تبيين دور الإمام السجاد (ع) في تشكيل قيام التوابين مع التأكيد على أدعية الصحيفة السجادية

ملخص

إن من أدوات استقراء التيارات التاريخية دراسة الوثائق والشواهد التاريخية. وبما أن قيام التوابين يعد من أهم تحركات الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، فيبدو أن إعادة القراءة التاريخية والتحليلية لأدعية الإمام السجاد (ع) يمكن أن تكون مستنداً تاريخياً يوضح الطبيعة الحقيقية لهذه القيامات. ومثال ذلك، ارتباط الإمام السجاد (ع) بقراء الكوفة، وتأكيد الإمام السجاد (ع) على إجراء حكم القصاص، ونشر الفقه الشيعي، وغير ذلك. يظهر هذا البحث أنه يمكن الاستفادة من النصوص الروائية المتبقية من القرنين الثاني والثالث الهجري كشواهد في معرفة الأحداث التاريخية، كما أن لتأريخ الروايات والاهتمام بسياقها وظروفها آثاراً مهمة في الفهم الصحيح لمدلولها. وبما أن أهم تراث بقي من الإمام السجاد (ع) هو أدعيته، فقد تم في البداية دراسة علاقته بالجماعات الاجتماعية الفاعلة في مجتمع ذلك الزمان، ثم جرى البحث في أدعيته. وفي هذا البحث، تم استعراض بعض الشواهد والمستندات التي تثبت دور الإمام السجاد (ع) في تشكيل قيام التوابين وأحداث القرن الأول الهجري.

١. طرح المسألة

كل نص ينشأ في سياق ويرتبط به، وهو ما يُعبّر عنه في النصوص التفسيرية والحديثية واللغوية وغيرها بمصطلحات مثل أسباب النزول، والواقع، وظروف صدور الحديث، والسياق الموقفي، ونحو ذلك. إن مسألة الاهتمام بالسياق الموقفي لصدور النص كانت محل اهتمام منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا في متون التفسير وشروح الحديث (المامقاني، ١٣٦٩ق، ٢٥٠؛ الدلبري، ١٣٩١ش، ٧٤٧). لا ينشأ أي نص في فراغ، ولفهم أي نص، يجب مراعاة الظروف الخارجية وتأثيرها في نشأة النص، وإلا فقد لا يُفهم النص بشكل صحيح (أبو زيد، ١٩٩٨م، ٢٥).

الصحيفة السجادية، كتاب يشتمل على الأحاديث الدعائية المنسوبة إلى الإمام السجاد (ع)، وقد اشتهر هذا النص بين الشيعة بعد القرن الحادي عشر (البلاغي، ١٣٨٤ش، ٩؛ الحسيني، ١٣٨٢ش، ٤٠-٥٢). بالإضافة إلى هذا الكتاب، نُسبت إلى الإمام السجاد (ع) أدعية مختلفة في المصادر الروائية المتقدمة مثل الكافي، ومصباح المتهجد وغيرها. السمة الرئيسية لهذه الأدعية هي التواضع العميق، والشعور بالذنب، والنفور الشديد من أعداء أهل البيت (ع) (تشيتيك، ١٣٨٥ش، ٥٩-٨٨). في هذا الكتاب، نجد استغفاراً من ذنوب لا يمكن أن يكون فاعلها الإمام السجاد (ع)، وكل قارئ يدرك أن هذا النوع من الاستغفار يختلف عن نظائره في مناجاة سائر الأئمة (ع)، مثل: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ» (علي بن الحسين، ١٣٧٦ق، ١٦٦).

وقد قُدِّمت آراء مختلفة لتوجيه هذا النوع من الاستغفار، مثل: الاستغفار بسبب ترك الأولى (محمدي، ١٣٧٨ش، ٢٤٠)، أو تعليم الناس كيفية الاستغفار، أو ما يُعرف بالاستغفار من غير ذنب (الكليني، ١٣٧٥ق، ٦: ٦٢٧)، ولكن هذه التوجيهات لا تبدو كافية في سياق الصحيفة السجادية.

في هذا البحث، وبأسلوب تحليل المحتوى، سيتم تقييم المستندات التي تبين دور الإمام السجاد (ع) في حوادث القرن الأول الهجري، المستقاة من نص الصحيفة السجادية والمصادر الحديثية الأخرى، وذلك بمنهج الدراسة التاريخية للوثائق والشواهد. ثم سيتم دراسة المستندات التاريخية التي توضح دور الإمام السجاد (ع) في قيام التوابين.

٢. ضرورة إعادة قراءة تاريخ حياة الإمام السجاد (ع)

عادة ما يستخدم المؤرخون في تدوين التاريخ نوعين من المصادر: التقارير والوثائق [1]. تاريخ المسلمين في القرنين الثاني والثالث الهجري قد دُوِّن في كتب مثل تاريخ الطبري، وطبقات ابن سعد، وغيرها بأسلوب روائي وإخباري (السجادي، ١٣٨٦ش، ٧٢).

هذه المصنفات التاريخية كُتبت تحت هيمنة الحكام الأمويين والعباسيين وبنزعة أموية (فوزي، ٢٠١٣م، ٢٣). لذا، وتبعاً للموضوعات، حدث الوضع والتحريف في الكتابات التاريخية (بروكلمان، ١١١٩م، ٧: ٣؛ غولدزيهر، ١٩٥٩م، ٩٠؛ سزكين، ١٩٩١م، ١: ٧). وهذا التحريف موجود أيضاً فيما يتعلق بتاريخ حياة الإمام السجاد (ع). ففي زمنه، وقعت قيامات التوابين، ومن جهة توصل الحكام الأمويون بعد واقعة كربلاء إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكنهم الاستمرار في نهج المواجهة العلنية مع أهل البيت (ع)، ومن جهة أخرى، كانت قيامات التوابين ترفض شرعية الحكم الأموي. لذلك، اتخذوا نهجاً مزدوجاً في هذا الشأن (مدرسي طباطبائي، ١٣٧٣ش، ٨٢).

في السنوات اللاحقة، قام العباسيون بتقييد تواصل المعصومين (ع) مع الناس، من خلال تصنيف المجتمع إلى طبقة عامة وخاصة ووضع الأئمة في الطبقة الخاصة، مما حال دون تواصلهم مع أفراد المجتمع، فحدّوا بذلك من قدرتهم (ابن خلكان، ١٤١٩ق، ١: ١٩٠). وفيما يتعلق بقيام التوابين، اتبعوا نهجاً عدائياً وتدميرياً تجاه قادة هذا القيام. وعلى الرغم من أن الحكم العباسي في بداية أمره تمكن من انتزاع السلطة من الأمويين بنهج شيعي، إلا أن الحكام العباسيين سرعان ما أدركوا أن استمرار سلطتهم لا يمكن أن يتم إلا بنفس الميول السياسية الأموية (بنية حجاب، ١٩٦١م، ١٣٦).

سعى أهل السنة في القرون التالية إلى تقديم صورة عن الإمام السجاد (ع) باعتباره مجرد رجل زاهد، متصدق، عابد، لا يتجاوز تفسير القرآن الكريم، وأنه اعتزل الأنشطة السياسية بالكلية (ابن سعد، ١٤١٠ق، ١: ٩٩؛ الذهبي، ١٤٠٧ق، ١: ٤٠؛ ابن عساكر، ١٩٩٥م، ١: ٣٨٨). يقول ابن تيمية عنه: «هو زينة العابدين، وكان نور عيون المسلمين لورعه وزهده وأخلاقه الحسنة وكثرة صدقته…» (الصلابي، ٢٠٠٨م، ٢: ٤٥٢).

إن الصورة التي تظهر للإمام السجاد (ع) في المصادر التاريخية لأهل السنة هي صورة إنسان متوافق مع جهاز الحكم الأموي، وهذا التصور تسرب حتى إلى المصادر التاريخية والروائية الشيعية. ومن أمثلة ذلك رواية إظهار الإمام السجاد (ع) للذل أمام يزيد (٦٠-٦٤هـ). كما وُضعت روايات متعددة حول معارضة الإمام السجاد (ع) لقيام التوابين (خرسان، ١٤٢٨ق، ٥: ٣٥٨). وقد حاول الشيعة أيضاً أن يصوروا نشاط الإمام السجاد (ع) في إطار واجب الإمامة والدعاء، مثل: «أساليب الإصلاحات الاجتماعية عند الإمام السجاد» لمحسن جلالي، و«الإمام السجاد جهاد وأمجاد» لحسين الحاج حسن.

لذلك، من المحتمل أن تكون هناك تحريفات مهمة في التقارير المتعلقة بالإمام السجاد (ع). في مثل هذه الحالات، يجب الاستعانة بأساليب أخرى موثوقة في الدراسة التاريخية، مثل منهج دراسة الوثائق والشواهد. تشمل الوثائق التاريخية نطاقاً واسعاً يضم المستندات، والكتابات، والنقوش، والأواني، والمخطوطات، والأشعار، والدواوين، وغيرها، حيث يمكن الوصول إلى هذه المعلومات بشكل عرضي من مجموعات أخرى غير كتب التاريخ الإخباري، ويمكن الاستفادة منها في معرفة الظواهر التاريخية، مع احتمال ضئيل جداً لوقوع الوضع والتحريف فيها (پاكتچي، ١٣٩٤ش، ٤١). ومن أفضل المستندات التي يمكن الاستناد إليها في موضوع دعم أو عدم دعم الإمام السجاد (ع) لقيام التوابين هي النصوص الروائية المنسوبة إليه.

٣. ابن شهاب الزهري وتحريف صورة الإمام السجاد (ع)

محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، المولود سنة ٥٨ للهجرة، كان خادماً للأمويين ومستشاراً لعمر بن عبد العزيز (ابن كثير، ١٩٧٧م، ٩: ٣٤٠). وهو محدث شهير في القرن الثاني الهجري (العسقلاني، ١٣٧٩ق، ٩: ٣٩٦) وله مكانة ملحوظة في تحريف سيرة الإمام السجاد (ع) وحوادث القرن الأول الهجري.

كان من رجال بلاط الحكم الأموي، وجمع من هذا الطريق ثروة كبيرة (ابن حبان، ٢٠٠٠م، ٢٥٨). يعتبره أهل السنة إمام الحديث وثقة (العسقلاني، ١٣٧٩ق، ٧٧). ولكن من وجهة نظر علماء الشيعة، مثل الشيخ الطوسي وسيد بن طاووس والعلامة الحلي وغيرهم، لم يقتصر الأمر على مشايخ الزهري، بل تم تضعيف شخصه هو نفسه وسُمي بالعدو «الناصبي» (الطوسي، ١٣٤٨ق، ١١٩؛ الحلي، ١٤١٩ق، ٢٥٠).

سياسة عمر بن عبد العزيز، بسبب فشل سياسة العداء والشدة التي اتبعها الخلفاء السابقون مع أهل البيت (ع)، كانت تتسم باللين ونهج التقارب (عبد الستار، ١٩٩٦م، ٢٣١). في هذا السياق، لعب ابن شهاب الزهري دوراً رئيسياً في وضع الروايات التي تظهر أئمة الشيعة كموافقين لتيار الحكم الأموي (راسم، ٢٠٠٧م، ١٨٧) وتبرير أفعال الخلفاء وبعض الصحابة غير المقبولة لدى الشيعة الذين كانوا قد اكتسبوا قوة في ذلك الوقت، وإجبارهم على السكوت (غولدزيهر، ١٩٥٩م، ٥٨). يظهر اسم ابن شهاب الزهري في معظم الروايات التي تبرر أفعال الخلفاء الثلاثة المثيرة للاعتراض (البلاذري، ١٤١٧ق، ٥: ٥٥٢؛ السجستاني، ٢٠٠٢م، ٤٤٦).

من أهم إشكالات رواياته مسألة «مدار الإسناد»، بمعنى أن سند الرواية، خلافاً للمسار الطبيعي الذي يجب أن تنتشر فيه الرواية من طبقة إلى طبقة، ينفرد في طبقته هو، مما يعزز الرأي القائل بوضعه للأحاديث (حمودي، ٢٠١٤م، ٣٠؛ شاخت، ١٩٨١م، ١٨؛ موتسكي، ١٣٨٩ش، ١١١). كما يظهر اسمه في أسانيد روايات عن الإمام السجاد (ع). ويعتقد أهل السنة أن أصح الأسانيد هي التي تأتي عن طريق الزهري عن علي بن الحسين (ع) (ابن كثير، ١٤٠٧ق، ٩: ١٢٢).

سعى الزهري لرسم علاقة حميمة بينه وبين الإمام السجاد (ع)، فمثلاً يروي: «في مراسم الحج، أراني الإمام (ع) باطن الحجاج من بين إصبعيه» (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٩٦: ٢٥٨). الروايات التي وضعها ابن شهاب الزهري ذكية جداً، وتحمل جوانب تجذب انتباه الشيعة وتجعل بعض السذّج يسمونه محباً لأهل البيت (ع) (الخوئي، ١٤١٣ق، ٢٣: ٩٩). فمثلاً، يروي قائلاً: «لم أرَ أفقه ولا أتقى من علي بن الحسين (ع). عندما أُتي بعلي بن الحسين إلى يزيد، شكا إليه من بعض الأمور، فقبلها يزيد وأكرمه». وقد حاول أن يصور أن بيعة الإمام السجاد (ع) ليزيد كانت عن رضا (الدينوري، ١٣٦٦ق، ١: ٢٤١). وبناءً على ذلك، كان جهد الزهري منصباً على تقديم صورة للإمام السجاد (ع) تتوافق مع الحكم الأموي.

وقد شهد بأن أحب أهل البيت (ع) إلى مروان بن الحكم هو علي بن الحسين (ع)، وأن مروان، خشية من قلة نسل الإمام السجاد (ع)، أقرضه ١٠٠٠ درهم ليشتري جواري، وأمر عبد الملك ألا يسترد هذه الجواري من الإمام السجاد (ع)، وبذلك فإن جميع السادة الحسينيين هم من أموال مروان (أبو زرعة، ١٩٩٦م، ٤١٣). بالطبع، قد ردّ هذا الادعاء عالم شيعي (المرتضى العاملي، ١٣٥٥ق، ٧٠-٨١).

من إجراءات الزهري وأمثاله في تلك الفترة تبرير جرائم يزيد بنسبتها إلى رسول الله (ص). وقد أصبحت هذه المسألة في القرن الثاني الهجري، فيما يتعلق بالحكام الأمويين والعباسيين، طريقة معتادة تقريباً، حيث كانوا ينسبون أخطاءهم إلى النبي (ص). فمثلاً، الحكام العباسيون الذين كانوا أهل مجالس رقص وغناء وموسيقى، نقلوا عن النبي (ص) أنه قال: «من لم يتغنَّ فليس منا» (المروزي، ١٤٠٨ق، ١٣٩)، أو لكي يكسبوا لأنفسهم احتراماً ويقتلوا أعداءهم، وضعوا رواية تقول: حكم من سبّ رسول الله (ص) وخليفته هو القتل (العابديني، ١٤٣٣ق، ١٦٠-١٧٢).

في رواية، ينسب ابن شهاب الزهري أفعالاً إلى النبي الأكرم (ص) لتبرير أفعال يزيد الوحشية وغير الإنسانية في واقعة كربلاء، مثل مسألة منع الماء عن العدو في الحرب (الواقدي، ١٤٠٩ق، ١: ٥٦٨). لكن الإمام السجاد (ع) نفى هذه النسب وقال: «لم يجرِ النبي الأكرم (ص) عليهم إلا حدود الله» (الكليني، ١٣٧٥ش، ٧: ٢٤٥؛ حسينيان، ١٣٩٥ش، ٥٧-٧٢).

والجدير بالذكر أن ابن شهاب الزهري سعى حتى في تحريف حكم القصاص. يقول: «عندما ارتكب جريمة قتل عمد وشعر بتأنيب الضمير بسبب هذه المسألة، قال له الإمام السجاد (ع) أن يدفع الدية ولا يلزم القصاص» (التستري، ١٤٠٦ق، ١١: ٣٠٢).

٤. الإمام السجاد (ع) وأداء تعهدات الإمامة

علي بن الحسين (ع)، الإمام الرابع للشيعة، ولد في المدينة عام ٣٨هـ واستشهد بها عام ٩٥هـ عن عمر يناهز ٥٧ عاماً. دامت فترة إمامته ٣٤ عاماً. عاصر من الخلفاء الأمويين يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك (المفيد، ١٤١٣ق، ٢: ١٣٨).

الإمامة في بنية الفكر السياسي والثقافي الإسلامي هي عنصر الحياة وحقيقته، بحيث يكون الإسلام بدون إمامة فاقداً للحقائق والفعاليات اللازمة، بل هو دين جامد وناقص (المائدة: ٣) وجسد بلا حياة (الطباطبائي، ١٤١٧ق، ٣: ٣٠). وظيفة الإمام هي هداية الإنسان إلى طريق يجب أن يسلكه كإنسان للوصول إلى السعادة الدنيوية والأخروية (حسن جابر، ١٤١١ق، ١٠٦-١٣٦).

فيما يتعلق بالإجراءات السياسية للإمام السجاد (ع)، الصورة العامة هي أن الإمام، لأنه كان يعيش في ظروف من القمع، لم يكن بوسعه إلا الدعاء (الجلالي، ١٤١٨ق، ٨٠٧؛ رنجبر، ١٣٨٠ش، ٢٣-٣٣). عندما تولى الإمام السجاد (ع) الإمامة، واجه خيارين: إما أن يعترض و يُقتل أو يُنفى أو يُسجن مثل سائر القراء، أو أن يسكت ويؤيد ضلال الحكم الأموي. لكن الإمام السجاد (ع) سعى لأداء واجبه على أكمل وجه. فقام بإحياء الجانب الروحي والأخلاقي للمجتمع الذي كان يتجه نحو الهاوية، ورفع الفقر والمعاناة عن الناس من خلال المساعدات الليلية والسرية (البغدادي، بدون تاريخ، ٣-٢٣).

ينبغي الالتفات إلى أن أهم واجبات أي إمام، وبالتالي الإمام السجاد (ع)، هي تبيين الأحكام الشرعية والسعي لإقامتها. في هذا المجال، كان اهتمام المؤرخين والمتكلمين بأداء الإمام السجاد (ع) مصحوبًا بالضعف والتقصير.

من أهم عواقب إجراءات عمر بن الخطاب في منع نقل وتدوين الروايات الفقهية والعمل بسنة النبي (ص) (البخاري، ١٤٢٢ق، ٦: ٩)، وفي المقابل، توسيع استخدام الرأي والقياس في الأحكام الفقهية (طه حسين، ١٩٦٦م، ٨٣)، ما أدى بسرعة، وفي أقل من ٦٠ عامًا، إلى أن تُترك سنة النبي الأكرم (ص) بالكامل، ولم يسمح الحكام الأمويون وولاتهم، خاصة الحجاج بن يوسف الثقفي، بإقامة سنة رسول الله (ص) في المجتمع بأي شكل من الأشكال (البلاذري، ١٤١٧ق، ٢: ٣٧٤).

قام الإمام الحسين (ع) لإحياء وإقامة الأحكام الشرعية، لكن قيامه قُمع بشدة وقُتل ظلمًا. تولى الإمام السجاد (ع) الإمامة في ظروف ارتكب فيها الحكام الأمويون جريمة حكمها القصاص. لذلك، كانت من أهم واجباته تبيين وإقامة هذا الحكم الشرعي وتبيين واجب الناس الذين قصّروا في نصرة الإمام الحسين (ع).

كان الإمام السجاد (ع) يتواصل مع الناس في المدينة في حلقات درس لتعليم الفقه والتفسير، وربّى تلامذة مثل سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم. كان يشتري سنويًا ١٠٠٠ عبد ويعلمهم ثم يعتقهم. وفي بعض فترات حكم الأمويين، كان يخطب كخطيب لصلاة الجمعة أيضًا. ولكن، كان أهم تواصل للإمام مع الحركات الفكرية في موسم الحج والتواصل مع القراء. الاحترام الخاص للإمام السجاد (ع) في موسم الحج، وفتح الطريق له لاستلام الحجر الأسود في زحام الحج، ومشاركة القراء في حلقات التفسير في وقوف مشعر ومنى، كلها تدل على اهتمام الناس بالتواصل مع الإمام السجاد (ع) (مدرسي، ١٣٧٢ش، ٥١-٦٥).

١-٤. دور الإمام السجاد (ع) في إحياء الحكم الشرعي للقصاص

الحكم الشرعي للقصاص هو أهم حد شرعي (المرعشي، ١٤١١ق، ١: ٣٩). وقد وصلت إلينا روايات متعددة تتعلق بالقصاص عن الإمام السجاد (ع) (الطبرسي، ١٤٠٣ق، ٢: ٣١٩). كان الإمام السجاد (ع) يمتنع حتى عن تأديب جارية أو ضرب حيوان لترويضه، وكان يشير في تعليل ذلك إلى حكم القصاص: «حَجَجْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْماً وَ هُوَ عَلَى ناقَةٍ لَهُ، فَالتَاثَتْ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ القَضِيبَ، فَأَشَارَ عَلَيْهَا بِهِ، وَ قَالَ: لَوْلا خَوْفُ القِصاصِ لَفَعَلْتُ»؛ أي: «كنت أحج ذات يوم مع الحسين بن علي (ع) وهو على ناقته، فتمردت عليه، فرفع الإمام السوط وأشار به إليها وقال: لولا خوفي من القصاص لفعلت» (ابن حيون، ١٣٨٥ق، ٣: ٢٧٣). لا شك أن شخصية الإمام السجاد (ع) كانت معروفة كشخص لديه القدرة على القصاص، لدرجة أن ولاة الحكم الأموي، مثل هشام بن إسماعيل المخزومي (ت ٩٠هـ)، والي المدينة، كانوا يخشونه بشدة بسبب القصاص: «إِنَّ هَشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ المَخْزُومِيَّ كَانَ وَالِياً عَلَى المَدِينَةِ لِعَبْدِ المَلَكِ بْنِ مَرْوَانَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ المَلِكِ عَزَلَهُ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ وَأَوْقَفَهُ لِلنَّاسِ لِيَقْتَصُّوا مِنْهُ، فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنِّي لا أَخَافُ إِلا مِنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ» (الحسني، ١٤٠٨ق، ٣: ١٤٩).

لم يكن قصاص قتلة الإمام الحسين (ع) مسألة شخصية، بل كان يتعلق بتأمين الأمن وحق الحياة واحترام المؤمنين في المجتمع الإسلامي. فإذا قتل شخص آخر عمدًا، فحكمه القصاص، سواء تاب من ذنبه أم لم يتب، وإن كان العفو من ولي الدم مستحسنًا عند ندم القاتل. ولكن عندما يصر القاتل على ذنبه ولا يرجع عن خطئه، فإنه يشكل تهديدًا لأمن المجتمع. لذا يقول القرآن الكريم: «القصاص حياة للمجتمع» (البقرة: ١٧٨)، وقد أكد الإمام السجاد (ع) على هذه النقطة. يقول في هذا الصدد: «يا أمة محمد، وَ لَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ. القصاص مقرون بالمساواة، فمن همّ بقتل غيره، سيعلم أنه سيُقتص منه، فيكف عن القتل، وهذا حياة لمن كان سيُقتل، وحياة لمن سيُقتص منه وبالتالي لا يُقتل. وهو حياة لبقية الناس. إذا علموا أن القصاص واجب، فلن يجرؤوا على القتل. يا أولي الألباب، لعلكم تتقون. يا عباد الله، هذا قصاص من يقتلكم في الدنيا فتقتصون منه وتفنى روحه: «وَ لَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ» الآية وَ لَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فِي القِصاصِ حَيَاةٌ لِأَنَّ مَنْ هَمَّ بِالقَتْلِ يَعْرِفُ إِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ فَكَفَّ لِذَلِكَ عَنِ القَتْلِ الَّذِي كَانَ حَيَاةً لِلَّذِي كَانَ هَمَّ بِقَتْلِهِ، وَ حَيَاةً لِهَذَا الجَانِي الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ، وَ حَيَاةً لِغَيْرِهِمَا مِنَ النَّاسِ، إِذْ عَلِمُوا أَنَّ القِصاصَ وَاجِبٌ لا يَجْسُرُونَ عَلَى القَتْلِ مَخَافَةَ القِصاصِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ…» (الطبرسي، ١٤٠٣ق، ١: ٣١٩).

إن الدقة في المضمون ونوع البيان والمخاطب بين الإمام السجاد (ع) والناس في شكل خطبة، تظهر تشجيع الإمام على القصاص من قتلة أهل البيت (ع)، لأنه إذا لم يتم القصاص منهم، فستنشأ الجرأة على قتل الآخرين.

لقد عرّف الإمام السجاد (ع) بهذا البيان قصاص قتلة أهل البيت (ع) كأمر شرعي وعقلاني، واعتبره خاليًا من البعد الشخصي، لأنه إذا سمحت حكومة بقتل الأبرياء، فإن أمن وحياة ذلك المجتمع سيتعرضان للخطر. ولكن عدم الانتباه للسياق الموقفي لهذه الرواية جعل المفسرين يعتبرونها مجرد تفسير لآية القصاص (البحراني، ١٤١٦ق، ١: ٣٧٩).

كان الإمام السجاد (ع) طوال حياته متأثرًا بمسألة كربلاء، ولم يُخرج قصاص القتلة من برنامجه أبدًا. عندما أُتي برأس عبيد الله وشمر إليه، قال لأصحابه الذين كانوا يأكلون: «طيبوا نفساً وكلوا، فإن بني أمية يُحصدون، وليس عندي حلاوة أعظم من رؤية رأس هذين القاتلين» (النوري، ١٤٠٨ق، ١٦: ٣٥٦).

طُرحت مسألة عزلة الإمام السجاد (ع) عن المجتمع والسياسة والحكم بعد قيام عاشوراء في كتب التاريخ، وقد برر الشيعة هذه المسألة بشكل ما لأنفسهم (رنجبر، ١٣٨٠ش، ٢٣-٣٣). والحقيقة أن الشيعة رأوا صورة له رسمها مؤرخو أهل السنة، ولأسباب ما، قبل الشيعة وجهة نظر هؤلاء المؤرخين وحاولوا تبرير هذه العزلة.

لم يترك الإمام السجاد (ع) المجتمع لشأنه بعد قيام عاشوراء أبدًا، بل دعا الناس في قالب الدعاء إلى التوبة ونبّههم إلى خطئهم. ولكن التوبة من هذه الخطيئة الكبرى، أي إرسال الإمام المعصوم (ع) إلى المذبح، لم تكن أمرًا يمكن تحقيقه بالكلام، بل إن التوبة من هذه الخطيئة الكبرى لا تكون إلا ببذل الروح والقتل في سبيل الله والتوبة [2] والعودة إليه ممكنة، كما يقول: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ بِالعَمَلِ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ بِالكَلامِ» (الأربلي، بدون تاريخ، ٢: ٣١٢). لذلك، دعا الناس إلى التوبة والجهاد ضد الحكم الأموي. وقد وردت رواية في هذا الشأن عن سليمان بن صرد – تحت تأثير تعاليم الإمام السجاد (ع) في مجال التوبة – حيث شبّه أهل مجتمعه بقوم موسى. قال الله عنهم: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (البقرة: ٥٤)؛ أي جعل الله القتل كفارتكم. نحن مثل قوم موسى (ع) الذين كانت كفارة ذنوبهم التوبة وقتل أنفسهم، فكفارة ذنوبنا هي التوبة والجهاد الذي يؤدي إلى مقتلنا (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٩٦: ٢٥٨).

٥. الإمام السجاد (ع) وقيام التوابين

في إطار استكمال البرنامج الذي بدأه أمثال الزهري في سياق سياسة التقارب بين الشيعة وأهل السنة في بداية القرن الثاني الهجري (پاكتچي، ١٣٩٤ش، ١١٠)، كان لتقديم صورة سلبية عن قيام التوابين، وخاصة المختار الثقفي، دور مهم. إذ إن شرعية الحكم الأموي، خاصة في العراق، ظلت حتى بداية القرن الثاني الهجري موضع هجوم وانتقاد شديد من قبل قيام التوابين (جان محمدي، ١٣٩١ش، ١٠٩-١٥٢). لذلك، كان لا بد من إيجاد فصل بين قيام التوابين وتيار أهل البيت (ع) الذي لم يعد من الممكن إزالته من المعادلات السياسية في العالم الإسلامي. وبناءً على ذلك، بُذلت جهود في كتب أهل السنة لإظهار أن قيامه كان مجرد سعي للسلطة. وفي هذا السياق، وُضعت روايات كثيرة بين أهل السنة تدّعي أن المختار كان يدعي المهدوية (الدينوري، ١٣٦٦ق، ٥: ٣٥١)، أو أنه كان ناصبيًا وعدوًا للإمام علي (ع) (السجستاني، ٢٠٠٢م، ١٩٧). وفي هذا المجال، يلاحظ مرة أخرى دور ابن شهاب الزهري، ففي رواية نُسبت إلى المختار (٦٧هـ) الكفر والإلحاد والكذب على الله ورسوله (الصنعاني، ١٤١٧ق، ٥: ٣٠٠)، على الرغم من أن بطلان هذه الروايات قد بيّنه البعض مثل المامقاني والبلاذري والطبري وغيرهم، وأن هذه الروايات قد صنعتها ونشرتها الزبيريون (جان محمدي، ١٣٩١ش، ١٠٩-١٥٢).

جاء في هذه المصادر أن الإمام السجاد (ع) أنكر قيام المختار وشتمه (الواقدي، ١٤٠٩ق، ٣٢٨). وهذا الرأي موجود حتى بين محققي الشيعة، بأن قيام المختار لم يكن مؤيدًا من قبل الإمام السجاد (ع) (كشاورز، ١٣٩٤ش، ٦٥-٧٨). في حين أن قرائن مختلفة في التاريخ تخلق الاطمئنان بأن قيام التوابين، وعلى رأسه المختار الثقفي، لم يكن قيامًا من أجل السلطة (مرادي، ١٣٩٥ش، ٦٧-٨٥) وكان له هدفان مهمان: الأول التوبة، والثاني القصاص من قتلة أهل البيت (ع). ومهما كانت نتيجة هذا القيام، فلا شك في أنه كان أكبر قيام بعد استشهاد الإمام علي (ع) ومهّد لسقوط حكم بني أمية (خليف، ١٩٩٨م، ٧٣). وما أشار إليه بعض الشيعة لدعم الإمام السجاد (ع) لقيام المختار، هو بعض الأدعية التي دعا بها الإمام السجاد (ع) للمختار بعد القصاص من قتلة أهل البيت (ع). وقد اعتبر العلامة الشعراني عدم النهي وسكوت الإمام السجاد (ع) دليلاً على تقرير هذا القيام، واعتبر مستند قيام التوابين دليلاً قرآنياً (ساجدي فر، ١٣٨٢ش، ١٠١-١٠٧). ولكن يجب الانتباه إلى أن الدعم أو الدور في قيام التوابين يحتاج إلى أدلة أوضح.

١-٥. قيام التوابين نتيجة لإجراءات الإمام السجاد (ع)

تُظهر الدراسة التاريخية للوثائق والشواهد أن هذا القيام كان نتيجة لأنشطة الإمام السجاد (ع) نفسه في مجال إيجاد حركة التوبة. ومن المستندات التي تثبت هذه المسألة ما يلي: مسألة ارتباط الإمام السجاد (ع) بقراء الكوفة: كان بعض القراء من حواريي الإمام السجاد (ع). حواريو الإمام السجاد (ع) كانوا أنصاره الذين ينفذون الإجراءات التي يريدها. من هؤلاء الأفراد: سعيد بن المسيب، سعيد بن جبير، يحيى بن أم الطويل، أبو خالد الكابلي، إبراهيم بن الأشتر النخعي وغيرهم (الأشيقر، ٢٠١٤ق، ٢٦).

جاء في التاريخ أن القراء لم يكونوا يذهبون إلى الحج إلا في السنة التي يذهب فيها علي بن الحسين (ع) (الدينوري، ١٣٦٦ق، ٢: ٧). وقد ظن البعض أنه من المحتمل أن الإمام السجاد (ع) كان يعقد جلسات تفسير في مراسم الحج، وهذا يبدو فهمًا سطحيًا بسبب عدم معرفة القراء ومكانتهم في أحداث القرون الهجرية الأولى.

١-١-٥. دور القراء في حوادث القرن الأول الهجري

تُظهر دراسة مفهوم مصطلح «قراءة» و«قارئ» بالمنهج التاريخي أن «القارئ» كان دائمًا في القرن الأول الهجري يعني «رَجُلٌ مُتَنَسِّكٌ وَ عَابِدٌ» (الفراهيدي، ١٤٠٩ق، ٥: ٢٠٧؛ ولهاوزن، ١٩٧٦م، ٣١) أو الشخص الذي يقرأ الحكم في المحكمة (فيرلين، ٢٠٠٧م، ٥١). ولكن في القرن الثاني، تحولت القراءة إلى علم يتعلق بكيفية أداء كلمات وحروف القرآن، وأُطلق على القارئ الذي يقرأ القرآن بصفات مختلفة مثل الفرش، والإمالة، والمد، وغيرها (الزرقاني، ١٣٦٢ق، ١: ٤١٥). عندما يُقال للإمام السجاد (ع) «سيد القراء» (الذهبي، ١٤٠٧ق، ٥: ١١١)، فإن المفهوم هو «الأفقه». على الرغم من أن الإمام السجاد (ع) كان يتمتع بصوت جميل أيضًا، يؤثر في الناس بشدة (الفيض الكاشاني، ١٤١٦ق، ٩: ١٦٦٩).

كان القراء في القرن الأول الهجري هم الفقهاء الذين كانوا يتواجدون في الغالب في العراق (ولهاوزن، ١٩٤٤م، ٣٢). كانوا يتمتعون بروح عسكرية ودينية، وقد لعبوا دورًا مهمًا في حوادث مختلفة في القرن الأول الهجري، في موضوعات متنوعة مثل مقتل عثمان بن عفان، وحرب صفين (نصر بن مزاحم، ١٣٨٢ش، ١٩١)، وقيام التوابين، ووقعة الجماجم. كان دور القراء جديًا لدرجة أن سفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ) يقول: «لَوْ صَلَحَ القُرَّاءُ لَصَلَحَ النَّاسُ» (البيهقي، ١٤١٠ق، ٥: ٣٥٨).

لذلك، فإن مسألة أن القراء لم يكونوا يذهبون إلى الحج إلا في السنة التي يذهب فيها الإمام السجاد (ع) (الدينوري، ١٣٦٦ق، ٢: ٧)، تحمل رسالة للمؤرخ، وهي خبر عن تخطيط محدد لحركة عسكرية-سياسية. فمن الطبيعي أن يعترض القراء، بروحهم المتنسكة والفقهية، على حكومة كان ولاتها يفتقرون إلى أدنى نصيب من الفقه ويعملون بطريقة تخالف سنة النبي (ص). وفي سبيل حل هذه المعضلة، يبحثون عن حل في أجواء الحج، سواء بسبب عدم إزعاج ولاة الحكومة أو بسبب اجتماع المسلمين الذي كان ممكنًا. ولحل هذه المعضلة، كانوا سيبحثون عن حل، وهو ما حدث في لقاءات الإمام السجاد (ع) مع القراء في مراسم الحج.

كان الإمام السجاد (ع) في مراسم الحج وفي أيام الجمعة، في خطبه المختلفة، يحرض الناس علانية ضد الحكم الأموي، ويدعوهم إلى اتباع التوابين ويشجعهم على عدم تفويت فرصة هذه التوبة لتعويض ماضيهم (الفيض الكاشاني، ١٤١٦ق، ٢٦: ٢٤٨). هناك مستندات مختلفة في المجامع الحديثية الشيعية، ومع الانتباه إلى السياق الموقفي لهذه الروايات، لا يبقى شك في هذا الموضوع. وكانت هذه الخطب علنية أيضًا، لأنه في متن هذه الأحاديث، تظهر كلمات مثل: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، أَيُّهَا النَّاسُ، يَا عِبَادَ اللهِ» وغيرها (المرتضى العاملي، ١٣٥٥ق، ١١: ٣١٠). ولكن حكام الأمويين، بسبب شعورهم بالضعف والعجز أمام بني هاشم وخوفهم من إجراءات الإمام السجاد (ع) ودعم الرأي العام له، لم يكن لديهم القدرة على مواجهته. وقصيدة الفرزدق في أيام الحج حول الإمام السجاد (ع) دليل على هذا الموضوع (الأصبهاني، بدون تاريخ، ٢١: ٣٢٨).

٦. التوبة في الصحيفة السجادية

يمكن للتوبة، كأحد أهم الكلمات المفتاحية والموضوعات المحورية في الصحيفة السجادية، أن تكون شاهدًا تاريخيًا يوضح مكانة الإمام السجاد (ع) في إحداث حركة التوابين في القرن الأول الهجري. ستُدرس هذه المسألة في الصحيفة السجادية بطريقة تحليل المحتوى.

١-٦. تحليل محتوى مضمون التوبة في الصحيفة السجادية

تحليل المحتوى هو منهج بحثي لشرح محتوى الرسائل النصية بشكل منهجي وكمي، أو بعبارة أخرى، هو أسلوب يساعد على تحديد الخصائص المحددة للرسائل النصية بشكل موضوعي ومنظم (رضواني، ١٣٨٩ش، ١٥٦-١٣٧؛ بديعي، ١٣٧٦ش، ٤٢-٥٣). في طريقة تحليل المحتوى، وباستخدام القواعد العلمية والمنظمة والقابلة للتعميم، يتم الحصول على نتائج دقيقة من النص ومكوناته. في هذا النهج، يُسعى أولاً إلى تمييز هذه الأجزاء والأقسام المختلفة عن بعضها البعض، وثانيًا، إلى بيان العناصر المكونة لها بدقة (پاكتچي، ١٣٩٤ش، ٣١٠-٣٣٣). تتم تقنية تحليل المحتوى المضموني على أساس وحدة الجمل وبشكل كمي وكيفي، بناءً على الكلمات المفتاحية ومقارنتها بروايات الأئمة الآخرين. بالطبع، يجب الانتباه إلى أنه في هذا البحث، يتم تناول عملية تحليل المحتوى بالقدر الذي يُستشهد به لإثبات فرضية البحث، وليس الهدف هو تنفيذ عملية تحليل محتوى متخصصة.

١-١-٦. الدراسة الكمية للتوبة في الصحيفة السجادية

الاستغفار والتوبة هما أكثر الموضوعات تكرارًا في هذا الكتاب، وربما لا يحتاج الأمر إلى دراسة كمية للكلمات المفتاحية، ولكن للتأكد من إثبات ذلك، تتم مقارنة كمية بهذا الخصوص بطريقة تحليل المحتوى.

تُجرى مقارنة إجمالية لاستخدام بعض الكلمات المفتاحية المتعلقة بمفهوم التوبة في الصحيفة السجادية، مع بعض الأدعية الأخرى المنسوبة إلى سائر الأئمة (ع) أو كتاب دعاء ينسب لإمام آخر، مثل: مصباح المتهجد [3] أو الصحيفة العلوية [4]، بغض النظر عن صحة نسبة هذه الكتب. من حيث الحجم، فإن الصحيفة السجادية، التي ليست مجموعة كاملة من أدعية الإمام السجاد (ع)، تبلغ ٢٦٢ صفحة، ومصباح المتهجد ٩١٩ صفحة في مجلدين، والصحيفة العلوية ٦٦٤ صفحة. لذلك، وبناءً على الحسابات الاحتمالية، وبسبب الحجم الأكبر، يجب أن يكون للكلمات المختارة تكرار أعلى في كتاب مصباح المتهجد ثم في الصحيفة العلوية وفي المرحلة الأخيرة في الصحيفة السجادية. في حين أن المقارنة الكمية للكلمات المفتاحية لا تؤكد هذا الاحتمال.

كلمة «توبة» في الصحيفة السجادية ٣٢ مرة، في مصباح المتهجد ١٦ مرة في رواية الإمام السجاد (ع) و٢٨ مرة في روايات سائر الأئمة و١٢ مرة في الصحيفة العلوية. كلمة «إنابة» ٤ مرات في الصحيفة السجادية، ١٧ مرة في مصباح المتهجد في أدعية شهر رمضان التي هي أكثر من الإمام السجاد (ع) ومرة واحدة في الصحيفة العلوية. كلمة «استغفار» ٣ مرات في الصحيفة السجادية، ٣ مرات في مصباح المتهجد ومرة واحدة في قالب آية قرآنية في الصحيفة العلوية.

نقطة أخرى، مقارنة استخدام كلمة «أتوب» في الصحيفة السجادية مع الصحيفة العلوية، تظهر فرقًا معنويًا. «أتوب» ٣ مرات في الصحيفة السجادية و٤٧ مرة في الصحيفة العلوية، أي أن استخدام كلمة «توبة» في الصحيفة السجادية أكثر بكثير من الصحيفة العلوية.

الكلمات المفتاحية مصباح المتهجد الصحيفة العلوية الصحيفة السجادية
التوبة ١٦ مرة عن الإمام السجاد (ع) + ٢٨ عن سائر الأئمة ١٢ ٣٢
الإنابة ١٧ مرة وأكثرها على لسان الإمام السجاد ١ ٤
الاستغفار ٣ ١ ٣
أتوب ٤٧ ٣

على الرغم من أنه بسبب النقل بالمعنى في الروايات – مع وجود إلزام بالنقل باللفظ في روايات الأدعية – لا يمكن الاعتماد كثيرًا على الألفاظ كدليل قطعي، ولكن يمكن القول كقرينة:

١. موضوع التوبة في أدعية الإمام السجاد (ع) له أهمية وحجم أكبر مقارنة بنصوص أدعية سائر الأئمة (ع).

٢. الإمام السجاد (ع) في استخدام كلمة «توبة»، كان ينظر في الغالب إلى أمر كلي، وليس أمرًا شخصيًا.

٣. كلمة «توبة»، بالمقارنة مع الكلمات المترادفة مثل «استغفار» أو «إنابة»، تُعد كلمة مفتاحية.

٤. كما أن مفهوم التوبة والاستغفار ورد أكثر من أي شيء آخر في أدعية شهر رمضان، مثل دعاء أبي حمزة الثمالي الشهير أو سائر الأدعية التي وردت عن الصادقين (ع)، ولكنها من حيث الأسلوب والطريقة قريبة جدًا من أدعية الإمام السجاد (ع)، ومن المحتمل جدًا أن تكون هذه الأدعية مأخوذة أيضًا من الإمام السجاد (ع). على الرغم من أن أشهر رمضان ورجب وشعبان وذي القعدة هي أشهر يكون فيها مسألة الاستغفار مهمة، إلا أن أدعية الإمام السجاد (ع) في شهر رمضان لها حجم أكبر مقارنة بسائر الأئمة (ع) ومقارنة بأدعية الإمام السجاد (ع) في الأشهر الأخرى. المسائل المذكورة كلها مؤثرة في مسألة تحليل خطاب النص والواقع في الصحيفة السجادية.

٢-١-٦. الدراسة الكيفية لمفهوم التوبة في الصحيفة السجادية

إن دراسة محتوى أدعية الإمام السجاد (ع) في الصحيفة السجادية، ترسم صورة لفرد أو مجتمع يبدو ذنبه عظيمًا وغير قابل للمغفرة. على الرغم من أن هذه المسألة، أي الإقرار بالخطأ والذنب، موجودة أيضًا في أدعية الإمام علي (ع)، إلا أنها لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بما هو موجود في كلام الإمام السجاد (ع). التوبة من الكبائر التي هي جرم عظيم جدًا، بحيث يمكن حمل ما ورد في رواية الإمام علي (ع) على ترك الأولى، ولكن لا محالة، ما يستغفر منه الإمام السجاد (ع) هو ذنب كبير وجرم لا يمكن حمله على ترك الأولى ولا يمكن نسبته إلى الإمام السجاد (ع) بما هو مشهور عنه في التاريخ من ورع وتقوى. كما أنه من غير المنطقي أن يكون الإمام من باب التواضع قد غالى وأفرط في بيان الذنوب بهذا الشكل. جاء في دعاء الإمام علي (ع): «هَيْهَاتَ … لَا مُشْبِهَ لِمَا عَامَلْتَ بِهِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ بِرِّكَ وَإِحْسَانِكَ…» (الطوسي، ١٤١١ق، ٢: ٨٤٨). الإمام يعتبر نفسه من الموحدين ولا يفرط في ذم نفسه، ولكن في الصحيفة السجادية، طُلبت المغفرة من ذنوب لا يمكن أن يكون الإمام السجاد (ع) قد ارتكبها، مثل ترك نصرة المظلوم، وعبارات مثل: «عَصَيْتُكَ، قَبِيحُ مَا ارْتَكَبْتُ، نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ، مَعْصِيَةٌ اقْتَرَفْنَاهَا، ذَنْبٌ اجْتَرَحْنَاهُ، تَرْكُ إِغَاثَةِ المَلْهُوفِ، تَرْكُ مُعَاوَنَةِ المَظْلُومِ، مُجَاهَرَةٌ بِالظُّلْمِ، إِعْلانُ الفُجُورِ، تَضْيِيعُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ…». وفي موضع آخر، يقول الإمام (ع): «هَذَا مَقَامُ مَنِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ»، وهو ما يتناقض مع عدم تسلط الشيطان على المؤمنين (الحجر: ٤٢)، وبغض النظر عن مقام عصمة الإمام السجاد (ع)، فإنه لا يتوافق مع ما اشتهر من سيرته في التاريخ. هذه العبارات تظهر أن الإمام السجاد (ع) كان ينظر إلى مفهوم وموضوع يختلف عن موضوع الاستغفار في أدعية الإمام علي (ع).

تظهر بعض الكلمات والعبارات الأخرى أن الإمام السجاد (ع) يلوم الناس على اتباعهم للطواغيت ويطلب منهم أن يتقوا الله ويخافوه لا السلاطين، ويدعو الناس إلى التوبة ويعدهم بقبولها (الصدوق، ١٤١٧ق، ٩٣؛ الحاج حسن، بدون تاريخ، ١٤).

١-٢-١-٦. وجه تسمية قيام التوابين

قيامات التوابين كانت قيامات حدثت للثأر لدم الحسين بن علي (ع) وشعارها «يا لثارات الحسين» (الكوراني، ١٤٢٦ق، ٤: ٣٩٦). ولكن لم يشر أحد في الآثار المدروسة حتى الآن إلى كيفية انتشار تيار التوبة في الكوفة. تظهر الشواهد التاريخية أن رفاعة ومسيب بن نجبة الفزاري، من كبار القراء الذين التقوا بالإمام السجاد (ع) في مراسم الحج، كانوا أول من استخدموا كلمة «توبة» (ابن حيون، ١٣٨٥ق، ١: ٢٢٧).

في الكوفة والمدينة، بعد واقعة كربلاء والحرة، قُمع الناس بشدة ولجأوا إلى الموسيقى والغناء، ولم يظنوا أنهم سيُغفر لهم، وكانوا يقولون: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَ مَا أَرَاكَ فَاعِلًا» (سيد بن طاووس، ١٣٨٤ق، ١٧٢). ولكن الإمام السجاد (ع)، في المقابل، رفض هذا التصور الخاطئ وقال: «إن الله قد فتح باب التوبة، ويقبل توبة التائبين ويحبهم». وهكذا، صحح هذا الاعتقاد الخاطئ في المجتمع. «لو كانت ذنوبك بعدد قطرات المطر، لغفرها الله لك» (نفس المصدر، ١٣٨٤ق، ١٧٢).

كان الإمام السجاد (ع) يشجع الناس على مجالسة التوابين: «جَالِسُوا مَعَ التَّوَّابِينَ»، وينهى عن الإعراض عن القراء، أهم مجموعة داعمة للتوابين: «الرَّغْبَةُ عَنِ القُرَّاءِ» (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٩١: ١٢٦). مجالس التوابين كانت مجالس يُذكر فيها مصائب الإمام الحسين (ع) ويُبكى عليه، ويُكشف فيها عن حقيقة حكم يزيد وإجراءات الأمويين (المحدثي، ١٤٨٠ق، ٨٧). كان الإمام السجاد (ع) يتمنى أن يشارك في هذه المجالس، ولكن محل إقامته في المدينة كان بعيدًا عن مكان انعقاد هذه المجالس في الكوفة.

يظهر أحد الأبحاث أن نوع الكلمات المفتاحية التي استخدمها التوابون في خطبهم، مثل: ذرية ابن رسول الله وغيرها، كانت متأثرة بكلام وخطب زين العابدين (ع). لذلك، يمكن القول إن التوابين كانوا متأثرين تمامًا ببيان الإمام السجاد (ع) حتى من حيث استخدام الكلمات (زيتون، ١٣٧٦ش، ١٧٣-٢٠٦).

يسعى مؤرخو الشيعة لإثبات أن هذا القيام كان مؤيدًا من قبل الإمام السجاد (ع) من خلال بعض الشواهد مثل مسألة إهداء جارية للإمام السجاد (ع) من قبل المختار (البروجردي، ١٣٨٦ق، ٢٦: ١٩٦) أو الارتباط عن طريق محمد بن الحنفية، في حين أن الشواهد المذكورة تشير إلى أن الإمام السجاد (ع) نفسه كان منشأ ظهور هذه الحركة في المجتمع.

من الشواهد الأخرى أن معظم الأدعية التي تحتوي على مضمون التوبة، اشتهرت في شهر رمضان وعن الإمام السجاد (ع)، وقد سمى الإمام السجاد (ع) شهر رمضان بشهر التوبة. ورواية «هَذَا شَهْرُ التَّوْبَةِ» مشهورة عنه. هذه الرواية لم تُنقل إلا عن الإمام السجاد (ع) (الأبطحي، ١٤٢٣ق، ١٩١؛ الطوسي، ١٤١١ق، ٦١٠)، في حين أن بقية الأئمة المعصومين (ع) لم يختاروا مثل هذا الاسم لشهر رمضان، بل سموه شهر الصبر (المفيد، ١٤١٣ق، ٣٠٦؛ ابن البراج، ١٤٠٦ق، ١: ١٨٧). وهذه مسألة تاريخية ومسلم بها أن بداية قيام المختار كانت في منتصف شهر رمضان (أبو مخنف، بدون تاريخ، ٢٥٨).

بناءً على ذلك، إذا تم الالتفات إلى السياق الموقفي للصحيفة السجادية، فإن هذه النصوص يمكن أن تُعتبر تشجيعًا رسميًا للمشاركة في قيام التوابين. لأن التوبة كانت كلمة مفتاحية لها مفهوم واضح وتوجه سياسي في السياق الخطابي لذلك الزمان، ولا يمكن فصل الدعوة إلى التوبة عن حركة التوابين، كأن يقول الإمام: لا، ليس مقصدي من التوبة قيام التوابين، بل توبة أخرى. خاصة استخدام كلمة «مجالس التوابين» (الأبطحي، ١٤٢٣ق، ١٤٢)، التي لم تستخدم إلا مرة واحدة في دعاء أبي حمزة الثمالي في مجموعة الكتب الحديثية، ولم ترد في أي نص حديثي آخر. كان الإمام يتمنى: «قَرِّبْ مَجْلِسِي مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ»، لأن محل إقامة الإمام في المدينة كان يبعد مسافة كبيرة عن الكوفة. استخدام هذه الكلمة يدل على اهتمام الإمام (ع) بالتوابين ومجالسهم، ويمكن أن يكون مستندًا وشاهدًا تاريخيًا يوضح موقف الإمام السجاد (ع) من قيام التوابين، لأن الإمام السجاد (ع) وحده هو الذي استخدم مثل هذه الكلمة، ومجالس التوابين هي كلمة مفتاحية تاريخية لا يمكن تفسيرها بمعنى محفل التائبين، لأن التوبة بطبيعتها أمر فردي وليست مسألة جماعية.

كذلك، هناك تعاليم عن التوبة من الإمام السجاد (ع) لم تُنقل عن بقية الأئمة الأطهار (ع)، وتدل على حركة عامة في المجتمع نحو تيار التوبة، فمثلاً كان يأمر الناس للتوبة أن يصوموا شهرين متتاليين، أو أن يتصدقوا لقبول التوبة من الله، أو أن يدعو الأب والأم لقبول توبة ابنهما، أو أن يدعوا عند غروب الجمعة لقبول التوبة وغيرها (المحمودي، ١٣٦٢ش، ٦٤).

في رواية، جاء أن عباد البصري قال للإمام السجاد (ع): «تركت الجهاد لصعوبته وأقبلت على الحج لسهولته». فرد الإمام السجاد (ع) بتلاوة آية تظهر نوع جهاده: «التَّائِبُونَ العَابِدُونَ…»، وأكمل قائلاً: «إذا رأيت أفرادًا بهذه الصفات، فالجهاد معهم أفضل من الحج» (الكليني، ١٣٧٥ش، ٤: ٢٥٨). وفي هذه العبارة، شجع على الانضمام إلى قيام التوابين، لأن جماعات التوابين كانت تتشكل في ذلك الوقت.

في رواية أخرى، جاء أن رجلاً من قيام المختار في الكوفة اشتكى إلى الإمام (ع) وقال: «إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا». فأظهر الإمام باستخدام آية «وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا» (هود: ٥٠) أن المختار هو رسول الإمام نفسه، وكل من يكون معه ينجو، ومن لا يكون معه فهو من الهالكين (فرات الكوفي، ١٤١٤ق، ١٩٢)، وقال: «كيف تتوقعون أن يغضب الله على بني إسرائيل بسبب صيد السمك، ولكن لا يعذب قتلة ابن رسول الله (ص)؟» (الحسن بن علي، ١٤٠٩ق، ٢٧٠).

٧. نتائج إجراءات الإمام السجاد (ع)

قام الإمام السجاد (ع) بتصميم ذكي لقيام التوابين، ونفذ عدة إجراءات مهمة: هداية الناس إلى الطريق الصحيح ووقف تيار الانحراف الذي نشأ في المجتمع الإسلامي وكان يدمر الإسلام. أظهر الإمام بأداة الدعاء للناس أنه يجب عليهم العودة إلى الله، لكن التوبة من هذا الذنب لم تكن ممكنة باللسان، بل كانت تتطلب تعويضًا عمليًا تخلى عنه الناس، وهو بذل النفس في سبيل الله والجهاد. لأن التوبة من كل ذنب تتناسب مع ذلك الذنب، فمثلاً للتوبة من أكل مال اليتيم لا يمكن الصيام، بل التوبة منه تكون بإعادة المال إلى اليتيم، والتوبة من إرسال الإمام الحسين (ع) إلى المذبح تكون بالقصاص من القتلة، مصحوبة ببذل النفس.

كما تم اتخاذ خطوة مهمة نحو تدمير حكم الأمويين الظالم، لأن القيامات المتعددة للتوابين أدت إلى ضعف وفي النهاية تدمير حكم الأمويين. لذلك، لا يمكن القول إن الإمام السجاد (ع) اعتزل الساحة السياسية واختار طريق العزلة، بل كان كفاعل سياسي له التأثير الأكبر في تشكيل تحولات القرنين الأول والثاني الهجريين. كان يخطب كل جمعة ويحرض ضمنيًا ضد الحكم الأموي (الطبرسي، ١٤٠٣ق، ٣١٩).

أُعيد الاحترام المفقود لآل البيت (ع)، بحيث لم يجرؤ أي من الحكام الأمويين والعباسيين بعد ذلك على ارتكاب وقاحة يزيد، ونال جميع قتلة أهل البيت (ع) جزاء فعلتهم واقتص منهم. جاء في رواية أن الحجاج بن يوسف الثقفي كتب في رسالة إلى عبد الملك بن مروان: «إذا أردت أن يستمر حكمك، يجب أن تقتل علي بن الحسين (ع)». لكن عبد الملك بن مروان رد قائلاً: «لن نسرف في دماء بني هاشم بعد الآن…». هذا الحوار يظهر عدة أمور:

١. أن الحكم الأموي لم يكن غافلاً عن إجراءات الإمام السجاد (ع) التي أدت إلى تدمير الحكم الأموي، وكان الفاعل معروفًا تمامًا.

٢. يظهر خوف الحكومة من الإمام السجاد (ع) وبني هاشم، لأن جميع قتلة الإمام الحسين (ع) قد اقتص منهم، لذلك كانوا يعتبرون قتله علانية مخالفًا لمصالح وبقاء حكومتهم. لذا، لم يكن عبد الملك وحده، بل جميع الحكام اللاحقين، يحافظون ظاهريًا على احترام أهل البيت (ع) (خليل رزق، ٢٠٠١ق، ٤٢-٤٨). لدرجة أن عمر بن عبد العزيز، الذي كان حاكمًا أمويًا ويعمل في سياق سياسات حكام الأمويين وأهل السنة، وكان الكثيرون يعتبرونه عمر الثاني وشبيهًا جدًا بعمر بن الخطاب (عبد الله بن عبد الحكم، ١٤٣٠ق، ٥٠)، كان يظهر في الظاهر أقصى درجات الاحترام لأئمة الشيعة (ع)، لدرجة أنه في إعادة بناء المسجد النبوي (ص)، حيث عُطلت جميع حلقات دروس الفقهاء، لم يُعطل درس الإمام الباقر (ع)، وأمر بأن يتم الإصلاح بحيث تستمر حلقات درس الإمام (ع) (علي الصغير، ٢٠٠٤م، ٧١). لا ينبغي أن نعتبر هذا الاحترام بسذاجة ناتجًا عن المودة، لأن علاقة عمر بن عبد العزيز بأستاذه مالك بن أنس كانت بلا شك أكبر من علاقته بالإمام الباقر (ع)، ولكن المسألة كانت الخوف الذي كان موجودًا في قلوب حكام الأمويين وبعدهم في قلوب حكام العباسيين من بني هاشم. كان الأئمة (ع) بعد هذه المرحلة التاريخية يُستشهدون بمكائد خفية، ولم يجرؤ الحكام الآخرون على ارتكاب جرأة يزيد، لأنهم كانوا على علم تام بنتيجة هذا الفعل التي كانت القصاص.

٣. من أهم نتائج الإجراءات السياسية للإمام السجاد (ع) إيجاد روح الأمل والحركة مجددًا في المجتمع الإسلامي. بإجراءات الإمام السجاد (ع)، تم تمهيد الطريق لنشاط الصادقين (ع)، ليتم تبيين الأحكام الشرعية المتروكة مجددًا من قبلهم (علي دخيل، ١٩٧٤م، ٧٠) ويُحيا الفقه الإسلامي مجددًا. في النهاية، تحقق هدف الإمام الحسين (ع) من قيام عاشوراء، وهو إحياء سنة جده. وعلى الرغم من أن هذه العملية استغرقت حوالي قرن، إلا أنها أدت في النهاية إلى النصر، لأن حكام بني أمية، بسبب عدائهم للإمام علي (ع)، كانوا يعارضون بشدة الفقه والأحكام الشرعية، وبقي الفقه متروكًا (نفيسي، ٢٠٠٧م، ٩٤).

٤. يقول الإمام السجاد (ع): «إِنَّهُمْ أَضَاعُوا الصَّلَوَاتِ… كِتَابُكَ مَنْبُوذٌ…». هذه العبارات تدل على ترك سنة النبي (ص) في الحكم الأموي، ولكن الصادقين (ع)، باتباع سياسات الإمام السجاد (ع) الحكيمة، بيّنوا جميع الأحكام المعطلة، وعاد المجتمع الإسلامي بعد قرن إلى سنة رسول الله (ص)، ولم يصل تيار استخدام الرأي والقياس إلى نتيجة (ابن شهر آشوب، ١٣٥٣ق، ٣: ٣٧٣).

٨. الخلاصة

١. وفقًا لأقوال المحققين، تُظهر دراسة الروايات وكتب تاريخ القرن الأول الهجري أن هذه الكتب كُتبت بتوجه سياسي ووفقًا لمصالح الحكم الأموي والعباسي، وفي هذا السياق، تم تحريف أي حدث لم يكن متوافقًا مع مصالحهم.

٢. من هذه الموضوعات سيرة الإمام السجاد (ع) ودوره في تشكيل قيام التوابين، وتبيين الأحكام الشرعية وغيرها. قدم المؤرخون صورة منعزلة ومتوافقة مع جهاز الأمويين عن الإمام السجاد (ع). ولكن في المقابل، قدموا صورة فاسدة عن قيام التوابين، وخاصة شخصية المختار، وقدموا الإمام السجاد (ع) كمعارض لهذا القيام.

٣. كان سبب تقديم مثل هذه الصورة عن قيام التوابين هو أن هذا القيام هدد باستمرار على مدى ١٠٠ عام شرعية الحكم الأموي وحتى خلفائهم العباسيين. ولكن الحقيقة هي أن قيام التوابين تشكل بإجراءات وتخطيط من الإمام السجاد (ع) في سياق تيار التوبة والقصاص من قتلة الإمام الحسين (ع).

٤. دعا الإمام السجاد (ع) الناس إلى التوبة وفي أجواء الحوار في الحج، دعا القراء إلى الجهاد ضد الحكم الأموي والقصاص من قتلة الإمام الحسين (ع) وأصحابه.

٥. أسقط الإمام السجاد (ع) أولاً حكم الأمويين، وثانيًا أعاد الاحترام المفقود لأهل البيت (ع) بحيث أصبح حكام الأمويين والعباسيين يخافون بشدة من بني هاشم ولم يجرؤوا أبدًا على الاعتداء العلني عليهم. ثالثًا، أدت هذه التدابير إلى ظهور ظروف تمكن فيها الصادقان (ع) في القرن التالي من إحياء الأحكام الشرعية المعطلة، وعاد المجتمع الإسلامي بعد قرن من استخدام الرأي والقياس إلى اتباع سنة النبي الأكرم (ص) مجددًا.

٦. يوضح هذا البحث أنه يمكن الاستفادة من المصادر الروائية كشواهد تاريخية في تبيين الظواهر التاريخية. يمكن أن يكون تأريخ الروايات والاهتمام بالسياق الموقفي للروايات مؤثرًا في تبيين مدلول الروايات وحل معضلات علم تاريخ الإسلام.

الهوامش

1. يستخدم مصطلح التقرير حينما يقدم شخص ما معلومات عن واقعة تاريخية بشكل واعٍ (زرين كوب، ١٣٦٢ش، ١١٢).

2. هذه الرواية وإن وردت في كتاب الاحتجاج، إلا أنها أصبحت مستنداً للفقهاء والأصوليين في أحكام القصاص. وعليه، فإن شهرة عمل الفقهاء تجبر ضعف السند (الحلي، ١٤١٩هـ، ٣: ٥٩٤).

3. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، أو المصباح الكبير، من تأليف الشيخ محمد بن حسن الطوسي، عالم القرن الرابع الهجري، وهو يشتمل على روايات أدعية الأئمة الأطهار (ع).

4. الصحيفة العلوية، من تأليف الشيخ عبد الله السماحجي، عالم القرن الثاني عشر الهجري، وهي تشتمل على روايات أدعية الإمام علي (ع).

Scroll to Top