الملخص: تُعدّ مسألة تشخيص وقت الصلوات اليومية، وخاصة وقت الفجر، من المباحث المهمة في الإسلام. ومن المسائل التي نوقشت في القرون الأخيرة بين الفقهاء هي مسألة وقت الفجر في الليالي المقمرة، حيث يرى بعضهم تأخيره حتى الرؤية الفعلية للفجر، بينما لا يرى غالبية الفقهاء فرقاً بين الليالي. وينشأ هذا الاختلاف من تباين الفهم لظهورات الأدلة التي تناولت بيان وقت الفجر ؛ فبعضهم اعتبر البيان حسياً وفعلياً، بينما اعتبر جمهور الفقهاء البيان تقديرياً. وتشير هذه المقالة إلى القرينة الحالية في زمن المعصومين (عليهم السلام)، والتي يمكن أن تكون مفيدة في التشخيص الأدق لهذه الظهورات. فالمؤذنون الذين كانوا يتولون مهمة إعلان الأوقات الشرعية كانوا يؤذنون في جميع ليالي الشهر بناءً على الرؤية الفعلية للفجر، ومع الأخذ في الاعتبار أن أدوات قياس الوقت في تلك الفترة لم تكن دقيقة بالقدر الكافي، كان إدراك الفارق بين وقت الأذان في الليالي المقمرة وغير المقمرة غير ممكن أساساً. ونتيجة لذلك، كان المؤذنون يؤذنون في الليالي المقمرة عند رؤية الفجر، وكان جميع الناس، بمن فيهم المعصومون (عليهم السلام)، يمسكون عن الطعام ويصلّون بناءً على هذا الأذان الذي كان يتأخر في الليالي المقمرة. وستكون نتيجة هذا البحث هي ترجيح القول بالتفصيل ولزوم الرؤية الحسية للفجر وعدم كفاية الفجر التقديري.
مقدمة
كان نور القمر والنجوم من النعم الطبيعية المهمة التي حظيت باهتمام البشر في العصور الماضية ، وكان الناس يستفيدون منها في أعمال كثيرة. خاصة الليالي المقمرة التي كان الناس يعتبرونها كالنهار ويقومون فيها بأعمال مهمة. كان النور في هذه الليالي شديداً لدرجة أن المرء كان يضطر للاحتماء بظلال الأشجار ليختفي.
لقد كان لكون الليالي مقمرة تأثير في بعض الأحكام الفقهية، وقد أُخذ ذلك في الاعتبار في بعض الأحكام الشرعية ؛ فعلى سبيل المثال، استشهد العلامة الحلي في ردّه على الاستدلال بصعوبة الظلام في بحث الجمع بين العشاءين بنقض هذه المشقة في هذه الليالي. وفي موضع آخر، نوقش حكم خطأ الأفراد في طلوع الفجر في هذه الليالي ؛ ولكن أهم تأثير فقهي لموضوع الليالي المقمرة يظهر في بحث وقت الفجر، الذي يؤثر عميقاً في تحديد حكمين مهمين: لزوم الإمساك للصوم، ودخول وقت صلاة الصبح، اللذين يحدثان في وقت واحد. وفي هذه الليالي، يمنع نور القمر رؤية الفجر في أول لحظة من ظهوره، وبعد لحظات (13 إلى 14 دقيقة كحد أقصى بعد أذان الليالي العادية) يمكن رؤية نور الفجر. والسؤال الأساسي المطروح الآن هو: هل يشترط لل حكمين المذكورين أن تكون رؤية الفجر حسية وفعلية، أم أن طلوع الفجر التقديري يكفي؟
السابقة
لقد أشارت المصادر اللغوية المتقدمة، ضمن رواية “أسفروا بالفجر”، إلى أصل الانتباه إلى إمكانية تأثير هذا الضوء في طلوع الفجر، ولزوم عدم التبيين الحسي للفجر الواقعي. وقد كان هذا البحث محل اهتمام في زمن الأئمة والفقهاء قبل صاحب الجواهر ؛ ولكن أول مرة نوقشت فيها هذه المسألة بشكل جاد وتأثيرها في الحكم الشرعي والتفصيل بين الليالي المختلفة، كانت بواسطة صاحب الجواهر، حتى أنه مال إلى هذا التفصيل في حد الاحتياط الاستحبابي. وبعده، أفتى المحقق الهمداني بهذا التفصيل، بل اعتبر أن ظاهر أقوال الفقهاء هو ذلك أيضاً. ولم يكن لهذا القول قائل بعده، حتى أفتى به في العصر الحديث الإمام الخميني والمحقق الحائري، واعتبره المحقق الشبيري الزنجاني من باب الاحتياط، وبعض آخر كالسادة محمد المنتظري والخامنئي من باب الاحتياط الاستحبابي ؛ ولكن يمكن القول إن هذه الفتوى لم تخرج عن الشذوذ ، حتى أن بعض تلاميذ الإمام الذين كتبوا رسائل خاصة لتحديد وقت الفجر في هذه الليالي لم يلتزموا بهذه النظرية.
منشأ الخلاف في تحديد الفجر
يتمثل المصدر الرئيسي لهذا الاختلاف في استظهار الأدلة المثبتة للفجر؛ حيث حملها المشهور على التبيين التقديري، وغير المشهور حملها على التبيين الواقعي والحسي. وتتناول هذه المقالة دراسة طريقة إدراك المؤذنين لوقت الفجر كقرينة على قول المشهور، وتهدف إلى إظهار أنه في العصر الذي لم تكن فيه آلات قياس الوقت دقيقة كما هي اليوم، كان الجميع يعتمدون على هذه القرينة.
مفهوم شناسي
“أيام البيض” في اللغة تعني الأيام البيضاء والمشرقة، وفي الاصطلاح تطلق على الأيام التي تكون لياليها شديدة الإشراق بسبب وجود القمر في السماء طوال الليل تقريباً، ولهذا سميت بهذا الاسم. والمراد من هذه الأيام هي الأيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهور القمرية. “ليالي مقمرة” هي الليالي التي تكون السماء فيها مضاءة بنور القمر، وتبدأ من الليلة الثانية عشرة وتستمر حتى الليلة السابعة والعشرين. بالطبع، الليالي الأخيرة من الشهر – أي من الليلة الثانية والعشرين فصاعداً – لا تعتبر من الليالي المقمرة من حيث الحكم بسبب قلة نور القمر.
الفجر الكاذب، أو الفجر الكاذب، الذي يتحرك كشعاع من النور نحو الأعلى في نهاية الليل ؛ ولكنه يتلاشى تدريجياً ولا ينتشر في السماء. هذا الفجر، الذي لا اعتبار له، شُبّه في الروايات بذَنَبِ السِّرْحَانِ. الفجر الصادق، أو الفجر الحقيقي، هو الإشراق الذي يظهر بعد زوال الفجر الكاذب، وعلى عكسه يبدأ في الانتشار في السماء، وقد شُبّه في الروايات بالثوب الأبيض الرقيق (الْقُبْطِيَّةِ الْبَيْضَاءِ) وبياض نهر السوراء (بَيَاضُ نَهَرِ سُورَاءَ).
جميع الفقهاء يتفقون على أن الفجر الصادق – في مقابل الفجر الكاذب – هو مبدأ صلاة الصبح والإمساك عن الصوم ؛ ولكن الاختلاف حدث في تحديد الفجر في الليالي المقمرة. وكما ذكرنا في السابقة، لم يميز جمهور الفقهاء في تحديد وقت الفجر الصادق بين الليالي المقمرة وغير المقمرة، وفي المقابل، فصّل بعض الفقهاء بين الليالي المقمرة وغير المقمرة. وهؤلاء الفقهاء يرون في تحديد الفجر في الليالي المقمرة لزوم التبيين الحسي ؛ بحيث يجب على المكلّف أن ينتظر حتى يظهر الفجر في السماء – ولو بفارق زمني عن الليالي السابقة ؛ بينما يرى جمهور الفقهاء أن التبيين التقديري – أي في فرض عدم وجود نور القمر – كافٍ حتى في هذه الليالي، ولا يرون حاجة إلى الانتظار والتبيين الحسي للفجر في السماء.
النقطة المهمة والأساسية في دراسة أدلة الطرفين، والتي أشارت إليها جميع المصادر التي تناولت هذا البحث، وهي النقطة المفتاحية في محل الخلاف بين القائلين بالقولين، هي كيفية استنباط المعاني من الكلمات التي وردت في بيان كيفية ظهور وقت الفجر في الروايات. وللإشارة إلى وقت الفجر، استخدم القرآن الكريم تعبير “تبين”، وفي الروايات استخدمت تعابير “اعترض الفجر”، “انشقاق الفجر” و “طلوع الفجر”، إلى جانب تشبيهات مثل “نهر السوراء” و “قبطي”. يعود الاختلاف في هذه التعابير بالضبط إلى هذه النقطة: هل هذه التعابير لبيان الفجر نفسه، وفي هذه الحالة يكون التبيين والانشقاق لا يختلفان عن الفجر، ولحصول الفجر يجب أن تكون هذه الأمور فعلية؟ أو أن الفجر يحدث لهذه العلامات، فمثلاً، وصول الشمس إلى حد معين من الأفق، وأن هذه الأمور هي مجرد علامات لذلك الوقت الخاص، وفي هذه الحالة من الواضح أن هذه الظواهر هي مجرد طريق، وسيحدث الفجر بدونها أيضاً. وفي هذا السياق، يعتبر القائلون بالتفصيل جميع الأدلة على الفرض الأول ويحملونها عليه ؛ بينما يرى القائلون بعدم التفصيل أن هذه النقاط هي علامات للفجر الحقيقي ؛ بحيث إذا حدث مانع من التبيين والاعتراض، فإنه لا يمنع من الفجر.
وبناءً عليه، يتضح أن الخلاف الأساسي يعود إلى النقطة المذكورة أعلاه، وأن كل مذهب قد استظهر من روايات الفجر ما يؤيده، وحتى صحيحة علي بن مهزيار التي استند إليها البعض في القول بعدم التفصيل لا يمكن أن تكون قرينة لاستظهار من الأدلة الأخرى. وهذا التردد في النظريتين هو الذي دفع بعض الفقهاء إلى الفتوى بالاحتياط. وهذا الاختلاف في الاستظهار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنوع تأثير نور القمر في طلوع الفجر ؛ بمعنى: هل يسبب مزاحمة نور القمر مانعاً إثباتياً للفجر فقط، كالغيم، أم أن هذه المزاحمة لها تأثير ثبوتي أيضاً؟ وقد شبّه الإمام الخميني، بصفته مدافعاً عن نظرية المحقق الهمداني، في جلسة عقدت في قم بحضور بعض الفقهاء المعاصرين، الليالي العادية بالشاي ذي اللونين. ثم قام بتحريك الشاي واعتبره كالليالي المقمرة التي يضيع فيها نور الفجر في نور القمر، واعتبر ذلك ككتابة اسم الله بلون أسود على صفحة سوداء ؛ حيث لا يوجد أثر لاسم الله من الناحية الثبوتية، ولذلك لا بأس بلمسه بدون طهارة.
إن الفارق بين هاتين النظريتين له أثر ملموس في حكم المسألة ؛ بحيث لو كان أحد يرى مزاحمة إثباتية فقط، فلا شك في أن وقت الفجر لن يتغير ؛ تماماً كما أن منع الغيم من رؤية الفجر لا يغير في وقته. ولذلك، يرى أصحاب نظرية التفصيل أن هذه المزاحمة تتعدى الإثبات إلى المرتبة الثبوتية. ويقول المحقق الهمداني في بيان الفارق بين الليالي المقمرة ومانعية الغيم: إن نور القمر في الليالي المقمرة – على خلاف الغيم – يمنع من ثبوت وتحقق إشراق الفجر، ولا يتحقق الفجر حتى يتغلب نور الفجر على نور القمر ؛ على خلاف الغيم الذي يمنع الرؤية فقط لا التحقق. وفي المقابل، مع أن المحقق الخونساري يرى لزوم تحقق طلوع الفجر وانتشاره بالفعل ، إلا أنه في الليالي المقمرة يعتبر حصول الفجر فعلياً، كضوء المصباح الضعيف الذي لا يُرى بالفعل أمام الضوء الشديد.
إلى جانب الاستظهار من الأدلة، يرى البعض، كالمحقق اللنكرودي، أن صحيحة علي بن مهزيار، التي تتناول عدم رؤية الفجر بسبب نور القمر، هي في صالح القائلين بعدم التفصيل ووجود الفجر الواقعي، واعتبروها شاهداً على صحة كون التبيين طريقياً. وآخرون، كالمحقق الخونساري، اعتبروها محتملة الشهادة لهذا القول ؛ بينما يرى بعض القائلين بموضوعية التبيين، كالإمام الخميني، أن هذه الرواية أوضح من غيرها في مقصودهم ؛ ولكن هذا الرأي قد انتقد من قبل بعض الفقهاء الآخرين، كالمحقق اللنكراني. وقد ذكر المحقق الشبيري الزنجاني، بعد نقل عثور بعض الفقهاء المعاصرين على هذه الرواية، أنه “تخيّل أن هذه الرواية على خلاف رأي الإمام الخميني”، واعتبر الرواية “أقرب إلى قول التفصيل”.
إعلان وقت الأذان من قبل المؤذنين بتبين عادي؛ قرينة مؤثرة
إن نتيجة جميع المباحث في هذا النقاش، حتى الاختلاف في مقولة الثبوت والإثبات، تكمن في نوع الاستظهارات التي يدعيها الطرفان، وكل منهما يكرر هذا الادعاء. والسؤال الجاد هنا هو: هل توجد قرينة خارجية يمكن أن تقدم ظهوراً واضحاً للأدلة، وحتى لو قلنا بظهور خاص في الروايات، فهل يمكن أن تغير تلك الظهورات؟
المقدمة الأولى: تشخيص الفجر واجب على كل مكلف
إن رؤية الفجر كحكم أولي هي واجب على الشخص المكلف، وقد كان كل شخص يقوم بذلك بنفسه في بداية الإسلام. وقد أشارت روايات عديدة إلى هذه النقطة. ففي موثقة سماعة، اعتبر الإمام، رداً على شخص كان يأكل ويشرب بعد طلوع الفجر، المعيار هو يقظة الشخص ورؤيته الشخصية أو عدمها. وفي موثقة أخرى لسماعة، اعتبر الإمام المعيار في جواز أو حرمة تناول الطعام في السحر هو رؤية الفجر أو عدم رؤيته لشخصين، أحدهما رآه والآخر لم يره.
المقدمة الثانية: اعتبار أذان الثقات في تشخيص الفجر
على الرغم من أن الحكم الأولي يقتضي أن يشخص كل فرد وقت أذان الصبح بنفسه، إلا أن مصلحة التسهيل الموجودة في العديد من الأحكام والموضوعات الشرعية قد أدت إلى الاكتفاء في الروايات بحالات مثل قول الخادمة أو أذان المؤذن الموثوق به عن هذا الواجب الأولي ؛ إلا إذا كان ذلك الشخص قد أخطأ. على سبيل المثال، أمر النبي بلالاً قائلاً: “إذا حانت الصلاة فاعْلُ الجِدارَ وارْفَعْ صَوتَكَ بالأذانِ”. توضح هذه الرواية بوضوح أن النبي قد فوض مهمة معرفة الوقت إلى بلال. في صدر الإسلام، كان إعلان الأوقات الشرعية مسؤولية المؤذنين، بصفتهم أفراداً موثوقين يتولون مهمة إعلان الأوقات الشرعية. وقد استخدم تعبير “المؤذن مؤتمن” للمؤذن في مصادر الشيعة والعامة. لذلك، كان الاعتماد على التشخيص الصحيح للمؤذن يلعب دوراً أساسياً في حجية أذانه. وبشكل عام، فإن الأمر بالأذان من قبل الشارع كان لإبلاغ الناس بوقت العبادة وبعض الأحكام مثل حرمة البيع يوم الجمعة.
بالإضافة إلى اكتفاء العامة بأذان المؤذنين الموثوق بهم، فقد اكتفى في العديد من الروايات بأذان بلال خاصة في إعلان طلوع الفجر لصلاة الصبح والإمساك في الصوم، لدرجة أنه سمح للأفراد بتناول السحور حتى يؤذن بلال لصلاة الصبح. ففي صحيحة زرارة، ورد أن شخصاً سمع أذان ابن أم مكتوم، ثم مر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فوجده يتناول السحور، فدعاه النبي. فقال الشخص: “يا رسول الله، المؤذن أذن لصلاة الصبح”. فقال النبي: “هذا ابن أم مكتوم الذي يؤذن في الليل. متى أذن بلال، فهو وقت الإمساك”. وعلى الرغم من أن أهل السنة قد عكسوا دور هذين الشخصين فيما يتعلق بموثوقية أذانهما لأغراض خاصة بهم، إلا أن الشيعة يؤكدون على نفس الرواية. وقد ورد هذا الحدث أيضاً في صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق عن النبي.
المقدمة الثالثة: عدم وجود ساعة دقيقة في عصر المعصومين (عليهم السلام)
في صدر الإسلام، كانت هناك أنواع من الساعات الشمسية والمائية والرملية والشمعية وغيرها، وقد أشير إليها في بعض الروايات والأحداث التاريخية ؛ ولكن هذه الساعات لم تكن دقيقة بما يكفي، ولذلك في كثير من الحالات، أشارت الروايات إلى وقت معين ببيان لوازم طبيعية. فمثلاً، لبيان الوقت الذي مضى بعد المغرب، استخدم النبي تعبير “وهم يرون مواضع سهامهم” لقوم أبي سلمة ؛ بمعنى أن النبي، بعد صلاة المغرب، وبعد أن قطع مسافة نصف ميل، كان لا يزال بإمكانه رؤية سهامهم. ويرى العلامة المجلسي أن هذا التعبير يدل على أن صلاة المغرب قد صلاها النبي بعد غروب الشمس بالكامل، وأن الهواء كان لا يزال مشرقاً لدرجة أن هذه القبيلة، بعد مسيرة 2000 خطوة حتى وصولها إلى المسجد، كانت لا تزال قادرة على رؤية سهامها. تجدر الإشارة إلى أن أولى الساعات الحديثة التي تتمتع بدقة ملحوظة مقارنة بالأجيال السابقة اخترعت في القرن التاسع عشر الميلادي باستخدام الزنبرك والتروس ؛ ولو كانت مثل هذه الإمكانيات موجودة في صدر الإسلام، لكان بيان الوقت في الروايات أفضل وأكثر دقة. فمثلاً، لو كان هناك مثل هذا الطريق، لكان يجب أن يقال “بعد مرور عشر دقائق” أو ما شابه ذلك ؛ بدلاً من أن يتم قياس الوقت الماضي بذكر المسافة ثم حالة رؤية الإنسان.
وفي المصادر المتقدمة، لا يوجد ما يدل على وجود مثل هذه الوسيلة لقياس الوقت بدقة. على سبيل المثال، يذكر ابن قدامة (541-620 هـ) في مثال لإحداث الظن بدخول الوقت لأجل إحداث الظن بأمور عادية وطبيعية في الحياة، مثل طول وقت مهنة الشخص أو تلاوة القرآن التي كانت عادة الشخص. ولو كان لديه ساعة يمكنها تحديد الوقت بدقة، لكان من المناسب أن يشير إليها إلى جانب هذه الأمثلة. بالطبع، وردت رواية في “الغيبة” للنعماني تفترض أن اليوم والليلة 12 ساعة ؛ ولكن هذه الرواية، بالإضافة إلى ضعف سندها الناتج عن جهالة عدد من الرواة، وبيان هذه النقطة في عصر الإمام الصادق، أي بعد أكثر من قرن من الإسلام، لا تدل على أنه كان هناك وسيلة لقياس ذلك في مقام الإثبات. بالإضافة إلى أن تطبيق إحدى هذه الساعات على أمير المؤمنين يبعد احتمال الانطباق على الساعة الحديثة.
بالطبع، حتى لو اخترعت ساعة كهذه في جزء من الأزمان، فإن ذلك لا يضر ببحثنا ؛ لأنه، كما سيشار إليه، إذا لم تكن هذه الإمكانية متاحة في جزء من زمن المعصومين (عليهم السلام)، أو إذا كان وصول عامة الناس إلى هذه الأداة غير واضح على الرغم من اختراعها – كما هو طبيعة الاختراعات التي، بسبب ارتفاع تكلفتها، تكون في البداية في حوزة الخاصة والقادة في المجتمع، ثم تصبح متاحة للعامة مع مرور الوقت – فإن أخذ هذه الأداة في الاعتبار لا يمكن أن يكون أساساً للأحكام الشرعية. علاوة على ذلك، لو كانت مثل هذه الوسيلة قد اخترعت وكانت متاحة لعامة الناس، لكانت قد ذكرت في الروايات والتقارير التاريخية العديدة في تلك الفترة كأداة مساعدة وشائعة في حياة الناس. بينما لا يوجد ذكر لها إلا في حالات نادرة كما أشير إليها في الروايات والتقارير التاريخية لتلك الفترة.
المقدمة الرابعة: لزوم إحالة تشخيص الوقت إلى معيار يمكن فهمه للجميع
مع الأخذ في الاعتبار المقدمات المذكورة أعلاه، وعدم وجود ساعة يمكن من خلالها تحديد الوقت بدقة، يثار سؤال جاد: إذا كان معيار الإمساك في هذه الليالي هو وقت الفجر الفعلي، فكيف يمكن تشخيص هذا الوقت؟ وكيف كان المسلمون، وخاصة المؤذنون، يعرفون متى يحين الوقت الحقيقي للأذان في الليالي غير الهلالية؟ فمثلاً، في ليلة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، عندما كان بلال الحبشي – الذي نصت صحيحة زرارة على أن النبي صلى الله عليه وآله استمر في تناول السحور بانتظار أذانه – يرصد الفجر، ويعلم أن وجود القمر يمنع التبيين الفعلي، فإنه في كل لحظة يحتمل أن الوقت الذي أذن فيه قبل عدة ليالٍ – مثلاً الساعة الخامسة صباحاً – قد حان، وأنه وقت الإمساك ؛ بينما هو لا يستطيع تحديد لحظة الساعة الخامسة. ولذا، فإنه بطبيعة الحال – حتى مع إدراكه أن القمر الساطع في هذه الليلة يمنع رؤية الفجر – يرى بلال واجبه في الانتظار ورؤية الفجر الفعلي في الأفق، ويؤذن بناءً عليه، ويتبعه الناس في الإمساك.
هل يمكن القول بأن النبي وجميع المعصومين والمسلمين على مر التاريخ، في الليالي المقمرة من شهر رمضان المبارك، حيث كان المؤذنون، وخاصة المكلفون أنفسهم الذين لم يكونوا يهتمون بالتفاصيل المحيطة بالفجر، يؤذنون برؤية الفجر الفعلية، قد أخروا الإمساك – الذي يفضل الإسراع فيه خلافاً لصلاة الصبح – وكان صومهم باطلاً حقاً، ولم يُنبه أحد إلى هذه النقطة، واكتفوا بالحكم الظاهري؟! بينما يمكن القول إن هذا يبغضه الشارع، وهو أن تخالف الأحكام الظاهرية الأحكام الواقعية كثيراً. إضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى أن المعصومين (عليهم السلام) كانوا يتقيدون بالمستحبات، وأن من المستحبات المؤكدة الصلاة في أول وقتها، وعلى الأقل في أيام الوقوف في منى، التي تُعد من الليالي المقمرة، كانت صلاتهم علنية أمام الناس. فلو كان رأي المعصومين هو التبيين الواقعي، لكانوا قد باشروا صلاة الصبح في ذلك الوقت وقبل الأذان العادي للمؤذنين ؛ بينما لم يُذكر مثل هذا الأمر، وهو بحد ذاته قرينة على صحة هذا الادعاء بأن الفجر الفعلي كان أساس العمل في الصلاة والإمساك.
والآن، يمكن طرح هذا السؤال بشكل عام: هل يمكن قبول أن الحكم الواقعي للإسلام يحال إلى أمر لم يكن إدراكه ممكناً للمكلفين لقرون؟ هذه النقطة تُطرح بدقة في مباحث مثل رؤية الهلال بالعين المسلحة. ولذلك، نبه بعض الفقهاء إلى نقطة مشابهة في مباحث رؤية الهلال، وهي أنه إذا قال أحد بحجية العين المسلحة، فعليه أن يقبل أن صوم الأفراد العاديين الذين لم يكن لديهم الأدوات الخاصة قد بطل ؛ بينما يجب أن يكون الحكم مبنياً على موضوع يمكن لجميع الناس إدراكه. لذا، يجب قبول هذه المقدمة، وهي أن أحكام الإسلام يجب أن تكون مبنية على أمور يمكن لجميع المكلفين في جميع الأزمان إدراكها بطبيعة الحال ؛ بينما لم يكن بإمكان المؤذن في الليالي العادية تحديد لحظة الأذان في الليالي العادية.
وهذه المعضلة، كيف اعتبر المحقق الهمداني القول بالتفصيل هو مقتضى ظاهر الكتاب والسنة وفتوى الأصحاب؟ لن تحل؛ لأن العادة والروتين الطبيعي هو التركيز على التبيين الخارجي والأذان بعد اعتراض الفجر بشكل محسوس، ولذلك، فإن الفارق الذي ذكره بين الغيم ونور القمر يمكن الدفاع عنه ؛ لأنه في حالة الغيم، كان حكم المسألة واضحاً تماماً للناس، وكان الجميع ملزمين بالاحتياط ؛ على خلاف نور القمر الذي كان الأذان يؤذن بعد انتشار نور الفجر.
الجواب على شبهة كيفية إدراك الأوقات ذات الأحكام الإلزامية
في مقابل ادعاء عدم وجود ساعة في الأزمنة الماضية، قد يثار هذا السؤال: إذا لم تكن هناك وسيلة لقياس الوقت في ذلك الزمان، فكيف كان الناس يدركون المعايير الزمنية التي وردت في الروايات لبعض الأعمال الإلزامية – مثل الإحالة إلى منتصف الليل لقضاء صلاة العشاء، والحركة من مزدلفة والمبيت في منى، ووقت خروج المرأة المتوفى زوجها من المنزل – في تلك الفترة؟ الجواب هو أنهم في تلك الفترة كانوا يشخصون هذه الظواهر بحالات السماء، وضوء الليل وظلامه، أو بالنجوم، وهذه الظواهر بحد ذاتها يمكن أن تثير نفس النقاش حول الليالي المقمرة في طلوع الفجر.
في صحيحة ابن أذينة، عندما سُئل الإمام عن لحظة استجابة الدعاء في الليل، قال الإمام: “إذا مضى نصف الليل، وهي السدس الأول من أول النصف” ، ويبدو أن تحديد أجزاء من الليل كان ممكناً لهم عرفاً. أو في روايات سليمان بن حفص المروزي، بيّن الإمام العسكري (عليه السلام) منتصف الليل بذكر أحداث سماوية، فقال: “إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ ظَهَرَ بَيَاضٌ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ شِبْهُ عَمُودٍ مِنْ حَدِيدٍ تُضِيءُ لَهُ الدُّنْيَا فَيَكُونُ سَاعَةً ثُمَّ يَذْهَبُ وَيُظْلِمُ فَإِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ظَهَرَ بَيَاضٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَأَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَيَكُونُ سَاعَةً ثُمَّ يَذْهَبُ وَ هُوَ وَقْتُ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثُمَّ يُظْلِمُ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ قَالَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ اللَّيْلِ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ فَذَلِكَ لَهُ”. هذا البيان، بالإضافة إلى أنه يربط منتصف الليل ببعض الأحداث السماوية لا بالساعة المعتادة اليوم، يشير إلى عدم وجود ما يسمى بالساعة في ذلك الوقت، وأنهم كانوا يستخدمون علم الفلك وظواهر أخرى لتحديد اللحظات المختلفة، بما في ذلك منتصف الليل الشرعي.
الجمع والنتيجة
بناءً على جميع المقدمات المذكورة، يتضح أن الإسلام قد حدد وقتاً للأعمال العبادية، وأن هذا الواجب يقع أولاً على عاتق المكلف نفسه ؛ ولكن في حال الثقة، يمكن الاعتماد على إعلان الآخرين، وقد أُوكل هذا الواجب غالباً إلى المؤذنين الموثوق بهم. والآن، وبالنظر إلى أنه بعد الإسلام ولعدة قرون، لم يكن تشخيص الأوقات الدقيقة ممكناً، ولم يكن بالإمكان تحديد متى كان وقت الأذان في الليالي غير المقمرة ليُؤذّن بناءً عليه في الليالي المقمرة التي يتأخر فيها رؤية الفجر بسبب نور القمر ؛ ولذلك، فإنه بطبيعة الحال، حتى بعد اختراع آلات قياس الوقت الدقيقة، كان المكلفون والمؤذنون يؤذنون بناءً على الرؤية الفعلية للفجر، وكان جميع المسلمين، وحتى النبي والمعصومون (عليهم السلام)، يمسكون ويصلّون بناءً على ذلك. وهذا دليل واضح على أن تعابير مثل “تبين” و “طلوع” و “انشقاق” وغيرها يجب أن تُحمَل على الموضوعية لتتوافق مع هذا السلوك التاريخي الطبيعي. ونتيجة لذلك، يجب تأخير الصلاة حتى الرؤية الحسية للفجر، ولا داعي للإمساك قبل ذلك.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- ابن أبي زينب، محمد بن إبراهيم النعماني، الغيبة، طهران: نشر صدوق، ج1، 1397هـ.ق.
- ابن قدامة، أبو محمد عبد الله، المغني، القاهرة: مكتبة القاهرة، 1388هـ.ق.
- ابن كثير، إسماعيل بن عمر الدمشقي، البداية والنهاية، بيروت: دار الفكر، ط1، 1407هـ.ق.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار الفكر، ط3، 1414هـ.ق.
- الأسترآبادي، مير داماد، محمد باقر الحسيني، التعليقة على الإستبصار، سيد جمال الدين ميرداماد، طهران، ج1، 1397هـ.ق.
- الجزري، ابن الأثير، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم: مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، ج1، (بي تا).
- الحائري، كاظم الحسيني، الفتاوى المنتخبة (مجموعة إجابات في فقه العبادات والمعاملات)، قم: (بي جا)، ج1، (بي تا).
- الحلي، العلامة حسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، تذكرة الفقهاء (ط – الحديثة)، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج1، 1414هـ.ق.
- الخامنئي، علي بن جواد الحسيني، أجوبة الاستفتاءات (فارسي)، قم: دفتر معظم له، ج1، 1424هـ.ق.
- الخميني، روح الله الموسوي، استفتاءات، قم: دفتر انتشارات إسلامي، ط5، 1422هـ.ق.
- الخميني، روح الله الموسوي، الرسائل العشرة، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ط1، 1420هـ.ق.
- الخونساري، أحمد بن يوسف، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم: مؤسسة إسماعيليان، ط2، 1405هـ.ق.
- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، بيروت: دار الكتاب العربي، ط2، 1413هـ.ق.
- الزنجاني، موسى شبيري، استفتاءات، قم: انتشارات مركز فقهي إمام محمد باقر، ط1، 1396هـ.ش.
- الزنجاني، موسى شبيري، جرعة أي از دريا، قم: مؤسسة كتاب شناسي شيعه، ج1، 1389هـ.ش.
- الزنجاني، موسى شبيري، رسالة توضيح المسائل، قم: انتشارات مركز فقهي إمام محمد باقر، ط28، 1396هـ.ش.
- الزنجاني، موسى شبيري، كتاب الصوم، قم: دفتر آيت الله شبيري زنجاني، ج1، (بي تا).
- سميعي، محمد، السي و دومين نشست علمي مدرسه فقهي إمام محمد باقر، بررسي فقهي فجر صادق وزمان دقيق اذان صبح، 15 بهمن 1396هـ.ش، mfeb.ir/home.
- شعراني، أبو الحسن، دمع السجوم، طهران: سازمان چاپ و انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد إسلامي، ج1، 1387هـ.ش.
- الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، قم: دفتر انتشارات إسلامي، ج2، 1413هـ.ق.
- الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ج2، 1404هـ.ق.
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، بيروت: دار التراث، ط2، 1387هـ.ق.
- العاملي، أحمد علوي، مناهج الأخبار في شرح الإستبصار، قم: مؤسسة إسماعيليان، (بي تا).
- العاملي، حر، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج1، 1409هـ.ق.
- الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب، الكافي (ط – الإسلامية)، طهران: دار الكتب الإسلامية، ج4، 1407هـ.ق.
- اللنكراني، محمد فاضل موحدي، ثلاث رسائل، قم: مركز فقهي ائمه اطهار، ط1، 1425هـ.ق.
- اللنكرودي، محمد حسن مرتضوي، طلوع الفجر في الليالي المقمرة، قم: مؤسسة أنصاريان، ط1، 1425هـ.ق.
- المجلسي الثاني، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الطبع والنشر، ج1، 1410هـ.ق.
- المجلسي الأول، محمد تقي، لوامع صاحبقراني، قم: مؤسسة إسماعيليان، ط2، 1414هـ.ق.
- المقريزي، تقي الدين، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، محمد عبد الحميد نميسي، بيروت: دار الكتب العلمية، ج1، 1420هـ.ق.
- موحدنژاد، عليرضا، شانزدهمين نشست علمي مدرسه فقهي إمام محمد باقر، بررسي فقهي فجر صادق وزمان دقيق اذان صبح، 2 تير 1397هـ.ش، mfeb.ir/home.
- النجفي، صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1404هـ.ق.
- الواقدي، محمد بن عمر، المغازي، مارسدن جونس، بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1409هـ.ق.
- الهمداني، رضا بن محمد هادي، مصباح الفقيه، قم: مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث ومؤسسة النشر الإسلامي، ج1، 1416هـ.ق.
- اليزدي، محمد كاظم الطباطبائي، العروة الوثقى مع تعليقات المنتظري، (بي جا): (بي نا)، (بي تا).