الكفر عن «استضعاف»

هذه المرتبة مستفادة من الآيات التالية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ… فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ… إِلَّا الْمُsتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: 97-99). يتضح من هذه الآيات أن الجهل بالمعارف الدينية يُعذر به عند الله متى كان عن قصور وضعف لا دخل للإنسان الجاهل فيه. كما يتحقق الاستضعاف في حق من لم تخطر بباله المعارف الدينية وبسبب عوامل مختلفة حُجب عنه الحق. فمع وجود الغفلة المحضة، لا توجد قدرة (راجع: الطباطبائي، 1417هـ، 5: 51).

۳- المرتبة الثالثة: كفران النعمة

وهو ما يقابل الشكر، ويتصور صدوره من شخص يعتقد بالمبدأ والمعاد: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 40)، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7) و ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152).

٤- المرتبة الرابعة: ترك الأوامر الإلهية

استُعمل لفظ «الكفر» أيضًا في مورد عدم العمل بالأوامر الإلهية وترك الواجبات المهمة. والمثال البارز على ذلك ترك الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ… وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97). في بعض الروايات، صُرّح في ذيل الآية بأن: «ومن كفر، قال: يعني من ترك» (الطوسي، 1365ش، 5: 18). وفي رواية أخرى: «وَمَنْ تَرَكَ فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ: وَلِمَ لَا يَكْفُرُ وَقَدْ تَرَكَ شَرِيعَةً مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ» (العياشي، بدون تاريخ، 1: 190؛ وانظر أيضًا: الكليني، 1367ش، 4: 269). يقول العلامة الطباطبائي في تفسير عبارة «مَنْ كَفَرَ» إن الكفر هنا من نوع الكفر بالفروع [الدين]، مثل الكفر بترك الصلاة والزكاة، لذا يكون المقصود بالكفر هو الترك (الطباطبائي، 1417هـ، 3: 355؛ وانظر أيضًا: مكارم الشيرازي وآخرون، 1373ش، 3: 18). وفي ذيل الآية 5 من سورة المائدة، توجد رواية تحمل «الكفر» على هذه المرتبة: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ قَالَ: تَرْكُ الْعَمَلِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ وَلَا شُغْلٍ» (الكليني، 1367ش، 2: 385). روايات كفر تارك الصلاة (راجع: الكليني، 1367ش، 2: 386) وتارك الزكاة (راجع: الحر العاملي، 1403هـ، 6: 19) وما شابهها، كلها محمولة على هذه المرتبة. كذلك، حسب تصريح الروايات (راجع: الكليني، 1367ش، 2: 389-390)، فإن استخدام لفظ الكفر في مورد نقض العهد، وإشعال الحرب، وتشريد الناس من قبل اليهود، هو بهذا المفهوم: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ… أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85)؛ كما أن هذا الاستخدام في مورد السحرة (راجع: البقرة: 102) يشير أيضًا إلى هذه المرتبة (راجع: الطباطبائي، 1417هـ، 1: 235؛ مكارم الشيرازي وآخرون، 1373ش، 3: 18).

٥- المرتبة الخامسة: كفر البراءة

الاستخدام الآخر للفظ «الكفر» في القرآن هو التبرؤ وإظهار البراءة. (راجع: الكليني، 1367ش، 2: 389-390). والمثال البارز على ذلك هو إعلان إبراهيم براءته من قومه عبدة الأصنام: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ… كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ (الممتحنة: 4). كذلك، إعلان إبليس براءته من أتباعه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ (إبراهيم: 22)، وأهل الشرك بعضهم من بعض: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (العنكبوت: 25). بناءً على ذلك، لا ينبغي بمجرد رؤية لفظ «الكفر» في الآيات والروايات، أن يُفهم بسرعة المعنى الشائع له في مقابل الإسلام.

3. مراتب الشرك والضلالة والارتداد

كما هو الحال في «الكفر»، فإن «الشرك» و«الضلالة» لهما مراتب أيضًا، والخلط بينها يمهد الطريق للزلات والاستنباطات المشوبة؛ الآية ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: 106) هي أوضح نص بخصوص مراتب الشرك، حيث تشير إلى أن إيمان كثير من المؤمنين مقترن بالشرك. وقد فسرت الروايات ذلك بـ«شرك الطاعة» الذي يختلف عن «شرك العبادة» وعبادة الأوثان الواضحة (شِرْكُ طَاعَةٍ وَلَيْسَ شِرْكَ عِبَادَةٍ) (الكليني، 1367ش، 2: 391). والرواية التالية تبين أدنى مراتب الشرك: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى مَا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهِ مُشْرِكًا، قَالَ: فَقَالَ: مَنْ قَالَ لِلنَّوَاةِ إِنَّهَا حَصَاةٌ، وَلِلْحَصَاةِ إِنَّهَا نَوَاةٌ، ثُمَّ دَانَ بِهِ» (الكليني، 1367ش، 2: 397). وهذا يدل على أن التدين غير الصحيح وبلا دليل بأدنى شيء، هو حد من الشرك. أما بخصوص «الضلالة»، فرغم أن معناها الشائع هو الضلال الواضح عن طريق الحق والتوحيد – في حد الشرك الجلي وعبادة الأوثان – (للمثال، راجع: الشعراء: 86؛ الواقعة: 92)، إلا أن لها مراتب أخرى، حتى إنها استُخدمت في حق الأنبياء؛ في حق النبي موسى (ع): ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (الشعراء: 20) والنبي الأكرم (ص): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: 7). هذا في حين أنه بناءً على أدلة قطعية، فإن جميع الأنبياء، وحتى آباءهم وأجدادهم، كانوا موحدين دائمًا (راجع: الطبرسي، 1372ش، 4: 497؛ فخر الرازي، 1420هـ، 31: 197). لهذا السبب، فسر المفسرون الضلالة في الحالة الأولى بمعنى «الجهل» أو «الغفلة» عن عاقبة الأمر والخطأ في الموضوع أو «النسيان» لحكم القتل وما شابه ذلك (راجع: السيد المرتضى، 1409هـ، 70-71؛ الطوسي، بدون تاريخ، 8: 12؛ الزمخشري، بدون تاريخ، 3: 108-109؛ فخر الرازي، 1420هـ، 24: 125-126)، وفي الحالة الثانية أيضًا بـ«عدم العلم بأحكام الشريعة»، و«الضياع في الطفولة» وما شابه ذلك (راجع: فخر الرازي، 1420هـ، 31: 197-199). لكن الشواهد القرآنية تظهر أن الضلالة في الحالتين المذكورتين تعني «عدم العلم بالحكم والوحي الإلهي»؛ ففي الحالة الأولى، جاءت في مقابل ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: 21)، مما يدل على أن المقصود بالضلالة في الآية ليس الضلال والكفر، بل الابتعاد عن «الوحي والرسالة» وما يستلزمه من «الحكم» المناسب لمقام النبوة. وفي الحالة الثانية أيضًا، تشهد على ذلك الآيات العديدة التي ورد فيها «عدم العلم بالوحي» بعبارات مثل «الغفلة» و«عدم العلم»، وجاءت في مقابل «الهداية بواسطة الوحي»: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: 3، وانظر أيضًا: هود: 49؛ النساء: 113؛ الشورى: 52)، وقد ذكر كثير من المفسرين هذا التفسير أيضًا (الطوسي، بدون تاريخ، 10: 369؛ فخر الرازي، 1420هـ، 31: 197؛ صادقي تهراني، 1365ش، 30: 345؛ مكارم الشيرازي وآخرون، 1373ش، 27: 103). استخدام آخر للفظ الضلالة في القرآن يُلاحظ في آيات ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: 8) و﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (يوسف: 95)، حيث يعني «سوء الذوق والطريقة الخاطئة» في محبة يوسف أكثر (بزعم إخوته)، لا الضلال في الدين، وآيات أخرى في هذه السورة شاهدة على هذا الادعاء (الطباطبائي، 1417هـ، 11: 89 و244-245؛ فخر الرازي، 1420هـ، 18: 424). وهذه الحقيقة تصدق أيضًا في مورد «الارتداد»، والمقصود بـ«ارتداد الصحابة» بعد وفاة رسول الله (ص) في الروايات (راجع: المفيد، بدون تاريخ، 5-6؛ الكليني، 1367ش، 8: 245-246؛ البخاري، 1403هـ، 7: 208) ليس العودة إلى الكفر والشرك، بل هو «الخروج عن المسار الذي رسمه النبي (ص) للأمة الإسلامية». بعبارة أخرى، الارتداد هنا بمفهوم «الارتداد عن الولاية» لا «الارتداد عن التوحيد» (راجع: إيرواني، 1396ش، 25-48).

4. دراسة مصطلح «المؤمن» في القرآن

تُظهر دراسة الآيات المتعددة أن المقصود بـ«المؤمن» في غالبية الآيات ليس خصوص الشيعة ولا المؤمن الحقيقي من الطراز الأول، بل «عموم المسلمين»، بحيث يمكن اعتبار هذا المفهوم «المصطلح القرآني الشائع» لهذا اللفظ. شواهد عديدة تثبت هذا الادعاء؛ منها: تقابل «المؤمن» مع «الكافر» في آيات مثل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141، وانظر أيضًا: آل عمران: 28). إن استنباط قاعدة «نفي السبيل» من هذه الآية، ومفادها نفي سلطة الكافرين على المسلمين، يؤيد هذا الفهم (راجع: بجنوردي، 1419هـ، 1: 187-189). من ناحية أخرى، فإن ظهور الفرق الإسلامية كان بعد عصر نزول القرآن، ولا يمكن حمل الآيات التي تتضمن لفظ «المؤمن» على فئة خاصة. فعندما نزلت آيات مثل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا… وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (الحجرات: 12) و﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) وأمثالها، لم يكن هناك خبر عن الفرق الإسلامية ليُخصَّص مخاطب الآية بفئة معينة! بل كان «عموم المسلمين» بوصفهم المجتمع الإيماني هم المخاطبين؛ مجتمع كان من الممكن، بناءً على آيات هذه السورة نفسها، أن يتقاتلوا فيما بينهم، ولكن «إيمانهم» لم ينتفِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (الحجرات: 9). من البديهي أن المؤمن من الطراز الرفيع لا يقدم على مثل هذا العمل، إذن، المقصود بـ«المؤمنين» في هذه الآية هم أفراد يعرّفون أنفسهم باللسان بأنهم مسلمون. وفي سورة النور أيضًا، وُجّه نقد شديد لنشر وقبول افتراءات المنافقين من قبل «المؤمنين» (راجع: النور: 12-16)، وهو أمر لا يصدر بطبيعة الحال عن مؤمنين من الطراز الرفيع. في آيات عديدة تناولت وصف «المؤمنين»، وخاصة عقائدهم ومعتقداتهم، ذُكر مجرد الاعتقاد بالتوحيد والرسالة والإيمان بالملائكة والكتب السماوية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: 285)، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: 15). بناءً على ذلك، فإن رابطة «الأخوة الدينية» بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) تشمل جميع المسلمين الذين يتمتعون بالحد الأدنى من العقيدة ويظهرونها. نتيجة لذلك، يجب البحث عن استخدام لفظ «الكفر» للجماعات منهم في مفهوم ومرتبة أخرى منه. الآية ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء: 94) نزلت في حق أناس لم يعيروا اهتمامًا لـ«إظهار الإسلام» من قبل أفراد، وبسبب الشك في «إيمانهم القلبي»، اشتبكوا معهم. توبخهم الآية وتعتبر الإظهار اللفظي كافيًا للحكم بإسلام الشخص (راجع: الطباطبائي، 1417هـ، 5: 41). بناءً على ذلك، فإن تكفير مدعي الإسلام هو عمل مخالف للقرآن، وهذا بحد ذاته أحد معايير التحليل المضموني للروايات الموهمة بالتكفير؛ فالروايات التي، على فرض صحتها، لا ينبغي أن يُستنبط منها مفهوم مخالف للقرآن.

مع ذلك، هناك استخدامان آخران لـ«المؤمن» في القرآن يتضحان من «الشواهد والسياق»؛ الأول: في مقابل «المسلم»: عندما ترد كلمتا «مسلم» و«مؤمن» معًا وبصيغة المقارنة، يكتسبان فرقًا في المعنى؛ الأول يدل على مجرد الإظهار اللفظي، والثاني على رسوخ الاعتقاد في القلب (راجع: الحجرات: 14؛ الأحزاب: 35). الثاني: «الأفراد ذوو الإيمان من الطراز الأول» (راجع: الأنفال: 2-3؛ المؤمنون: 1-9) في المصطلح الحديثي. ولكن، على الرغم من أن لفظ «المؤمن» في «جزء» من الروايات الشيعية يشير إلى خصوص الشيعة، فإن هذا الاستخدام ليس كليًا، وفي طيف واسع من الأحاديث، يأتي «المؤمن» في مقابل «الكافر» (للمثال راجع: الكليني، 1367ش، 2: 2-14). بناءً على ذلك، فإن إصرار بعض الفقهاء الأخباريين على استنباط مفهوم خاص للمؤمن من الآيات (راجع: البحراني، بدون تاريخ، 18: 423) ناتج عن الخلط بين المصطلح القرآني والحديثي في بعض الموارد.

5. تحليل شمولي لروايات تكفير غير الشيعة

نقل الحر العاملي في وسائل الشيعة (18: 556-570) ما مجموعه 57 رواية يمكن اعتبارها مجموعة كاملة من الروايات الموهمة بتكفير الفرق الإسلامية غير الشيعية، وفي متون الفقه غالبًا ما تكون هذه الروايات هي محل البحث ومحط الأحكام الفقهية المرتبطة بها. إن تصنيف وتحليل هذه المجموعة بشكل كلي يمهد الطريق لنقد وتقييم الآراء والأحكام الفقهية والرؤى الكلامية في هذا المجال. النقطة المحورية في تحليل هذه الروايات ورفع التنافي الظاهري مع الروايات المعارضة تكمن في الالتفات إلى «مراتب الكفر والشرك». من هذا المنظور، يمكن تصنيف الروايات المذكورة في عدة فئات:

الأولى: الكفر بمفهوم «ترك ما أمر الله به». في حجم كبير من هذه الروايات، استُخدم لفظ «الكفر» للمخالفين، لا بالمعنى المشهور الذي يخرج الفرد من دائرة الإسلام وأحكامه، بل بمفهوم «ترك الأوامر الإلهية»، أي المرتبة الرابعة من المراتب المذكورة سابقًا للكفر. منها: ما ورد عن الإمام الكاظم (ع) بخصوص الإمام الرضا (ع): «مَنْ أَطَاعَهُ رَشَدَ وَمَنْ عَصَاهُ كَفَرَ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 557). من البديهي أن «عصيان» الإمام هو في الواقع عصيان لأوامر الله، ولفظ الكفر في مورد عصيان الأمر – مثل ترك الحج – يشير إلى المرتبة الرابعة منه التي لا تتنافى مع كون الشخص «مسلمًا».

الثانية: المراتب الدنيا للضلالة والكفر. في روايات مثل: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْنَا وَلَمْ يُنْكِرْنَا كَانَ ضَالًّا» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 566)، المراد هو مرتبة من «الضلالة» لا تصل إلى حد الضلالة بمعنى الشرك الجلي وعبادة الأوثان لتترتب عليها أحكامها الفقهية، والدليل على ذلك روايات تصرح بعدم خروجهم من دائرة الإسلام، وسيأتي ذكرها لاحقًا. وقد سبق أن «الضلالة» لها مراتب، وحتى إن بعض مراتبها استُخدمت في حق بعض الأنبياء. هذا التحليل نفسه يجب طرحه بخصوص قسم من الروايات التي تتناول «الجوانب الاعتقادية»؛ على سبيل المثال: «مَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ فَهُوَ كَافِرٌ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 561). فهذا النوع من الروايات، بظاهره، يشمل طيفًا واسعًا من الشيعة أيضًا ممن يعانون من الشك والزلل العقائدي، وإذا كان المقصود بـ«الكفر» معناه المتعارف، فإنه يخرجهم أيضًا من دائرة المسلمين. إذن، لا بد أن تكون المراد مرتبة من الكفر لا تتنافى مع كونهم مسلمين وجريان الأحكام الفقهية عليهم. الرواية التالية يمكن أن توضح حقيقة الأمر: «فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ؟ فَقَالَ: كَافِرٌ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَشَكَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: كَافِرٌ. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى زُرَارَةَ فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفُرُ إِذَا جَحَدَ» (الكليني، 1367ش، 2: 399؛ الحر العاملي، 1403هـ، 18: 569). الحصر الموجود في عبارة الرواية الأخيرة: «إِنَّمَا يَكْفُرُ إِذَا جَحَدَ» يدل على أن «الشك» في حال انتهى إلى «الجحود» يوجب الكفر الاصطلاحي.

الثالثة: الروايات التي تشير إلى «الكفر الصريح» في حق «فئات خاصة». قسم كبير من هذه الروايات يقصد بالكفر والشرك معناهما الشائع، ولكن ليس لـ«عموم الفرق الإسلامية غير الشيعية»، بل لفرق وفئات خاصة كانت دائمًا أقلية في العالم الإسلامي. هذه الفئات هي:

1. «المجسمة والمشبهة». بعض روايات هذا الباب تشير إلى تجسيم وتشبيه الخالق بالخلق، والحكم بكفر معتقدي ذلك: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا كَالْوُجُوهِ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ جَوَارِحَ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ كَافِرٌ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 562)، «مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 563). لا شك أن «الكفر» هنا استُخدم بمعناه المشهور، ومن ثم، يُحكم بكفر «المجسمة والمشبهة» (الطوسي، 1387هـ، 1: 14؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 1: 82). في حين أن أقلية ضئيلة في العالم الإسلامي، تبعًا لروايات الحشوية، اعتقدت بمثل هذه العقيدة، فإن عموم الفرق الإسلامية – حتى الأشاعرة القائلين برؤية الرب يوم القيامة (راجع: فخر الرازي، 1420هـ، 30: 730) – يؤكدون على نفي التجسيم والتشبيه (راجع: الزمخشري، بدون تاريخ، 3: 416؛ فخر الرازي، 1420هـ، 12: 42 و 13: 83؛ القرطبي، 1405هـ، 4: 14).

2. «الغلاة». النقطة المذكورة تصدق أيضًا على الغلاة: «قَالَ الصَّادِقُ (ع): … وَاللَّهِ إِنَّ الْغُلَاةَ شَرٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» (الطوسي، 1414هـ، 650). «قُلْ لِلْغَالِيَةِ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنَّكُمْ فُسَّاقٌ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 566)، وهم تيار أقلية ومنتسب للشيعة، كانوا نشطين خاصة في عصر الأئمة (ع)، وتم تهميشهم بتوعية الأئمة المعصومين.

3. «أهل الجحود والعناد». قسم من هذه الروايات، بالتصريح بالعنصر المحدد وهو «الجحود»، يتعلق بأولئك الأفراد الذين عُرض عليهم الحق بشكل كامل ودون أي إبهام، وأدركوا حقيقته، لكنهم عمدوا إلى «تكذيبه» عنادًا واستكبارًا. منها: «وَمَنْ جَحَدَ إِمَامًا إِمَامَتُهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 558)، والذي يذكر فقط عذابهم الأخروي لا كفرهم. وأيضًا: «مِنَّا الْإِمَامُ الْمَفْرُوضُ طَاعَتُهُ، مَنْ جَحَدَهُ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 559)، «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَلِيًّا عَلَمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ… وَمَنْ جَحَدَهُ كَانَ كَافِرًا»، «مَنْ جَحَدَ إِمَامًا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَبَرِئَ مِنْهُ وَمِنْ دِينِهِ فَهُوَ كَافِرٌ (وَمُرْتَدٌّ) عَنِ الْإِسْلَامِ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 565). لا شك أن هذا العنصر غير موجود لدى الغالبية العظمى من الناس العاديين؛ فهم لم يصلوا إلى الحقيقة عن طريق البرهان والاستدلال، واتباعهم لمذهب الخلفاء وقادة الفرق الإسلامية الأخرى ليس عن «جحود» وتكذيب لعلي (ع) والأئمة المعصومين. فهؤلاء – بزعمهم – يتبعون عليًا (ع). إذن، هذا النوع من الروايات يشمل فقط عددًا قليلًا من «المعاندين» الذين، مع إدراكهم للحقيقة، عمدوا إلى الجحود والإنكار، وحملوا وزر أتباعهم على عاتقهم. عبارة «مَنْ جَحَدَ إِمَامًا… بَرِئَ مِنْهُ وَمِنْ دِينِهِ… وَمَنْ بَرِئَ مِنْ دِينِ اللَّهِ، فَدَمُهُ مُبَاحٌ»، ذكرت «البراءة» من الإمام ودينه، التي تنتهي إلى «البراءة من دين الله»، إلى جانب عنصر «الجحود»، مما يوضح بجلاء أن مثل هذه السمة والسلوك غير موجودة لدى غالبية المسلمين في العالم!

4. «أعداء أهل البيت (ع)» (النواصب). مجموعة من هذه الروايات تشير إلى أولئك الذين يحملون بغض علي (ع) وأهل البيت (ع) في قلوبهم، ولا شك في كفرهم، وإن كان حكم «المستضعفين والجهال القاصرين» يختلف في بعض الجوانب. منها: «حُبُّنَا إِيمَانٌ وَبُغْضُنَا كُفْرٌ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 561)، «إِنَّ النَّاصِبَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْكَلْبِ» (الكليني، 1367ش، 3: 14)، «…لِأَنَّ النَّاصِبَ كَافِرٌ» (الطوسي، بدون تاريخ، 3: 184). من الواضح جدًا أن عموم الأمة الإسلامية ومجتمع أهل السنة يحملون محبة أهل البيت (ع) في قلوبهم، وقد صرح علماؤهم البارزون وأكدوا على هذه الحقيقة باستمرار (راجع: ابن حنبل، بدون تاريخ، 1: 84، 95؛ الزمخشري، بدون تاريخ، 4: 220؛ فخر الرازي، 1420هـ، 27: 595؛ القرطبي، 1405هـ، 16: 23؛ الآلوسي، 1415هـ، 15: 174). بناءً على ذلك، فإن هذه المجموعة من الروايات لا تتعلق أبدًا بتكفير سائر الفرق الإسلامية! من الضروري الالتفات إلى أن حساب أعداء أهل البيت (ع) والجماعات التي يُطلق عليها «الناصبة» منفصل عن جماهير أهل السنة وعلمائهم، وعدم التمييز بينهما يمهد لأخطاء فادحة في فهم الروايات ذات الصلة. الأعداء الحاقدون على أهل البيت (ع) الذين شهروا السيف في وجوههم في ساحات القتال أو أقدموا على قتلهم واغتيالهم كانوا غالبًا حكامًا متسلطين ومتجبرين، حتى إن بعض علماء أهل السنة البارزين لم يسلموا من ظلمهم وجورهم، ومثال ذلك سجن وتعذيب الإمام أحمد بن حنبل على يد جهاز الحكم آنذاك (راجع: معارف، 1384ش، 131). عموم أهل السنة، على الرغم من أنهم لم يتخذوا موقفًا معاديًا لهم غالبًا بناءً على عقائد غير راسخة حول «أولي الأمر»، إلا أنهم لم يكونوا أبدًا متفقين معهم في مواجهتهم العنيفة لأهل البيت (ع). تفصيل هذا القول يتطلب بالطبع مجالًا آخر. لكن الالتفات إلى هذه النقطة أمر حيوي، حيث إن كثيرًا من الأقوال الحادة للمعصومين ضد مخالفيهم كانت موجهة إلى «الأعداء»؛ أعداء كانوا أسوأ وأخبث من عبدة الأوثان: «مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ وَالنَّاصِبُ لِآلِ مُحَمَّدٍ شَرٌّ مِنْهُ» (الحر العاملي، 1403هـ، 18: 559). وتجدر الإشارة إلى أن صاحب الحدائق بذل جهدًا كبيرًا ليثبت أن المقصود بالناصبي هم كل من قدم غير علي (ع) عليه أو حمل «بغض الشيعة» في قلبه، وبالتالي، فإن جميع الفرق غير الشيعية هم نواصب، والشيعة غير الإثني عشرية أيضًا في حكم الناصبي! وقد استشهد بروايتين في هذا المجال، منهما: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: لَيْسَ النَّاصِبُ مَنْ نَصَبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، لِأَنَّكَ لَا تَجِدُ أَحَدًا يَقُولُ: أَنَا أُبْغِضُ (آلَ) مُحَمَّدٍ، وَلَكِنَّ النَّاصِبَ مَنْ نَصَبَ لَكُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَتَوَلَّوْنَا وَتَبْرَءُونَ مِنْ أَعْدَائِنَا» ويدعي أنه «لا توجد» رواية تفسر «الناصبي» بـ«مبغض أهل البيت (ع)» (راجع: البحراني، بدون تاريخ، 5: 185-186، 189). وهو يعتبر هذا التفسير مصطلحًا ابتدعه المتأخرون للخروج من المأزق! (المصدر نفسه، 18: 157). هذا الجهد يبدو غير مثمر؛ فمن ناحية، الرواية المذكورة: «لَا تَجِدُ أَحَدًا يَقُولُ أَنَا أُبْغِضُ (آلَ) مُحَمَّدٍ»، بالإضافة إلى ضعف سندها، تتعارض مع التاريخ، حيث إن طيفًا من أعداء أهل البيت (ع)، خاصة في صدر الإسلام، أعلنوا عداوتهم لهم صراحة بالقول والفعل، طيف كان في ساحات القتال المسلح يطلق صيحة «إِنَّا نَقْتُلُكَ بُغْضًا لِأَبِيكَ» (القندوزي، 1416هـ، 3: 80؛ المرعشي، بدون تاريخ، 11: 647)، وهناك أيضًا روايات تصرح بذم مبغضي أهل البيت (ع) وقد أُشير إلى بعضها سابقًا. من ناحية أخرى، وخلافًا لادعاء صاحب الحدائق (البحراني، بدون تاريخ، 5: 185-186)، في روايات متعددة، صُرّح أو أُشير إلى مفهوم «العداوة لأهل البيت (ع)» لـ«الناصبي»، ولهذا السبب، فهم علماء الشيعة دائمًا هذا المفهوم من لفظ الناصبي. على سبيل المثال: «قَالَ النَّبِيُّ (ص): صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا نَصِيبَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ: النَّاصِبُ لِأَهْلِ بَيْتِي حَرْبًا، وَغَالٍ فِي الدِّينِ» (الصدوق، 1404هـ، 3: 408). وفي رواية أخرى: «النَّاصِبُ لَنَا حَرْبًا» (الكليني، 1367ش، 2: 223). وفي رواية حول «الصَّلَاةُ خَلْفَ النَّاصِبِ»، جاء: «تَبَرَّءُونَ مِنْكُمْ وَمِنْ شِيعَتِكُمْ» (الطوسي، 1365ش، 3: 27). العلماء والمحدثون المتقدمون أيضًا فهموا هذا الفهم نفسه من «الناصبي»: فالكليني نفسه خصص بابًا بعنوان «الصَّلَاةُ عَلَى النَّاصِبِ» وأورد سبع روايات تحته، كلها تتعلق بـ«منافقي صدر الإسلام وأعداء الله»: «عبد الله بن أبي بن سلول»، «رجل من المنافقين»، «عدو الله»، و«كَانَ يَتَوَلَّى أَعْدَاءَكَ وَيُعَادِي أَوْلِيَاءَكَ وَيَبْغُضُ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ»، وهي جزء من التعابير الموجودة في هذه الروايات (راجع: الكليني، 1367ش، 3: 188-190). والشيخ الصدوق، كمحدث بارز، بعد نقل رواية عن حرمة الزواج بالناصبية، يقول: «مَنْ نَصَبَ حَرْبًا لِآلِ مُحَمَّدٍ (ص) فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ… وَالْجُهَّالُ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ كُلَّ مُخَالِفٍ نَاصِبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ» (الصدوق، 1404هـ، 3: 408). عبارته الأخيرة لافتة للنظر جدًا. والشيخ الطوسي أيضًا يقول في كلام متين: «مَنْ أَظْهَرَ الْعَدَاوَةَ وَالنَّصْبَ لِأَهْلِ بَيْتِ الرَّسُولِ (ص) لَا يَكُونُ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ الْحَقِيقِيَّ بَلْ يَكُونُ عَلَى غَايَةٍ مِنْ إِظْهَارِ الْكُفْرِ» (الطوسي، 1365ش، 7: 304؛ والاستبصار، بدون تاريخ، 3: 184). الرواية المذكورة التي استند إليها صاحب الحدائق، على فرض صحتها، قد تكون ناظرة إلى النواصب الذين، بسبب بغضهم وعداوتهم لأهل البيت (ع)، يعادون شيعتهم أيضًا، وعبارة «مَنْ نَصَبَ لَكُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَتَوَلَّوْنَا أَوْ تَتَبَرَّءُونَ مِنْ أَعْدَائِنَا» دليل على ذلك، وليست ناظرة إلى أهل السنة محبي أهل البيت (ع). شاهد آخر على هذا الادعاء هو أنه في نقل الشيخ الصدوق للرواية المذكورة، جاءت هذه العبارة في تتمتها: «مَنْ أَشْبَعَ عَدُوًّا لَنَا فَقَدْ قَتَلَ وَلِيًّا لَنَا» (الصدوق، 1361ش، 365)، مما يطرح مسألة «عداوة أهل البيت (ع)».

6. الروايات النافية لتكفير المخالفين

توجد روايات متعددة في مجموعة الروايات التي جمعها الحر العاملي في هذا الباب وخارجه، تدل على إسلام الفرق الإسلامية غير الشيعية وترد صراحةً تكفيرهم، ويجب اعتبارها أدلة وشواهد قطعية على التحليلات المتقدمة للروايات الموهمة بالتكفير. على سبيل المثال:

«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) … فَقَالَ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُشْرِكًا حَتَّى يُصَلِّيَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَدْعُوَ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (الصدوق، 1403ق، 136؛ الحر العاملي، 1403ق، 18: 558). هذه الرواية «تحصر» المشرك فيمن يصلي لغير الله أو يذبح أو يدعو غير الله.

«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): … إِذَا أَتَى الْعَبْدُ بِكَبِيرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي … كَانَ خَارِجًا مِنَ الْإِيمَانِ وَثَابِتًا عَلَيْهِ اسْمُ الْإِسْلَامِ … وَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ وَالِاسْتِحْلَالِ، وَإِذَا قَالَ لِلْحَلَالِ: هَذَا حَرَامٌ، وَلِلْحَرَامِ: هَذَا حَلَالٌ، وَدَانَ بِذَلِكَ، فَعِنْدَهَا يَكُونُ خَارِجًا مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَدَاخِلًا فِي الْكُفْرِ» (الكليني، 1367ش، 2: 27؛ الحر العاملي، 1403ق، 18: 568). هذه الرواية تظهر أن عنصر «الجحود» وإنكار أحكام الإسلام الناشئ عنه له مدخلية في الخروج من دائرة الإسلام.

«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) … قَالَ: أَلَيْسَ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَيَعْرِفُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيهِمْ؟ قُلْتُ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا قَوْلُ الْخَوَارِجِ» (الكليني، 1367ش، 2: 401-402). الرواية المذكورة، بكل صراحة وتكرار وتأكيد، تثبت أن مجرد قول الشهادتين والاعتقاد بالتوحيد والرسالة كافٍ للحكم بإسلام الشخص، وأن تكفير الفرق الإسلامية هو اعتقاد «الخوارج». كما تظهر أنه في ذلك العصر نفسه، كان البعض بسبب ضعف المعرفة الدينية أو التفسيرات الخاطئة لأقوال المعصومين، يعتقدون بكفر الفرق غير الشيعية.

الروايات التالية تدل أيضًا على حرمة تكفير الفرق الإسلامية: «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَاتِلِهِ» (الحر العاملي، 1416ق، 16: 280). قال أمير المؤمنين (ع): «احْذَرُوا عَلَى دِينِكُمْ ثَلَاثَةً: رَجُلًا قَرَأَ الْقُرْآنَ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ عَلَيْهِ بَهْجَتَهُ، اخْتَرَطَ سَيْفَهُ عَلَى جَارِهِ وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ؟ قَالَ: الرَّامِي» (الحر العاملي، 1416ق، 27: 129). وقال الإمام الباقر (ع) أيضًا: «أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يَنْسُبُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ حَرْبِهِ إِلَى الشِّرْكِ وَلَا إِلَى النِّفَاقِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُمْ إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا» (الحر العاملي، 1416ق، 15: 82).

في بعض الروايات، صُرّح بإمكانية نجاة سائر الفرق الإسلامية، وذُكر «بغض أهل البيت (ع)» كعائق لدخول الجنة: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ… وَخَمْسَةُ أَبْوَابٍ يَدْخُلُ مِنْهَا شِيعَتُنَا وَمُحِبُّونَا… وَبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ» (الصدوق، 1403ق، 407-408).

كذلك، في روايات متعددة، تم التأكيد على مراعاة «حقوق الأخوة الدينية» تجاه غير الشيعة، والتأسي بالأئمة المعصومين في هذا النهج: «عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا… مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا؟ قَالَ: تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ وَيَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ وَيُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَيُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ» (الكليني، 1367ش، 2: 636).

«قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): … وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ» (الكليني، 1367ش، 2: 636).

7. آثار الحكم بـ«الكفر» بناءً على مراتبه

من الواضح تمامًا أن لـ«الكفر» أحكامًا وآثارًا متنوعة في المجالات الفقهية، والكلامية، والاجتماعية، والسياسية. لكن النقطة المهمة هنا هي أن كل حكم وأثر من آثار الكفر يترتب على أي من مراتبه؟ الآن، وبما يتناسب مع البحث، نقدم قائمة موجزة بهذا المطلب ثم نناقش بعض الحالات الأكثر إشكالية. من البديهي أن الدراسة التفصيلية لكل من هذه الحالات تتطلب مجالًا أوسع.

بناءً على مراتب الكفر الخمس التي وردت في بداية البحث:

المرتبة الأولى (كفر الجحود): هو موضوع جميع الأحكام المتعلقة بـ«الكفر»؛ مثل النجاسة (التوبة: 28)، حرمة الزواج (البقرة: 221؛ الممتحنة: 10)، حرمة الموالاة والصداقة (الممتحنة: 1 و13؛ المجادلة: 22)، حرمة الذبيحة (الأنعام: 121؛ الكليني، 1367ش، 6: 239)، جواز اللعن والغيبة (البقرة: 89، 159، 161؛ الحجرات: 12)، والعذاب الأخروي والشقاء الأبدي (التوبة: 68). بالطبع، فيما يتعلق بأهل الكتاب، توجد اختلافات في الآراء ومباحث مطولة حول أحكام مثل النجاسة وحرمة الزواج.

المرتبة الثانية (كفر الاستضعاف): هو موضوع الأحكام المذكورة سابقًا مثل حرمة الذبيحة، وحرمة الزواج، وجواز الغيبة، لكن العذاب والشقاء الأخروي غير ثابت في حقهم (راجع: النساء: 98-99). كما أن أحكامًا مثل النجاسة وجواز اللعن أيضًا – بسبب اختصاصها بالكفار والظالمين (راجع: البقرة: 159؛ الأحزاب: 64؛ غافر: 52) – تنتفي فيما يبدو.

المرتبة الثالثة (ترك ما أمر الله) والرابعة (كفران النعمة): ليستا موضوعًا لأي من الأحكام الفقهية، والكلامية، والاجتماعية لـ«الكفر»، باستثناء العذاب الأخروي – المتناسب مع الذنب – وجواز الغيبة – في حق المتجاهر بالفسق. من البديهي أن المرتبة الخامسة (إظهار البراءة) لا تشملها أي من أحكام الكفر الاصطلاحي.

النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن جميع الفرق الإسلامية غير الشيعية – باستثناء أقليات مثل النواصب، والخوارج، والغلاة، والمجسمة – لا تدخل تحت أي من الأحكام الفقهية، والاجتماعية، والسياسية للكفر الاصطلاحي؛ فنجاستهم الذاتية منتفية، وذبيحتهم وزواجهم جائز، وجواز اللعن والغيبة وممنوعية الموالاة والصداقة لا تشملهم، والأخوة الدينية تجمعهم جميعًا. نتيجة لذلك، فإن تكفيرهم محرم أيضًا. من البديهي أن العذاب الأخروي على التقصير في معرفة طريق الحق والعمل به يخص المعاندين والعارفين والجهال المقصرين. يجب أيضًا الانتباه إلى أن التوسل بسلاح التكفير في العالم الإسلامي، في كثير من الحالات، هو مسألة أخلاقية أكثر من كونها مسألة عقدية، ومنشؤها التعصبات البغيضة، وضيق الصدر، والعجز عن كبح الغضب والمشاعر السلبية، وعلاج ذلك يجب البحث عنه في علم الأخلاق وترسيخ أخلاق التسامح في المجتمع.

فيما يلي نتناول بعض الحالات المذكورة والإشكاليات المتعلقة بها بشيء من التفصيل.

أ- الحكم بنجاسة الفرق الإسلامية

مشهور فقهاء الشيعة حكموا بطهارة المخالفين (باستثناء النواصب) (راجع: الحلي، 1415هـ، 1: 68؛ النجفي، 1367ش، 6: 56؛ الأنصاري، بدون تاريخ، 2: 351؛ الخميني، بدون تاريخ، 3: 316). لكن ابن إدريس حكم بنجاسة كل من لا يعرف الحق، واستثنى فقط «المستضعفين» (ابن إدريس، 1410هـ، 1: 356؛ وانظر أيضًا: الحلي، 1415هـ، 1: 68). استناده في الحكم بنجاسة الفرق الإسلامية هو آية ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125) وادعاء «عدم الخلاف» في كفر مخالف الحق. صاحب الحدائق أيضًا، بدليلين، حكم بنجاسة الفرق غير الشيعية: أولًا، إثبات «كفرهم» بناءً على الروايات، وثانيًا، أن مسألة الولاية والإمامة من ضروريات الإسلام، ومنكر الضروري كافر ونجس (راجع: البحراني، بدون تاريخ، 5: 175-179).

الأدلة المذكورة غير كافية، فالمقصود بـ«الرجس» في الآية، بشهادة السياق: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾، هو «النجاسة المعنوية، الضلالة» (الطباطبائي، 1417هـ، 7: 343). والسيرة القطعية للأئمة (ع) وأصحابهم في التعامل والمعاشرة مع المخالفين وحتى رؤسائهم دليل قاطع على طهارتهم (المحقق الحلي، 1364ش، 97-98؛ النجفي، 1367ش، 6: 56-57). الاستدلال بالروايات لإثبات «الكفر» ثم نجاستهم مشوب بكثير من الخلل، كما أن الإمام الخميني (ره) وصف هذا النوع من الاستدلال بـ«الانخداع بظواهر الروايات» (الخميني، 1410هـ، 1: 249؛ وهو نفسه، بدون تاريخ، 3: 316). فأصلًا، سنخ الروايات الفقهية يختلف عن الروايات المعرفية، والروايات التي استند إليها صاحب الحدائق هي روايات معرفية، فيها تقابل بين «مؤمن» و«كافر» (: مراتب خاصة من الكفر) أُنشئ، لا تقابل بين «مسلم» و«كافر» (بالمصطلح الفقهي)! (الخميني، بدون تاريخ، 3: 320-321). الحكم بنجاسة المخالفين بدليل «إنكار ضروري الدين» من قبلهم قابل للنقد أيضًا. فشرط تحقق «الإنكار» هو «العلم والمعرفة»، أما إذا كان عدم القبول ناشئًا عن جهل أو اعتقاد بخلافه – على نحو «الجهل المركب» – فلا يوجب الكفر، وإلا لوجب إخراج كثير من الشيعة أيضًا من دائرة الإسلام بسبب عدم قبولهم لبعض الأحكام الدينية! صاحب الحدائق نفسه، عند نقده الحاد للفقهاء الذين حكموا بطهارة المخالفين، يلجأ إلى «سابي علي (ع)» و«قاتلي وضاربي المعصومين»، وبقلم يفيض بالمشاعر، يعبر عن دهشته العميقة لعدم الحكم بكفرهم ونجاستهم (البحراني، بدون تاريخ، 5: 181-182). من الواضح تمامًا أن حساب «أعداء» أهل البيت (ع) و«النواصب» و«الخوارج» منفصل، وعموم فقهاء الشيعة صرحوا بكفرهم ونجاستهم (راجع: المحقق الحلي، 1364ش، 1: 98؛ الأنصاري، بدون تاريخ، 2: 351).

ب- جواز غيبة الفرق الإسلامية

في حين أن جماعة من الفقهاء يجيزون غيبة المخالف (البحراني، بدون تاريخ، 18: 148؛ الأنصاري، 1374ش، 1: 319؛ الخميني، 1410هـ، 1: 249؛ الخوئي، 1371ش، 1: 503)، فإن عددًا منهم يعتقد بحرمتها (الأردبيلي، 1405هـ، 8: 78؛ الشهيد الأول، بدون تاريخ، 1: 148؛ السبزواري، 1423ق، 1: 436؛ الكلبايكاني، 1413ق، 183؛ الخامنئي، 1418ق، 1: 178).

أهم أدلة الجواز هي: إثبات كفر المخالف (البحراني، بدون تاريخ، 18: 148)، تعلق حكم حرمة الغيبة في الآية (الحجرات: 12) والروايات (الكليني، 1367ش، 2: 358) بـ«المؤمن» و«الأخ»، والمخالف، وإن كان «مسلمًا»، ليس «مؤمنًا» (الأنصاري، 1374ش، 1: 319؛ الخميني، 1410ق، 1: 250؛ الخوئي، 1371ش، 1: 504)، وتجاهر المخالف بالفسق (الخوئي، 1371ش، 1: 505)، وجواز اللعن ووجوب البراءة منهم في الأدعية والزيارات، والروايات التي وصفت الناصبي بأنه أسوأ من اليهود والنصارى (الخوئي، 1371ش، 1: 504).

الأدلة المذكورة لإثبات المدعى غير كافية؛ فقد مر تفصيلًا أن ادعاء «الكفر في مقابل الإسلام» لسائر الفرق الإسلامية هو ادعاء يفتقر إلى الدليل بل يخالف الآيات والروايات. الدليل الثاني ناتج عن خلط المصطلح القرآني والحديثي لـ«المؤمن»، و«الإيمان» في غالبية الآيات، وخاصة في آيات الفقه، يأتي بمعنى «الإسلام»، كما مر سابقًا. شاهد هذا المدعى هو الروايات التي طُرحت فيها حرمة غيبة «المسلم» بوصفه «أخًا دينيًا»: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ… وَلَا يَغْتَابُهُ» (الكليني، 1367ش، 2: 166). من البديهي أنه لا يمكن القول بحمل المطلق (مسلم) على المقيد (مؤمن بمعنى شيعي)، لأنه لا يوجد أصلًا تنافٍ هنا ليستدعي التصرف في المطلق وحمله على المقيد (راجع: المظفر، 1440ق، 1: 246). المتجاهر بالفسق أيضًا لا يشمل من لا يعلم أن فعله فسق، ومن ناحية أخرى، فإن جواز غيبة المتجاهر يختص بمورد فسقه ذاك لا بشكل مطلق (روحاني، 1412ق، 14: 345). الدليل الرابع أيضًا أخص من المدعى، فغالبية أهل السنة والشيعة غير الإثني عشرية – الذين يُطلق عليهم «المخالف» – ليسوا نواصب!

8. الخلاصة

1. «الكفر» في القرآن استُخدم في مراتب خمس: كفر الجحود، كفر الاستضعاف، كفران النعمة، ترك الأوامر الإلهية، وكفر البراءة. «الشرك» أيضًا له مراتب متنوعة، ومراتبه الدنيا قابلة للجمع مع الإيمان والأحكام المترتبة على الإسلام. وكذلك، «الضلالة» لها مراتب استُخدمت في حق بعض الأنبياء، وهي ناظرة إلى بعض مراتبها الدنيا.

2. المقصود بـ«المؤمن» في غالبية الآيات ليس خصوص الشيعة ولا المؤمن الحقيقي من الطراز الأول، بل عموم «المسلمين»، بحيث يجب اعتبار هذا المفهوم هو «المصطلح القرآني الشائع» لهذا اللفظ.

3. ألفاظ «الكفر» و«الضلالة» و«الشرك» في الروايات الموهمة بكفر الفرق الإسلامية، استُخدمت في مراتب متنوعة؛ منها: ترك ما أمر الله، المراتب الدنيا للضلالة والكفر، والكفر الصريح. المورد الأخير يختص بفئات خاصة، أي: المجسمة والمشبهة، والغلاة، والنواصب، والمعاندين. نتيجة لذلك، فإن عموم الفرق الإسلامية – باستثناء الفئات المذكورة – داخلون في المصطلح القرآني «مؤمن»، وتشملهم أحكام فقهية إسلامية مثل الطهارة وحرمة الغيبة.

4. الكفر الذي يترتب عليه أحكام فقهية مثل النجاسة، وحرمة الزواج، وحرمة الذبيحة، والقتل في ظروف وحالات خاصة، وكذلك أحكام اجتماعية وسياسية مثل منع الولاية ونفي الأخوة الدينية، هو حصرًا «إنكار التوحيد والرسالة» أو «إنكار ضروري ينتهي إلى إنكار الله ورسوله». مع ذلك، فإن المصير والعقوبة الأخروية، وكذلك بعض الأحكام الاجتماعية، فيما يتعلق بالأفراد الذين يظهرون إنكارًا للتوحيد والرسالة، تتميز في حالة «الاستضعاف» والجهل الناشئ عن قصور، عن الكفار المعاندين والمكذبين عن علم ومعرفة.

الهوامش

1. أستاذ مشارك في علوم القرآن والحديث، جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، مشهد (الباحث المسؤول). irvani_javad@yahoo.com

2. أستاذ مساعد في علوم القرآن والحديث، جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، مشهد. haghpanah@razavi.ac.ir

3. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث، جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، مشهد. mranjomshoaa@mailfa.com

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

الآلوسي، سيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق: علي عطية، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.

ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر، قم، جامعة المدرسين، الطبعة الثانية، 1410هـ.

ابن حجر، أحمد بن علي، الإصابة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.

ابن حنبل، أحمد بن محمد، مسند أحمد، بيروت، دار صادر، بدون تاريخ.

ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ.

الأردبيلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان، قم، جامعة المدرسين، 1405هـ.

الأنصاري، مرتضى، المكاسب، قم، انتشارات دهاقاني (اسماعيليان)، الطبعة الثانية، 1374هـ.

___________، كتاب الطهارة، قم، مؤسسة آل البيت، طبعة حجرية، بدون تاريخ.

إيرواني، جواد، «بحث في روايات ارتداد الصحابة بعد وفاة النبي (ص)»، آموزه هاي حديثى، 1396ش، العدد 1، 25-48.

البجنوردي، سيد محمد حسين، القواعد الفقهية، قم، الهادي، 1419هـ.

البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة، قم، إسلامي، بدون تاريخ.

البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار الفكر، 1403هـ.

الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، تحقيق: عبد الرحيم رباني الشيرازي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.

الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر، قم، مؤسسة سيد الشهداء، 1364هـ.

الحلي، حسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1415هـ.

الخامنئي، سيد علي، (مقام معظم رهبري)، أجوبة الاستفتاءات، طهران، الهدي، 1418هـ.

الخميني، سيد روح الله، المكاسب المحرمة، قم، مؤسسة اسماعيليان، 1410هـ.

___________، كتاب الطهارة، قم، مطبعة مهر، بدون تاريخ.

الخوئي، سيد أبو القاسم، مصباح الفقاهة، قم، وجداني، الطبعة الثالثة، 1371هـ.

الروحاني، سيد صادق، فقه الصادق (ع)، قم، دار الكتاب، 1412هـ.

الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بدون مكان، منشورات البلاغة، بدون تاريخ.

السبزواري، محمد باقر، كفاية الأحكام، قم، إسلامي، 1423هـ.

السيد المرتضى، علي بن حسين، تنزيه الأنبياء، بيروت، دار الأضواء، 1409هـ.

الشهيد الأول، محمد بن مكي، القواعد والفوائد، قم، مكتبة المفيد، بدون تاريخ.

الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1413هـ.

صادقي طهراني، محمد، الفرقان في تفسير القرآن، قم، فرهنگي إسلامي، الطبعة الثانية، 1365هـ.

الصدوق، محمد بن علي، الخصال، تصحيح: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرسين حوزه علميه، 1403هـ.

___________، معاني الأخبار، تحقيق: علي أكبر غفاري، انتشارات إسلامي، 1361هـ.

___________، من لا يحضره الفقيه، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرسين، الطبعة الثانية، 1404هـ.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1417هـ.

الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، 1372هـ.

الطوسي، محمد بن حسن، الاستبصار، قم، دار الكتب الإسلامية، بدون تاريخ.

___________، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414هـ.

___________، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ.

___________، تهذيب الأحكام، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365هـ.

___________، المبسوط في فقه الإمامية، تحقيق: محمد تقي كشفي، طهران، المكتبة المرتضوية، 1387هـ.

العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، بدون تاريخ.

فخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1420هـ.

القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ.

القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، 1405هـ.

القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة، بدون مكان، دار الأسوة، 1416هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تصحيح: علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1367هـ.

الكلبايكاني، سيد محمد رضا، إرشاد السائل، بيروت، دار الصفوة، 1413هـ.

المرعشي، سيد نور الله، شرح إحقاق الحق، قم، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، بدون تاريخ.

المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، تحقيق: عباس علي زارعي سبزواري، قم، بوستان كتاب، الطبعة الثانية، 1440هـ.

معارف، مجيد، تاريخ عمومي حديث، طهران، كوير، الطبعة الثالثة، 1384هـ.

المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم: جماعة المدرسين في حوزه العلميه، بدون تاريخ.

مكارم الشيرازي، ناصر وآخرون، تفسير نمونه، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة السادسة عشرة، 1373هـ.

النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق: عباس قوچاني، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1367هـ.

Scroll to Top