الملخص
يُعَدّ نصر حامد أبو زيد من المفكرين الدينيين المجددين المنسوبين إلى تيار المعتزلة الجدد، وهو من القائلين بتاريخية القرآن. ولإثبات دعواه، أقام أدلة مستعيناً بمباحث علوم القرآن، فاعتبر اختلاف القراءات شاهداً على تدخل البشر – على الأقل في بعض ألفاظ القرآن – وتحريفه، واستنتج من ذلك عدم حجية بعض أحكامه. في هذا البحث، وبمنهج وصفي-تحليلي، نهدف إلى دراسة دعوى أبي زيد، استناداً إلى آراء آية الله الفاضل اللنكراني، فنجيب عن أسئلة من قبيل: ما هو الفرق بين القرآن والقراءات؟ وكيف تدل روايات الأحرف السبعة على اختلاف القراءات؟ وما هي علاقة اختلاف القراءات بالتحريف وبشرية النص القرآني؟ ويتضح من خلال البحث أن دعوى إلهية النص القرآني وكونه فوق-تاريخياً هي دعوى جلية قائمة على أدلة عقلية ونقلية، وأن اختلاف قراءات القُرّاء لا علاقة له بنص القرآن ولا دور له في تحريفه. وفي غضون ذلك، يتجلى الدور المؤثر للعلماء والأكابر في زيادة المعرفة والرد على الشبهات في كل زمان.
المقدمة
في مقابل نظرية «خلود القرآن»، التي تمتد بتاريخها إلى زمن بعثة النبي الأكرم ﷺ، ظهرت نظرية «تاريخية القرآن» وبعض تعاليمها متأثرة بتيار التاريخانية في القرن التاسع عشر والمدرسة الفلسفية التاريخية في الغرب. وقد طُرحت نظرية تاريخية الدين وتعميمها وإسقاطها على الدين في العقود الأخيرة من قبل تيار التنوير الديني المعروف بالمعتزلة الجدد في العالم العربي، ومنهم نصر حامد أبو زيد (١٩٤٣-٢٠١٠)، ثم انتشرت في إيران. في هذه النظرية، التي تتوقف على أسس وافتراضات خاصة وتترتب عليها لوازم ونتائج، يُدرس القرآن بوصفه نتاجاً ثقافياً – كغيره من الظواهر المادية – في سياق تاريخي محدد.
يعتمد نصر حامد أبو زيد (١٩٤٣-٢٠١٠)، وهو من الباحثين المصريين في الدراسات القرآنية، على مبدأ العلاقة الجدلية بين النص والواقع، وتأثر القرآن بثقافة عصر النزول وتدخلها في تعاليمه الوحيانية، مثل الأحكام المتعلقة بحقوق المرأة، وأحكام الجزية، والعبودية، وحكم السرقة، ومفاهيم السحر والعين الحاسدة[1]؛ فيعتبر بعض آيات القرآن – من حيث الدلالة – من الشواهد التاريخية التي لا تقبل حتى التأويل. ولإثبات دعواه، يقيم أدلة ويستشهد بحالات من علوم القرآن، كالنسخ، وشأن النزول، والمكي والمدني، كشواهد على تأثر القرآن بثقافة العصر، ويبرر بذلك دعوى وقوع الخطأ في القرآن، وكونه نصاً بشرياً، وبالتالي تاريخيته.
من هذا المنطلق، يتناول هذا المقال النظرية المذكورة من زاوية استشهاد أبي زيد باختلاف القراءات لإثبات بشرية القرآن وتحريفه، مع التركيز على آراء آية الله الفاضل اللنكراني؛ ذلك أنه على الرغم من عدم تناوله لموضوع التاريخية بشكل مستقل تحت هذا العنوان، إلا أنه قد تحدث بالتفصيل في مباحث علوم القرآن عن موضوع القراءات واختلاف آراء أهل السنة والشيعة الإمامية، وفي موضوع عدم قابلية القرآن للتحريف، أجاب عن مختلف أنواع الشبهات ضمن بحث مستوفٍ. ويقيم سماحته أدلة عقلية وتحليلية ونقلية متعددة على أن القرآن هو المعجزة الخالدة والكتاب الإلهي الذي أُلقيت ألفاظه ومحتواه من عند الله على قلب النبي الأكرم ﷺ، وأنه مصون من التحريف بضمان الصيانة الإلهية. وبسبب هذه الخاصية وشموله للحقائق الثابتة والواقعية بعمق لا متناهٍ إلى يوم القيامة، فإنه يمتلك القدرة على هداية البشرية نحو النور، كما أن أحكامه صالحة للبقاء لابتنائها على مصالح ومفاسد واقعية. وهذه الأدلة كافية في نقد نظرية تاريخية القرآن والرد على الاستشهاد باختلاف القراءات.
قراءة القرآن
مسألة قراءة القرآن ومراحل نشوئها وأسباب الاختلاف فيها، هي إحدى الموضوعات المطروحة في كتب علوم القرآن، ولا يوجد اتفاق نظر حولها بين الشيعة والسنة. يرى علماء الشيعة أن القرآن نزل بحرف واحد وقراءة واحدة على النبي الأكرم ﷺ، وفي حياته لم تكن هناك أكثر من قراءة واحدة، ويعتقدون أن القرآن وقراءات القرآن حقيقتان منفصلتان. أما في كثير من مصادر أهل السنة، فقد نُقلت أحاديث عن النبي الأكرم ﷺ مفادها أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وهم يعتبرونها في حد التواتر ومؤيدة للقراءات السبع. ورغم طرح أقوال متعددة حول المراد والمفهوم من الأحرف السبعة، فإن البعض، بخلطهم بين تواتر نص القرآن وتواتر القراءات، وبين الأحرف السبعة والقراءات السبع، قد استنتجوا حتمية اختلاف القراءات، وبشرية ألفاظ القرآن، وتحريفه، وتاريخيته.
أبو زيد، الذي يصف في أعماله المبكرة الوحي القرآني بأنه اتصال لغوي يتكون من مرسل (الله)، ومستقبل (النبي)، ورسالة (القرآن)، ويقبل بكون لغة القرآن عربية عبر الروح القدس، ويرى وجود مستويين في هذا الاتصال اللغوي: مستوى الاتصال العمودي – من الله إلى جبريل – ومستوى الاتصال الأفقي – من جبريل إلى النبي ﷺ – وفي كلا المستويين، الرمز المستخدم هو اللغة العربية والألفاظ العربية[1]. ولكنه لاحقاً، بتغير رؤيته، يعتبر أن النظرة القائلة بأن لغة القرآن مقدسة ومنزلة من عند الله هي نظرة أسطورية، ويدعي بدلاً من ذلك أن الله قد أذن للنبي ﷺ إلى حد ما في الإعراب والمفردات وحتى في تركيب الجمل[2]. وبناءً على ذلك، ينسب ألفاظ الوحي وكسوتها باللفظ العربي إلى النبي الأكرم ﷺ[1]. ويرى أن اختلاف القراءات والروايات التاريخية حول كتابة القرآن وروايات الأحرف السبعة تؤيد بشرية الألفاظ، ويتساءل: إذا كنا نعتقد أن ألفاظ القرآن هي عين كلام الله، فماذا يعني تعدد واختلاف القراءات؟ وماذا حدث مع ظهور القراءات المختلفة؟ ويشير إلى اختلاف القراءة في الآية الخامسة من سورة القارعة متسائلاً: هل «كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ» و«كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ»، وهما قراءتان مختلفتان لآية واحدة، تحملان معنى واحداً؟ وبقياس على ذلك يقول: مع وجود اختلاف القراءات، إما أن نقول إنه كلام الله وقد حدث فيه تحريف، أو أن نقول إنه بشري حتى لا نواجه محذور التحريف[1].
الدراسة والنقد
تتضمن الأفكار المذكورة أعلاه عدة ادعاءات: أولاً، وجود اختلاف في القراءات. ثانياً، وجود روايات تؤيد اختلاف القراءات وتواترها. ثالثاً، الملازمة بين اختلاف القراءات والتحريف وبشرية ألفاظ القرآن. وكل من هذه الادعاءات سيتم دراستها ونقدها بشكل منفصل.
أولاً – اختلاف القراءات
1. بناءً على معتقد الشيعة وأتباع مذهب أهل البيت، فإن القرآن نزل بقراءة واحدة[3]، وفي زمن النبي ﷺ لم تكن رائجة سوى تلك القراءة الواحدة، وهم لا يعتبرون القراءات السبع متواترة. بل إن جماعة من باحثي أهل السنة، مثل ابن الجزري والزركشي وأبي شامة وغيرهم، يتبنون هذا الاعتقاد، ويبدو أن هذا الاعتقاد شائع بينهم[11]. بل إن هذا هو اعتقاد بعض علماء أهل السنة الذين يرون أن القراءات السبع المعروفة بين الناس متواترة[10]. ويبدو أن مقصودهم هو أنه قد ثبت أن النبي الأكرم ﷺ كان يتلو القرآن وفقاً لهذه القراءات. وقد ذكر بعض علماء أهل السنة عشر قراءات أيضاً. حتى أن عدداً منهم قد صرح بأن من لم يعتقد بتواتر القراءات السبع فقد كفر[11].
2. سيرة المسلمين دليل آخر على إثبات هذا الادعاء، فقد كانت سيرتهم قائمة على بذل أقصى جهدهم لقراءة القرآن الكريم كما كان يقرأه الرسول الأكرم ﷺ. ولهذا السبب، في حياة النبي الأكرم ﷺ، كانت هناك جماعة منظمة في المدينة المنورة تنشغل بقراءة القرآن وتعليمه وتعلمه، وكانوا يستمعون للآيات القرآنية التي تنزل تدريجياً من لسان النبي الأكرم ﷺ، وأحياناً يقرؤونها أمامه ويعرضونها عليه[11].
3. بناءً على بعض الروايات، في زمن النبي ﷺ، عندما كان يقع خلاف بين شخصين حول قراءة سورة ما، وكانا يراجعان النبي ﷺ لحل المشكلة، كان النبي ﷺ يحذرهما ويقول: اقرؤوا كما عُلِّمتم[11].
4. تقرير حذيفة بن اليمان للخليفة آنذاك عن مشاهداته وإعلانه الخطر، وأمر الخليفة بتشكيل لجنة لتوحيد القراءات[11]، والنزاع وسفك الدماء الذي وقع بين بعض المسلمين دفاعاً عن قراءتهم الخاصة[12]، كلها تشهد على قدسية قراءة النبي وأهميتها[15].
5. هناك فرق بين القرآن والقراءات. القرآن هو النص الوحياني الذي نزل به جبريل على قلب النبي، ثم نُقل بالتواتر من جيل إلى جيل. أما القراءات فهي اجتهادات واستنباطات وفهم القُرّاء للقرآن، وهو ما أدى إلى اختلاف القراءات. ومجرد أن كل قارئ قد اعتبر لنفسه قراءة خاصة يدل على أن هذا الأمر نابع من اجتهاده واستنباطه الشخصي في القراءة[11].
6. حصر سبب اختلاف القراءات في تدخل البشر لا وجه له؛ إذ أن هناك أسباباً متعددة كان لها دور في اختلاف القراءات، منها: 1- اختلاف اللهجات، كما كان بنو تميم يقولون «عتى عين» بدلاً من «حتى حين». 2- عدم وجود الإعراب في الخط العربي ومصاحف الإمام. 3- عدم وجود الإعجام أو النقط والعلامات في الحروف. 4- الاجتهادات الفردية للصحابة والقراء والباحثين القرآنيين، حيث كان لكل منهم استنباطه النحوي والمعنوي والتفسيري الخاص من آية وكلماتها. 5- البعد عن العهد الأول ومهد الإسلام الأول – مكة والمدينة. 6- عدم وجود علامات السجاوندي للوقف والابتداء وأي فصل ووصل، والتي تولاها فيما بعد علم القراءة والتجويد. في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، بدأت حركة تدوين القراءات، وسعى كثير من علماء القراءة إلى اختيار أصح القراءات من بين أنواعها وتثبيتها. كان أول من همّ بهذا العمل هارون بن موسى (ت. 291 هـ) وأبو عبيد القاسم بن سلام (157 – 224 هـ)، وقد قام الأخير بتحديد خمسة وعشرين قارئاً ثقة، وسجل قراءاتهم وضبطها، وكان القراء السبعة من بينهم. وبعد قرن من الزمان، قام أبو بكر بن مجاهد (245 – 324 هـ)، وهو باحث قرآني بارز، في عام 322 هـ، باختيار القراء السبعة من بين عدد كبير من القراء، ومنذ ذلك الحين أصبحوا المرجع الأول في قراءة القرآن. وفيما بعد، أُضيف ثلاثة قراء كبار آخرون إلى هذه المجموعة. وبالطبع، فإن القراء الأربعة عشر والعشرين مشهورون أيضاً في تاريخ علم القراءة؛ لكن القراء العشرة هم الذين يصل سند روايتهم عن طريق تابعي التابعين إلى التابعين، ومنهم إلى الصحابة، سواء كانوا من كُتّاب الوحي أو حفظة القرآن وغيرهم، ثم إلى الرسول الأكرم ﷺ[11].
7. لو كان اختلاف القراءات ناشئاً عن بشرية ألفاظه، لكان عدد القراءات قد ازداد بعد مرور 14 قرناً، بينما نجد أنه بعد فترة قصيرة، تُركت جميع القراءات باستثناء قراءة حفص عن عاصم، وفي بلاد المغرب فقط، لا تزال قراءة نافع برواية ورش متداولة[16].
8. وجود اختلاف القراءات لا يثبت الملازمة بين هذه المسألة وتحريف القرآن؛ لأن القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه بوصف «الذِّكْرِ الْمَحْفُوظِ»، هو أولاً مصون بالصيانة الإلهية من الزيادة والنقصان والتغيير، وهذا وعد إلهي أُعطي للنبي[11]. ثانياً، لو أن القرآن المنزل تعرض لزيادة أو نقصان في اللفظ أو في ترتيب الأثر، لكان قد فقد خصائصه الإعجازية، في حين أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم يحمل كل الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في القرآن[10]. يقول العلامة الطباطبائي: بما أن هذا القرآن متصف بصفاته الخاصة، فإننا نعلم أنه مستند إلى نبيّه، لا أننا نعتبره قرآناً لأنه مستند إليه بحكم الأدلة[5].
9. احتجاج كل من القراء على صحة قراءته وإعراضه عن قراءة غيره هو دليل قاطع على اجتهادية القراءات؛ إذ لو كانت هذه القراءات متواترة عن النبي، لما كان هناك حاجة إلى الاستدلال لإثبات صحتها، ولما كان هناك وجه للإعراض عن قراءة شخص آخر وتفضيل قراءة على أخرى[11].
10. لقد ثبت في مباحث علوم القرآن أن الطريق الوحيد لإثبات القرآن هو التواتر. والدليل على ذلك هو خصوصية كامنة في نفس القرآن[10]؛ ذلك أن القرآن، منذ لحظة نزوله، كان في مقام التحدي والإعجاز، ومن جهة أخرى، هو المعجزة الوحيدة التي يقوم عليها أساس الإسلام إلى يوم القيامة. كتاب بهذه الخصوصية لا يثبت بقول شخص واحد. إذا كان دين مطروحاً كخاتم الأديان وسنده الوحيد هو القرآن، فهل يمكن تصديق أن هذا السند لا يحتاج إلى تواتر؟[7]
11. علاوة على ذلك، كانت مسألة القرآن محل اهتمام غير المسلمين أيضاً، لأن القرآن منذ اليوم الأول دعا البشرية جمعاء، بل الجن والإنس، إلى «التحدي» و«الإتيان بمثله». وهؤلاء لا يمكنهم أن يكونوا في مقام المقابلة إلا إذا كانوا على دراية بآيات القرآن وسوره، ثم يفكرون في كيفية الإتيان بمثلها. لذا، كل آية وسورة كانت تنزل، كان الموافق والمخالف يسارعون إليها ليتسابقوا. بل إن سباق المخالفين كان أكبر. ولهذا السبب، كان القرآن في أواخر حياة النبي ﷺ شيئاً واضحاً ومضبوطاً ومحدداً[7].
ثانياً – دراسة ونقد روايات الأحرف السبعة
جواب على ادعاء أبي زيد بوجود روايات تؤيد اختلاف القراءات.
1. خلافاً للشيعة وكذلك لكثير من باحثي أهل السنة[11]، يعتقد بعض أهل السنة، بناءً على أحاديث الأحرف السبعة، بتواتر القراءات السبع، قائلين إن القراءات السبع هي نفسها الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن[11]، في حين أن تواتر القراءات يواجه إشكالات متعددة.
2. كل من القراء السبعة أو العشرة له راويان، إما بواسطة أو بدون واسطة، ومن البديهي أن التواتر لا يتحقق في مثل هذا الوضع، حتى لو كان الرواة موثوقين، فكيف الحال وبعضهم غير موثوق به[10].
3. قراءة كل منهم، حتى لو نُقلت بالتواتر، لا أثر لها ولا فائدة، وكلام أي منهم لا يمكن أن يكون دليلاً وحجة لنا، ولا يوجد أي دليل على اعتبار كلامهم[10].
4. إذا كان المقصود بتواتر القراءات السبع أن النبي الأكرم ﷺ قد تلا القرآن بشكل متواتر بناءً على تلك القراءات، فإن مثل هذه النسبة، باستخدام أخبار جماعة يُستبعد عادة تواطؤهم على الكذب وتوافقهم على قول خلاف الواقع، تصل إلى حد اليقين. مثل هذا الوضع، بوجود وسائط متعددة في جميع طبقات المجتمع، كان موجوداً. ومن البديهي أن رواة مثل هذا الخبر يجب أن يكونوا موجودين في جميع فئات المجتمع، وعادة ما يكون من المستحيل أن تتفق مثل هذه الجماعة على كذب واضح[10].
5. تواتر القرآن لا يمكن أن يكون دليلاً على تواتر القراءات السبع أو العشر[11]. بالإضافة إلى ذلك، يُقال إن دعوى القراءات أثارها لأول مرة أبو بكر أحمد بن موسى بن عباس بن مجاهد على رأس ثلاثمئة شخصية بغدادية[11].
6. انتهاء الأسانيد المنسوبة إلى القراء أنفسهم، ووجود قارئ واحد وراوٍ واحد، بل وجود قراء متعددين من مختلف فئات المجتمع، لا يترك مجالاً لهذه النظرية القائلة بأن القرآن قد رُوي بقراءات متعددة وبشكل متواتر عن النبي الأكرم ﷺ. الأسانيد المنسوبة عادة ما تنتهي عند القراء أنفسهم، في حين يجب أن تستمر هذه الأسانيد حتى النبي نفسه، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن الحديث عن التواتر[11].
7. كل من القراء السبعة يفضل قراءته على قراءة الآخر، في حين لو كانت جميعها منقولة عن النبي الأكرم، لما كان هناك تفضيل بينها، ولكانت المقارنة بينها ممكنة[7].
8. لا مجال لنسبة القراءات إلى الأشخاص المذكورين، بل يجب نسبتها إلى النبي الأكرم ﷺ الذي نزل عليه الوحي؛ بل يجب نسبتها إلى الله تعالى، لأن قراءة النبي لم تكن من عنده، بل كانت وحياً نزل عليه. وبناءً على ذلك، لا تعتبر القراءات المذكورة المنسوبة إلى القراء المذكورين أي امتياز لهم، وفي الواقع ليس لهم أي فرق في هذا المجال عن سائر أفراد المجتمع، ووجودهم في مسار انتقال القرآن المتواتر لا يمنحهم أي ميزة أو أفضلية. ومن البديهي أن القرآن قد انتقل شفاهاً من صدر إلى صدر بين المسلمين، وتجلى في أقوالهم وأفعالهم حتى وصل إلينا، وهؤلاء السبعة أو العشرة قراء ليس لهم أي امتياز في هذا المجال على سائر المسلمين. بناءً على ذلك، لا يوجد أي دليل على نسبة هذه القراءات إليهم[10].
9. نسبة هذه القراءات إلى الأشخاص المذكورين دون اعتبار النبي الأكرم ﷺ الذي نزل عليه الوحي، يوضح أن هذه القراءات لا علاقة لها بالنبي، وإلا لما كان هناك دليل على هذه النسبة المذكورة[10].
10. وجود معارضين للتواتر من بعض الباحثين البارزين من أهل السنة واعتراضاتهم وإشكالاتهم، يشهد على عدم تواتر القراءات المذكورة. وإذا افترضنا أن التواتر حقيقة واقعة وقد تحققت بشروطها الكاملة، فلن يكون هناك مجال للاعتراضات والإشكالات المذكورة، وإذا كان هناك إشكال، فسيكون هذا الإشكال، والعياذ بالله، منسوباً إلى النبي الأكرم ﷺ[11].
الإشكالات الواردة على أصل الروايات هي كما يلي:
11. على الرغم من أن أهل السنة يعتبرون كثرة هذه الروايات في حد التواتر[10]، إلا أنها مردودة من وجهة نظر الشيعة وحتى بعض أهل السنة[10]. بل إن هذه الروايات، بسبب الشك في وثاقة بعض رواتها مثل محمد بن يحيى الصيرفي وأحمد بن هلال، لا تتمتع بسند قوي[11].
12. هذه الروايات نفسها تتعارض مع روايات متعددة ومعتبرة تكذب نزول القرآن على سبعة أحرف وتطرح نزوله على حرف واحد وتؤكد عليه[3].
13. هذه الروايات من حيث الدلالة تتعلق بالمحتوى والبطون وجوانب التفسير للآيات، لا بالقراءات المتعددة؛ لأنه إذا كان المقصود من التواتر هو وصول قراءات مختلفة من الرسول الله ﷺ نفسه بالتواتر، فمن المسلم به أن هذا القول مردود لأسباب، لأن القراءات المذكورة لم تُنقل بشكل متواتر عن القراء أنفسهم، فكيف بالنبي الأكرم ﷺ[11]. إذن، في حين أن تواتر القراءات لم يثبت عن مشايخ وقراءها، فكيف يمكن ادعاء تواترها عن النبي؟[10]. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان هذا التواتر مرتبطاً بالرسول الله، فلماذا يُنسب إلى القراء السبعة؟ إذا كان المقصود أن قراءات هؤلاء القراء قد وصلت إلينا بالتواتر، فهذا الفرض لا مانع منه، ولكن لا يترتب على هذا التواتر أي أثر يجعل تلك القراءات تكتسب صفة القرآنية[8]؛ لأن إثبات أصل القرآن يتوقف على التواتر[10].
14. بالنسبة للروايات الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف، فقد ذُكرت معانٍ مختلفة، كما ورد في بعض مصادر أهل السنة ما يصل إلى أربعين معنى[4]، أحدها هو القراءات السبع. ولا يوجد أي ترجيح لهذا المعنى على سائر المعاني، بل إن تفسيره بالقراءات هو أبعد المعاني عن الصحة؛ لأنه لم يثبت أن النبي قرأ القرآن بسبع صور، بل توجد شواهد في هذه الروايات نفسها على معانٍ أخرى[3].
ثالثاً – دراسة ونقد ادعاء التحريف
أولى آية الله الفاضل اللنكراني اهتماماً خاصاً لإثبات مسألة عدم قابلية القرآن للتحريف ودفع الشبهات والإشكالات، وتوضيح أهداف الذين يثيرون موضوع التحريف. وقبل كل شيء، لا يرى سماحته أن استخدام عبارة «عدم التحريف» مناسب جداً بالنسبة للقرآن، ويعتقد أنه من الأفضل استخدام عبارة «استحالة التحريف»، وهي عبارة استخدمها لأول مرة الأستاذ مرتضى العسكري. وفي توضيحها، يقول إن المراد بـ «استحالة التحريف» هو في الواقع عدم قابلية القرآن للتحريف. ثانياً، يعتبر عدم قابلية القرآن للتحريف أمراً تاريخياً وعقائدياً، بل إجماعياً ضرورياً[7]، ويعتقد أنه بما أن القرآن هو السند الخالد الوحيد للنبوة والرسالة، والبرنامج الفريد الذي يمكنه أن يرشد الإنسان إلى إصلاح أمور دنياه وآخرته وينقذه من الظلمات إلى النور والهداية إلى صراط مستقيم وشريعة سهلة وميسرة ويضمن له سعادة الدنيا والآخرة، فلا بد من الحساسية تجاهه، وإلا فإنه سيؤدي إلى نقض الغرض ويعطي ذريعة لأعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم ممن لا يطيقون شوكة وعظمة الإسلام والمسلمين، ويتشبثون بأي وسيلة لإضعاف مكانة وموقع المسلمين حتى يهاجموا دين الإسلام القويم والمستحكم[7].
في طرح البحث، وقبل كل شيء، ولتنقيح المناط، يجب أولاً تحديد أنواع استخدامات التحريف ليتضح محل الخلاف، لأن كلمة التحريف لها استخدامات مختلفة، وفي وجود أو عدم وجود بعضها، يتفق المسلمون، وفي عدد من التحريفات يوجد خلاف بين المسلمين.
أ) موارد استعمال كلمة التحريف
1. التحريف بمعنى نقل وتحويل شيء من مكان إلى آخر، وهو ما يسمى أيضاً بالتحريف المعنوي. هذا النوع من التحريف يجمع المسلمون على وجوده في القرآن، لأن كل من يفسر القرآن بشكل غير واقعي وغير صحيح، يكون في الواقع قد حرفه. مثل تفسير كثير من المبتدعة وأتباع الأيديولوجيات الباطلة بناءً على أفكارهم وأهوائهم.
2. التحريف بمعنى النقص والزيادة في الحروف أو الحركات مع بقاء أصل القرآن محفوظاً وعدم تلفه، على الرغم من أن هذه الحروف والحركات لا تتمتع بأي ميزة خاصة مقارنة ببقية الحروف والحركات. التحريف بهذا المعنى يعود إلى موضوع الاختلاف في القراءة، وهو حتماً موجود في القرآن، لأن القراءات ليست متواترة، ومن المسلم به أن القرآن ينطبق على إحدى القراءات، وفي سائر القراءات يوجد نقص وزيادة.
3. النقص والزيادة في كلمة أو كلمتين على الرغم من بقاء القرآن محفوظاً؛ هذا التحريف قد وقع حتماً في صدر الإسلام وفي عهد الصحابة (هذا الجزء محل خلاف بين ادعاء آية الله الخوئي وآية الله الفاضل اللنكراني، ومن هذا المنطلق، وضمن إبداء التعجب منه، يقول إن الاختلاف في المصاحف في زمن عثمان كان في القراءة لا في الكلمات، وبالتالي فإن التحريف بهذا المعنى لا سبيل له إلى القرآن)[11].
4. التحريف على شكل نقص وزيادة في آية وسورة، على الرغم من بقاء القرآن النازل من عند الله محفوظاً، بناءً على قراءة النبي الأكرم ﷺ. هذا التحريف أيضاً موجود حتماً في القرآن. مثلما يعتقد بعض أهل السنة بخصوص آية «بسم الله الرحمن الرحيم» أنها ليست جزءاً من القرآن.
5. التحريف بمعنى أن جزءاً من القرآن الموجود بين أيدينا لم ينزل من عند الله. المسلمون بالإجماع لا يقبلون هذا النوع من التحريف.
6. التحريف بمعنى أن كل القرآن الموجود بين أيدينا ليس هو ما نزل على النبي، وفي الواقع فإن جزءاً من القرآن مفقود. بعض المسلمين يقبلون هذا التحريف والبعض الآخر ينفيه[3].
استخدام آخر للتحريف هو بمعنى التغيير والتبديل، ويضرب القائلون به أمثلة كلها من قبيل اختلاف القراءات. مثل «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ» بدلاً من «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»، و«فتثبتوا» بدلاً من «فتبينوا»[3].
من مجموع الموارد وبيان موقف المخالف في القسم الثالث، نقول إن اعتقادنا هو أن القرآن قد جُمع في الحقيقة في عهد النبي ﷺ، ولم يقع فيه أي تحريف، بمعنى أنه لم تُزد أو تُنقص أي آية أو سورة في القرآن، وكل ما في حوزتنا هو كل ما نزل على النبي. وهذا الاعتقاد هو محل اتفاق كبار علماء الشيعة الإثني عشرية من المتقدمين والمتأخرين، وعلماء كبار مثل الشيخ الصدوق عدّوه من عقائد الشيعة، والمرحوم كاشف الغطاء اعتبره من الضروريات والبديهيات[7].
ب) دلائل استحالة تحريف القرآن
آية الله الفاضل اللنكراني، ضمن الاستدلال بآيات القرآن ووجه دلالتها على المدعى، يجيب أيضاً على الإشكالات والشبهات الواردة، ونكتفي هنا بأصل الاستدلال.
1. في الآية 9 من سورة الحجر، يعلن الله أن القرآن مصون من أي تحريف وتغيير، ولا يستطيع أحد أن يمسّه، ووجود قرينة «أنزلنا» فيها يدل على أن المراد بالذكر هو القرآن المجيد[7].
2. الآيتان 41 و 42 من سورة فصلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ تدلان على أن الباطل لا سبيل له إلى القرآن بأي شكل من الأشكال، ولن يكون له سبيل؛ لأن أداة النفي عندما تدخل على طبيعة المعرف بـ (ال) الجنسية، تفيد العموم والشمول، وتدل على أن الباطل من أي نوع وصنف وفئة لا سبيل له إلى القرآن. ومن البديهي أن التحريف هو من أبرز مصاديق الباطل. هذه الآية تنفي وقوع أي تحريف في القرآن. من جهة أخرى، فإن كون القرآن عزيزاً يدل على أن هذا الكتاب السماوي في مأمن من كل تغيير ونقصان. كذلك، يقول الله تعالى في نهاية الآية المذكورة: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وهو في الواقع يوضح علة عدم نفوذ الباطل إلى القرآن، ويدل على أن عدم نفوذ الباطل في القرآن وعدم تحريفه هو أمر دائم؛ لأن نزول القرآن من عند الله الحكيم لا يتوافق مع تغييره، وهو حتماً مصون من تلاعب الظالمين ومن تعرض الأفراد غير الطاهرين[7].
3. التحريف يتنافى مع إعجاز القرآن. ذكر بعض كبار المفسرين، ومنهم المرحوم العلامة في «الميزان في تفسير القرآن»، أن من الأمور البديهية في التاريخ أن النبي ﷺ جاء قبل أربعة عشر قرناً، وادعى النبوة، وأتى بكتاب اسمه القرآن، نسبه إلى الله، وتحدى به، واعتبره دليل نبوته. القرآن الذي بين أيدينا اليوم هو نفس القرآن الذي أتى به النبي وتلاه على جميع أهل عصره. من جهة أخرى، فإن القرآن، بناءً على الأوصاف الموجودة في جميع آياته، قد تحدى، ونحن نلاحظ أن القرآن الموجود بين أيدينا يتضمن جميع الأوصاف من فصاحة وبلاغة، وعدم اختلاف، وتذكير بالملاحم، والتنبؤ بأحداث المستقبل، ونرى أن القرآن يصف نفسه بصفات طاهرة وجميلة كالنور، والهادي، والمرشد إلى الصراط المستقيم والدين القويم. وهذه المقاطع نفسها نلاحظها عيناً في القرآن الموجود[7]. وبهذا الاستدلال يمكن الرد على ادعاء أولئك الذين يعتقدون بوقوع نقص وزيادة طفيفة في القرآن – مثلاً ادعاء حذف كلمة «علي» – لأنه في كلتا الحالتين، أي بوجود أو عدم وجود كلمة «علي»، لا يحدث خلل في أوصاف القرآن ولا يسبب نقصاً في تحدي القرآن، ولا يدخل خلل في مسائل القرآن المتنوعة من معارف، وأصول، وفضائل أخلاقية، وقصص، وأخبار غيبية[7].
4. حديث الثقلين المتواتر عن النبي الأكرم ﷺ، الذي عرّف فيه القرآن وأهل البيت بأنهما ثقلان عظيمان وأخبر بأن هذين لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وأن التمسك بهما إلى يوم القيامة سيمنع من الضلال؛ يدل على حجية القرآن وعدم قابليته للتحريف، لأنه بينما يربط النبي ﷺ ضمان عدم ضلال أمته بالتمسك بالقرآن، فإذا لم يكن القرآن الحالي هو نفس قرآن النبي، فكيف يمكن التمسك به إلى يوم القيامة والنجاة من الضلال؟ إذا كان القرآن قد حُرّف بسبب مؤامرة المخالفين الذين كانوا يسعون إلى طمس الحقائق وإطفاء نور القرآن، فكيف يمكن أن يكون منيراً لجميع المسائل ومصباحاً لنجاة البشر من كل الظلمات؟ حديث الثقلين الشريف يدل بوضوح وجلاء على إمكانية وضرورة التمسك بالقرآن والالتزام به، ويؤكد صراحة على هذا الأمر. الأمر والنهي يجدان مصداقهما عندما يمكن العمل بهما أو تركهما. وفي حالة عدم إمكانية التمسك، لا يبقى مجال للأمر والنهي[7].
5. الروايات المتواترة تدل على وجوب عرض الأحاديث وأخبار أهل البيت عليهم السلام على القرآن، وأخذ كل ما يتوافق وينسجم مع القرآن، وترك كل ما يتعارض ويتناقض معه. ذلك أن الروايات القائمة على عرض كلام الأئمة وتمييز الحق من الباطل من خلاله، تدل على أنه لم يقع أي تغيير أو تحريف في القرآن، وأن القرآن له حجية مستقلة وهو معيار لتمييز الحق من الباطل؛ لأن معيار تشخيص صحة وسقم الروايات هو موافقتها أو عدم موافقتها للقرآن المجيد. في الواقع، موافقة الروايات للقرآن تدل على صحتها وتوضح أن هذه الروايات قد صدرت حقاً عنهم. وهذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كان القرآن ذا حجية مستقلة وغير قائم على شيء آخر[7].
6. الروايات المنقولة حول ثواب قراءة كل سورة من سور القرآن، وثواب ختم القرآن، وجواز قراءة سورتين في ركعة واحدة من صلاة النافلة، والنهي عن قراءة سورتين في ركعة واحدة من صلاة الواجب، كل هذا يوضح بشكل أظهر وجوب قراءة سورة كاملة في كل ركعة من ركعات الصلاة الفريضة، وأنه يمكن تقسيمها في صلاة الآيات. ومن البديهي أن هذا الحكم قد طُرح كأحد أصول أحكام الصلاة، وكان المسلمون في صدر الإسلام يتلون سورة كاملة بالإضافة إلى سورة الحمد التي لا تجوز الصلاة بدونها. سورة كانت موجودة في زمن النبي دون أي تحريف أو تغيير. وإذا قبلنا أن مثل هذا التحريف قد حدث لاحقاً، ففي هذه الحالة، يواجه الشخص المعتقد بالتحريف محذورات مثل الاعتقاد بأنه بعد زمن النبي، لم تعد قراءة سورة كاملة في الصلاة الفريضة واجبة، لأننا لا نطمئن إلى صحتها، بينما من وجهة نظر الشرع المقدس، فإن الموضوع المذكور بديهي شرعاً وثابت العمل به.
وهو أمر مستمر ولم يقتصر على عهد النبي الأكرم ﷺ. الروايات المنقولة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام تدل أيضاً على وجوب قراءة سورة في كل من الصلوات المفروضة باستثناء بعض الحالات الخاصة. ومن البديهي أنه بناءً على هذه الرؤية، لو لم تكن السور الكاملة موجودة، لكان بيان مثل هذا الحكم من قبل الأئمة الأطهار عليهم السلام لغواً وعبثاً، لأن القرآن الحقيقي لم يكن موجوداً بين الناس ولم يكن لديهم وصول إليه.
7. من جهة أخرى، وبناءً على الروايات الواردة، إذا قرأنا في الصلاة أقل من نصف السورة، يمكننا قطعها والبدء بسورة أخرى، ولكن هذا الأمر غير جائز في بعض السور. ذكر مثل هذا الأمر في الرواية مهم جداً ويدل بشدة على عدم تحريف القرآن. إذن، بناءً على الروايات المنقولة عن النبي والأئمة المعصومين، نستنتج أن القرآن لم يُحرّف، والقرآن الموجود هو نفس القرآن الذي نزل على النبي الأكرم ﷺ[7].
8. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للقائلين بالتحريف أن يجيزوا ويعتبروا قراءة سورة يُحتمل تحريفها مجزئة؛ لأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. إذن، هذا الترخيص من قبل الأئمة عليهم السلام هو في حد ذاته دليل على عدم وقوع التحريف في القرآن، وإلا لكان مستلزماً لتضييع الصلاة الواجبة على كل مكلف[3].
9. ضرورة تواتر القرآن دليل آخر، وهذا الأمر من ضروريات الدين، حيث إن مجموع القرآن وجميع أجزائه وسوره وآياته قد نُقل وقُرئ بالتواتر من عهد الرسالة عبر العصور والقرون وفي جميع طبقات المسلمين، وما يدعيه المدعون بشأن كون بعض العبارات جزءاً من القرآن أو قبولهم لتحريفه هو خبر واحد[10].
10. دليل عقلي اهتم به بعض كبار العلماء. وهو أنه إذا قبلنا بالتحريف، يجب أن نذكر أن هذا التحريف قد تحقق بعد وفاة النبي ﷺ في عهد خلافة أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، ولهذه الاحتمالات الثلاثة، لا يوجد احتمال رابع، وكلها غير صحيحة. أما الاحتمال الأول لتحريف القرآن من قبل أبي بكر وعمر، فله حالتان: إما أنهما قاما بهذا العمل عن جهل؛ لأن القرآن لم يكن قد جُمع بعد في ذلك الوقت، أو أنهما تعمدا القيام بهذا العمل لأن في القرآن آيات كانت تقدح في قيادتهما وتظهر أن الخلافة والولاية تعود للإمام علي عليه السلام. من ثلاثة أبعاد يمكن تناول هذا الموضوع:
الأول: أن القرآن لم يكن بحوزتهما كاملاً، وأنهما لم يتعمدا تحريف القرآن. في الجواب يجب أن نقول إن النبي ﷺ كان يهتم اهتماماً خاصاً بحفظ القرآن وقراءته وترتيل آياته، وكان الصحابة في عهد النبي وبعد وفاته يحفظون القرآن كمجموعة واحدة أو بشكل منفصل. كانوا يحفظون القرآن في صدورهم وعلى الرقاع. كانوا يهتمون بحفظ خطب وأشعار العصر الجاهلي، فكيف يمكن القبول بأنهم لم يهتموا بالقرآن الذي تركوا من أجله بيوتهم وأموالهم وأغمضوا أعينهم عن زوجاتهم وأولادهم في سبيل الدعوة إليه وإعلان أحكامه؟! وهل يوجد، مع كل ما ذُكر، إنسان عاقل يحتمل أن المسلمين في صدر الإسلام لم يكونوا يهتمون بالقرآن؟ رواية الثقلين أيضاً تظهر عدم أساس هذا الاحتمال. حديث الثقلين الشريف الذي يقول: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي»، يفقد مصداقيته إذا كان جزء من القرآن قد ضاع في عهد النبي نفسه. لأنه في هذه الحالة، يكون النبي قد ترك جزءاً من القرآن لا كله أمانة، بينما الروايات تصرح بتدوين وجمع القرآن في زمن النبي، وإلا فلا يمكن الاعتماد على الآيات المتفرقة وما حُفظ في الصدور.
الثاني: أن أبا بكر وعمر تعمدا تحريف القرآن فيما يتعلق بالآيات التي كانت تقدح في قيادتهما وخلافتهما. هذا الأمر أيضاً بعيد جداً بل مستحيل؛ لأن الخلافة كانت قائمة على السياسة وإظهار الاهتمام بالدين وحفظ القرآن. ولو كان الأمر غير ذلك، لكان المعترضون على خلافة أبي بكر وعمر قد أثاروا هذا الموضوع حتماً. من جهة أخرى، فإن الإمام علي عليه السلام أيضاً لم يشر في خطبة الشقشقية إلى هذا الموضوع إطلاقاً.
أما الاحتمال الثالث: أن أبا بكر وعمر تعمدا تحريف الآيات المتعلقة بخلافة النبي. تحقق مثل هذا الأمر أيضاً مستحيل لأن أمير المؤمنين عليه السلام والصديقة الطاهرة عليها السلام وجماعة من الصحابة اعترضوا على خلافتهما، وفي هذا الصدد استندوا إلى أقوال النبي ﷺ وشهادة المهاجرين والأنصار وحديث غدير خم. لو كان هناك شيء في القرآن في هذا المجال، لكان الاستناد إليه أرجح من سائر الموارد.
أما الاحتمال الثاني: أن القرآن قد حُرف من قبل عثمان، فهذا الاحتمال أوهى من الأول؛ لأن الإسلام في زمنه كان قد انتشر لدرجة أنه ليس هو فقط، بل من هو أكبر منه أيضاً لم يكن يستطيع أن ينقص شيئاً من القرآن.
لأنه لو كان الأمر كذلك، لوجد قتلة عثمان أكبر دليل وذريعة علنية، ولم تعد هناك حاجة لهم للتوسل بأسباب مثل مخالفته لسياسة أبي بكر وعمر في مجال بيت مال المسلمين. من جهة أخرى، كان يجب على الإمام علي عليه السلام بعد توليه أمر الخلافة أن يعيد القرآن المحرف من قبل عثمان إلى حالته السابقة في عهد النبي وأبي بكر وعمر. ولو فعل ذلك، لما تعرض لأي انتقاد، ولكان وصوله إلى هدفه أسهل، ولكان ذلك دليلاً قوياً في مواجهة المطالبين بدم عثمان. خاصة وأن الإمام قد أمر بإعادة ما أخذه عثمان بغير حق إلى أهله. فكيف يمكن تصور أن الإمام يسكت ويتغاضى عن القرآن المحرف؟
أما الاحتمال الثالث: أن يُقال إن التحريف وقع بعد عهد الخلفاء الراشدين. على حد علمنا، لم يدّع أحد مثل هذا الادعاء حتى الآن[10].
11. بعض المحققين يعتبرون اهتمام النبي ﷺ والصحابة الخارق للعادة بحفظ وجمع القرآن، وكون القرآن مجموعاً في عهد النبي (ولو لم يكن مدوناً بين الدفتين) حقيقة تاريخية، من أدلة إثبات عدم التحريف[7].
12. القرينة المؤيدة الأخرى هي أن الكثير من كلمات القرآن قد كُتبت خلافاً لقواعد الإملاء العربي الصحيح، أو الحروف المقطعة مثل «الر» التي لا يزال رمزها ومعناها غير مكتشف للباحثين القرآنيين والمفسرين وعلماء الإسلام المسلمين وغير المسلمين، قد كُتبت كما هي؛ ولم يجز أي إصلاح قياسي أو اجتهاد أو تصرف فيها[7].
من مجموع ما سبق، اتضح أن ادعاء التحريف، بالإضافة إلى تعارضه مع الأدلة النقلية، يتعارض بشكل بديهي مع العقل أيضاً[7].
من مجموع الإجابات، اتضح أن ادعاء عدم تحريف القرآن هو ادعاء قاطع، واختلاف قراءات القراء لا علاقة له بأصل القرآن. بناءً على ذلك، لا يمكن أن يكون اختلاف القراءات مؤيداً لادعاء التحريف ونظرية تاريخية القرآن.
الخاتمة
من العلوم المؤثرة في فهم القرآن الصحيح، علوم القرآن التي بذل الأكابر والعلماء جهداً في نموها وتطورها. العلماء الذين، بالإضافة إلى مسؤولية المرجعية الشيعية، لم يقصروا في تبيين العلوم الدينية. من هذا المنطلق، في هذا المقال، تم الرد على ادعاء أبي زيد، أحد القائلين بتاريخية القرآن، حول اختلاف قراءات القرآن وعلاقته بكونه بشرياً وتحريفه، وتبرير عدم فعالية أحكامه في العصر الحاضر وضرورة قراءة وتأويل النص مرة أخرى؛ من وجهة نظر آية الله الفاضل اللنكراني، أحد كبار مراجع الشيعة، وتوصلنا إلى هذه النقاط: اختلاف القراءات ليس أمراً قطعياً ومسلماً ومقبولاً لدى الشيعة، بل إن القراءة المعتادة والرائجة والمقبولة لدى المسلمين هي نفس قراءة النبي الأكرم ﷺ. وعلى فرض تعدد القراءات، فإن هذه المسألة لا دور لها في بشرية القرآن وتحريفه، لأن هناك فرقاً بين القرآن والقراءات التي تتعلق باجتهاد القراء. القرآن يثبت بالتواتر، أما في القراءات، فبسبب اختلاف القراء، لا معنى للتواتر أصلاً. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضمان الصيانة الإلهية، واهتمام النبي والمسلمين بحفظه حتى في حفظ قراءة النبي، يدفع ويبطل ادعاء التحريف وادعاء ملازمته لبشرية القرآن. علاوة على ذلك، يواجه ادعاء تاريخية القرآن إشكالات كثيرة مع الأدلة الدينية الداخلية والخارجية، وفي مقابل ذلك توجد رؤية إلهية الألفاظ والمعاني، التي تؤيدها أدلة عقلية ونقلية كثيرة، وهي أساس نظرية خلود القرآن.
الهوامش
1. أبو زيد، نصر حامد، (1389ش)، دراسة في معنى النص، ترجمة: مرتضى كريمي نيا، طهران: طرح نو، الطبعة الخامسة.
2. أبو زيد، نصر حامد، في حوار مع مرتضى كريمي نيا، مجلة كيان، العدد 54.
3. الخوئي، (1384ش)، البيان في تفسير القرآن، ترجمة: جعفر حسيني، طهران: دار الثقلين.
4. السيوطي، جلال الدين، (1426ق)، الإتقان في علوم القرآن، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد.
5. الطباطبائي، محمد حسين، (1417ق)، الميزان في تفسير القرآن، قم: جامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، الطبعة الخامسة.
6. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، (1389ش)، أخلاق فاضل، قم: مركز فقهي أئمة أطهار (ع).
7. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، (1381ش)، أصول فقه الشيعة، قم: مركز فقهي أئمة أطهار (ع).
8. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، (1385ش)، إيضاح الكفاية، جمع وترتيب: محمد حسيني قمي، نوح.
9. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، (1424ق)، آية التطهير، قم: مركز فقه الأئمة الأطهار (ع)، اعتماد.
10. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، (1386ش)، مدخل التفسير، قم: مركز فقه الأئمة الأطهار (ع).
11. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، (1381ش)، مقدمات أساسية في علم التفسير، مؤسسة القرآن (ألف).
12. معرفت، محمد هادي، (1385ش)، شبهات وردود حول القرآن الكريم، قم: مؤسسة التمهيد، الطبعة الثالثة.
13. معرفت، محمد هادي، (1412ق)، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
14. معرفت، محمد هادي، (1375ش)، تاريخ القرآن، طهران: سمت.
15. معرفت، محمد هادي، (1380ش)، علوم قرآني، قم: مؤسسة فرهنگي التمهيد، الطبعة الثانية.
16. نصيري، علي، (1391ش)، مقالة بحثية حول اختلاف القراءات، في: شناخت نامه قرآن بر پايه قرآن وحديث، ج3، ترجمة: حميد رضا شيخي، بإشراف: ري شهري، قم: دار الحديث.