الملخص
على مر التاريخ، سعت العديد من المصادر، من خلال ذكر عهد النبي (ص) وميثاقه مع الإمام علي (ع) وربطه ببيعة الخليفة الأول كأحد وقائع ما بعد رحيل النبي، إلى تبيين أداء الإمام علي (ع) بأهداف مختلفة. تتضمن الخطبة 37 من نهج البلاغة، من وجهة نظر البعض، بيانات من الإمام تُعد من مستندات تبرير بيعة علي (ع) للخليفة الأول، بينما يرى آخرون أنها بمدح الإمام لالتزامه بميثاق النبي (ص)، قد هيأت الأرضية لبيعة الناس للخليفة في تشكيل الحكومة. تسعى هذه المقالة، باعتماد المنهج الوصفي التحليلي، وبعد التحقق من اعتبار الخطبة من حيث الصدور، إلى تحليل سياق وأجواء صدورها وتوضيح دلالات هذا الكلام. وفيما يلي، تتم دراسة المستندات الحديثية والتاريخية لهذه الرؤية. لم يتناول الشارحون التحقق من صحة هذه الخطبة في أي عصر من العصور، والمصادر الموجودة تخلو من هذا الكلام. ومن الناحية السياقية، تشير الخطبة، خلافًا لرأي البعض، إلى عهد وميثاق وبيعة الناس للإمام بعد مقتل عثمان، والاستشهاد بالميثاق المذكور في أقوال وأفعال الإمام لإثبات رضاه عن خلافة الخليفة الأول يحتل مكانة ضعيفة جدًا.
١. طرح المسألة
تُعد بيعة الإمام علي (ع) للخليفة الأول قضية ذات أهمية سياسية ودينية على حد سواء. تكمن الأهمية السياسية للموضوع في أن بيعة الإمام، كما صرح البعض، يمكن أن تشير إلى أن الأصالة في الحكم والقرار السياسي تعود لرأي الناس، وليس للنص وتنصيب الإمام مكانة بارزة. أما الأهمية الدينية، فتكمن في أن هذا الأمر بالذات هو أحد الموضوعات التي أدت إلى تفاقم الخلافات المذهبية بين أهل السنة والشيعة، واتخذت جماعات مثل السلفية والوهابية وأمثالهم هذا الموضوع ذريعة لاستحلال دماء الشيعة وقمعهم.
أصبحت الخطبة 37 من نهج البلاغة، كأحد المستندات الحديثية لتفاعل علي (ع) مع الخلفاء وتبيين فلسفة بيعة الإمام للخليفة الأول، عاملاً أدى إلى أن يستنتج بعض أهل السنة، ضمن تأييدهم لبيعة الإمام للخليفة الأول، أن الرضا بالقضاء الإلهي وعهد النبي (ص) وميثاقه معه كان العامل الرئيسي في هذا الموضوع. والجدير بالذكر أن آثار هذه الرؤية تظهر في كتابات بعض الشراح الشيعة الأوائل لنهج البلاغة، مثل ابن ميثم البحراني. فهؤلاء، باستنباطهم الخاص من كلام الإمام، يستنتج أن الميثاق كان هو ما أوجب على الإمام السكوت بعد بيعة الناس لأبي بكر.
كانت نتائج هذه الرؤية على مر التاريخ أنه على الرغم من سعي الإمام لفترة وجيزة لإثبات أحقيته في تولي الحكم، ومحاولته تاريخياً بيان هذه المسألة، إلا أن ما حدث في الأصل كان هو الوفاء بالعهد والميثاق، لدرجة أنه في رأي أهل السنة، من خلال التأثير على النص الإلهي في إمامة الإمام وخلافته، نفوا دوره في المنصب الحكومي. من ناحية أخرى، اعتبر البعض عدم قيام الإمام بعمل فعلي في باب الحكم وفي تعيين الحاكم الإسلامي مؤشراً على أن الأصل والأساس في الحكم هو الناس وبيعتهم (للمثال، انظر: الحائري اليزدي، 1994م، 144).
على الرغم من الأهمية الدينية والسياسية للموضوع، وكما ذكرنا، لا تزال هناك خلافات كثيرة حول بيعة الإمام وأسبابها وكيفيتها، ولكل رؤية أدلتها وتبريراتها الخاصة. فقد ذكر مؤرخون مثل البلاذري (1394هـ.ش، 1: 586-587)، والدينوري (1410هـ، 1: 17)، والمقدسي (بدون تاريخ، 5: 66)، والمسعودي (1409هـ، 2: 301-302)، وابن سعد (1410هـ، 2: 240)، واليعقوبي (بدون تاريخ، 126)، أن بيعة الإمام تمت بعد ستة أشهر، أي بعد فترة وجيزة من شهادة السيدة فاطمة (س). لكن آخرين مثل الطبري (1385هـ.ش، 2: 443) يعتقدون أن الإمام أذعن للبيعة في اليوم الأول. كما أن هناك علماء آخرين لا يقبلون بأصل بيعة الإمام؛ ومن هذه المجموعة يجب الإشارة إلى الشيخ المفيد الذي ذكر مرة في كتاب “الجمل” رواية بيعة الإمام في غاية الضعف وعاملاً للفساد (1413هـ، 119)، وفي “الإرشاد” من باب النتيجة يكتب: “رأي محققي الشيعة وعقيدة الحق هي أن الإمام علي (ع) لم يبايع أبا بكر قط” (نفس المصدر، 56). وبما أن كلام الإمام في هذا الموضوع له جانب محوري وتحليله الصحيح يمكن أن يكشف عن جوانب خفية، ومن ناحية أخرى، قدم البعض أدلتهم بناءً على هذا الكلام نفسه، تحاول هذه المقالة أن تلقي نظرة جديدة على هذا الموضوع.
فيما يتعلق بخلفية الموضوع، يجب القول إن البخاري (ت 256هـ) في صحيحه، وابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في “الإمامة والسياسة”، والبلاذري (ت 279هـ) في “أنساب الأشراف”، والثقفي الكوفي (ت 283هـ) في “الغارات”، واليعقوبي (ت 284هـ) في “تاريخ اليعقوبي”، والطبري (ت 310هـ) في “تاريخ الرسل والملوك”، وابن أعثم (ت 314هـ) في “كتاب الفتوح”، والمسعودي (ت 346هـ) في “مروج الذهب ومعادن الجوهر”، والشيخ المفيد (ت 413هـ) في “الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد”، وابن الأثير (ت 630هـ) في “الكامل في التاريخ”، وابن أبي الحديد (ت 656هـ) في “شرح نهج البلاغة”، قد طرحوا موضوع بيعة الإمام لأبي بكر بشكل عام.
الميزة المهمة التي تظهر في هذه المصادر هي التوجه الروائي البارز جدًا، والذي نتج عنه بقاء الأقوال المختلفة دون تحليل. بالطبع، شكك الشيخ المفيد في “الفصول المختارة” و”الجمل” من خلال التحليل الكلامي في أصل بيعة الإمام. الكتب التي أُلفت في العصر المعاصر، مثل “السقيفة ودور عائشة في تاريخ الإسلام” للسيد مرتضى العسكري، و”علي من لسان علي أو حياة أمير المؤمنين علي (ع)” للسيد جعفر الشهيدي، و”تاريخ التشيع من صدر الإسلام إلى نهاية فترة الخلفاء الراشدين” لمحمد فخري، و”تاريخ وصفي-تحليلي لصدر الإسلام” لإبراهيم سيد علوي، و”اللوح البياني” لمصطفى دلشاد طهراني، هي كتب تناولت موضوع بيعة الإمام بشكل عام وقدمت تحليلات إلى حد ما، لكن الخطبة 37 من نهج البلاغة لم تُدرس في هذا الموضوع.
كما كُتبت مقالات في هذا الموضوع، مثل: “مقارنة منهج التأريخ عند الطبري وابن الأثير بناءً على رواية بيعة الإمام علي (ع) لأبي بكر” (تأليف إبراهيم محمدي، 1389)، وكما يتضح من عنوان المقال، يركز المؤلف على مقارنة منهج التأريخ لهذين المؤرخين في موضوع البيعة، وتوصل إلى أن منهج ابن الأثير تركيبي وسنوي بينما منهج الطبري روائي وسنوي.
مقالة أخرى بعنوان “الامتناع الأولي والقبول النهائي للخلافة من قبل الإمام علي (ع)” (تأليف حاجي زاده، 1393) نُشرت في هذا الموضوع، حيث يطرح المؤلف موضوع الحكم من وجهة نظر علي (ع)، ويذكر أسباب امتناع الإمام عن قبول الخلافة في البداية، خاصة انحراف الخلافة عن مسارها الأصلي، ثم يعتبر الحضور الجاد والواعي للناس والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع من العوامل التي أتمت الحجة على الإمام ليقبل الخلافة بعد عثمان. “إعادة قراءة زمان وسبب بيعة الإمام علي (ع) لأبي بكر” (تأليف محمد جواد ياوري، 1386) مقالة أخرى كُتبت في هذا المجال. يتناول الكاتب، ضمن دراسة سابقة البيعة وعناصر تشكيلها، أقوال مختلف المؤرخين الشيعة والسنة بشكل منفصل، وتوصل إلى أن بيعة الإمام تمت بالإكراه والضغط وبتأخير. وفي الوقت نفسه، لم يقم المؤلف في مقالته إلا بنقل جزء قصير من الخطبة 37 مرة واحدة ولم يقدم أي تحليل.
بما أن هذه الخطبة لها دور كبير في فلسفة بيعة الإمام، فإن هذا المقال، باستخدام معايير أجواء الكلام ودراسة سياقه، يبحث في مدى مكانتها في تبرير رأي القائلين بالميثاق، خاصة أن الكلام هو تقطيع من خطب مختلفة للإمام ومأخوذ من فترات زمنية مختلفة ويحتاج إلى دراسة صدورية وفقه حديثية لتوفير فهم واستشهاد صحيح لإثبات ميثاق النبي (ص). من ناحية أخرى، يبحث هذا المقال أيضًا عن حصة هذه الرؤية في المصادر التاريخية والحديثية الأخرى ويسعى إلى تبيين مكانتها. يتناول المقال القضايا المذكورة أعلاه بمنهج وصفي-تحليلي ويهدف إلى تقييم الآراء المختلفة للإجابة على هذا السؤال: ما هي المكانة التي تخصصها الخطبة 37 من نهج البلاغة لإضفاء الشرعية على بيعة علي (ع) للخليفة الأول وتبرير ميثاق النبي (ص)؟ وما مدى تطابق ما قيل عن الميثاق المذكور مع أقوال وأفعال الإمام؟
ما يميز البحث الحالي عن الكتابات الأخرى هو أنه على الرغم من الاستشهاد بالعهد والميثاق في الخطبة 37 في شروح نهج البلاغة والاستناد إليه في بعض الكتابات، إلا أن هذه الخطبة لم تدرس وتحلل بشكل مستقل. من ناحية أخرى، تمت كتابة المواد في ثلاثة مواضيع:
حول إمكانية أو عدم إمكانية بيعة الإمام، يمكن ذكر المسعودي (1384هـ.ش، 1: 146)، والشيخ المفيد (المصادر المذكورة سابقًا)، والطبرسي (1403هـ، 1: 83-84). باستثناء الشيخ المفيد الذي قدم تحليلاً كلامياً إلى حد ما في هذا الموضوع، فإن بقية الأعمال لها جانب روائي ونقلي بحت.
أما زمان وكيفية إنجاز هذا العمل في حال قبوله، فقد تناوله الطبري (1385هـ.ش، 3: 207)، وابن أعثم (1411هـ، 1: 45)، والبلاذري (1417هـ، 1: 587)، والبخاري (1422هـ، 4: 79)، وابن أبي الحديد (1340هـ.ش، 6: 48).
أما أسباب القيام بهذا العمل، والتي يمكن العثور على أثرها في كتابات ابن هشام (1409هـ، 4: 309) والسيد المرتضى نقلاً عن إبراهيم بن سعيد الثقفي (الموسوي، 1114هـ.ش، 3: 241).
وهكذا، فيما يتعلق بالابتكار، يجب القول: أولاً، ركزت هذه المقالة على الخطبة 37 من نهج البلاغة وبحثت في مسألة الميثاق. ثانياً، درست المصدر المعرفي لهذه الخطبة في أعمال الشيعة والسنة للكشف عن صحتها السندية. ثالثاً، اهتمت بسياق وأجواء صدور الخطبة، ومن خلال تحليل محتواها، درست الاستشهادات التاريخية والحديثية فيها للإجابة على سؤال البحث.
٢. المحاور الأساسية للخطبة السابعة والثلاثين من نهج البلاغة
يمكن دراسة المحاور الرئيسية لهذه الخطبة في قسمين. في القسم الأول، يقدم الإمام علي (ع) نفسه ويذكر خدماته في الإسلام باستخدام عبارات «فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا…». ثم يواصل ببيان أن “أذل الناس عندي عزيز حتى آخذ الحق له، وأقواهم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه”، فيطرح مكانته الحكومية أمام المظلومين والمستكبرين، ثم يصرح: “قمت حين وهنوا، وتقدمت حين تأخروا، ونطقت حين عيوا”. أي أنه في مواجهة العواصف والرياح العاتية التي أثارها العدو، وقفت كالجبل الراسخ ولم يكن هناك أي نقطة ضعف في حياتي. تستمر البيانات بعبارات: «أَتَرَانِي أَكذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلَا أَكونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِى فَإِذَا طَاعَتِى قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيرِی» (السيد الرضي، 1: 80؛ الخطبة 37)، والتي يمكن متابعتها في موضوعين. في القسم الأول يقول: من المستحيل أن أنسب كلاماً غير لائق إلى النبي (ص)، بينما كنت أول من صدقه. وفي القسم الثاني يضيف: بنظرة فاحصة، أدركت فجأة أنه قبل البيعة، كانت الطاعة لي واجبة، وعهد ميثاق آخر في عنقي.
٣. آراء الباحثين في تبرير البيعة بالميثاق
ابن ميثم، أول شارح شيعي لنهج البلاغة، يتبنى هذه النظرية: “الميثاق هو ما أوجب على الإمام (ع) السكوت بعد بيعة الناس لأبي بكر. وبالتالي، فإن معنى الجملة سيكون أن بيعة الناس لأبي بكر، بالنظر إلى أمر الخلافة، ألزمتني وأجبرتني على عدم المعارضة بعد إتمام البيعة” (البحراني، 1362هـ.ش، 2: 36).
كما يتبنى شارحو نهج البلاغة الآخرون، مثل الشوشتري (1376هـ.ش، 4: 65)، والمغنية (1358هـ.ش، 1: 238)، والهاشمي الخوئي (1358هـ.ش، 4: 142-143)، والموسوي (1376هـ.ش، 1: 298)، والخوئي (1291هـ، 99)، رأي ابن ميثم تحت هذه الخطبة. حيث يُرى في استشهاد بعض هؤلاء الشارحين جزء من رسالة الإمام بعد معركة الجمل، ويكرر آخرون كلام السابقين دون تقديم دليل عليه.
أحد الباحثين الآخرين، في باب تقيد الإمام بالعهود والمواثيق في الأمور السياسية، ضمن إشارته إلى هذه الخطبة، يكتب: “أمير المؤمنين علي (ع) في التزامه بالعهد والميثاق في جميع المجالات، ومنها المجال السياسي الذي يكون فيه هذا الأمر صعبًا للغاية، هو نموذج النماذج، ولم ينكث عهدًا قط حتى في أصعب الظروف، ولم يكسر ميثاقًا” (دلشاد، 1394هـ.ش، 78).
أما رأي أهل العلم من أهل السنة حول الموضوع قيد البحث، فهو أن الإمام لم يقم بأي إجراء للاستيلاء على الحكم، والسبب هو وفاؤه بالعهد والميثاق، والنص الإلهي ليس له مكانة في تشكيل حكومته (ابن أبي الحديد، 1340هـ.ش، 9: 248؛ صادق، بدون تاريخ، 11-13؛ القفاري، 1414هـ، 2: 698؛ اللالكائي، 1423هـ، 8: 1465). يُطرح الموضوع على هذا النحو: البيعة تدل على شرعية خلافة الخليفة. إذا كان للإمام مشكلة مع الحكومة في أوائل الخلافة، فقد حُلت هذه المشكلة بعد فترة، وببيعته الاختيارية، يتضح أن الإمام كان على علاقة جيدة بالخليفة الذي بايعه، في الحقيقة عندما رأى الإمام السلوك والأعمال المشروعة للخليفة الأول، رضي ببيعته (البغدادي، 1417هـ، 149).
قاضي محكمة علي قطيف، استنادًا إلى هذا الكلام، يرى أن سبب البيعة لأبي بكر هو عهد وميثاق الإمام مع النبي (ص)، ويصرح: “علي (ع) كان راضيًا بخلافة أبي بكر، وسبب هذا الأمر هو توصية النبي وعهده وميثاقه معه كواجب شرعي” (صادق، بدون تاريخ، 10-12).
محمدي يطرح هذا الموضوع بطريقة أخرى، فيكتب: يقول الشيخ الطوسي: “عدم قبول الإمامة كفر، كما أن عدم قبول النبوة كفر، لأن الجهل بكليهما على حد سواء” (المجلسي، 1403هـ، 8: 368)؛ ثم يتابع: هل علي (ع) عندما يعدل عن ذلك، يصبح كافراً؟ إذا كانت الإجابة لا، نقول: لقد حدث تناقض. كيف بايع علي (ع) أئمة الضلال الخائنين لوصية الرسول (ص)؟ السؤال هو: هل بايع أم لا؟ الأمر الثابت عند العامة هو أنهم بايعوا، وإذا اعتذرتم بأن ذلك كان من باب التقية، نقول: كيف تكون التقية ممكنة مع الإقرار بالبيعة بعد الخلافة؟ وهكذا يذكرون أمر الخلافة والإمامة بعد حكومتهم بقولهم: «رَضِينَا عَنِ اللَّـهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ … فَإِذَا طَاعَتِى قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيرِي»، (محمدي، بدون تاريخ، 1: 21). ومن القائلين بهذه الرؤية أيضًا، من باب الاستنتاج، يكتب: وهكذا أقبلوا على الصديق وبايعوا كما بايع المهاجرون والأنصار، لأن الكلام يدل على ذلك، وأبو بكر في ذلك اليوم كان أمير المؤمنين وخليفة المسلمين (إلهي ظهير، بدون تاريخ، 1: 63).
مما قيل يمكن استنتاج أن أهم سبب لنقل مثل هذه الرؤية من قبل القائلين بها هو تقطيع الكلام. علي قطيف وآخرون الذين، من أجل الوصول إلى هدفهم، قاموا بتقطيع كلام الإمام في نهج البلاغة بين «رَضِينا» و«فَنَظَرتُ» وبوضع عدة نقاط يسعون لإلقاء هدفهم، يحذفون كلام الإمام الذي يشير إلى الأخبار الغيبية من النبي (ص) ويقول: «أتظنون أني أكذب على رسول الله (ص) وأنا أول من صدقه؟».
٤. تحليل اعتبار الخطبة في تبرير بيعة الإمام للخليفة الأول
إن التحليل الدقيق للخطبة في المصادر الأولية، وسياق الكلام، والجغرافيا اللفظية، سيوضح مدى صحة الاستشهاد بالخطبة المذكورة وتحليل القائلين بعهد وميثاق النبي (ص). وفي هذا الصدد، من الضروري الانتباه إلى النقاط التالية:
١-٤. الاضطراب في مصادر الخطبة
على الرغم من أن البعض يحاول الاستشهاد بالخطبة في المصادر الحديثية، ويعتبرها مأخوذة من أمالي الشيخ الصدوق، وإعجاز القرآن للباقلاني، وعقد الفريد لابن عبد ربه، والمحاسن والمساوي للبيهقي (دشتي، 1368هـ.ش، 78)، إلا أن بيان الشارحين والمحققين يصور اضطرابًا في مصادر الخطبة، ولا يمكن إرجاع أي من مصادر أهل السنة والشيعة إلى نص نهج البلاغة بسبب تعدد أزمنة النقل وأساليب الخطاب المختلفة.
ابن أبي الحديد المعتزلي يعتبر الخطبة مختارات من خطب مختلفة للإمام أو مأخوذة من خطبة طويلة (1340هـ.ش، 2: 284)، وابن ميثم البحراني في القرن السابع الهجري، مع تكرار كلامه، يتجنب ذكر مصدر الخطبة أو نقل أجزاء أخرى منها، وهو ما يظهر في بعض الحالات؛ هذه الشكوك تعني أن الشارحين الأوائل لنهج البلاغة لم يتمكنوا من الوصول إلى مصدر السيد الرضي. من ناحية أخرى، من خلال دراسة المصادر المتاحة، نواجه هذه المسألة وهي أن المصادر المختلفة، بناءً على أهداف مختلفة، قامت بنقل جزء من هذا الكلام:
القسم الأول من الخطبة بعبارة: «فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا …» في الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، وأمالي وكمال الدين للصدوق، ورد بشكل خطابي ومختلف عن كلام الإمام في نهج البلاغة، بعبارة «فَقُمْتَ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا و مَضيتَ بِنورِ اللَّهِ إِذ وَقَفوا» (انظر: الكليني، 1407هـ، 1: 455؛ الصدوق، 1413هـ، 2: 593؛ نفسه، 1376هـ.ش، 241؛ نفسه، 1395هـ.ش، 2: 388).
كما تناولت مصادر أهل السنة نقل كلام الإمام بعبارات شبيهة بالمصادر المذكورة آنفًا. وبناءً على أقدم مصدر متاح، وردت هذه العبارة في “مسند البزار” في القرن الثالث. وفي العصور التالية، انتشرت بحيث قام بعده البغدادي الحنبلي في “السنة”، والترمذي في “نوادر الأصول في أحاديث الرسول (ص)”، والآجري البغدادي في “الشريعة” في القرن الرابع الهجري بنقلها. كما أن “إعجاز القرآن” للباقلاني، و”شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة” للالكائي، و”درج الدرر” للجرجاني في فترة قريبة من تدوين نهج البلاغة وفي القرن الخامس الهجري قد نقلوا المادة المذكورة. ومن المصادر الأخرى القريبة من عصر السيد الرضي، يمكن الإشارة إلى “المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل” لابن أبي يعلى، و”تاريخ دمشق” لابن عساكر (انظر: البزار، 2009م، 3: 138؛ الترمذي، بدون تاريخ، 3: 143؛ الآجري، 1420هـ، 5: 2341؛ الجرجاني، 1430هـ، 1: 769؛ ابن أبي يعلى، 1407هـ، 1: 128؛ ابن عساكر، 1415هـ، 30: 439؛ البغدادي، 1410هـ، 1: 283؛ الباقلاني، 1997م، 1: 144).
نتيجة دراسة المصادر تشير إلى أنه خلافًا لنهج البلاغة: «فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَ نَطَقْت حِينَ تَعْتَعُوا …» وردت بفارق عن «رَضِينَـا عَـنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ …» في مصادر أهل السنة، ولم يرد ذكر للعبارة الثانية في مصادر الشيعة.
من ناحية أخرى، على الرغم من اختلاف نقل الجزء الأول من نهج البلاغة في المصادر، فإن راوي نقل الكليني والصدوق والبزار والبغدادي واحد، وهو أسيد بن صفوان، صحابي النبي (ص). والآجري وحده في الشريعة رواه باختلاف سندي ونقلي عن الآخرين وبواسطة سويد بن غفلة، واستندت المصادر المتأخرة إلى سند البزار والبغدادي؛ مع ملاحظة أن سند نقل الكليني والصدوق واحد ومختلف عن مصادر أهل السنة.
أما النقطة الجديرة بالذكر حول المقطع الثاني من كلام الإمام، الذي يتبع عبارة «أَتَرَانِي أَكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلَا أَكونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيرِى»، فهي أنه لا يوجد أثر لهذه العبارات في مصادر الشيعة، و”تثبيت دلائل النبوة” للقاضي عبد الجبار هو المصدر الوحيد الذي ذكر كلا المقطعين بفارق بينهما (عبد الجبار، بدون تاريخ، 1: 286)، والمصادر الأخرى خالية من الجزء الأول، بحيث يمكن الإشارة إلى “المحاسن والمساوئ” للبيهقي و”الشريعة” للآجري البغدادي في القرن الرابع الهجري وقبل نهج البلاغة، و”أمالي” لابن بشران البغدادي في فترة قريبة من تدوين نهج البلاغة. كما يمكن ذكر “الانتصار” للعمراني و”تاريخ دمشق” كمصادر للنقل بعد نهج البلاغة (انظر: ابن عساكر، 1415هـ، 42: 443؛ الآجري، 1420هـ، 4: 1723؛ البيهقي، 1420هـ، 1: 23؛ العمراني، 1419هـ، 3: 840).
بناءً على الدراسات التي أُجريت، فإن النقطة الجديرة بالذكر هي أن المصدر المشترك الوحيد للمقطعين من كلام الإمام من بداية الخطبة هو “الشريعة” للآجري، حيث ورد المقطع الأول بعد وفاة أبي بكر، والمقطع الثاني هو كلام للإمام بعد معركة الجمل. كما أن نقل “المحاسن والمساويء” حول المقطع الثاني، كمصدر قبل “الشريعة”، هو كذلك.
يمكن تحليل احتمالات صدور الخطبة بناءً على ما ذكر على النحو التالي:
القسم الأول من كلام الإمام، بناءً على رأي السيد الرضي ومع عدم توفر وصول الشارحين إلى المصدر المعني، قد صاغ الإمام عبارات بهذا المعنى، وكانت هذه الأقوال شائعة في فترة ما، ولذلك دُوِّنت ودخلت في المصادر المعتبرة لكلا المذهبين.
في حال قبول الاحتمال الأول – الذي يصعب حاليًا التحقق من صحته بناءً على أقوال ابن أبي الحديد وابن ميثم – فإن نصوص أهل السنة والشيعة في القسم الأول من الخطبة متأثرة ببعضها البعض، وبالنظر إلى قرب زمن تدوين أقدم المصادر المتاحة – الكافي للكليني والسنة للبغدادي – فإن دراسة سياق الأقوال بخصائص المتحدث ونوع التفاعلات الوصفية والواصفة في تحديد مدى التأثر ستكون مفيدة جدًا.
الاحتمال الآخر في باب التأثر هو الاشتراك في راوي النقل، وهو أسيد بن صفوان. أي أن راوي النصوص في كلتا المجموعتين شخص واحد.
لا يمكن إبداء الرأي في القسم الثاني من الخطبة، ولا يزال الأمر غامضًا.
٢-٤. اضطراب مصداق الميثاق رهين اضطراب سياق الكلام
على الرغم من أن جميع شارحي نهج البلاغة، بسبب الاهتمام برأي ابن أبي الحديد، قسموا سياق كلام الإمام إلى أربعة أقسام وتابعوا تحليلاتهم في هذا الاتجاه، إلا أن ما يظهر بشأن نص كلام الإمام هو اضطراب في الارتباط السياقي للكلام، وبالتالي عدم الوصول الدقيق إلى مصداق الميثاق المذكور في هذا البيان.
ابن أبي الحديد، حول الخطبة 37، يذكر: “هذا الكلام مركب من أربعة فصول، كل منها لا يمتزج بالآخر ولا يتناسق معه، وكل قسم ينسب خصائص معينة إلى أمير المؤمنين (ع)، وقد جمعها السيد الرضي من خطبة أو كلام مفصل للإمام بعد معركة النهروان، شرح فيه وضعه منذ وفاة رسول الله (ص) حتى ذلك الوقت، ومزجها معًا، وجمعها كلها في شكل كلام واحد متصل، بحيث يتصور السامع أنها كلها في موضوع واحد متصل” (ابن أبي الحديد، 1340هـ.ش، 2: 284).
في تقسيم ابن أبي الحديد، يظهر اضطراب سياقي آخر، حيث إنه على الرغم من أنه يذكر الجزء الأول من كلام الإمام حتى عبارة: «وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكَهُ الْقَوَاصِفُ …» حول خصائص الإمام في زمن البعثة، إلا أنه في بقية كتاباته يربط هذا الكلام بأحداث ما بعد عثمان (1340هـ.ش، 2: 285). وفي نفس الفترة، يكرر ابن ميثم كلامه، ويعتقد أن كلام الإمام في هذا المجال يتكون من أربعة أجزاء وهو طويل جدًا، وقد اختار السيد الرضي جزءًا واحدًا (البحراني، 1362هـ.ش، 2: 93).
دراسة الشروح الأخرى تظهر عدم وجود اتساق في شرح كلام الإمام، وأحيانًا يربطون كلامه بزمن البعثة مثل ابن أبي الحديد، وأحيانًا بزمن عثمان، وآخرون يعبرون عن اعتقادهم بأن كلام الإمام مطلق ويشمل جميع فترات حياته وحكمه (انظر: السرخسي، 1373هـ.ش، 69؛ مكارم، 1375هـ.ش، 2: 384؛ مغنية، 1358هـ.ش، 1: 238؛ الخوئي، 1358هـ.ش، 4: 37؛ الموسوي، 1376هـ.ش، 1: 296).
عبارة «رَضِينَا عَن اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَه» التي هي استمرار لكلام الإمام، ترتبط بـ «أَتَرَانِي أَكذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلَا أَكونُ أَوَّلَ مَنْ کذَبَ عَلَیهِ»، حيث يُتابع من وجهة نظر مجموعة، أن سبب هذا البيان هو أن الإمام (ع) أدرك بفراسته أن جماعة قد اتهموه بالكذب فيما يتعلق بالأخبار التي نقلها عن رسول الله (ص) من أمور الغيب، بل وتجادلوا معه لفظياً، وذلك عندما قال الإمام (ع): “سلوني قبل أن تفقدوني” (انظر: الطالقاني، 1374هـ.ش، 1: 441).
المقطع الرابع من كلام الإمام (ع) وفيما يتعلق بالميثاق المذكور بعبارة: «فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِى فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَـیـری»، من وجهة نظر ابن ميثم، يمكن دراسته في محورين: إذا نظرنا إلى الكلام بمعزل عن المواضيع السابقة وبغض النظر عن السياق البياني، فإن هذا المقطع يشير إلى ميثاق رسول الله (ص) معه في عدم الاشتباك مع المخالفين. وهذا يعني أن ما يعطي مصداقية لتحليل الباحثين السابقين حول عهد وميثاق النبي (ص) مع علي (ع) هو عدم الانتباه إلى سياق كلام الإمام والغفلة عن المواضيع المذكورة سابقًا. ويضيف في هذا الصدد في شرح كلام الإمام: “ميثاق الناس مع أبي بكر بالنظر إلى أمر الخلافة، ألزمَني وأجبرني على عدم المعارضة بعد إتمام البيعة” (انظر: البحراني، 1362هـ.ش، 2: 93). ابن أبي الحديد أيضًا يكتب عن هذه العبارات: “هذه كلمات مقطوعة للإمام من كلامه يصف فيها حاله بعد وفاة الرسول (ص)” (ابن أبي الحديد، 1340هـ.ش، 2: 284). وقد رجح معظم الشارحين رأي ابن ميثم وسعوا في تبريره (انظر: السرخسي، 1373هـ.ش، 69؛ الخوئي، 1291هـ، 4: 145؛ مغنية، 1358هـ.ش، 1: 242).
الاحتمال الثاني في رأي ابن ميثم بناءً على سياق الكلام هو كالتالي: «لقد حمل الإمام على نفسه ثقل الخلافة مداراة للناس، وسيكون معنى كلامه: فكرت في صلاح أمري، فوجدت طاعة الناس لي في بداية البيعة واتفاقهم على قبول الخلافة، وهذا أدى إلى قبولي البيعة. في ذلك الوقت، أصبح ميثاقهم في عنقي، ولم أجد مفرًا إلا القيام بأمرهم، ولم يكن لي من الله إذن إلا الثبات في تنظيم أمور الخلافة، ولولا هذه الاعتبارات لتركت أمر الخلافة» (البحراني، 1362هـ.ش، 2: 93)، وهذا يعني أن الميثاق المذكور لم يكن ميثاق الرسول (ص) بل ميثاق الناس عن طريق البيعة.
مكارم الشيرازي أيضًا يذكر في رد رأي ميثاق النبي (ص): “ما يغيب عن ذهن هذا التفسير هو أن التعبير بـ«غيري» عن النبي (ص) ليس تعبيرًا مناسبًا” (1375هـ.ش، 2: 339-400).
بناءً على ما تقدم، في حال قبول اتصال النص وارتباطه بالمقاطع المختلفة، فإن نتيجة تحليل الارتباط السياقي للكلام بناءً على كلام ابن ميثم وبعض الكتاب، تتمحور حول أن استناد الإمام إلى العهد والميثاق هو الالتزام ببيعة الناس له، وذلك لأن، حسب رأي الشارحين، الأجزاء السابقة من كلام الإمام تتعلق بأحداث فترة عثمان، والإمام يواصل بالإشارة إلى البيعة ويتابع كلامه. وهذا يعني أن الإمام بهذا الكلام يجعل نفسه رهينة بيعة الناس، وبسبب هذه البيعة التي تمت في بداية حكمه، يثبت ويصمد. وإذا تصورنا الكلام بمعزل عن الاتصال الكلامي، فإن العبارة المعنية، في رأي الشارحين، تدل على ميثاق النبي (ص).
٣-٤. اضطراب أجواء صدور الخطبة
في بحث أجواء صدور الخطبة، بناءً على القسمين السابقين، تقدم المصادر المتاحة تحليلات مختلفة ومضطربة: المقطع الأول في مصادر الشيعة يتعلق بمدح علي (ع) بعد وفاته وعلى لسان شخص آخر، وفي مصادر أهل السنة، بعد وفاة أبي بكر وعلى لسان علي (ع) وفي مدحه. والمقطع الثاني من الخطبة في مصادر أهل السنة يُنسب إلى أحداث معركة الجمل، بينما هذا الجزء غير موجود في مصادر الشيعة.
كما أنه إذا أخذنا كلام ابن أبي الحديد، الذي يعتبر هذه الخطبة مختارات من كلام مفصل للإمام بعد واقعة النهروان، بعين الاعتبار، فإننا نواجه اضطرابًا أكبر في جغرافية كلام الإمام. وقد ذكرنا سابقًا أن كلام ابن أبي الحديد يُعد دليلاً على عدم وصوله إلى المصدر الذي استند إليه السيد الرضي، وحاليًا لا يوجد مصدر نقلي لتأكيد كلامه. لذلك، يعتقد مؤلف كتاب “قبس من نهج البلاغة”، بناءً على أقوال ابن أبي الحديد وغيره من الشارحين، أنه إذا كان الإمام قد ألقى هذه الخطبة بعد معركة النهروان، فإن تاريخها هو ذي الحجة سنة 37 أو 38 هـ.
الكليني نقل الجزء الأول من الخطبة عن الصحابي المذكور في مصادر أهل السنة، أسيد بن صفوان، وكتب: في يوم قبض روح أمير المؤمنين (ع)، امتلأ فضاء البيت والمدينة بالبكاء، وأصاب الناس الحزن، وأصيبوا بالدهشة كما في يوم وفاة النبي (ص). ظهر رجل باكيًا مسرعًا يسترجع ويقول: (اليوم انقطعت خلافة النبوة) حتى وقف عند باب البيت الذي كان فيه أمير المؤمنين (ع) وقال: «رحمك الله يا أبا الحسن، كنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدهم يقينًا، وأخوفهم لله، وأعظمهم عناءً، وأحوطهم على رسول الله (ص)، وآمنهم على أصحابه…». ثم يواصل بعد ذكر خصائص أخرى للإمام، بكلام قريب من نهج البلاغة يخاطبه ويمدحه قائلاً: «فَقُمْتَ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ نَطَقْتَ حِينَ تَتَعْتَعُوا وَ مَضَيْتَ بِنُورِ اللَّهِ إِذْ وَقَفُوا فَاتَّبَعُوكَ فَهُدُوا وَكُنْتَ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَ أَعْلَاهُمْ قُنُوتاً وَ أَقَلَّهُمْ كلاماً». مرة أخرى، وبفارق عدة كلمات، في تشابه كلامي مع نهج البلاغة، يتابع: «كنْتَ كَالْجَبَل لَا تُحَرَّكَهُ الْعَوَاصِفُ»، وأيضًا: «لَمْ يكُنْ لِأَحَدٍ فِيكَ مَهْمَةٌ وَلَا لِقَائِلِ فِيكَ مَغْمَزُ الضَّعِيفُ الدَّلِيلُ عِنْدَى قَوِى عَزِيزٌ حَتَّى تَأْخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ وَ الْقَوِي الْعَزِيزُ عِنْدَكَ ضَعِيفٌ ذَلِيلٌ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ وَالْقَرِيبُ وَ الْبَعِيدُ عِنْدَكَ فِی ذَلِک سَوَاءٌ» (انظر: الكليني، 1407هـ، 1: 455-457). وهذا يعني أن كلام علي (ع) في خطابه له، وبعد وفاته، يُقال على لسان شخص آخر، ويمكن تفسير السبب على النحو التالي: «شيخ كبير ضمن كل كلام أمير المؤمنين (ع) في هذه الخطبة في خطابه، ونسبه إليه في رثائه» (الحسيني، 1367هـ.ش، 2: 138).
السيد محمود الطالقاني له رأي جدير بالاهتمام في هذا الشأن، فيكتب: «السيد الحسيني لم يذكر مصدر هذا النقل، ولكن إذا كان كلام ابن أبي الحديد مبنيًا على أن السيد الرضي أخذ هذا الكلام من أربعة أماكن ومن أربع خطب لأمير المؤمنين (ع)، ودمجها مع بعضها في خطبة واحدة، فإن كلامه صحيح. والكلام المذكور أعلاه الذي ضمنه ذلك الشيخ الكبير في رثائه لأمير المؤمنين (ع) لا يبدو معتبرًا. في هذه الحالة، يجب على مؤلفي كتب الزيارة والدعاء أن يكونوا قد خلطوا بين اختيار السيد الرضي ودمجه وبين تلك الرواية التاريخية عن رثاء الشيخ الباكي» (1374هـ.ش، 439).
مصادر أهل السنة أيضًا لها ظروف مشابهة لمصادر الشيعة، وهذه المرة الخطب موجهة إلى أبي بكر بعد وفاته وعلى لسان الإمام. “السنة” لأبي بكر الخلال البغدادي، أقدم مصدر موجود، يذكر في هذا الشأن: عندما توفي أبو بكر الصديق، امتلأت المدينة بالحزن، وفزع الناس كما في يوم وفاة الرسول (ص)، فجاء علي (ع) مسرعًا باكيًا ومسترجعًا يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة؛ ثم يواصل بذكر فضائل أبي بكر على لسان الإمام بكلام شبيه بما في الكافي، وتستمر الخطبة كالمصادر الشيعية وبأسلوب خطابي موجه لأبي بكر، خلافًا لنص نهج البلاغة (انظر: البغدادي، 1410هـ، 1: 283-284).
رواية صدور الكلام حول المقطع الثاني من كلام الإمام مبنية على “المحاسن والمساويء” كأقدم نص موجود ومصدر للمصادر الأخرى على النحو التالي: عندما فرغ علي (ع) من قتال أهل الجمل، دخل عليه عبد الله بن الكواء وقيس بن عبادة السكري وقالا: يا أمير المؤمنين، في هذا المسير الذي سرته والناس يضربون أعناق بعضهم بعضًا، هل وصلت إلى رأي إذا حدثت فرقة في الأمة واختلاف في الدعوة، نجبك إذا كان لك رأي في ذلك؟ وإن كان لك عهد من رسول الله (ص) فبينه، فإنك أمين ومؤتمن. بناءً على نقل هذا المصدر، كان رد الإمام مشابهًا لنص نهج البلاغة، على هذا النحو: «وَالله لَئِن كُنتُ أَوّلَ مَن صَدَقَ بِـه لا أكون أوّل مَن كَذَبَ عَلَيه»، ثم يواصل: أقسم بالله أنه ليس لي عهد أو ميثاق من رسول الله (ص)، ولو كان الأمر كذلك، لما تركت إخوة تميم وعدي على منبر رسول الله (ص)؛ لم يُقتل النبي (ص) ولم يمت فجأة، بل مرض أيامًا وليالي، وعندما كان بلال يؤذن، كان يقول: أحضروا أبا بكر، فهو يعرف مقامي. وعندما توفي الرسول، نظرنا في أمورنا، وعندما رأينا الصلاة التي هي علم الإسلام وقوام الدين (في مكانها)، فضلنا رضا النبي (ص) في الدين على دنيانا ورضينا وسلمنا أمورنا لأبي بكر، وهو أيضًا أقام بيننا الكلمة الواحدة والدين الجامع.
ما يتعلق ببحثنا، بناءً على هذا الكتاب، هو أن الإمام بعد ذلك يظهر أنه شارك في أمور الخليفة الأول وكان راضيًا بأعماله، وعلى الرغم من أنه كان يعتقد أنه بعد وفاة النبي (ص)، بسبب قرابته من رسول الله (ص) وفضله، ستؤول إليه الحكومة، ولكن عندما فضل أبو بكر عمر على الرغم من كراهية معظم الصحابة، لم يكن الإمام مستاءً كغيره ورافقه الخليفة الثاني؛ وهو أيضًا أقام الوحدة والتآلف بين الجميع، وعندما كان يعطيه شيئًا أو يدعوه إلى الحرب، كان يقبل ويرضى بذلك. ثم يتطرق الإمام إلى ذكر شورى عمر، وبناءً على المصدر المذكور والمصادر الأخرى، يرى نفسه في عهد وميثاق على انتخاب الخليفة في هذه الشورى ويقول: “على الرغم من أني كنت أظن أن عمر سيجعلني خليفة له بسبب نفس الظروف والميزات، ولكن عندما جاء أمر الشورى، وأخذ عبد الرحمن بن عوف عهدًا وميثاقًا بطاعة الخليفة المنتخب من الشورى، وتولى عثمان مسؤوليتها، سررت بذلك لأنني بنظرة فاحصة أدركت أنه قبل البيعة، كانت الطاعة لي واجبة، وعهد ميثاق آخر في عنقي. لذلك، اتبعت عثمان وأديت حقه” (البيهقي، 1420هـ، 1: 24).
بناءً على ما تقدم، في المصادر المتقدمة والمتأخرة وبين شارحي نهج البلاغة، لا يوجد إجماع في الرأي حول أجواء الصدور، وكل من أهل السنة والشيعة – وفقًا لعقيدتهم – أوردوا أقوالاً شبيهة بنهج البلاغة في مصادرهم، وحاليًا، بسبب عدم الوصول إلى المصدر الذي استخدمه السيد الرضي، لا يمكن التحقق من صحة الكلام.
٥. تحليل ميثاق الرسول (ص) بناءً على المصادر الحديثية والآثار التاريخية
على الرغم من الاضطراب في الصدور والسياق في الخطبة 37 وعدم إمكانية قبول ميثاق الرسول (ص) بناءً على هذه الخطبة، في هذا الجزء، تتم دراسة مكانة عهد وميثاق النبي (ص) ومدى استناد الإمام إلى هذه المسألة من منظور نهج البلاغة والمصادر الروائية والتاريخية.
١-٥. مستندات القائلين بعهد النبي (ص) وميثاقه مع الإمام
بناءً على الدراسات التي أُجريت، فإن المستندات الحديثية للقائلين بعهد وميثاق النبي (ص)، في تبرير بيعة الإمام للخلفاء وخاصة الخليفة الأول، هي هذه الخطبة 37 ورسالة أخرى للإمام إلى أصحابه أثناء حرب النهروان، والتي سيتم تقييمها فيما يلي:
١-١-٥. الخطبة ٣٧ من نهج البلاغة
بناءً على نص نهج البلاغة، فإن القائلين بعهد وميثاق الرسول، من باب التسامح، لم ينقلوا كلام الإمام الذي كان ضد كلامهم، وحذفوا الجمل التي تدخل في فهم مرادهم، ووضعوا مكانها عدة نقاط، ونقلوه على شكل «رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ … فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِى فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَیری» (صادق، بدون تاريخ، 10-12)، وتعمدوا إحداث تقطيع في هذا الكلام؛ بينما إذا تم تجاهل تقطيع السيد الرضي وتم الاستناد إلى السياق، فإن كلام الإمام هنا مختلف ويُقال في مقطعين:
المقطع الأول يتعلق بالإخبار عن المستقبل والتنبؤ بالأحداث التي سمعها من رسول الله (ص)، وعندما أدرك الإمام أن مجموعة من جيشه يتهمونه بالإخبار عن النبي (ص) بشأن أحداث المستقبل والأخبار الغيبية، يجيبهم ببيان: «رَضِينَاعَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ» حتى «فَلَا أَكونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ»، لا أن تكون «رضينــا عــن اللــه» صلة بالخلافة، وإلا فإن جملة «أَ تَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ …» تقطع الارتباط بين الصدر والذيل وتجعله مضطربًا.
أما المقطع الثاني، فيتعلق بموضوع الخلافة وحال الإمام بعد وفاة النبي (ص)؛ عندما نسيت معظم الصحابة وصية رسول الله (ص) بشأن حق علي (ع) والإمامة والخلافة، أو تناسوها (انظر: السبحاني، 1424هـ، 50-51). من ناحية أخرى، هؤلاء الأفراد، بحذف عبارة: «أَتُرَاني أكذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلَا أَكونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ»، تجاهلوا بقية الكلام وأدلوا بتصريحات غير مرتبطة، منها: الأمر الثابت عند العامة هو أن عليًا (ع) بايع، وإذا اعتذرتم بأن ذلك كان من باب التقية، نقول: كيف تكون التقية ممكنة مع الإقرار بالبيعة بعد الخلافة؟ وهكذا يذكرون أمر الخلافة والإمامة بعد حكومتهم ببيان «رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ أَتَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِى فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَـیـری» (محمدي، بدون تاريخ، 1: 21).
بينما بناءً على نقل المصادر المتقدمة المذكورة لأهل السنة، فإن الكلام يتعلق بالخليفة الثالث وأمر الشورى، وليس كما يتصورون عن الخليفة الأول والرضا بالبيعة له.
٢-١-٥. مقطع من رسالة الإمام إلى شيعته
يعتبر عدد كبير من الباحثين الشيعة أن سبب الالتزام بالميثاق هو جزء من رسالة الإمام بعد استشهاد محمد بن أبي بكر، حيث ورد فيها: “لقد عهد إليَّ رسول الله (ص) ميثاقًا وقال: يا بن أبي طالب، لك ولاية أمتي، فإن ولوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله سيجعل لك مخرجًا” (الطبري، 1415هـ، 474؛ ابن طاووس، 1375هـ.ش، 248).
هذه المجموعة، لإثبات وجهة نظرها، دون الانتباه إلى سياق الكلام وفقط بالإشارة إلى محتوى الرسالة، تختار العهد والميثاق، وتثني على الإمام لوفائه بهذا الميثاق؛ كما يكتبون في هذا الشأن: “ما كان مقدمًا عند علي (ع) على كل شيء هو الالتزام بالعهود والمواثيق، وقد تحمل في هذا السبيل كل تلك الصعاب، لكنه لم يبتعد خطوة عن هذا الالتزام” (انظر: دلشاد، 1394هـ.ش، 79)، ويكتبون أيضًا: “من المحتمل أن يكون معنى الجملة هو: الواجب الذي كان عليَّ والعهد الذي كان في عنقي هو طاعة الله ورسوله (ص)، وقد أمرا بالسكوت، فسكتُّ” (منتظري، بدون تاريخ، 2: 577).
الرسالة المعنية قابلة للدراسة من جانبين: زمن الكتابة ودراسة المحتوى.
١-٢-١-٥. زمن كتابة الرسالة
بناءً على نقل المصادر، كُتبت رسالة الإمام عند عودته من معركة النهروان (38 هـ) وبسبب سؤال جماعة عن أبي بكر وعمر وعثمان وموقف الإمام منهم، وأمر بقراءة هذا المكتوب على عامة المسلمين؛ معنى هذا الكلام هو أن الإمام حتى ذلك الوقت لم يشر إلى هذا الموضوع في أي وقت وفي أي كلام، ولم يرد عنه كلام في المصادر الأخرى.
٢-٢-١-٥. محتوى الرسالة
بالنظر إلى ما قبل وما بعد الرسالة، يظهر أهمية الموضوعات من وجهة نظر الإمام، والتي يمكن دراستها في محورين:
١. الإشارة إلى حقه المغصوب: في الرسالة المعنية، قبل الإشارة إلى عهد وميثاق النبي (ص)، يُتابع الأمر في اثني عشر مقطعًا، منها ما يمكن الاستناد إليه من حديث الثقلين، وواقعة غدير خم، والبيان الصريح بعبارات مثل: «فاستأثروا بأمرنا وغصبونا حقنا»، و«قبض الله محمداً (ص) وأنا أقرب إليه من هذا القميص الذي أرتديه، ولم يخطر ببالي ولم يدر في خلدي أن الناس سيتحولون عني إلى غيري، فلما تباطأوا في تفويض الولاية إليّ، حاولوا أن ينتزعوها مني». كما يضيف في بيان آخر: «إن لي على هذه الأمة حقًا، كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وسلموا إليه حقه، قبله بالشكر، وإن أبطأوا في تسليم حقه، أخذه دون أن يشكرهم».
٢. الإشارة إلى تعدي الحكام وقريش على أهل البيت (ع): من خلال دراسة محتوى الرسالة، يُطرح الموضوع المعني أيضًا في ثمانية عشر بيانًا، منها: «سبحان الله، كنا نأمل أن نغلب على هذا القوم وتصرفاتهم، ولكن فجأة هجموا علينا واستولوا على ممتلكاتنا».
كما أنه قبل الإشارة إلى العهد المذكور، يشكون إلى الله من قريش وعدم وجود ناصر غير أهل بيته (ع)، وقد ورد ذلك في نهج البلاغة أيضًا.
كتابات أخرى للإمام في هذا الموضوع، ومن باب المثال، تتضمن: «توفي رسول الله (ص) وما بلغه من رسالات ربه، فأعلم الناس به، ويا لها من مصيبة عظيمة نزلت بالخاصة من أقاربه وبالعامة من المؤمنين، لم يصابوا بمثلها قط، ولن يروا بعدها مثل هذا البلاء أبدًا».
«لولا علاقة أبي بكر الخاصة بعمر وتبانيهما المسبق، لا أظن أن شيئًا كان ليمنعني من أمر الخلافة، لأنه سمع قول النبي (ص) لـ (بريدة الأسلمي) حيث قال: يا (بريدة)، عليٌّ وليكم من بعدي».
«لو بقي لي بعد رسول الله (ص) عمي حمزة وأخي جعفر، لما بايعت أبا بكر مكرهًا ومجبرًا. لقد ابتليت برجلين (العباس وعقيل) لم أستطع الاعتماد عليهما، فقررت أن أحفظ أهل بيتي، وأغمضت عيني على القذى، وتجرعت مرارة الغضب والحزن، وصبرت صبرًا أمرَّ من الحنظل وأقطع من السيف».
٢-٥. دراسة المستندات الحديثية والتاريخية
في نهج البلاغة، ما يُستفاد من بيانات الإمام هو رسم صورة لمجتمع ما بعد وفاة رسول الله (ص)، والشكوى من أحداث الخلافة، ونقل خصائص وسلوك الخلفاء، والظروف الاجتماعية لحكومتهم التي كانت سبب سكوته، لا الاستناد إلى عهد وميثاق النبي (ص).
أهم خطبة في هذا الموضوع هي الشقشقية، حيث يستخدم الإمام عبارات: «فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا»، و«فصبرت على طول المدة وشدة المحنة» (السيد الرضي، 1374هـ.ش، 1: 48، الخطبة 3) لوصف هذه الفترة. وفي الخطبة 26 يصرح بأن الخوف على حياته بسبب قلة الأنصار وضغط الحاكم على أهل البيت (ع) ظهر في تلك الفترة.
كما أنه في مرة أخرى يقول عن قريش: «اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي» (نفس المصدر، 1: 77، الخطبة 33)، وفي كلام آخر يشكو إلى الله قائلاً: «اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم؛ فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي». ثم قالوا: «ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تمنعه» (نفس المصدر، 1: 246، الخطبة 172).
من الناحية التاريخية أيضًا، في رأي علي (ع)، كان العامل المؤثر في تثبيت موقف أبي بكر هو اتحاد وميثاق القادة الثلاثة المتحالفين، أي أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الجراح، الذين كانت لهم علاقات وثيقة منذ الهجرة؛ يقول علي (ع) في بيان يخاطبهم فيه: «لقد أُحكم وفاؤكم بصحيفة ملعونة عقدتموها في الكعبة، أنه إذا قُتل محمد (ص) أو مات، أن تزوا هذا الأمر عنا»؛ ثم في جوابه لأبي بكر الذي سأله عن مصدر هذا الكلام، يخاطب المقداد وسلمان والزبير، ويطلب شهادتهم في هذا الأمر؛ وكذلك عندما أمره عمر بالبيعة لأبي بكر، يقول له: «احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم يردده عليك غداً» (الدينوري، 1410هـ، 29؛ ابن أبي الحديد، 1340هـ.ش، 6: 11).
من ناحية أخرى، عدم بيعة الإمام للخليفة الأول واحتجاجاته على أمر خلافة النبي (ص) (انظر: مقصودي، 1394هـ.ش، يشمل موضوع أطروحة الدكتوراه بأكملها)، هو دليل آخر على عدم رضاه عن خلافة الخليفة؛ الآلوسي ينقل عن كتاب أبان بن عياش قوله: قال عمر لعلي (ع): بايع أبا بكر. فقال الإمام: إن لم أفعل فماذا تفعلون؟ قال عمر: أقسم بالله لأضربن عنقك. فقال علي (ع): أقسم بالله إنك تكذب يا بن صهاك، لا تقدر على ذلك وأنت أضعف من أن تضرب عنقي (الآلوسي، 1405هـ، 3: 124).
المسعودي أيضًا يذكر: أمسكوا بيد علي (ع) وسحبوه للبيعة. فأحكم قبضته ولم يتمكنوا من فتحها، فوضعوا يد أبي بكر على قبضته (المسعودي، 1370هـ.ش، 1: 65). وبنقل عن سليم بن قيس أيضًا، ورد: قال علي (ع): أقسم بالله لو وفى الأربعون رجلاً الذين بايعوني، لجاهدتكم في سبيل الله (الهلالي، 1405هـ، 2: 591). لدرجة أن عددًا من علماء الشيعة ينفون بيعة الإمام للخليفة الأول ويعتبرونها من الادعاءات التاريخية (المسعودي، 1384هـ.ش، 146؛ المفيد، 1413هـ، 56؛ الطبرسي، 1403هـ، 1: 91-93).
نقطة أخرى في هذا الموضوع، دراسة انتقادات الإمام للخلفاء، خاصة الخليفة الأول، تظهر وجهة نظره حول البيعة وتأييد أو نفي حكومته؛ والمثال البارز هو في الخطبة الثالثة من نهج البلاغة، حيث عبارات: «أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى» و«فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته» تُستخدم لوصفه وأسلوب حكمه، وباعتراف الخليفة الثاني، يعتبر الإمام أبا بكر وعمر كاذبين، آثمين، غادرين، خائنين، لذا في محاججة ومحادثة عمر مع الإمام وعمه العباس، يكشف سر قلب الإمام (النيسابوري، بدون تاريخ، 3: 1378).
كما أنه بناءً على نقل ابن قتيبة، عندما أرسل أبو بكر قنفذًا إلى علي (ع) وقال له: خليفة رسول الله (ص) يدعوك، أجاب الإمام: “ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (ص) وسميتم أنفسكم خلفاءه؟” أرسل أبو بكر قنفذًا للمرة الثانية إلى علي (ع) وقال: قل له: أمير المؤمنين يدعوك. فلما سمع علي (ع) هذا الكلام صرخ: سبحان الله، ما أعظم ما ادعى! (الدينوري، 1410هـ، 1: 16).
هذه البيانات تنفي مكانة أبي بكر بعد تولي الحكم كخليفة للنبي (ص) ومختار من الله، وتنكر ما ادعاه.
٦. تحليل الميثاق المذكور في الخطبة ٣٧ من نهج البلاغة
إذا كان كلام 37 من نهج البلاغة قد حظي باهتمام البعض في إثبات الميثاق، فإنه من الناحية السياقية والدلالية غير متوافق مع هذه الرؤية ولا يساعد القائلين بها في إثبات وجهة نظرهم. والسبب في ذلك هو بيان الشارحين الأوائل الذين يعتبرون كلام الإمام عن خصائص فترة البعثة أو يربطونه بأحداث فترة عثمان وقرب بيعة الناس للإمام. وعلى الرغم من أنه بناءً على مصادر أهل السنة الأولية، يُستخدم هذا الميثاق في أحد أقوال المنسوبة للإمام حول ميثاق شورى الستة لعمر.
ما يجعل أساس هذه الرؤية أكثر إشكالية هو التزعزع في الصدور من جهة، واضطراب أجواء كلام الإمام من جهة أخرى، حيث لا يوجد دليل قاطع ومحكم عليه، وبناءً على ما تقدم، منذ فترة الشرح الأولى لنهج البلاغة، تحدى القائلين به ولم يبقَ شاهد يؤيد الرؤية المذكورة.
المصادر والمستندات التاريخية والحديثية تكشف أيضًا عن النقاط التالية في هذا الموضوع: إظهار حقائق مجتمع الخلفاء من قبل الإمام، النضال لاستعادة حقه المغصوب، نقد الخلفاء الذين اختاروا أنفسهم والاحتجاج عليهم بشأن خلافته والاستناد إلى القرآن وروايات النبي الإسلام (ص) الأخرى، لا الاستناد إلى عهده وميثاقه.
٧. الاستنتاج
١- كلمة «الميثاق» في الخطبة 37 من نهج البلاغة هي من التعابير التي استند إليها بعض العلماء لتبرير بيعة الإمام للخليفة الأول.
٢- بناءً على رأي الشارحين، بسبب تقطيع الخطبة 37 من نهج البلاغة من كلام الإمام في ظروف مختلفة، أو كونها إحدى الخطب الطويلة، فإن هذا الكلام له مقاطع ذات معانٍ مختلفة ومفككة، ولا يمكن الاستناد إليه لتبرير بيعة الإمام.
٣- لم يتمكن أي من الشارحين الأوائل أو المتأخرين من الوصول إلى مصدر نقل السيد الرضي، والتحقق من صحة الخطبة غير ممكن.
٤- المصادر المعتبرة الأولية الشيعية والسنية خالية من الجزء الأول من الخطبة: «فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ …» والجزء الثاني «أَتَرَانِي أَكذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) …»، الذي لم يُنقل في المصادر الشيعية أيضًا، له هدف مختلف عن أقوال الشارحين والقائلين ببيعة الإمام. لذلك، فإن الكلام من حيث الصدور وأجواء الخطاب ذو اعتبار ضئيل جدًا.
٥- أحد عوامل طرح رؤية رضا الإمام ببيعة الخليفة الأول من وجهة نظر أهل العلم من أهل السنة، هو تشابه عبارات الإمام في مدح الخليفة الأول في مصادرهم مع نص نهج البلاغة، خاصة أنه في هذه المصادر، يُلاحظ كلام من الإمام قبل عبارة «فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِى فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَیرِی»، حيث يذكرون أنه لم يكن هناك اختيار وعهد وميثاق من النبي (ص) لخليفة بعده.
٦- الذين يستندون إلى الخطبة 37 في تعارضها مع بيانات الإمام حول بيعة الخليفة الأول وعدم رضاه عن أحداث السقيفة، للوصول إلى هدفهم، اختاروا تقطيع الكلام لهذا الأمر وحذفوا عبارة «أَتَرَانِي أَكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلَا أَكونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ» من كلامه.
٧- على الرغم من أن بعض الشارحين الشيعة أيضًا يفسرون كلام الإمام بعبارات قريبة من مضمون هذه الخطبة، بعبارة: «فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِى فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيعَتِي وَإِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَیرِی» في سياق القضاء الإلهي وعهد وميثاق النبي (ص) معه، إلا أن تقديم هذا التفسير من بيانات الإمام (ع)، بالنظر إلى المصادر المتاحة وعدم الوصول إلى مصدر السيد الرضي، غير صحيح.
٨- الدلالة السياقية للخطبة تبين أن الميثاق المذكور، في رأي علي (ع)، هو عبارة عن بيعة الناس له في أمر الحكم، والانتباه إلى أجواء الكلام والأدبيات اللفظية لا يقتضي ميثاق الرسول (ص).
٩- الرواية الوحيدة التي استند إليها القائلون بعهد وميثاق النبي (ص) هي جزء من رسالة الإمام، حيث أشير فيها إلى بيانات متعددة، وإلى غصب الخلافة، وموقف الحكومة من علي (ع) وأهل بيته. بالمقارنة مع هذه البيانات الصريحة، فإن العهد والميثاق يحتل حصة ضئيلة جدًا وغير جديرة بالاهتمام.
١٠- بينما يحتل الاستناد إلى العهد والميثاق في الخطبة 37 لتبرير بيعة الإمام للخليفة الأول مكانة متزعزعة، فإن السياق العام لنهج البلاغة والمصادر الحديثية والتاريخية لا يشير إلى هذا الميثاق في مسألة البيعة، وفي المقابل، قام الإمام (ع) بإجراءات عملية واحتجاجات كلامية للدفاع عن حقه المغصوب، ووضع الخليفة الأول موضع نقد جاد.
المصادر
الآجري البغدادي، أبو بكر محمد بن الحسين، الشريعة، الرياض، دار الوطن، الطبعة الثامنة، ١٤٢٠هـ.
الآلوسي، سيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت، د.ن، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥هـ.
ابن أبي الحديد، أبو حامد، شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي العامة، ١٣٤٠هـ.ش.
ابن أبي يعلى، محمد بن محمد، المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل، تحقيق: أبو عبد الله محمود بن محمد الحداد، الرياض، دار العاصمة، ١٤٠٧هـ.
ابن سعد الزهري، محمد بن منيع، الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر، ١٤١٠هـ.
ابن طاووس، علي بن موسى، كشف المحجة لثمرة المهجة، قم، بوستان كتاب، الطبعة الثانية، ١٣٧٥هـ.ش.
ابن عساكر، علي بن حسن، تاريخ دمشق، د.م، دار الفكر، ١٤١٥هـ.
إلهي ظهير الباكستاني، إحسان، الشيعة وأهل البيت، لاهور – باكستان، إدارة ترجمان السنة، د.ت.
الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب، إعجاز القرآن، مصر، دار المعارف، الطبعة الخامسة، ١٩٩٧م.
البحراني، ميثم بن علي، شرح نهج البلاغة، د.م، الكتاب، الطبعة الثانية، ١٣٦٢هـ.ش.
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار طوق النجاة، ١٤٢٢هـ.
البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو، مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، المدينة، مكتبة العلوم والحكم، ٢٠٠٩م.
البغدادي الحنبلي، أبو بكر أحمد بن محمد، السنة، الرياض، دار الراية، ١٤١٠هـ.
البلاذري، أحمد بن يحيى، جمل من أنساب الأشراف، بيروت، دار الفكر، ١٤١٧هـ.
البيهقي، إبراهيم بن محمد، المحاسن والمساوي، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢٠هـ.
الترمذي، أبو عبد الله محمد بن علي، نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، بيروت، دار الجيل، د.ت.
الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن، دَرْجُ الدُّرر في تفسير الآي والسُّوَر، الأردن، دار الفكر، ١٤٣٠هـ.
الحائري اليزدي، مهدي، الحكمة والحكومة، لندن، د.ن، ١٩٩٤م.
الحسيني الخطيب، السيد عبد الزهراء، مصادر نهج البلاغة وأسانيده، بيروت، دار الزهراء، ١٣٦٧هـ.ش.
الخوئي، إبراهيم بن حسين، الدرة النجفية، د.م، د.ن، ١٢٩١هـ.
دشتي، محمد، طرق البحث في أسانيد ووثائق نهج البلاغة، قم، الإمام علي (ع)، ١٣٦٨هـ.ش.
دلشاد طهراني، مصطفى، أسلوب الحياة في نهج البلاغة، طهران، دريا، ١٣٩٤هـ.ش.
الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، بيروت، دار الأضواء، ١٤١٠هـ.
السبحاني، جعفر، حوار مع الشيخ صالح بن عبد الله الدرويش حول تأملات في نهج البلاغة، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، الطبعة الثانية، ١٤٢٤هـ.
السرخسي، علي بن ناصر، أعلام نهج البلاغة، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ١٣٧٣هـ.ش.
السيد الرضي، محمد بن الحسين، شمس بلا غروب، ترجمة: عبد المجيد معاديخواه، قم، ذره، ١٣٧٤هـ.ش.
الشوشتري، محمد تقي، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، طهران، أمير كبير، ١٣٧٦هـ.ش.
صادق، محمد، تأملات في كتاب نهج البلاغة، القاهرة، دار السلامة، د.ت.
الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، طهران، كتابجي، الطبعة السادسة، ١٣٧٦هـ.ش.
____________، كمال الدين وتمام النعمة، طهران، إسلامية، الطبعة الثانية، ١٣٩٥هـ.
____________، من لا يحضره الفقيه، قم، مكتب النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٣هـ.
الطالقاني، محمود، قبس من نهج البلاغة، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٣٧٤هـ.ش.
الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، مشهد، مرتضى، ١٤٠٣هـ.
الطبري، محمد بن جرير، المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (ع)، قم، كوشانبور، ١٤١٥هـ.
____________، تاريخ الرسل والملوك، طهران، أساطير، ١٣٨٥هـ.ش.
عبد الجبار، أبو الحسين المعتزلي، تثبيت دلائل النبوة، القاهرة، دار المصطفى، د.ت.
العمراني اليمني الشافعي، يحيى بن أبي الخير، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، الرياض، أضواء السلف، ١٤١٩هـ.
القفاري، ناصر بن عبد الله، أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، رسالة دكتوراه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤١٤هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧هـ.
اللالكائي، أبو القاسم هبة الله بن الحسن، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، دار سعودية، طيبة، الطبعة الثامنة، ١٤٢٣هـ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ.
المحمدي، أبو ذر عبد القادر بن مصطفى بن عبد الرزاق، حديث رزية يوم الخميس في الصحيحين؛ دراسة نقدية تحليلية، د.م، د.ت.
المسعودي، علي بن حسين، إثبات الوصية، قم، أنصاريان، ١٣٨٤هـ.ش.
____________، مروج الذهب، ترجمة: أبو القاسم پاينده، د.م، انتشارات علمي فرهنگي، ١٣٧٠هـ.ش.
المغنية، محمد جواد، في ظلال نهج البلاغة، بيروت، دار العلم، الطبعة الثالثة، ١٣٥٨هـ.ش.
المفيد، محمد بن محمد، الجمل والنصرة لسيد العترة في حرب البصرة، قم، مؤتمر الشيخ المفيد، ١٤١٣هـ.
____________، الفصول المختارة، بيروت، دار المفيد، ١٤١٤هـ.
مقصودي، أنسيه، تبيين وتحليل قرآني لاحتجاجات أمير المؤمنين في موضوع الإمامة في مواجهة السقيفة (أطروحة)، جامعة القرآن والحديث، ١٣٩٤هـ.ش.
مكارم الشيرازي، ناصر، رسالة الإمام، شرح جديد وجامع لنهج البلاغة، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٨٠هـ.ش.
المنتظري، حسين علي، دروس من نهج البلاغة، طهران، سرائي، د.ت.
الموسوي، السيد عباس علي، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار المحجة البيضاء، ١٣٧٦هـ.ش.
الموسوي، علي بن حسين، الشافي في الإمامة لإبطال حجج العامة، د.م، د.ن، ١١١٤هـ.
النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
الهاشمي الخوئي، ميرزا حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، طهران، مكتبة الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٣٥٨هـ.ش.
الهلالي، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس الهلالي، قم، الهادي، ١٤٠٥هـ.
الهوامش
1. الأستاذ المشارك في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة الإمام الصادق (ع).
2. الأستاذ المشارك في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة بيام نور، جنوب طهران.
3. طالب دكتوراه في علوم ومعارف نهج البلاغة، جامعة بيام نور، جنوب طهران (الباحث المسؤول).