الملخص: يتناول هذا البحث بالمنهج الوصفي التحليلي، في نظرة عامة أولاً، مسألة تحقيق المخطوطات، ثم يعرض منهج المحقق علي أكبر الغفاري (١٣٠٣-١٣٨٣ش) في تحقيق النصوص الحديثية مع ذكر نماذج تطبيقية. إنّ التعريف بمنهج محقق ما، مع الأخذ بنظر الاعتبار المنهج العام للتحقيق، يكشف عن علمه ومهارته وأولوياته وميوله، ويمهد الطريق لبحوث أخرى في معرفة أوجه الاختلاف والتشابه بين مناهج المحققين. وتشير نتائج البحث إلى أن الغفاري لم يقبل بوجهة نظر المحققين الذين يعتبرون قدم النسخة هو المعيار الوحيد لاعتمادها في عملية التحقيق. ومن هنا، أسس منهجه في التحقيق على أساس العثور على أصح النسخ، وجعل العثور على النسخ المجازة في الأولوية. وفي هذا السياق، سعى للعثور على نسخ متعددة من النص الواحد، بل وفي بعض الأحيان، للعثور على أصح النسخ، رجع إلى مصادر أخرى خلفها صاحب النسخة. بالإضافة إلى ذلك، كان الاهتمام والرجوع إلى المصادر الأصلية مثل القرآن الكريم، والجوامع الحديثية الشيعية والسنية، والتفاسير، والشروح، وآراء المتخصصين في مجال الحديث، والرجال، والتفسير، والفقه، وسائر أهل الفن، من المعايير الأخرى التي اعتمدها الغفاري للعثور على أصح النسخ. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من قيامه بالتحقيق الاجتهادي، إلا أن ذلك لا يمكن العثور عليه في المتن الأصلي بل في الهوامش، وكان أهم سبب لذلك هو مراعاة الجوانب الأخلاقية والشرعية، وكذلك الحيلولة دون ضياع النسخ.
١. طرح الإشكالية
إن الهدف من الاهتمام بعلم وفن تحقيق النصوص المخطوطة، لا سيما في مجال المصادر الإسلامية، هو الوصول إلى أصح نسخة وأقربها إلى النص والمصدر الأصلي. وفي هذا السياق، فإن اكتشاف واستنباط طريقة عمل المحققين، بالإضافة إلى أنه يدل على اهتمامهم بالوصول إلى النصوص الأصلية، فإنه يسهم أيضاً في توفير قراءة جديدة للنصوص الحديثية والإسلامية؛ ذلك لأن الاختلافات في اعتماد مناهج تحقيق النصوص تشير إلى الاختلافات في نوع النص. فعلى سبيل المثال، إذا كان المحقق يتعامل مع نص حديثي، فلا ينبغي أن يُتوقع منه أن يتبع في تحقيق النصوص الحديثية منهجاً يصر عليه سائر محققي النصوص الأدبية أو يعتبرونه الأنسب.
وبغية وصف وتحديد توجه ومنهج محقق ما، من الضروري أولاً الإلمام بالمناهج المتفق عليها في تحقيق المخطوطات. فالفهم الناتج عن هذه المسألة يجعل الباحثين المهتمين بمجال تحقيق النصوص الحديثية يدركون حساسية عمل التحقيق، ويقدمون على عملية التحقيق مع مراعاة نوع النص الذي بين أيديهم، ويميزون بين النص الخاطئ والصحيح، أو بين الصحيح والأصح. وبناءً على ذلك، وبالنظر إلى منهج علي أكبر الغفاري في أمر التحقيق، يمكن القول بأن عدم الاهتمام بالفرق بين النصوص الحديثية وسائر النصوص، كالمخطوطات الأدبية، يؤدي إلى أن تكون كثير من المصادر فاقدة للقيمة الكافية لعملية التحقيق، أو أن يتم تحقيقها بأسلوب ومنهج لا يليق بها، وفي نهاية المطاف لا يستفيد جمهور هذه المصادر القيمة والثمينة منها بشكل صحيح.
وفي دراسة خلفية هذا المقال، يمكن بحث الدراسات المنجزة في محورين، أهمها:
أ- الكتب والمقالات التي تناولت بشكل عام دراسة وتحديد وفهرسة وتحقيق المخطوطات (مایل هروي، ١٣٧٩ش، ٣٣١ – ٥١٠؛ أفشار وصفري، ١٣٩٠ش، ١٥-٤٩؛ جهانبخش، ١٣٩٠ش، ١٣-٦٩؛ شبیري، ١٣٧٩ش، ٦١: ٣٨-٤٩).
ب- المقالات التي تم فيها بحث معايير تحقيق المخطوطات الإسلامية من وجهة نظر المحقق علي أكبر الغفاري (ایزدی مبارکه ومنتظری، ١٣٨٤ش، ١٢: ١٥١-١٧٠؛ غروي نائیني، ١٣٨٤ش، ١٢: ٣٣-٥١؛ منتظری، ١٣٨٧ش، ٤-٥٦).
إن ما يميز البحث الحالي عن سائر الدراسات المنجزة، هو تقديمه لمحة موجزة عن تعاريف ضرورات وأقسام ومناهج ومراحل تحقيق المخطوطات، بالتزامن مع بيانها من منظور علي أكبر الغفاري، حتى يتجلى بوضوح أكبر توجهه ومنهجه ومؤشرات التحقيق لديه في كيفية تحقيق النصوص الحديثية.
٢. معنى التحقيق
من جملة المقدمات اللازمة لفهم الحديث، العثور على النص الصحيح الخالي من أي عيب ونقص (نفیسي وأفسر دیر، ١٣٩٧ش، ١: ١٣٣). وفي تعريف التصحيح ورد: إذا كان الكتاب والحساب فيهما خطأ، فإنهما يُصلحان (ابن منظور، د.ت، ٢: ٥٠٨). أو إذا أُخبر بخبر، يُبادَر إلى إزالة الخطأ أو النقص فيه (نجار، ١٩٨٩م، ١: ٥٠٧). ويعتبر معين في معجمه الفارسي أن تصحيح أغلاط الكتابة يسمى تصحيحاً، ويرى أن السعي لإيصال النص إلى أصله أو ما يقاربه هو نوع من الفن (معین، ١٣٥٦ش، ١: ١٠٩٠). يسعى المحقق إلى إعادة بناء نص قديم بناءً على ما لديه من مخطوطات، وجعله قابلاً للاستخدام للباحثين. ومن هذا المنطلق، فإن اختيار النص المناسب لعملية التحقيق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود النسخة الأصلية أو عدم وجودها، وكذلك بمدى اعتبار نسخ الكتاب. وفي حال توفر هذا الوصول للمحقق، يجب عليه قدر الإمكان ألا يتجاهل تلك النسخة الأصلية. والمقصود بالنسخة الأصلية هي النسخة التي كتبت بخط المؤلف، أو أملاها هو وكتبها كاتب موثوق ومعتمد، أو هي نسخة صححها المصنف بنفسه، أو قرئت على المؤلف. وبعبارة أخرى، أن يكون تأييد صحتها الشاملة من قبل المؤلف مرفقاً بالنسخة (شبیری، ١٣٧٩ش، ٣٩).
وتجدر الإشارة إلى وجود فرق بين تحقيق النص ومراجعته اللغوية. فالمراجع اللغوي يسعى إلى مراعاة قواعد صحة الإملاء والإنشاء للكلمات، وفي بعض الحالات الاهتمام بالجوانب البلاغية؛ أما المحقق فيعتمد على أصول وقواعد علم المخطوطات وكيفية اكتشاف النسخة الأصيلة من النسخ غير الأصيلة. فهو يستعين بمعايير التصحيف والتحريف وما شابه ذلك؛ ذلك لأن قواعد الصحة اللفظية أو المعنوية تُطرح فقط كوسيلة لاكتشاف النسخة الأصلية (المصدر نفسه، ٣٨-٣٩).
إن عمل المراجع اللغوي في العصر الحاضر يختلف عن عملية التحقيق التي كان يقوم بها القدماء والتي لا يزال يتبعها المحققون المعاصرون على نفس الأساس؛ ذلك لأن عمل المراجع اللغوي هو إصلاح الأغلاط والأخطاء الكتابية الموجودة في النص، بينما يسعى المحقق إلى إعادة بناء نص بناءً على ما كان يعتبر في الماضي البعيد النسخة الأصلية للمؤلف ولم يبق منه الآن سوى القليل، وذلك بالاعتماد على سائر النسخ أو أقدمها.
١-٢. التحقيق من منظور علي أكبر الغفاري (١٣٠٣-١٣٨٣ش)
بعد دراسة وبحث آثار علي أكبر الغفاري والمقابلات التي أجرتها معه المراكز البحثية والمؤسسات التحقيقية، يمكن القول بأن التحقيق من وجهة نظره هو نوع متطور من عمل التحقيق. يقع هذا المعنى للتحقيق في مقابل معناه الأولي، ولا يقتصر على مقابلة النص بالمخطوطات وإصلاح الأغلاط الموجودة في النص؛ بل يشمل المقابلة وإصلاح النص بناءً على النسخة المجازة، وإدراج الحواشي والتعليقات، وكتابة المقدمة والخاتمة، ووضع الحركات الإعرابية، وفهرسة الأعلام، وتحديد عدد الأحاديث، وشرح المطالب الغامضة، والاستفادة من الكتب المتوافقة مع النص الحديثي. لذا، تُعد هذه الإضافات من الأمور التي يمكن أن تجعل التحقيق لديه ذا معنى أوسع مما هو متعارف عليه لدى المحققين (منتظري، ١٣٨٧ش، ٤٨).
٢-٢. ضرورة التحقيق وجوازه
قال الإمام الصادق (ع) لأحد أصحابه: “بينوا كلامنا بوضوح، فإننا قوم فصحاء” (الكليني، ١٣٧٩ش، ٥٢). وقد أجاز جماعة من المحدثين المشهورين والمتقدمين تصحيح ألفاظ الحديث (الخطيب البغدادي، ١٤٠٩ق، ٢٢٩). وفي هذا السياق، يعتقد علي أكبر الغفاري أن من أخطر آفات طباعة النصوص الدينية القديمة من قبل الناشرين الدينيين هو نشر وترويج المعارف المغلوطة؛ ذلك لأنهم بادروا إلى نشر المخطوطات دون الاهتمام بتحقيقها ودون مراعاة الطبيعة الدينية لهذه النصوص (الغفاري، ١٣٦٥ش، ٢٧: ٣-١٠). وبهذا التوجه، تابع بجدية عمل تحقيق النصوص الحديثية القديمة بهدف منع الناس من اكتساب المعارف الخاطئة والأخلاق المغلوطة والأحكام المحرفة، وبهدف نقل الأحاديث بشكل صحيح وسهل. وكما لا ينبغي نسبة قول إلى النبي الأكرم (ص) دون سماع، لا ينبغي نسبة قول يحتمل فيه الخطأ والاشتباه إلى المعصوم (ع). وبعبارة أخرى، لا يمكن نقل نص الكتب الحديثية التي لم تُقابل مع نسخة محققة من قبل أستاذ (النسخة المجازة) بمجرد نشرها من قبل شخص أو مؤسسة ودون ضمان صحة الكتاب أو دون أهلية الناشر، فكيف يمكن أن تكون مستنداً لحكم إلزامي (وجوب أو تحريم) أو أي حكم آخر؛ ذلك لأن في الكتب المطبوعة والمخطوطات غير المقابلة مئات الأخطاء التي تتضح بعد المقابلة. وبناءً على هذا العلم الإجمالي، لا يمكن نسبة حكم إلى المعصوم استناداً إلى وجود كتابة قديمة أو مخطوطة بين أيدينا (مدیر شانه چی، ١٣٦٢ش، ١٥١).
يوصي علي أكبر الغفاري في مقدمته لتحقيق كتاب “الكافي” المحققين بألا يمتنعوا أبداً عن السؤال عن حديث يحتملون فيه الخطأ والاشتباه، وأن يتجنبوا الوقوع في ورطة إصلاح الحديث بناءً على الذوق والرأي الشخصي. ويؤكد في تتمة كلامه، بذكر قول للإمام الصادق (ع) يعتبر فيه عدم السؤال سبباً لهلاك الناس، على ضرورة استخدام المنهج الصحيح والمعرفة به (الكليني، ١٤٠٥ق، ١: ٤٠).
وفي هذا الرأي، فإن المسار المشهور والمقبول هو أنه حتى الأخطاء والمغلوطات المسموعة والمتلقاة من جهة الراوي والسند بالنسبة للمتن يجب أن تُنقل بشكلها الأصلي؛ ذلك لأن هذه المسألة مفروغ منها بين محدثي المذهب الشيعي، وهي أن النبي الأكرم (ص) والأئمة (ع) لم ينقلوا أبداً حديثاً بشكل خاطئ أو مغلوط. فإذا لوحظ خطأ، فهو بلا شك من بعض الرواة، ويمكن البحث في أسبابه في موضعه، والقول مثلاً بأن تبديل الألفاظ كان بسبب النقل بالمعنى. وعلى أي حال، ما يجب مراعاته في عمل التحقيق هو أن المحدثين يجب عليهم أولاً تسجيل عين الألفاظ التي استخدمها الراوي وإن بدت خاطئة، وأن يوضح المحققون عند عملية التحقيق سبب اختيار ألفاظ أخرى، سواء في المتن أو في السند (دلبری، ١٣٩١ش، ٤٢٢-٤٢٣).
٣-٢. مناهج تحقيق المخطوطات
من أهم وأكثر مناهج تحقيق المخطوطات استخداماً ما يلي: أ- القياسي؛ ب- النقدي (الاجتهادي)؛ ج- على أساس النسخة الأم؛ د- الذوقي؛ هـ- التلفيقي. ويحظى التحقيق النقدي بمكانة خاصة مقارنة بسائر مناهج التحقيق، ويوصف بأنه أكثر المناهج علمية. كما أن التحقيق القياسي يوصف بأنه أخطر المناهج؛ ذلك لأن من أسباب الاختلاف والتعارض في الروايات هو الأخذ بالقياس في عملية التحقيق (أصغري هاشمي، ١٣٨٨ش، ٢٣-٥٧).
في التحقيق النقدي (الاجتهادي)، تُسمى أقدم نسخة لدى غالب المحققين بالنسخة الأم. لذا، يتم التحقيق بوضع نسخة مقابل نسخة أخرى (المقابلة) بحيث يتم اختيار أقرب شكل للكلمات إلى كلام المؤلف وأصحها. وبالطبع، يشترط لاستخدام مثل هذا المنهج (النقدي) أن تتوفر مخطوطات موثوقة من النص. بينما في التحقيق القياسي، يتم العمل بعكس هذا المنهج تماماً. وبعبارة أخرى، في التحقيق القياسي، يواجه المحقق نصاً من مخطوطة واحدة، لذا يجب أن يعرض نفسه لمخاطر وآفات المنهج القياسي (المصدر نفسه، ٢٣-٥٧).
إذا قيل في التحقيق القياسي إن النص يُصحح بالاستعانة بمعرفة المحقق اللغوية، فهذا يعني أن النص يُقارن باللغة (المصدر نفسه، ٢٣-٥٧). وبعبارة أخرى، إذا اعتبر المحقق كلمة ما صحيحة لأن معيار المقارنة هو لغته الخاصة، فإنه يشخصها بأنها صحيحة، في حين أن مثل هذا المعيار لا يمكن أن يكون أساساً شاملاً وقطعياً. وفي هذا السياق، فإن التعريف الذي قُدم للتحقيق القياسي هو: تصحيح وتقويم متن أو سند النسخة الوحيدة المتبقية من أثر ما، بالاستعانة باللغة والسياق ومسائل من هذا القبيل، بحيث يمكن الوصول إلى الاطمئنان والتأييد لصحة النسخة (مایل هروي، ١٣٧٩ش، ٤٣٠).
على سبيل المثال، عندما تكون كلمة أو عبارة في الرواية غير قابلة للقراءة، أو عندما يترك الراوي الأول جزءاً كفراغ، فقد يقوم الراوي الثاني بملء هذا الفراغ بالمقارنة، ثم يقوم المحدثون لاحقاً بتحقيق مثل هذه الروايات من خلال دراسة ومقارنة سائر الروايات، مع الأخذ بنظر الاعتبار تشخيصهم الخاص في اختيار المعيار اللغوي. وكما هو الحال، فقد حظيت كتب ابن أبي عمير بالاهتمام غالباً على أساس التحقيق القياسي (دلبری، ١٣٩١ش، ٤١٨).
نموذج آخر على الاقتراب من المجال المحفوف بالمخاطر للتحقيق القياسي هو كلام المجلسي في بحار الأنوار. فعلى الرغم من أنه يعتبر كتاب قرب الإسناد من الأصول المعتبرة والمشهورة، ويقر بأنه حاول بنفسه العثور على نسخة قديمة منه، وأنه تمكن في هذا السياق من الحصول على نسخة من قرب الإسناد بخط محمد بن إدريس، إلا أنه ينقل عن ابن إدريس نفسه قوله عن قرب الإسناد هذا بأن الأصل الذي قام بالاستنساخ منه كان ذا لحن صريح وكلام مضطرب (المجلسي، ١٤٠٣ق، ١: ٢٦-٢٧؛ ٤٣: ١٥٧). وهذا الأمر يدل على أن المجلسي كان يسعى لتحقيق الروايات التي لا تتوافق مع مباني المذهب، ولكنه لم يمتنع عن إبداء الرأي حول بعض الأحاديث بأنها محرفة أو تحتوي على أخطاء، حتى من جانب المؤلف الأصلي. وبناءً على ذلك، على الرغم من أن هذا الرأي لا يمكن أن يكون دليلاً قاطعاً على ممارسة التحقيق القياسي في جميع كتب العلامة المجلسي، إلا أنه يظهر ميله إلى هذا النوع من التحقيق. لذا، يمكن القول بأنه نظراً لشعور المجلسي بضرورة وجود نسخ أصح للتحقيق، فقد مال إلى التحقيق القياسي. وبعبارة أخرى، بما أنه كان بصدد جمع الأخبار بشكل عام، ولكي يتمكن من إجراء تحقيق، كان يبحث أيضاً عن مصادر أخرى، ولكن لأنه لم يجدها في مصادره وبحوثه، فقد امتنع عن اتباع المناهج الأصولية في تحقيق النسخ، واكتفى بإبداء الرأي في بعض الحالات فقط.
٤-٢. أنواع التحقيق في نظر علي أكبر الغفاري
أ- التحقيق على أساس النسخة المجازة
في عملية تحقيق النصوص الحديثية، لا ينبغي اختيار أي نسخة، بل يجب أن تكون النسخ المجازة هي الأساس والمعيار للتحقيق. النسخة المجازة هي النسخة أو النسخ التي قرئت على شيخ الحديث وأجازها. وفي غير هذه الحالة، يُطلق عليها اصطلاحاً النسخة غير المجازة أو النسخة المزورة (غفاری، ١٣٧٩ش، ١١٨؛ المصدر نفسه، ١٣٨١ش، ١٢٠). في هذا التوجه، يكون معيار اختيار النسخة التي تُتخذ أساساً لعمل التحقيق هو مقابلتها من قبل علماء معروفين ووجود توقيع في نهاية النسخة. وبالطبع، إذا وجدت أقوال أخرى، فلا يتم تجاهلها بشكل كامل؛ بل تُدرج في الهامش، إلا إذا كانت هناك أغلاط واضحة في النسخة المطبوعة ولم ينتبه الناشر لهذه المسألة، ففي هذه الحالة تُحذف تلك العبارة بالكامل (غفاری، ١٣٧٩ش، ١١٨). لم يكتف علي أكبر الغفاري بهذا الأسلوب للاستفادة القصوى من النسخ، ويذكر أنه إذا كان للنص المطبوع والمخطوطة معنى مستقل لكل منهما ولكنهما مختلفان في هذه المراحل، فإن الأولوية في الإدراج في المتن تكون للمخطوطة، وتُنقل النسخة المطبوعة إلى الهامش (المصدر نفسه، ١١٨)؛ لذا، بناءً على اهتمامه بالعثور على النسخة المجازة التي تحمل إجازة وتوقيعاً من أجل المقابلة في إنجاز عملية التحقيق، يمكن القول بأن منهج التحقيق على أساس النسخة المجازة كان له الأولوية.
ب- التحقيق الاجتهادي
يعتقد علي أكبر الغفاري أنه يجب على المحقق، بسبب ضرورة الوفاء للنص، ألا يتدخل في متن الأثر. أما إذا كان ينوي، بالمنهج الاجتهادي الذي يشترط فيه إتقان المحقق لعلم الحديث ومعرفته به، بيان نقد أو رأي، فيجب أن يورده في الهامش (غفاری، ١٣٧٩ش، ١١٨-١١٩). وهذه التوصية تعود إلى أنه نظراً لتنوع آراء المحقق في التحقيق النقدي الاجتهادي، والتي تشمل مثلاً إدراج الحواشي، والتعليقات الضرورية، وشرح المطالب الصعبة، وإيراد مراجع ومصادر النص، ونقد النص، ونقل الشواهد لتقوية النص، وما إلى ذلك، فلا ينبغي إدراج التحقيق داخل المتن الأصلي بطريقة قد تثير شبهة الاختلاط أو فقدان مطالب المؤلف الأصلي للنسخة.
يبدو أن اختيار منهجي التحقيق لدى علي أكبر الغفاري، أي أحدهما على أساس النسخة المجازة والآخر على أساس الاجتهاد، يعتمد على نوع النص. ذلك لأن النصوص الحديثية، من وجهة نظره، لا يمكن تحقيقها بأي منهج بسبب مكانتها وتأثيرها في عقيدة الناس وسلوكهم. وهذه المسألة تدل على أن مجرد تعلم مناهج التحقيق لا يمكن أن يكون سبباً مناسباً للدخول في مجال عملية التحقيق في النصوص الحديثية، وأن يقرر المحقق مثلاً في بداية الأمر أن يدخل في تحقيق النصوص بالمنهج المقارن أو الذوقي أو سائر أنواع المناهج التي تعلمها؛ بل يجب عليه أولاً أن ينتبه إلى نوع النص ومدى أهميته وتأثيره في فكر وسلوك جمهوره، ثم يختار أفضل وأنسب نوع من التحقيق مع مراعاة الجوانب الأخلاقية والشرعية. لذا، فإنه يشترط للمحققين نوعاً من الصدق والإخلاص، بالإضافة إلى الإتقان والمهارة، لإنجاز العمل بشكل صحيح (غفاری، ١٣٦٩ش، ٦٢).
٥-٢. مراحل تحقيق المخطوطات
لتحقيق المخطوطات بالطريقة الصحيحة والأصولية، أُجريت بحوث متعددة وقيمة. وفيما يلي، تُذكر أهم مراحلها بإيجاز بناءً على أثرين بارزين، وذلك في الجدول رقم واحد (أصغري هاشمي، ١٣٨٨ش، ٢٣-٥٧؛ شبیري، ١٣٧٩ش، ٣٨-٤٩).
مراحل التحقيق التسلسل
عدم الاكتفاء بالعثور على بضع نسخ في حال تحديد النسخ والمخطوطات. ١
تحقيق النسخة المناسبة وحصر جميع النسخ المحددة. ٢
الحصول على النسخة الأصلية القريبة من خط المؤلف أو النسخة التي جمعها التلاميذ عن المؤلف. ٣
الفضول في البحث عن نسخ أكثر أصالة لإضفاء مزيد من الاعتبار. ٤
اختيار أفضل نسخة ممكنة للتحقيق، سواء كانت نسخة واحدة أو عشرات النسخ. ٥
العثور على الاختلافات بين النسخ لفهم وإظهار تأثر المؤلف بالمفكرين الآخرين. ٦
إيجاد مصادر الاختلاف بين كتاب المؤلف المرجعي. ٧
الرجوع إلى كتب الحديث المتقدمة والمتأخرة، شيعية وسنية. ٨
الرجوع إلى كتب اللغة وما يتعلق بموضوع النص الحديثي، مثل: المعاجم اللغوية، والتاريخية، والجغرافية، وكتب الأنساب. ٩
كشف التصحيفات الروائية التي وقعت بناءً على دراسة النسخ. ١٠
الإلمام والمعرفة الكافية بفهم مسار تكوّن الخطأ والاشتباه في النسخ وأسباب تكوّن أنواع التحريف. ١١
معرفة وفهم أساليب التعبير والقواعد مثل الاختصار في الكتابة، والأنساب، والإلمام باللهجات المحلية، والإعجام، والتعريب، ومسائل من هذا القبيل. ١٢
٦-٢. علي أكبر الغفاري وخطوات منهج تحقيق النصوص المخطوطة
يمكن استنباط منهج علي أكبر الغفاري في تحقيق النصوص الحديثية من خلال آثاره وتعليقاته على الأحاديث والمحاورات المكتوبة بينه وبين أصدقائه وتلاميذه. فهو، مع تأكيده على أهمية كل حرف في الحديث وضرورة الدقة حتى في تبديل مواقع الحروف، ومع إيراده مثالاً شاهداً في هذا المجال، يعتقد بضرورة الانتباه حتى لموضع “واو” واحدة وتقديمها وتأخيرها. على سبيل المثال، واجه أثناء تحقيقه لنسخة متلفة من كتاب الخصال للشيخ الصدوق حديثاً يفيد بأن هناك ثلاث فئات إذا لم تظلمهم ظلموك: الزوجة، والخادمة، والأشخاص الذين في خدمتك. ويشير علي أكبر الغفاري في تتمة كلامه إلى أنه عندما كان مشغولاً بتحقيق كتاب تحف العقول، لاحظ أن هذه الرواية تحتوي على “واو” زائدة يتغير بها المعنى بأكمله، أي يصبح معنى العبارة: على الرغم من أنك لا تظلم زوجتك وخادمتك والأشخاص الذين في خدمتك، إلا أنه من الممكن أن يظلموك هم ويتجاوزوا عليك. وبالتالي، تكون النتيجة نوعاً من المداراة التي تتخذ طابعاً توصوياً وأخلاقياً. وبناءً على ذلك، يتضح خطأ الراوي في عدم قدرته على إيصال اللفظ (الغفاري، ١٣٦٥ش، ٢٧: ٧).
يرى علي أكبر الغفاري أنه في حال وجود نسخة أصلية ونسخة منسوبة، يجب اختيار النسخة الأصلية للتحقيق، والاستفادة من سائر النسخ في بعض الحالات. وبناءً على ذلك، لا وجه لذكر الفروق بين النسخ في الهامش، وإذا اتضح في بعض الحالات بالقرائن أن العبارة غير الأصلية أصح، فيجب إيرادها هي في المتن (استادي، ١٣٨٣ش، ١٨٢).
على سبيل المثال، في تحقيق كتاب “من لا يحضره الفقيه”، اعتمد على أربع عشرة نسخة معتبرة ظهرت فيها علامات الصحة، وفي هذا السياق، رجع واستند إلى عدة حواشٍ وشروح من شروح “من لا يحضره الفقيه” (الصدوق، ١٣٦٣ش، ٥-٧). ويعتبر الغفاري أن اختياره لهذا المنهج مستقى من منهج أساتذته مثل الميرزا أبو الحسن الشعراني، والمحدث الأرموي، والعلامة عبد الحسين الأميني (الغفاري، ١٣٧٩ش، ٤٢: ١١٩). وبالطبع، لهذا النوع من التحقيق مراحل مختلفة، نشير إلى أهمها فيما يلي:
١-٦-٢. توفير نسخ متعددة من نص واحد
يعتقد الغفاري أن الخطوة الأولى للتحقيق هي توفير نسخ متعددة (غفاری، ١٣٦٩ش، ٦٢). ولهذا الغرض، من الضروري مراجعة مختلف الخبراء والمكتبات المختلفة، والحصول على أكبر عدد ممكن من النسخ. وفي هذا السياق، يجب أن يتمتع الشخص الذي يقوم بالتحقيق والبحث بمهارة كافية تمكنه من تشخيص أصح نسخة من بين النسخ المتعددة التي يشاهدها.
٢-٦-٢. البحث عن أصح نسخة (النسخة المجازة)
يرى علي أكبر الغفاري أن منهج بعض الباحثين والمحققين الذين اختاروا النموذج الأوروبي للتحقيق لإعادة بناء وإحياء النسخ الثقافية، هو استخدام أقدم نسخة. وعادة ما تكون أقدم نسخة مناسبة قريبة من عصر كتابة النسخة. وبالطبع، بما أنه يجب أن تكون مثل هذه النسخ في متناول المحققين، فإن قدم النسخ أمر نسبي. وكان منهجه في البداية على هذا النحو، ولكنه بعد فترة قصيرة أدرك أن هذا المنهج ليس كاملاً وشاملاً. بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام منهج المحققين والباحثين الأوروبيين للنسخ والنصوص الروائية الإسلامية ليس مناسباً؛ ذلك لأنه في بعض الحالات، تُلاحظ روايات من النصوص المعنية في كتب العلماء والباحثين من حيث الصحة والدقة، لا توجد حتى في أقدم نسخة متاحة للمحقق (غفاری، ١٣٦٥ش، ٢٧: ٨؛ المصدر نفسه، ١٣٦٩ش، ٣: ٦٠). وهنا يصل علي أكبر الغفاري إلى استنتاج مفاده أن أصح نسخة هي النسخة المجازة، أو النسخة التي عُرضت على شيخ الحديث ووقع عليها.
لتوضيح أهمية الدقة ومنهج العمل لدى علي أكبر الغفاري في اعتبار النسخة المجازة أكثر الطرق موثوقية في عملية تحقيق النصوص الحديثية، نورد جزءاً من المقدمة المحققة لكتاب “منتقى الجمان” للشهيد الثاني، تحت عنوان “وصف النسخ التي قوبل الكتاب بها” كنموذج:
أ: “نُسْخَةٌ نَفِيسَةٌ حَسَنَةُ الخَطِّ المتوسطةُ فِي الصَّحَّةِ مَقروءةٌ مُقابلةٌ مِن أَوَّلِ الكتاب إلى آخرِ الصَّلاةِ لم يُؤَرِخها كاتبها ولم يذكر تاريخها لكن فيها كثيرٌ مِن تَعاليق المُؤلِّف ممضاة بـ (منه مَدَّ ظِلَّهُ) فالظاهر منها أن كتابتها كانت في حياة المؤلّف، تَقعُ في ٣٩٢ صفحة بطول ٢٥ سم في عرض ١٧ سم، طول كتابتها ١٠/٥ في عرض ١٩ كل صفحه ٢٣ سطراً و هي لخزانَةِ كُتُبِ المرحوم الأستاد مير جلال الدين الإرموى المُشتَهر بالمُحدِّثِ”.
ب: “نسخةً ثمينةٌ جَيِّدةُ الخَطَّ لكن ليس لها أثر المقابلة و إن استدرك الكاتب في هامشه بعضُ ما سَقَطَ مِن قَلَمِه وَ هي ناقصةً من أوائلها وريقات و في آخرها من أول كتاب الحج إلى أواخر كتاب الذبح وَ النَّحْرِ تَناهز ۳۵۰ صفحةً، كاتبها – كما سَطَرَ فِي آخرها – عبد الله بن ربيع الحويزاوى، تاريخها سلخ شهر شعبان المعظم من سنة إحدى و ثلاثين بعد الألف من الهجرة النبويَّةِ. تَقَعُ فى ۸۰۰ صحيفة طولها ۲۵ سم في عرض ١٩ سم كتابتها ۱۸×۱۱ سم كُلُّ صَفحَة ۱۸ سطراً ، و هذه النسخة أيضاً لخزانة المرحوم الأستاد المُحَدِّثِ، تَفَضَّل بهما خلفة الصالح الفاضل، حليف الصدق، الأخ الأعز السيد على المحدث – أدام الله تأييده”.
ج: “نُسْخَةٌ نَفِيسَةٌ صَحِيحَةٌ ثمينة مقروءةً مُقابله مُحَشَّاة بحواش غالبها من المؤلّف لـ کتابخانه مرکزی دانشگاه تهران و هی من الكتب التي إهداها الاستاد المرحوم السيد محمد المشكاة. رَقَمُها ۶۹۷ تَقَعُ ۵۰۲ صفحةً طولها ۲۶ ســم فــي عـرض ۱۹ ســم، طول كتابتها ۱۶ سم في عرض ۱۱ كل صفحة ٢١ سطراً من أول الكتاب الى تمام الصلاة تاريخها ۱۰۳۳ ، كاتبها صقرُ بنُ فَضل السهلاني الجوازري. وحصلت لي هذه النسخة بعد خُروج كراريس من الطبع حدود خمسين صحيفة”.
د: “نسخة متوسطة في الصحةِ جَيّدة من حيث الكتابة لـ « کتابخانه ملی ملک بتهران» تحت رقم ۲۷۷۲ ، تَقَعُ في ۵۲۹ ورقةً طول الصفحة ۲۷ سم، طول الكتابة ٢٠ في عرض ۱۱ سم ناقصةٌ مِن أوّلِ وَرَقَةٍ و في آخرها من أواخر باب رمي الجمار الثلاث الى آخر كتاب الحج فلذا لا يمكن الاطلاع على كاتبها ولا تاريخها. وعندنا من النسختين الأخيرتين صورتهما الفتوغرافية لا أصلهما (ابن شهید ثانی، ١٣٦٢ش، ١٧-٢٣).
١-٢-٦-٢. حل عملي للتحقيق في حال عدم وجود نسخة مجازة
إذا لم يُعثر على نسخة مجازة، يجب البحث عن نسخ متعددة من مراكز مختلفة في الداخل والخارج، إلى درجة يطمئن فيها المحقق والباحث إلى أن ما وجده والمتوفر لديه لم يُستنسخ من نسخة واحدة. بعد الرجوع إلى نسخ متعددة، من الضروري اتخاذ إحداها نصاً أصلياً ومقابلة سائر النسخ بها. على سبيل المثال، استخدم هذا الأسلوب والمنهج في تحقيق كتاب “الاختصاص” المنسوب للشيخ المفيد عندما لم تكن النسخة المجازة متاحة له، وطمأن القراء بأنهم يمكنهم أن يتيقنوا بأن “الاختصاص” يتمتع بالأصالة على الرغم من عدم وجود نسخة مجازة. ذلك لأنه باتباع هذا المنهج يتضح أنه لم تكن هناك نسخة وحيدة موجودة، وأن نسخة منها كانت لدى الشيخ الحر العاملي ونسخة أخرى لدى المجلسي (غفاری، ١٣٨١ش، ١٢٧؛ ١١٤-١٢٠).
٣-٦-٢. الاستفادة من كتب الرواية الأخرى (شيعية وسنية)
يرى علي أكبر الغفاري أنه لا ينبغي الظن بأنه باختيار النسخة الأصح، لا تعود هناك حاجة لدراسة سائر الكتب التي يُحتمل أن تحتوي على روايات من النسخة قيد الدراسة؛ ذلك لأنه قد توجد في نسختنا مشكلة غير قابلة للحل، مثلاً بسبب سقط أو سوء كتابة، يمكن حلها بالرجوع إلى سائر الكتب. وفي هذا السياق، فإن دراسة ومراجعة كتب الرواية السنية ليست خالية من الفائدة. فعندما ينقل الناقلون السنة رواية عن الأئمة (ع)، فإن ذلك يشير ويحكي أن المعصوم (ع) قد نقلها عن النبي الأكرم (ص). فالمعصوم (ع) في كل الأحوال يُعتبر راوياً. ولهذا السبب، عندما ينقل شخص مثل السكوني رواية كقول للإمام الصادق (ع)، يمكن العثور عليها في كتب الحديث السنية عن شخص السكوني أو وسائط أخرى عن النبي الأكرم (ص)، وفي النهاية يمكن مقارنة تلك الروايات واختيار أصحها (غفاری، ١٣٦٩ش، ٦٠-٦١).
وفي هذا السياق، وبهدف تأييد وتوثيق أحاديث “من لا يحضره الفقيه”، بادر إلى إيراد نماذج من كتب أخرى للصدوق، مع الرجوع إلى كتب أهل السنة للعثور على نماذج أخرى.
٤-٦-٢. الاستفادة من المصادر والمراجع الأولى والمتقدمة
من الضروري في التحقيق، بالإضافة إلى الاطلاع على نسخ أخرى من ذلك النص، الرجوع إلى مصادره ومراجعه. مثلاً، في الحالات التي يُستشهد فيها بآيات من القرآن الكريم، يجب على المحقق أن يرجع إلى تلك الآيات ويتأمل فيها وفيما قبلها وما بعدها؛ ذلك لأنه قد يحدث خلط بين النقل القولي أو بيان الحكم، بما يتعارض مع هدف المتكلم. مثلاً، إذا وُجدت عبارة “وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا” (القصص: ٧٧) في نسخة ما، فقد يُلقى المعنى بأن الله أمر النبي الأكرم (ص) ألا ينسى الاستفادة من الدنيا. ولكن بالرجوع إلى المصدر الأصلي والتأمل في السياق، يُلاحظ أولاً أن هذا نقل قول من قوم موسى (ع) لقارون، وثانياً أنه ليس بياناً لحكم (القصص: ٧٦-٧٧؛ مردی، ١٣٩٤ش).
كان الغفاري شديد الحساسية في نقل الأقوال، لا سيما نقل آيات القرآن الكريم، وكان يؤكد على ضرورة الرجوع إلى نص المصحف الشريف وعدم الاكتفاء بالذاكرة أبداً. وكثيراً ما شوهد الاستشهاد بآيات من القرآن بشكل ناقص لم يكن كذلك أساساً، وظل يُستشهد به لسنوات عديدة (غفاری، ١٣٦٩ش، ٦٣). وبناءً على هذا التوجه، عندما يُشار إلى تفسير التبيان في تحقيقاته، فهذا يعني أنه تم الرجوع إلى تفسير الطبري الذي يُعتبر أساسه، ولتحقيق تفسير الطبري، تم الاهتمام بديوان جميع الشعراء الذين نقل عنهم الطبري (غفاری، ١٣٦٩ش، ٦٠-٦١). لذا، لم يقتصر عمل المقابلة هنا على الرجوع إلى سائر نسخ تفسير الطبري.
٥-٦-٢. الاستفادة من آراء العلماء والمتخصصين
يرى علي أكبر الغفاري أن روح التواضع لتلقي المعرفة التي ليست من تخصص المحقق والباحث ولكنها ضرورية لإجراء عملية التحقيق، أمر لازم. ومراعاة هذه المسألة تجعل التحقيق قوياً وموثوقاً به (غفاری، ١٣٦٩ش، ٦٠-٦١). وبناءً على ذلك، عندما واجه مطالب علمية صعبة جداً في شرح أصول الكافي، طلب من الطباطبائي أن يكتب توضيحات عليها، فقدم الأخير توضيحاته مع توقيعه (غفاری، ١٣٦٥ش، ٢٧: ٨-٩).
٧-٦-٢. الاستفادة من كتب متنوعة متوافقة مع النص
من الطرق الأخرى التي اتبعها علي أكبر الغفاري لتعزيز عملية التحقيق أو لتبيين وشرح النص بشكل أكبر، الرجوع إلى الكتب التي يمكن أن تكون مفيدة في أمر التحقيق. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
١- الشروح: الاستفادة من شروح ابن أبي الحديد وابن ميثم البحراني لتحقيق نهج البلاغة أو من لا يحضره الفقيه.
٢- كتب اللغة وغريب الحديث: مثل لسان العرب لابن منظور، وقاموس اللغة للفيروزآبادي، والنهاية لابن الأثير، والمصباح المنير للفيومي، والفائق للزمخشري، والصحاح للجوهري، لتبيين وإزالة إبهام المفردات الصعبة.
٣- كتب الحديث: مثل الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والاستبصار، وتهذيب الأحكام، والمحاسن، وبحار الأنوار، والغدير، وعيون أخبار الرضا (ع)، ومعاني الأخبار، والتوحيد، وثواب الأعمال، والخصال، والأمالي للشيخ الطوسي وكذلك للشيخ المفيد.
٤- كتب الرجال: رجال النجاشي، والكشي، والفهرست للطوسي، وخلاصة الرجال، ومعجم الرجال، وتقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني، من جملة الكتب التي رُجع إليها لتعزيز أمر التحقيق.
٥- كتب التاريخ: تاريخ الخطيب، وتاريخ اليعقوبي، والكامل في التاريخ لابن الأثير، وإعلام الورى للطبرسي، وتاريخ العلماء بأخبار الحكماء للقفطي، نماذج من كتب التاريخ والسيرة التي استخدمها.
٦- كتب التفسير: مثل تفسير علي بن إبراهيم القمي، والكشاف للزمخشري، وأبو الفتوح الرازي، ومنهج الصادقين لملا فتح الله الكاشاني.
٧- كتب الفقه والأصول: الذكرى وكذلك الدروس لمحمد بن مكي العاملي (الشهيد الأول)، ومسالك الأفهام لزين الدين أحمد بن علي العاملي (الشهيد الثاني)، وتذكرة الفقهاء للحسن بن يوسف بن المطهر (العلامة الحلي)، والمختصر النافع للشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى الحلي (المحقق الحلي)، ومدارك الأحكام للسيد محمد الموسوي العاملي، نماذج من الكتب المتوافقة مع النص الحديثي التي استُخدمت لتحقيق وبحث أقوى.
٨-٦-٢. تحديد الزيادة أو النقصان في الحديث
من الجهود التي بذلها المرحوم الغفاري في تحقيق النصوص الحديثية، اللجوء إلى مقارنة الأحاديث بهدف تحديد الإضافات أو النواقص الحديثية. على سبيل المثال، في باب تأخير الزيارة، ينقل مرة عن الصدوق عن الإمام الصادق (ع) قوله: “لَا بَأْسَ بِأَنْ تُؤَخِّرَ زِيَارَةَ الْبَيْتِ إِلَى يَوْمِ النَّفْرِ”؛ أي لا مانع أن يؤخر الحاج زيارة بيت الله إلى يوم النفر (يوم العودة من منى إلى مكة) (الصدوق، ١٣٦٣ش، ٢: ٣٨٨). ومرة أخرى ينقل عن الشيخ الطوسي في التهذيب قوله: “إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ ذَلِكَ مَخَافَةَ الْإِحْدَاثِ وَالْمَعَارِيضِ”؛ أي (فقط) يُستحب التعجيل خشية الحوادث والعوارض (الطوسي، ١٣٦٥ش، ٥: ٢٥٠)، ليتضح أن هذا القول عن المعصوم (ع) فيه زيادة في تهذيب الأحكام مقارنة بمن لا يحضره الفقيه.
٩-٦-٢. كتابة المقدمة
من الأعمال المهمة الأخرى التي يمكن للمحقق أن يضيف بها إلى ثراء واعتبار تحقيقه، كتابة مقدمة وافية وموثوقة، مع ما يلزم من تجديدات، وتنظيم وتدوين مؤثر لفهم أفضل للنسخة المستخدمة. وقد بذل علي أكبر الغفاري في هذا السياق جهداً ملحوظاً.
١٠-٦-٢. كتابة التعليقات
تُعد كتابة التعليقات نتيجة لبحوث المحقق في مجال موضوع ومحتوى النص، حيث يسعى، مع التزامه بأصول البحث العلمي وعدم التدخل في متن الأثر، إلى إظهار فكره وفنه وذوقه، بل وفي بعض الحالات، إلى شرح مشكلات وإبهامات الأثر (منتظری، ١٣٨٧ش، ٥٢). وتتسم الموضوعات المطروحة في التعليقات بتنوع كبير، ومن بينها الشرح والتوضيح اللغوي والاصطلاحي، والدراسات الرجالية، والروائية، والتاريخية، والأدبية، والعقلية، والكلامية. لذا، يمكن اعتبار كتابة التعليقات، في نظرة عامة، متماشية ومتوافقة مع التحقيق، وربما يمكن اعتبارها من الأعمال المكملة للتحقيق.
يعتقد علي أكبر الغفاري أنه حتى لو كان النص الأصلي يحتوي على أخطاء ومغلوطات، فلا ينبغي تغييره. يجب على المحقق أن يورد في الهامش ما يشخصه بأنه صحيح. إلى درجة يمكن معها أن يكون مسؤولاً معنوياً تجاه المؤلف الراحل. أي، إذا ظهر المؤلف الراحل فجأة أمام عيني المحقق واستجوبه قائلاً: بأي حق تصرفتم في كتابي؟ أن يتمكن المحقق من القول براحة بال: لم أتصرف في كتابكم، بل أشرت فقط في الهامش إلى ما بدا أنه أصح. وفي هذا السياق، أرفق تأييد العلامة الشعراني والطباطبائي لمنهجه في العمل، ويذكر أنه تعلم هذا المنهج من العلامة الأميني. وبالطبع، فإن أهم سبب لديه، غير مراعاة الجوانب الشرعية والأخلاقية، هو حفظ النسخ والكتب، حتى لا يؤدي إعمال ذوق ورأي المحقق إلى أن يقوم آخرون أيضاً بإعمال أذواقهم مجدداً فيبتعدوا عن أصل النسخة، وبالتالي يساهمون دون قصد في إتلافها (غفاری، ١٣٧٩ش، ١٥: ١١٨-١١٩).
الخاتمة
١- بالنظر إلى مقارنة معنى التحقيق لدى معظم المحققين مع معناه المتوسع لدى علي أكبر الغفاري، يمكن القول بأنه لا يحصر التحقيق في مقابلة النص بالمخطوطات وإصلاح الأغلاط الموجودة في النص؛ بل يشمل مقابلة وإصلاح النص بناءً على النسخة المجازة أو النسخة الأم، مما يتطلب جهداً من المحقق لتبيينه بشكل أفضل بالاستعانة بمختلف المعارف والمهارات اللغوية، والتفسيرية، والحديثية، والرجالية، ومسائل من هذا القبيل. ويبدو أن سبب ذلك هو اهتمامه بحفظ التراث الشيعي وضرورة استفادة الجمهور والباحثين منه قدر الإمكان.
٢- كان لعلي أكبر الغفاري أسلوبه الخاص في التحقيق، وكان أساس عمله هو العثور على أصح النسخ وليس أقدمها. ويبدو أن هذا الاختيار يعود إلى الحيلولة دون ضياع النسخ ذات المضامين العالية، وهو ما يُعد نوعاً من الاجتهاد في اختيار النسخة الأم.
٣- بما أن المحقق قد أولى أهمية للتمييز بين النص الأصلي ورأيه الخاص في التحقيق، فقد عمد، بهدف مراعاة الأمانة والجوانب الشرعية والأخلاقية، وترك الحرية للمخاطب في الفهم والاستدلال، والحيلولة دون إتلاف النسخ بسبب إعمال رأي المحقق، إلى بيان وجهة نظره ورأيه في هوامش النصوص المحققة، وترك المتن الأصلي على حاله.
٤- لقد ألزم علي أكبر الغفاري نفسه، كمحقق، بالإضافة إلى العثور على أصح النسخ للباحثين وجمهور النصوص الدينية، بتبيين النص الحديثي. وفي هذا السياق، بذل جهداً كبيراً في حفظ التراث الشيعي من خلال شرح المفردات الصعبة، وتحديد الزيادة أو النقصان في الحديث، والاستفادة من المصادر والمراجع المعتبرة والمتنوعة (شيعية وسنية)، والاستعانة بمعرفة المتخصصين في علم الرجال، والحديث، والتفسير، والتاريخ، والسيرة، وسائر العلوم المتعلقة بفهم سند ومتن الحديث، وذلك في إطار كتابة المقدمات، والحواشي، والشروح، والتعليقات، والهوامش.
المصادر
القرآن الكريم.
ابن شعبة، حسن بن علي. (١٣٨٩ش). ترجمة تحف العقول عن آل الرسول (ص) (ترجمة علي أكبر ميرزائي). قم: صالحان.
ابن شهيد الثاني، حسن بن زين الدين. (١٣٦٢ش). منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان (تحقيق وتعليق علي أكبر غفاري). قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
ابن منظور، محمد بن مكرم. (د.ت). لسان العرب. بيروت: دار الفكر.
استادي، رضا. (١٣٨٣ش). روش استاد علی اکبر غفاری (ره) در تصحیح متون. علوم حدیث، ٣٤، ١٨٢-١٨٩.
أصغري هاشمي، محمد جواد. (١٣٨٨ش). شیوه نامه تصحیح متون خطی. قم: دلیل ما.
أفشار، إيرج، وصفري آق قلعه، علي. (١٣٩٠ش). نسخه شناخت (پژوهشنامه نسخه شناسی نسخ خطی فارسی). تهران: میراث مکتوب.
ایزدی مبارکه، کامران، ومنتظری، مجتبی. (١٣٨٤ش). ملاکهای نقد حدیث از منظر استاد علی اکبر غفاری. پژوهش دینی، ١٢، ١٥١-١٧٠.
جهانبخش، جویا. (١٣٩٠ش). راهنمای تصحیح متون. تهران: میراث مکتوب.
الخطيب البغدادي، أحمد بن علي. (١٤٠٩ق). الكفاية في علم الرواية. بيروت: دار الكتب.
دلبری، علي. (١٣٩١ش). آسیب شناسی فهم حدیث. مشهد: دانشگاه علوم اسلامی رضوی.
دلبری، علي، وعلوي، سيد جعفر، وحبیبی مهر، علي أكبر. (١٤٠١ش). روش صاحب جواهر در مواجهه با احادیث مصحف در متن. مجلة “مطالعات فهم حديث”، ٩(١٧)، ١٥٩-١٨٣. doi:10.30479/mfh.2022.2830
رازي، جمال الدين أبو الفتوح. (١٣٩٨ق). روح الجنان وروح الجنان (تصحيح وحواشي أبو الحسن شعراني وعلي أكبر غفاري). تهران: إسلامية.
شبیري، محمد جواد. (١٣٧٩ش). تصحیح و راه کارهای آن. آینه پژوهش، ٦١، ٣٨-٤٩.
الصدوق، محمد بن علي. (١٣٨٢ش). الخصال. قم: نسیم کوثر.
الصدوق، محمد بن علي. (١٣٦٧-١٣٦٩ش). ترجمة ومتن كتاب من لا يحضره الفقيه (تحقيق وتعليق علي أكبر ومحمد جواد غفاري وصدر الدين بلاغي). تهران: صدوق.
الصدوق، محمد بن علي. (د.ت). معاني الأخبار (تصحيح علي أكبر غفاري). بيروت: دار المعرفة.
الصدوق، محمد بن علي. (١٣٦٣ش). من لا يحضره الفقيه (تحقيق وتعليق علي أكبر غفاري). قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
الطوسي، محمد بن حسن. (١٣٦٥ش). تهذيب الأحكام (تحقيق وتعليق حسن خرسان). تهران: دار الكتب الإسلامية.
غروي نائیني، نهله. (١٣٨٤ش). روش تحقیق، تصحیح و تعلیق استاد غفاری در کتاب من لا یحضره الفقیه. پژوهش دینی، ١٢، ٣٣-٥٢.
غفاري، علي أكبر. (١٣٦٥ش). استاد علی اکبر غفاری احیاگر میراثی از تشیع. کیهان فرهنگی، ٢٧، ٣-١٠.
غفاري، علي أكبر. (١٣٧٩ش). تصحیح و تحقیق متون حدیثی. علوم حدیث، ١٥، ١٠٤-١٢٨.
غفاري، علي أكبر. (١٣٦٩ش). گفتگو با استاد علی اکبر غفاری. آینه پژوهش، ٣، ٥٦-٦٥.
غفاري، علي أكبر. (١٣٨١ش). چهره های ماندگار: استاد علی اکبر غفاری (إعداد محمود أسعدي). تهران: امیر کبیر.
الكليني، محمد بن يعقوب. (١٣٧٩ش). الأصول من الكافي (ترجمة وشرح أصول الكافي) (ترجمة محمد باقر كمره اي ومحمد باقر بهبودي، تصحيح وتحقيق علي أكبر غفاري). تهران: إسلامية.
الكليني، محمد بن يعقوب. (١٤٠٥ق). الأصول من الكافي (تصحيح وتحقيق علي أكبر غفاري). بيروت: دار الأضواء.
الكليني، محمد بن يعقوب. (١٣٨٢ش). الكافي: الأصول والروضة. تهران: إسلامية.
مایل هروي، نجيب. (١٣٧٩ش). تاریخ نسخه پردازی و تصحیح انتقادی نسخه های خطی. تهران: کتابخانه، موزه و مرکز اسناد مجلس شورای اسلامی.
المجلسي، محمد باقر. (١٤٠٣ق). بحار الأنوار. بيروت: الوفاء.
مدیر شانه چي، كاظم. (١٣٦٢ش). دراية الحديث (ط. ٣). قم: جامعة مدرسین.
مردي، عباسعلي. (١٣٩٤ش). محقق صبور. فرهیختگان تمدن شیعی. مسترد من http://nbo.ir
معین، محمد. (١٣٥٦ش). فرهنگ معین. تهران: استادان.
منتظری، مجتبی. (١٣٨٧ش). نقد وتصحیح حدیث از منظر استاد علی اکبر غفاری (رسالة ماجستير غير منشورة). دانشگاه امام صادق (ع)، تهران.
نجار، محمد علي، وأحمد حسن الزيات، وآخرون. (١٩٨٩م). المعجم الوسيط. إستانبول: دار الدعوة.
نفیسي، شادي، وأفسر دیر، حسین. (١٣٩٧ش). کاربست بینامتنیت قرآنی در تصحیح متن روایات (مطالعه موردی: نهج البلاغة). مجلة “مطالعات فهم حديث”، ٥(٩)، ١٢٩-١٤٨. doi:10.30479/mfh.2018.1435