الملخص
يستعرض هذا البحث، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، شخصية أُبيّ بن كعب ومكانته العلمية، وخصائص مصحفه، ومدى تأثيره على قراءة حفص عن عاصم، والتطابق بين هاتين القراءتين. تبيّن دراسة مجموع البيانات التاريخية والحديثية والمعارف القرآنية أن قراءة أُبيّ لم تحظَ بمكانة رفيعة عند علماء القراءة فحسب، بل إن أهل البيت (عليهم السلام) قد اعتبروا أسلوب قراءتهم مطابقاً لها. كما أن رواية ستة من القراء السبعة ترجع في نهايتها إلى قراءته، مما يدل بوضوح على تأثيره الواسع على القراءة المشهورة. ومن خلال دراسة الشواهد المؤيدة والمعارضة لتطابق قراءة أُبيّ مع رواية حفص عن عاصم، يمكن القول بوجود تطابق كبير بينهما وانسجام مع قراءة المسلمين المشهورة. ورغم وجود تقارير عن اختلافات في السور بين مصحف أُبيّ والمصحف الرسمي، إلا أنها قابلة للنقد السندي والتأويل المضموني؛ لكن وجود اختلافات جزئية كثيرة بين مصحف أُبيّ وقراءة حفص عن عاصم، بالنظر إلى التقارير المتعددة في المصادر المختلفة، أمر لا يمكن إنكاره أو تبريره.
المقدمة
تُعدّ قراءة القرآن من أهم فروع علوم القرآن، حيث انبرى لها منذ العصور الأولى جمع من الناس، وتولوا أمر قراءة القرآن وتعليمه في المجتمع الإسلامي. بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعدم تقديم مصحف رسمي، أقدم فريق من الصحابة على جمع القرآن في مصاحف. وتشير الروايات إلى وجود خلافات بين الصحابة حول ضبط النص القرآني أو كيفية قراءته، مما أدى إلى أن أهل كل منطقة من مناطق العالم الإسلامي كانوا يقرؤون القرآن بحسب مصحف الصحابي الذي كان عندهم؛ فأهل الكوفة اعتمدوا قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة قراءة أبي موسى الأشعري، وأهل الشام قراءة أُبيّ بن كعب، وكانت المناطق الأخرى تتبع القراءة الموجودة في مصحف أحد الصحابة (العياشي، تفسير العياشي، 1380: 1/ 245 و 257؛ الحويزي، نور الثقلين، 1412: 1/ 388؛ القمي، تفسير القمي، 1404: 1/ 123).
من أهم الأحداث التاريخية في علم القراءات توحيد قراءات القرآن في زمن عثمان (ت 35 هـ). وقد تم هذا المصحف الرسمي في عام 25 هـ وأُرسل إلى مختلف مدن العالم الإسلامي. وأدت ممارسة السلطة من قبل الحاكم إلى إيجاد مكانة لا منافس لها للمصحف العثماني الرسمي تدريجياً، وتقليص نطاق الاختلافات في قراءة القرآن بشكل كبير. ولكن مع ذلك، فإن غياب التنقيط، والتشكيل، والألف الوسطى، وأخطاء الرسم الخطي في المصاحف الرسمية، واختلاف لهجات المناطق، قد أبقى المجال لبعض الاختلافات ضمن إطار الرسم الخطي للمصحف. وهكذا، في القرن الثاني، ظهر قراء كبار مثل عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، الذين وإن كانت قراءتهم مبنية على المصحف الرسمي (العثماني)، إلا أنهم اختلفوا كثيراً في المواضع الخالية من النقط، والتشكيل، والألفات الوسطى، وتوسع نطاق الخلاف باختلاف اللهجات (النجفي، وظيفة قراءة أبي بن كعب، 1394: 122).
تتمتع قراءة أُبيّ بأهمية خاصة بين قراءات الصحابة المختلفة، ليس فقط لأنها حظيت بتأييد أهل البيت (عليهم السلام) في بعض الروايات، بل لأنها في بعض الروايات الأخرى، عُرّفت بأنها قراءة الأئمة أنفسهم (الكليني، الكافي، 1429: 4/ 674، ح 3596). ويبدو أن هذه الروايات تشير إلى فترة توحيد المصاحف في عهد عثمان، حيث قيل إن أُبيّ بن كعب أملى القرآن وكتبه فريق من الناس. وهذا يدل على أن المصحف الحالي، المقبول لدى عامة المسلمين، هو وفقاً لإملاء أُبيّ بن كعب. يهدف هذا البحث إلى التذكير بمكانة أُبيّ بن كعب المنسية في علم القراءات، وبحث تأثير قراءته على القراءة المشهورة لدى الإمامية.
دراسة مفهوم القراءة
1. المعنى اللغوي
ذُكر في اللغة معنيان لكلمة “قراءة”:
أ) الجمع والضم: طبقاً لهذا المعنى، ليست القراءة في الأصل بمعنى التلاوة؛ بل لأن القارئ عند تلاوة القرآن يضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض، استُخدمت هذه الكلمة لإفادة معنى التلاوة (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 1404: 5/ 78؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/ 128؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1412: 668).
ب) القراءة والتلاوة: (صالح، مباحث في علوم القرآن، 1372: 19؛ السبزواري، لغتنامه قرآن كريم، 1378: 4/ 419) على هذا الأساس، تكون القراءة هي المعنى الأصلي لـ “قرأ”، لا معناها اللازم.
استشهد العلامة العسكري باستعمالات كلمة “قراءة” في القرآن والروايات واستخدامها في زمن الصحابة، واعتبر أن معنى هذه الكلمة هو “القراءة مع فهم معاني الآيات”، وعرّف المقرئ في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه الشخص الذي كان يعلم القرآن للآخرين مع تفسير الآيات (الفضلي، القراءات القرآنية، 1405: 56).
2. المعنى الاصطلاحي
وردت في كتب القراءات تعاريف متعددة ومتنوعة لمصطلح القراءات، نذكر بعضها فيما يلي:
يعرّف ابن الجزري القراءات بأنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوة إلى ناقلها (ابن الجزري، منجد المقرئين، 1419: 49)؛ أما الزركشي فيعرّف القراءات بأنها اختلاف ألفاظ الوحي المنزل على النبي من حيث كتابة الحروف وكيفيتها من تخفيف وتثقيل ونحوهما مما نقله القراء (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1408: 465).
يعرّف الدمياطي علم القراءات بأنه علم يُعرف به اتفاق الناقلين لكتاب الله تعالى أو اختلافهم في الحذف والإثبات، والتحريك والتسكين، والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئات النطق والإبدال، من طريق السماع (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1422: 6). وللقسطلاني رأي يوافق رأي الدمياطي (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1329: 1/ 170).
ويرى عبد الهادي الفضلي في هذا الصدد أن القراءة عبارة عن حكاية ألفاظ القرآن كما نطق بها النبي الأكرم، أو نُطقت بحضرته فأقرها، سواء كانت قراءة واحدة أو قراءات متعددة (الفضلي، القراءات القرآنية، 1405: 56).
ومن التعاريف الجديدة التي قُدمت في هذا المجال، التعريف التالي: علم القراءات هو علم بأداء كلمات القرآن بالكيفية التي نزلت بها على النبي وكان يقرؤها أو أذن بقراءتها (فاكر ميبدي، نقد ديدگاه رژي بلاشر در قرائت قرآن، 1390: 95).
هذا التعريف، من حيث إنه يسعى لتعريف علم القراءة بشكل عام، يمكن أن يكون تعريفاً جامعاً نسبياً، لكن القراءة بين علماء علوم القرآن مصطلح يشمل قسماً خاصاً مما ورد في تعريف علم القراءة فقط، لأنه في التعريف الاصطلاحي للقراءة، يُعد السند والرواية بمعنى النقل لنوع خاص من القراءة استناداً إلى قراءة رسول الله ركناً أساسياً في التعريف. ولهذا السبب، فإن القراءة التي لا سند لها ولا رواية، وإن كانت صحيحة من الناحية الأدبية، تخرج عن دائرة البحث.
تحليل الآراء حول المعنى الاصطلاحي
أ) “القراءات” و”علم القراءات” مصطلحان مختلفان، وكل تعريف من التعاريف المذكورة أعلاه يشير إلى أحدهما؛ فالتعريف الذي قدمه الدمياطي والقسطلاني يتعلق بعلم القراءات، والتعريف الذي قدمه ابن الجزري والزركشي والفضلي، وكذلك التعريف الأخير، يعرّف القراءات. بالنظر إلى التعاريف أعلاه، فإن القراءة هي محاولة شخص للوصول إلى قراءة النبي عن طريق السماع والنقل، وعلم القراءات هو جمع القراءات الواردة من طرق مختلفة ودراستها ونقدها. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن هذه التعاريف – سواء التي تشير إلى القراءات أو التي تشير إلى علم القراءات – ليس بينها فرق جوهري فيما يتعلق بالشروط والنقاط المتعلقة بالقراءة؛ ومن هنا، يمكن الوقوف على هذه الأمور من خلال كلا القسمين من التعاريف.
ب) في جميع التعاريف، يُعدّ السماع ركناً أساسياً في القراءة؛ أي يجب على القراء أن ينقلوا قراءة النبي عيناً، ولا يحق لهم الاجتهاد في كيفية أداء الكلمات والألفاظ من عند أنفسهم، لأن هدفهم هو الوصول إلى قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكيفية أدائه للكلمات. وبعبارة أخرى، بما أن فلسفة علم القراءات هي حفظ ألفاظ القرآن وكيفية نطقها، فيجب على القارئ أن يتجنب أي تغيير وتحريف، ولا يحق له التصرف فيها (فاكر ميبدي، نقد ديدگاه بلاشر در قرائات قرآن، 1391: 243). وقد ورد هذا المعنى في كلام بعض الصحابة، وهو مقبول تماماً في كتب التفسير؛ على سبيل المثال، نُقل عن زيد بن ثابت بتعابير مختلفة أنه اعتبر القراءة سنة يجب العلم بها عن طريق السماع (الهروي، فضائل القرآن، 1426: 128؛ ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، د.ت: 1/ 40). كما أن تعبير “القراءة السنة” أو “القراءة المتبعة” هو تعبير شائع في تفاسير الشيعة وأهل السنة (الطوسي، التبيان، 1413: 3/ 109؛ الطبرسي، مجمع البيان، د.ت: 1/ 237؛ الآلوسي، روح المعاني، 1404: 11/ 287).
ج) في بعض التعاريف، مثل تعريف الزركشي، تنحصر القراءات في تلك الألفاظ من القرآن الكريم التي وقع فيها خلاف في كيفية قراءتها، بينما دائرة علم القراءات تشمل الموارد غير الخلافية أيضاً، وقد لوحظت هذه النقطة في تعريف الدمياطي. ولهذا السبب، استخدم علماء القراءة فيما يتعلق بالقراءات الواردة من ألفاظ القرآن، مصطلحين هما “متفق عليه بين القراء” و”مختلف فيه بين القراء” (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1422: 31، 72، 74). إذن، القراءات غير اختلاف القراءات؛ فالقراءات المتعلقة بتعدد القراءات المنسوبة لكل قارئ، سواء كانت متفقاً عليها أم مختلفاً فيها، ولكن اختلاف القراءات يتعلق بالقراءات المختلف فيها.
د) زعم البعض أن اختلاف القراءات ينحصر في هيئة الألفاظ والكلمات، لا في مادتها (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1395: 157-158)، وهذا غير صحيح؛ لأنه يتضح من بعض التعاريف، مثل تعريفي الدمياطي والقسطلاني، وكذلك بالرجوع إلى وجوه اختلاف القراءات، أن اختلاف القراءات لا ينحصر في هيئة الألفاظ، وإن لم يُشر إليه صراحة في بعض التعاريف مثل تعريف ابن الجزري والزركشي.
ميزة التعريفين الأخيرين هي أنهما يراعيان رأي أهل السنة والشيعة؛ لأن أهل السنة يقولون بتعدد القراءات من عند الله، والشيعة يقولون بوحدة القراءة، وفي هذين التعريفين يُلتفت إلى كلا الرأيين.
التعريف بأُبيّ بن كعب وأهمية مصحفه وقراءته
نظراً لأهمية معرفة شخصية أُبيّ بن كعب ومكانته العلمية، خاصة في علم القراءات، وكذلك القراءة والمصحف المنسوبين إليه، سنقوم في هذا القسم بشرح موجز لهذه المسائل.
1. التعريف بشخصية أُبيّ بن كعب ومكانته العلمية
أُبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن نجار، من كبار صحابة النبي، اشتهر بانتساب قراءة مشهورة إليه (الأمين، أعيان الشيعة، د.ت: 2/ 455؛ الأحمديان، الصحابة الكرام، 1437: 1/ 36). كان يُكنى بأبي المنذر وأبي الطفيل (ابن عبد البر، الاستيعاب، 1412: 1/ 66)، ويقال إن النبي (صلى الله عليه وآله) كنّاه بالأولى، وعمر بن الخطاب بالثانية (الأحمديان، الصحابة الكرام، 1437: 1/ 37). كان من أنصار الخزرج وحضر بيعة العقبة الثانية (ابن كثير، البداية والنهاية، 1408: 5/ 1450). لا يُعرف الكثير عن حياته قبل الإسلام، سوى أنه كان من علماء اليهود ومطلعاً على كتب العهدين (الذهبي، تذكرة الحفاظ، 1428: 1/ 15).
ذُكر أُبيّ ضمن القلة الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة في الجاهلية، ومن كتّاب الوحي للنبي، حيث كان يتولى كتابة الوحي ودواوين النبي في غياب الإمام علي (عليه السلام) مع زيد بن ثابت (ابن كثير، البداية والنهاية، 1408: 5/ 1450).
آخى النبي بعد الهجرة بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو، وقيل بينه وبين طلحة بن عبيد الله، ومنذ ذلك الحين شارك في غزوات بدر وأحد والخندق وغيرها مع النبي (ابن سعد، الطبقات الكبرى، 1410: 3/ 378). كما شارك في السرية التي وقعت في بداية الشهر السابع من الهجرة بقيادة حمزة بن عبد المطلب (الواقدي، 1409: 1/ 9).
كان كاتباً للوحي قبل زيد بن ثابت، وكان النبي أحياناً يكلّفه بتعليم أحكام الإسلام والقرآن للمسلمين الجدد، مثل وفد عامر ووفد بني حنيفة الذين قدموا إلى المدينة (ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، د.ت: 2/ 56). استمر أُبيّ بن كعب في تعليم القرآن بالمدينة بعد وفاة النبي، وتعلم القراءة منه مشاهير مثل ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب من الصحابة، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية الرياحي من التابعين (الجزري، 1367: ج1، 31). ووفقاً لبعض الروايات، شارك في جمع القرآن في عهد عثمان أيضاً (ابن حجر، 1415: ج1، 188؛ عبد الصبور، تاريخ القرآن، 1426: 178).
في مختلف الآثار التفسيرية، مثل مجمع البيان للطبرسي وكشف الأسرار للميبدي، وردت روايات عن فضائل سور القرآن المختلفة نقلاً عن أُبيّ بن كعب، والتي قد تكون مرتبطة بالنسخة المنسوبة إليه في موضوع “فضائل القرآن” التي ذكرها ابن النديم (ابن النديم، الفهرست، 1398: 55). كما كانت هناك نسخة كبيرة في تفسير القرآن برواية أبي جعفر الرازي عن ربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب، متداولة في القرون الأولى واستخدمها الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وأحمد بن حنبل في مسنده، والحاكم النيسابوري في مستدركه (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 4/ 240).
في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: “خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة” (أبو عبيد، فضائل القرآن، 1426: 138). وفي رواية أخرى عن النبي، عُرّف أُبيّ بأنه أهم قارئ بين الصحابة: “أقرؤهم للقرآن أُبيّ بن كعب” (نفس المصدر، 139). ولعل هذا هو السبب الذي جعل البعض، مثل عبد الرزاق الطرابلسي، يذكر أُبيّ بتعبير “أقرأ هذه الأمة على الإطلاق” (الطرابلسي، نهاية الغاية، 1431: 1/ 47). ومع ذلك، لا يمكن بسهولة تجاهل التوجه السياسي في مثل هذه الروايات التي تتجاهل أهل البيت (عليهم السلام) وتغفل عن مكانتهم العلمية التي لا نظير لها.
مع ذلك، كان موقف أُبيّ بن كعب السياسي قريباً جداً من أهل البيت (عليهم السلام). وتذكره المصادر الشيعية ضمن الاثني عشر رجلاً الذين اعترضوا على غصب ولاية أمير المؤمنين عند منبر أبي بكر (الطبرسي، الاحتجاج، 1403: 1/ 102). كما نُقل عنه قوله: “أشهد أني سمعت النبي يقول: علي بن أبي طالب إمامكم بعدي وهو ناصح أمتي” (الشوشتري، 1425: ج1، 352). كما نُقلت عنه خطبة مفصلة في الدفاع عن خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) (الطبرسي، الاحتجاج، 1403: 1/ 297-303).
تُذكر تواريخ وفاته بين عام 19 و 36 هـ، ومكان قبره في المدينة أو الشام (ابن عبد البر، الاستيعاب، 1412: 1/ 69).
2. التعريف بمصحف وقراءة أُبيّ بن كعب
كان أُبيّ بن كعب من بين القلة الذين جمعوا القرآن في زمن النبي وأعدوا مصحفاً لأنفسهم (ابن حجر، فضائل القرآن، 2003: 113).
يفضّل ابن شهر آشوب قراءة أُبيّ لأنها قراءة أصيلة ومعتبرة (ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، 1379: 2/ 43). ويعتبر العلامة معرفة قراءة عاصم قراءةً مختارة من قبل جميع كبار علماء الشيعة، ويقيّم هذا العمل بأنه نتيجة للتطابق الدقيق والكامل لقراءة أُبيّ مع قراءة قريش (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/ 224).
الأمر المهم بشأن قراءة أُبيّ هو اتصال سند قراءة ستة من القراء السبعة المشهورين به. هؤلاء الأفراد هم:
1. نافع بن أبي نعيم: قرأ على سبعين من التابعين، أهمهم سعيد بن المسيب، الذي قرأ على ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي. وهؤلاء الثلاثة قرأوا جميعاً على أُبيّ بن كعب (نفس المصدر، 112).
2. عبد الله بن كثير: قرأ على عبد الله بن السائب، ومجاهد بن جبر المكي، ودرباس، مولى ابن عباس. وقرأ ابن عباس وابن السائب على أُبيّ بن كعب (نفس المصدر، 120).
3. أبو عمرو بن العلاء: هو من الذين قرأ عليهم أبو العالية الرياحي، الذي قرأ هو أيضاً على أُبيّ بن كعب (نفس المصدر، 130).
4. عاصم بن أبي النجود: قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وهو قرأ على أُبيّ (نفس المصدر، 155).
5. حمزة الزيات: هو أيضاً مثل عاصم له اتصال سندي بأُبيّ (نفس المصدر، 165).
6. الكسائي: قرأ على حمزة ونافع، وعن طريقهما يتصل سنده بأُبيّ بن كعب (نفس المصدر، 172).
وفقاً لرواية في أصول الكافي، يؤيد الإمام الصادق (عليه السلام) بشكل صريح قراءة أُبيّ فقط ويرفض القراءات الأخرى، ويعتبر أتباعها ضالين (الكليني، الكافي، 1429: 4/ 674، ح 3596).
3. التعريف برواية حفص عن عاصم وأهميتها في علم القراءات
تُظهر دراسة الشواهد والمستندات التاريخية أن ما اشتهر في القرن الثاني كقراءة رسمية، على الأقل بين أهل فن القراءة مثل الفراء، والأخفش، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وابن خالويه، هو نفس القراءة التي تُعرف اليوم برواية حفص عن عاصم (فاكر ميبدي، نقد ديدگاه، 1390: 112). لهذه القراءة أهمية خاصة تستدعي الاهتمام بها إلى جانب شخصيتيها الرئيسيتين، وهما حفص وعاصم.
1. التعريف بعاصم
أبو بكر عاصم بن أبي النجود بن بهدلة من قراء الطبقة الثالثة ومن أهل الكوفة، ويأتي بعد يحيى بن وثاب. ولد عام 76 هـ وتوفي قبل وقعة الطاعون عام 131 هـ (محمدي، تاريخ القرآن، 1390: 127).
يقول ابن عياش: “قال لي عاصم: لم يقرأ عليَّ أحد حرفاً من القرآن إلا أبو عبد الرحمن، وكنت كلما رجعت من عنده، عرضت ما سمعته عن القرآن على زر بن حبيش. وكان أبو عبد الرحمن قد أخذ القراءة عن علي (عليه السلام)، وزر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود” (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: 1/ 75).
2. التعريف بحفص
حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي، المعروف بحُفيص وغاضري، مقرئ وأشهر رواة قراءة عاصم. ولد عام 90 (نفس المصدر، 1/ 140؛ ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، د.ت: 1/ 156) من أهل الكوفة وكان بزازاً. كنّاه أصحاب التراجم بأبي عمر (ابن حجر، تهذيب التهذيب، 1415: 2/ 364). كان ربيب عاصم، وأعلم أصحابه وتلاميذه بقراءته (ابن الجزري، غاية النهاية، 1940: 1/ 156). اعتبر ابن معين أن أصح رواية لقراءة عاصم هي رواية حفص، التي أخذها عاصم عن علي (عليه السلام) بواسطة أبي عبد الرحمن السلمي (ت 74 أو 75 هـ) (نفس المصدر). وقد فُضّل حفص في علم القراءة على أبي بكر بن عياش، الراوي الآخر لقراءة عاصم (الداني، التيسير في القراءات السبع، 1404: 6)، بل اعتُبر أعلم أهل زمانه بعلم القراءة (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 1/ 254). ذكر ابن الجزري أسماء مثل عبيد بن الصباح وعمرو بن صباح ممن رووا القراءة عنه (نفس المصدر، 1/ 254-255). وكتب أبو عمرو الداني: “حفص هو الذي كان يتلو قراءة عاصم على الناس ويروجها. وقد همّ بتعليم قراءة عاصم في بغداد ومكة” (معرفة، تاريخ القرآن، 1375 ش: 152-153). وقال ابن المنادي أيضاً في هذا الصدد: “كان المتقدمون يفضلون حفصاً على ابن عياش في حفظ وضبط القرآن، ووصفوه بأنه ضابط تام للقراءة التي تعلمها من عاصم” (ابن الجزري، غاية النهاية، د.ت: 1/ 156). توفي حفص بن سليمان، حسب القول المشهور، عام 180 (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: 1/ 140). وذكر الداني أن وفاته كانت حوالي عام 190 (الداني، التيسير في القراءات السبع، 1404: 6).
3. أهمية قراءة حفص عن عاصم
بتعبير ابن خلكان: “كان عاصم في القراءة موضع عناية واهتمام خاص” (ابن خلكان، وفيات الأعيان، د.ت: 3/ 9، رقم 315). القاسم بن أحمد الخياط (ت 292 هـ)، الذي كان من الحذاق الموثوقين، يُعد إماماً في قراءة عاصم، ولهذا أجمع الناس على تفضيل قراءته على غيرها (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 2/ 11). في بداية القرن الرابع، في مجلس قراءة ابن مجاهد، قارئ بغداد، كان هناك خمسة عشر متخصصاً في قراءة عاصم، وكان ابن مجاهد يعلمهم قراءة عاصم فقط (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: 1/ 217). نفطويه، إبراهيم بن محمد، الذي تولى تعليم القراءة لمدة خمسين عاماً، كان كلما بدأ مجلسه، يقرأ القرآن بقراءة عاصم ثم ينتقل إلى القراءات الأخرى (ابن حجر، لسان الميزان، 1406: 1/ 109). كما فضّل أحمد بن حنبل قراءة عاصم على غيرها، لأن أهل الكوفة، الذين كانوا أهل علم وفضل، قد قبلوا قراءة عاصم (ابن حجر، تهذيب التهذيب، 1415: 5/ 39).
إن وجود كلمات ومصطلحات مثل “قراءة العامة”، “قراءة الجمهور”، “قراءة الناس” عند وصف هذه القراءة، يشير إلى قراءة جمهور الناس، والتي، بناءً على المستندات الموجودة في كتب القرن الثاني الهجري، كانت قراءة عامة متزامنة مع فترة ظهور وتشكّل القراءات السبع، وفي مكانة أعلى، حيث إن البعض مثل الكسائي قد اتخذها معياراً له في بعض الحالات، أو اعتبرها القراءة الأفضل (الحسيني، الإيرواني، دراسة تاريخية لقراءة العامة، 1394: 25).
ورد في غاية النهاية: “رواية حفص عن عاصم هي القراءة المشهورة، وهي قراءة جميع الصحابة، وظلت تُعرف كنص للقرآن منذ زمن النبي وبعد وفاته حتى الآن، وتُقاس بها القراءات المختلفة” (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: 254).
يعود شيوع قراءة حفص عن عاصم إلى عدة أسباب:
1. لها سند ذهبي، لأن حفصاً رواها عن عاصم، وهو عن عبد الرحمن السلمي، وهو عن أمير المؤمنين (عليه السلام). ورجالها جميعاً من كبار الطائفة وموضع ثقة.
2. سعى عاصم للحصول على أصح وأثبت قراءة عن طريق صحيح وموثوق.
3. كان عاصم معروفاً وموثوقاً بين الناس. كل قراءة كان يتعلمها، كان يعرضها على جماعة من الصحابة والتابعين الأجلاء، ولم يكن يقبلها حتى يطمئن تماماً إلى صحتها (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/ 152).
لقد سعى جميع أئمة القراءة لربط أسانيد قراءاتهم بعاصم برواية حفص. يقول الذهبي: “أعلى ما وقع لنا هو الحصول على قراءة القرآن العظيم عن طريق عاصم”. ثم يروي أسانيده المتصلة حتى حفص، الذي أخذها عن عاصم، وعاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو عن علي (عليه السلام)، وعن زر بن حبيش، وهو عن ابن مسعود، وهما (علي وابن مسعود) أخذاها عن النبي، والنبي عن طريق جبريل عن الله (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: 1/ 77).
دراسة علاقة قراءة أُبيّ بقراءة عاصم برواية حفص
بعد التعريف الموجز بمصحف أُبيّ بن كعب وقراءة حفص عن عاصم، يتم في هذا القسم دراسة العلاقة بين هاتين القراءتين بناءً على الشواهد المؤيدة والمعارضة.
1. تحليل وتقييم شواهد التطابق
أولاً – اتصال سند قراءة عاصم بأُبيّ بن كعب
أحد أسانيد قراءة عاصم، الذي يُعد من أصح الأسانيد، ينتهي بأُبيّ بن كعب عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي (الداني، التيسير في القراءات السبع، 1404: 9). وهذا الأمر يدل بوضوح على تأثير قراءة أُبيّ على قراءة عاصم. كما يعتبر العلامة معرفة قراءة عاصم قراءةً مختارة من قبل جميع كبار علماء الشيعة، ويقيّم هذا الأمر بأنه ناتج عن التطابق الدقيق والكامل لقراءة أُبيّ مع قراءة قريش (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/ 224).
ولكن يجب الانتباه إلى أن قراءة عاصم لم تؤخذ عن أُبيّ بن كعب فقط، وكما هو مبين في الرسم البياني أدناه، كان لصحابة آخرين مثل زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان دور في قراءة عاصم.
لذلك، فإن مجرد اتصال أحد أسانيد قراءة عاصم بأُبيّ بن كعب لن يكون دليلاً على التطابق الكامل بين هاتين القراءتين؛ وشاهد هذا الأمر هو وجود اختلافات كثيرة بينهما، سيتم بيانها لاحقاً في البحث.
ثانياً – تطابق قراءتي أُبيّ بن كعب وعاصم مع القراءة المشهورة
الدليل الآخر الذي يمكن طرحه لإثبات التطابق الأقصى لقراءة عاصم مع قراءة أُبيّ بن كعب هو أن هاتين القراءتين، بناءً على الشواهد الموجودة، تتطابقان مع قراءة المسلمين المشهورة التي كانت موجودة منذ زمن رسول الله. إذن، يتكون هذا الدليل من ثلاث مقدمات ونتيجة واحدة: وجود واستمرار قراءة مشهورة بين المسلمين منذ زمن النبي، تطابق قراءة أُبيّ بن كعب مع هذه القراءة المشهورة، تطابق قراءة عاصم مع هذه القراءة المشهورة. والنتيجة ستكون: تطابق قراءة عاصم مع قراءة أُبيّ بن كعب. وفيما يلي سيتم دراسة وتبيين هذه المقدمات الثلاث.
أ) وجود واستمرار قراءة مشهورة بين المسلمين منذ زمن النبي (صلى الله عليه وآله)
يتضح من بعض الروايات أن رسول الله لم يؤيد القراءات المختلفة فحسب، بل كان يغضب منها بشدة ويرفضها. وفي روايات متعددة، ورد ذكر قراءة وُصفت بأنها قراءة المسلمين المشهورة؛ وبناءً على ما ذُكر، وكذلك الروايات التي ستأتي لاحقاً، يمكن القول إن قراءة المسلمين المشهورة التي كان الناس يرجعون إليها باستمرار، هي قراءة رسول الله نفسها. ومن ناحية أخرى، فإن ما سبق ذكره في قسم التعريف بمصحف وقراءة أُبيّ بن كعب يبيّن أن قراءة أُبيّ كانت متطابقة مع القراءة المشهورة.
1. عن عبد الله بن مسعود: “اختلف رجلان في سورة، فقال هذا: أقرأني النبي (صلى الله عليه وآله) وقال هذا: أقرأني النبي (صلى الله عليه وآله)، فأتيا النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبراه بذلك، فتغير وجهه، وعنده رجل فقال: اقرأوا كما علمتم – فلا أدري أبشيء أمر أم شيء ابتدعه من قبل نفسه – فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم على أنبيائهم”؛ أي أن رجلين اختلفا في قراءة القرآن، وكلاهما نسب قراءته إلى رسول الله، فأتيا حضرته وطرحا الموضوع. فتغير وجه النبي من شدة الغضب وقال لهما: “اقرأوا القرآن كما تعلمتم. لا تبتدعوا شيئاً من عند أنفسكم، فإن الأمم قبلكم هلكت بسبب هذه البدع والاختلاف مع أنبيائهم” (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1420: 1/ 23).
يُلاحظ في هذه الرواية نقطتان أساسيتان:
الأولى، أن رسول الله يرشد الجميع إلى قراءة واحدة، وهي القراءة المتداولة التي تعلموها. الثانية، أنه ينهى عن القراءات المختلفة ولا يسمح بقراءة القرآن بأكثر من قراءة واحدة. كما أن فرضية وجود عدة قراءات صحيحة في زمن رسول الله، وأن هذين الرجلين كانا يقرآن قراءة غير مقبولة، ولهذا مُنعا، منتفية؛ لأنه لا يوجد دليل على شيوع قراءات متعددة وصحيحة في زمن النبي، بالإضافة إلى أن هذه الفرضية تخالف القاعدة الأولية لوحدة القراءة في زمن رسول الله.
عندما تكون القراءات المختلفة غير معتبرة وتخالف سيرة رسول الله؛ فإن موقف الأئمة (عليهم السلام) سيكون نفس موقف رسول الله. فهم أيضاً لن يؤيدوا القراءات المختلفة، بل سيواجهونها ويرجعون الناس إلى القراءة الأصلية للقرآن. وعندما نرجع إلى الروايات الصادرة عن الأئمة، فإن ما يتردد بوضوح على ألسنتهم هو مواجهة اختلاف القراءات والرجوع إلى قراءة المسلمين المشهورة.
2. يقول الإمام الباقر (عليه السلام): “إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة” (الكليني، الكافي، 1429: 4/ 664، ح 3580).
المراد بوحدة القرآن، بقرينة تتمة الرواية والحديث عن الرواة، وباعتبار إمكان وجود معانٍ متعددة صحيحة في آية واحدة، وكذلك سياق البحث، لا يمكن أن يكون شيئاً سوى وحدة القراءة الصحيحة للقرآن وضرورة اتباع القراءة المشهورة والمقبولة لدى عامة المسلمين.
3. رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): “قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن الناس يقولون نزل القرآن على سبعة أحرف فقال كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد” (نفس المصدر، 665، ح 3581).
الحديث في هذه الرواية عن نزول القرآن على سبعة أحرف، وقد طُرح بناءً على الروايات المشهورة بـ “سبعة أحرف”. وقد واجه الإمام بشدة فكرة نزول القرآن على سبع قراءات ورفضها وأثبت قراءة صحيحة واحدة.
4. في بعض الروايات الأخرى، ضمن أن الإمام ينهى المخاطب عن القراءات المختلفة، يرجعه إلى القراءة المتداولة والمتواترة عند الناس: “… قرأ رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كف عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس” (الكليني، الكافي، 1429: 4/ 671، ح 3592).
المقصود بالقراءة المشار إليها في الرواية هو نفس القراءة الجارية بين الناس، والتي ورثوها عن النبي (معرفة، تاريخ القرآن، 1375: 152).
5. في رواية أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) يُرجع إلى القراءة التي تعلمها الناس: “عن الصادق (عليه السلام): إقرؤوا كما علمتم” (الكليني، الكافي، 1429: 4/ 667، ح 3584).
هذه التعابير التي نُقلت أيضاً في كلام رسول الله كانت إرشاداً إلى نفس القراءة المتداولة والمشهورة بين المسلمين.
ب) تطابق قراءة أُبيّ بن كعب مع القراءة المشهورة
في رواية نقلها ثقة الإسلام الكليني في أصول الكافي، ورد ما يلي: “محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن عبد الله بن فرقد والمعلى بن خنيس قالا: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ومعنا ربيعة الرأي، فذكرنا فضل القرآن، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا، فهو ضال، فقال ربيعة: ضال؟ قال: نعم ضال. ثم قال أبو عبد الله: أما نحن فنقرأ على قراءة أبي” (الكليني، الكافي، 1429: 4/ 674، ح 3596).
في هذه الرواية، يؤيد الإمام الصادق (عليه السلام) بشكل صريح قراءة واحدة فقط ويرفض القراءات الأخرى ويعتبر أتباعها ضالين، حتى لو كان ذلك الشخص عبد الله بن مسعود! بالإضافة إلى ذلك، يشير إلى القراءة الصحيحة والمشهورة بقوله: “نحن على قراءة واحدة وهي قراءة أبي”. يجب الانتباه إلى أن الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الحديث ليس بصدد بيان ضلال ابن مسعود، بل يقصد بيان أهمية الموضوع فيقول إنه لو اختار شخصية بمكانة ابن مسعود، الذي كان من كتّاب الوحي، قراءة غير قراءتنا، لكان ضالاً.
النقطة الجديرة بالاهتمام في هذه الرواية هي أن الإمام (عليه السلام) يعرّف القراءة الصحيحة والمعتبرة للقرآن ويطبقها على قراءة أُبيّ؛ وهي نفس القراءة التي يتبعها آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والتي، بناءً على ما طُرح في المقدمة، هي نفسها القراءة المشهورة.
قد يقال إن كلمة “أبي” في هذه الرواية يمكن أن تُفسر بطريقة أخرى، بحيث يكون مراد الإمام الصادق (عليه السلام) هو: “نحن نقرأ القرآن على قراءة أبي (أي جدي)”. ودلائل هذا الرأي هي كالتالي:
1. الإشكالات الواردة على قراءة أُبيّ بن كعب ليست أقل من قراءة ابن مسعود، فكيف يمكن للإمام الصادق (عليه السلام) أن يؤيد قراءة أُبيّ وينتقد قراءة ابن مسعود؟
2. الإمام الصادق (عليه السلام) في بداية الرواية يثبت قراءة خاصة لأهل البيت (قراءتنا)، وإذا كان المراد من جملة “أما نحن فنقرأ على قراءة أبي”، قراءة أُبيّ بن كعب، فإن لازم ذلك إما أن يكون قد أعرض عما قاله في البداية، أو أن يعتبر أهل البيت، الذين هم في مقام العصمة، تابعين لقراءة أُبيّ بن كعب، وكلا الأمرين غير صحيح. وعليه، فإن أفضل طريقة هي القول بأن المراد من جملة “قراءة أبي” هو جدّه المعظم (أي النبي)، حتى يكمل صدر الرواية وذيلها بعضهما البعض.
ولكن هذا الاستدلال معيب؛ لأن الإمام الصادق وغيره من المعصومين قد دعوا الناس مراراً وتأكيداً إلى القراءة المشهورة والعامة للمسلمين، فكيف يمكن أن يثبتوا لأنفسهم قراءة غيرها؟! لأنه في تلك الحالة، سيكون المعصومون، خلافاً لما أمروا به هم أنفسهم من قراءة صحيحة ومعتبرة واحدة فقط، يثبتون لأنفسهم قراءة غير قراءة عامة المسلمين.
الدليل الثاني لهذا الاستدلال ليس كاملاً أيضاً؛ بل على العكس، يمكن ربط صدر الرواية وذيلها بهذه الطريقة: أن الإمام يشير أولاً إلى القراءة المقبولة ثم يبيّن مصداقها الخارجي والواضح ليوضح الأمر على أتم وجه.
كما أن تعيين مصداق قراءة من قبل الإمام هو لإرشاد الأفراد إلى تلك القراءة؛ لا بمعنى اتباع المعصوم لغير المعصوم. بل إن أُبيّ بن كعب أخذ قراءته من رسول الله وكان تابعاً للمعصوم. وبعبارة أخرى، قراءة أُبيّ هي قراءة تمثل قراءة المعصوم (النبي) ولا استقلالية لها في هذا المجال حتى تستلزم تبعية المعصوم لغير المعصوم.
يذكر الفيض الكاشاني في ذيل الرواية المذكورة: المستفاد من الحديث المذكور هو أن القراءة الصحيحة والموافقة لقراءة أهل البيت (عليهم السلام) هي قراءة أُبيّ بن كعب. ويقول أيضاً: قرأ بعضهم كلمة (أُبي) بصيغة (أبي) التي هي “أب” مضافة إلى ياء المتكلم، وهو أمر بعيد جداً (الفيض الكاشاني، الوافي، 1406: 9/ 1776).
ويؤكد العلامة الأصفهاني استبعاد الفيض، فيكتب: “رواية معلى (الرواية موضوع البحث) ليست في اتجاه نفي أو إثبات قراءة خاصة، بل تشير إلى ضرورة الدقة في تطبيق قواعد الإعراب على المقروء، وقراءة أُبيّ كانت موافقة لقواعد الإعراب” (الفاني الأصفهاني، حول القرآن، 1411: 69-70).
ج) تطابق قراءة عاصم مع القراءة المشهورة
كما ذُكر سابقاً، فإن وجود كلمات ومصطلحات مثل “قراءة العامة”، “قراءة الجمهور”، “قراءة الناس” عند وصف هذه القراءة يشير إلى قراءة جمهور الناس، والتي بناءً على المستندات الموجودة في كتب القرن الثاني الهجري كانت قراءة عامة متزامنة مع فترة ظهور وتشكّل القراءات السبع، وفي مكانة أعلى، حيث إن البعض مثل الكسائي قد اتخذها معياراً له في بعض الحالات، أو اعتبرها القراءة الأفضل (الحسيني، الإيرواني، دراسة تاريخية لقراءة العامة، 1394: 25).
ورد في غاية النهاية: “رواية حفص عن عاصم هي القراءة المشهورة، وهي قراءة جميع الصحابة، وظلت تُعرف كنص للقرآن منذ زمن النبي وبعد وفاته حتى الآن، وتُقاس بها القراءات المختلفة” (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: 254).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سعي عاصم لتطبيق قراءته مع قراءة عدد كبير من الصحابة قد أدى بطبيعة الحال إلى انسجامها مع القراءة المشهورة (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/ 152).
دراسة
المراد بالقراءة المشهورة في هذا الدليل – كما قيل سابقاً – هو القراءة المشهورة بين المسلمين منذ زمن النبي نفسه، والتي لا يمكن اليوم تحديدها بدقة، لأننا لا نصل إلى القرآن إلا عن طريق قراءة عاصم الخاصة وغيره. لذلك، لا توجد إمكانية لإظهار مدى تطابق قراءة أُبيّ أو عاصم مع تلك القراءة المشهورة بشكل مباشر؛ ولكن ما يتعارض بوضوح مع كل هذه الشواهد هو وجود 75 حالة من القراءة الشاذة في رواية حفص عن عاصم مع القراءة المشهورة (راجع: جليليان، زاهدي فر، دراسة شخصية عاصم ومتفرداته برواية حفص، 1395: 69-72)، وكذلك اختلاف قراءات مصحف أُبيّ مع رواية حفص عن عاصم، والتي سيتم ذكرها ضمن شواهد عدم التطابق. لذلك، فإن الشواهد المطروحة ضمن هذا الدليل لا يمكنها إلا أن تظهر تطابقاً أقصى بين قراءة أُبيّ وحفص عن عاصم، وليس تطابقاً في جميع الجزئيات.
2. تحليل وتقييم شواهد عدم التطابق
أولاً – اختلاف سور مصحف أُبيّ بن كعب عن المصحف المشهور
نقل ابن النديم عن الفضل بن شاذان، وهو عن شخص رأى مصحف أُبيّ في قرية اسمها قرية الأنصار عند محمد بن عبد الملك الأنصاري، ترتيب سور مصحف أُبيّ كما يلي: “فأوله فاتحة الكتاب البقرة النساء آل عمران الأنعام الأعراف المائدة الذي التبست وهي يونس الأنفال التوبة هود مريم الشعراء الحج يوسف الكهف النحل الأحزاب بني إسرائيل الزمر حم تنزيل طه الأنبياء النور المؤمنين حم المؤمن الرعد طسم القصص طس سليمان الصافات داود سورة ص يس أصحاب الحجر حم عسق الروم الزخرف حم السجدة سورة إبراهيم المليكة الفتح محمد الحديد الطهارة تبارك الفرقان ألم تنزيل نوح الأحقاف ق الرحمن الواقعة الجن النجم نون الحاقة الحشر الممتحنة المرسلات عم يتساءلون الإنسان لا أقسم كورت النازعات عبس المطففين إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ التين اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الحجرات المنافقون الجمعة النبي الله الفجر الملك وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج الطارق سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الغاشية عبس وهي أهل الكتاب لم يكن أول ما كان الذين كفروا الصف الضحى أَلَمْ نَشْرَحْ لَك القارعة التكاثر الخلع ثلاث آيات الجيد ست آيات اللهم إياك نعبد وآخرها بالكفار ملحق اللمز إِذَا زُلْزِلَتِ العاديات أصحاب الفيل التين الكوثر القدر الكافرون النصر أبي لهب قريش الصمد الفلق الناس فذلك مائة وستة عشر سورة” (ابن نديم، الفهرست، 1417: 44-45).
بناءً على ظاهر هذه القائمة، زعم البعض أن سور مصحف أُبيّ تختلف عن المصحف العثماني في أمور مثل:
1. اشتماله على سورتي الخلع والحفد اللتين لا توجدان في المصحف المشهور.
2. تغيير مواضع سور مثل الإنسان وعبس.
3. ذكر سورة باسم “داود” قبل سورة ص.
4. تغيير اسم سورة الهمزة إلى “لمز” (الزنجاني، تاريخ القرآن، 1404: 79-83).
في نقد هذا الرأي، تجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير عن سور مصحف أُبيّ هو خبر واحد لا يمكنه بمفرده إثبات هذه الاختلافات. بالإضافة إلى ذلك، يتعارض هذا التقرير مع وصف التقارير الأخرى لمصحف أُبيّ؛ على سبيل المثال، الاختلاف الوحيد الذي يذكره السيوطي في سور مصحف أُبيّ في كتاب الإتقان هو إضافة سورتي الخلع والحفد بعد 114 سورة مشهورة (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1349: 1/ 226). وقد قيل عن سورتي الخلع والحفد إن أُبيّ كان يقرأهما في قنوت صلاته وكتبهما في مصحفه (نفس المصدر، 206). ويقال إن سبب فعل أُبيّ هذا هو أن النبي كان يقرأ هذين الدعاءين في قنوته، ولكي لا ينساهما، أوردهما في مصحفه، لكن الذين رأوا المصحف بعده ظنوا أن هذين الدعاءين من سور القرآن، ولذلك اعتبروا أن مصحف أُبيّ يحتوي على مائة وست عشرة سورة (ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، د.ت: 1/ 33-34).
أما تغيير مكان بعض السور أو تغيير اسم سورة الهمزة إلى “لمز”، فربما حدث خلال عملية النسخ المتعددة على مر التاريخ من مصحف أُبيّ، بحيث لا يمكن نسبته بالضرورة إلى النسخة الأصلية.
وذكر سورة باسم “داود” قبل سورة “ص” ليس إلا خطأ في تفسير نص قائمة السور. والأكثر منطقية هو أن اسم هذه السورة ذُكر بصيغة “داود ص” بسبب ذكر قصة النبي داود في سورة ص، لا أنهما سورتان (الصعيدي، سور القرآن في مصحف عثمان ومصحف أبي بن كعب، 1366: 538).
ثانياً – اختلافات قراءة عاصم وأُبيّ بن كعب
من أهم شواهد عدم تطابق قراءة عاصم مع قراءة أُبيّ بن كعب، وجود اختلافات كثيرة بينهما. ورغم أن بعض الباحثين، استناداً إلى حضور أُبيّ في مجلس الاثني عشر لكتابة مصحف الإمام في زمن عثمان واتصال سند ستة من القراء السبعة، يميلون إلى اعتبار الاختلافات الكثيرة بين مصحف أُبيّ والمصحف الرسمي غير مسندة أو قابلة للتأويل (عبد الصبور، تاريخ القرآن، 1426: 178)، إلا أن الحقيقة هي أن كثرة هذه الاختلافات وعدم تصور دافع كافٍ لجعل هذا الحجم من الأخبار يمنع قبول هذا الرأي.
بشكل عام، يمكن تقسيم هذه الاختلافات إلى عدة فئات، وهي:
أ) الاختلافات القرائية الناتجة عن الخصائص اللهجية
أحد وجوه التمايز بين قراءة أُبيّ والمصحف الرسمي هو الاختلافات الناتجة عن الخصائص اللهجية. على سبيل المثال، قرأ أُبيّ بن كعب آية {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} (الأحزاب/ 19) “صَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ”. كما قرأ هو وابن مسعود آية {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي} (غافر/ 27) بصيغة “إِنِّي عُتُّ بِرَبِّي”.
الروايات القرائية من هذا القبيل، التي تفسرها السنن اللهجية، كانت جائزة في صدر الإسلام، وبعضها مثل “صَلَقُوكُم” يخضع للقوانين الصوتية الجائزة. تفسير هذه الحالات سهل لمن لديه أدنى معرفة باللغويات؛ مع التوضيح أنه عندما يجتمع صوتان، أحدهما مجهور والآخر مهموس، فإن المتقدم (المجهور) يتأثر بالمتأخر (المهموس) ويحدث إدغام صغير متقارب؛ مثل “عُذْتُ” التي قُرئت “عُتُّ” (عبد الصبور، تاريخ القرآن، 1329: 153).
ب) الاختلافات القرائية الناتجة عن الخصائص التفسيرية في مصحف أُبيّ
الفئة الثانية من اختلافات قراءات مصحف أُبيّ عن المصحف الرسمي ناتجة عن إدخال تفسير الكلمات والآيات داخل النص. وهذه الروايات لها شكلان:
1) قراءات يغلب عليها طابع الترادف الخالص، ولها هدف تفسيري؛ مثل أن أُبيّ قرأ {وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة/ 7) “وَغَيْرَ الضَّالِّينَ”، و{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (النساء/ 129) “فَتَذَرُوهَا كَالْمَسْجُونَةِ”، و{وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (الأنفال/ 2) “فَزِعَتْ قُلُوبُهُمْ”.
2) قراءات يغلب عليها طابع العبارات الإضافية – البيانية؛ مثل أن أُبيّ قرأ {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة/ 184) بإضافة “مُتَتَابِعَاتٍ”: “فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ”، أو {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (البقرة/ 238) بإضافة “صلاة العصر” قرأها: “وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى – صَلَاةِ الْعَصْرِ”. هذا النوع من الروايات، إلى جانب قيمتها التفسيرية، قد يكشف أحياناً عن آراء أصحابها في بعض المشكلات، ومواقفهم وأحكامهم الفقهية، كما في تحديد المراد بـ {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}، فإن قراءة “صلاة العصر” توضح المعنى، وفي قراءة “متتابعات” يظهر شرط تتابع الأيام في صيام القضاء (عبد الصبور، تاريخ القرآن، 1329: 186).
3) روايات تتضمن نصوصاً يُقال إنها من القرآن. هذه النصوص تعود إلى الوحي التبييني الذي كان ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان النبي يستخدمه لتعليم القرآن للمسلمين وتفصيل الآيات. على سبيل المثال، قرأ أُبيّ وابن مسعود الآية 10 من سورة الواقعة هكذا: “وَالسَّابِقُونَ بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ فَهُمْ عَلِيٌّ وَذُرِّيَّتُهُ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَجَعَلَهُمُ الْمَوَالِيَ عَلَى غَيْرِهِمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”، ومن الواضح أن إضافات الآية هي لتطبيق وتفسير الآية. ومثال آخر هو ما مرّ من تسجيل دعاءي الخلع والحفد في مصحف أُبيّ (نفس المصدر، 184).
هذه الاختلافات ليست ناتجة عن إضافات عمدية وتحريف للآيات من قبل هذا الصحابي المشهور، بل هو، كصاحب رأي في فهم وتفسير مراد الآيات، قد أدرج آراءه في مصحفه، وفي كثير من الحالات كانت مجرد حواشٍ توضيحية أُدخلت خطأً من قبل الناسخين إلى متن النص.
الخاتمة
يُعد أُبيّ بن كعب من أبرز الشخصيات في مجال قراءة القرآن الكريم. كان من المشرفين على أول جمع للقرآن في زمن الخليفة الأول، وكذلك في توحيد المصاحف في زمن الخليفة الثالث، وكانت ملاحظاته تؤدي إلى حذف أو إبقاء. بناءً على ما طُرح في هذا البحث وبدراسة الروايات التي تظهر في هذا المجال، يمكن القول إن قراءة أُبيّ بن كعب لم تكن ذات مكانة رفيعة عند علماء علم القراءة فحسب، بل إن أهل البيت (عليهم السلام) اعتبروا قراءتهم هي قراءة أُبيّ بن كعب نفسها. ورواية ستة من القراء السبعة ترجع في النهاية إلى قراءته، مما يدل بوضوح على تأثيره الواسع على القراءة المشهورة. أما لدراسة تطابق قراءة أُبيّ مع قراءة عاصم، فقد تم في هذا البحث تبيين وتقييم دليلين رئيسيين في إثبات التطابق، ودليلين لنفي التطابق: اتصال سند قراءة عاصم بأُبيّ وتطابق هاتين القراءتين مع قراءة المسلمين المشهورة منذ زمن النبي (صلى الله عليه وآله) طُرحا ونُقدا كدليلين لإثبات التطابق. ومن بين أدلة نفي التطابق، توجد تقارير عن اختلاف السور في مصحف أُبيّ عن المصحف الرسمي، وهي قابلة للنقد السندي والتأويل المضموني؛ أما الدليل الثاني، وهو وجود اختلافات جزئية كثيرة بين مصحف أُبيّ وقراءة حفص عن عاصم، فإنه بالنظر إلى التقارير المتعددة في المصادر المختلفة، لا يمكن إنكاره أو تبريره.
المصادر والمراجع
- ابن الجزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
- ابن الجزري، محمد بن محمد، غاية النهاية في طبقات القراء، تحقيق: ج. برجستراشر، القاهرة: مكتبة المتنبي، د.م، د.ت.
- ابن الجزري، محمد بن محمد، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، تحقيق: علي بن محمد العمران، مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، 1419 هـ.
- ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، القاهرة: وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1414-1415 هـ.
- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، تحقيق: صدقي جميل عطار، بيروت: دار الفكر، 1415 هـ.
- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فضائل القرآن، بيروت: مكتبة الهلال، د.م، 2003 م.
- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، 1406 م.
- ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الرابعة، د.ت.
- ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، لبنان: دار الثقافة، د.ت.
- ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع، الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، 1410 هـ.
- ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، قم: منشورات علامة، 1379 ش.
- ابن عبد البر، الاستيعاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت: دار الجيل، 1412 هـ.
- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 هـ.
- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 هـ.
- ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، تأويل مشكل القرآن، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
- ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق وتعليق: علي شيري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1408 هـ.
- ابن مجاهد، أحمد بن موسى، كتاب السبعة في القراءات، تحقيق: شوقي ضيف، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، 1400 هـ.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار الصادر، الطبعة الثالثة، 1414 هـ.
- ابن نديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق، الفهرست، بيروت: دار المعرفة، 1398 هـ.
- أبو عبيد، قاسم بن سلام، فضائل القرآن، بيروت: المكتبة العصرية، 1426 هـ.
- أحمد بن حنبل، مسند أحمد، بيروت: دار الصادر، د.ت.
- أحمديان نجف آبادي (نجفي)، محمد علي، الصحابة الكرام، تحقيق مركز علوم ومعارف إسلامي، طهران: مركز إحياء التراث الإسلامي، 1437 هـ.
- آل عصفور، ميرزا محسن، إتحاف الفقهاء في التحقيق مسألة اختلاف القراءات والقراء، د.م، د.ت.
- الآلوسي، محمود بن عبد الله، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق: عبد الباري عطية، بيروت: دار الكتب العلمية، 1404 هـ.
- الأمين، سيد محسن، أعيان الشيعة، تحقيق: حسن أمير، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، د.ت.
- البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر، د.م: دار طوق النجاة، 1422 هـ.
- بهارزاده، بروين، “رواية حفص عن القراءة العامة ودلائل ترجيحها”، مجلة بينات، السنة الثالثة، العدد 12، 1393 ش.
- التستري، محمد تقي، قاموس الرجال، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1425 هـ.
- الجزري، ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: محمود محمد طناحي، قم: مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، الطبعة الرابعة، 1367 هـ.
- جليليان، حميد؛ زاهدي فر، سيف علي، “دراسة شخصية عاصم ومتفرداته برواية حفص”، مجلة دراسات قراءة القرآن، ربيع وصيف 1395، العدد 6.
- جماعة من المؤلفين، دائرة المعارف صحابة النبي الأعظم (ص)، طهران: منظمة الدعوة الإسلامية، 1390 ش.
- الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، د.م، د.ت.
- الحسيني، بي بي زينب؛ إيرواني، مرتضى، “دراسة تاريخية لـ’القراءة العامة’ وارتباطها برواية حفص عن عاصم”، مجلة دراسات القرآن والحديث، العدد 16، ربيع وصيف 1394 ش.
- الحويزي، ابن جمعة، نور الثقلين، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، قم: إسماعيليان، 1412 هـ.
- الخوئي، سيد أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار الزهراء، 1395 هـ.
- الداني، عثمان بن سعيد، التيسير في القراءات السبع، بيروت: دار الكتب العلمية، 1404 م.
- الدمياطي، أحمد بن محمد بن عبد الغني، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ.
- الذهبي، شمس الدين، تذكرة الحفاظ، بيروت: دار الكتب العلمية، 1428 هـ.
- الذهبي، شمس الدين، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، مصر: دار الكتب الحديثية، د.ت.
- الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داودي، بيروت: دار العلم، 1412 هـ.
- راميار، محمود، تاريخ القرآن، طهران: منشورات أمير كبير، الطبعة الثالثة، 1369 ش.
- الزركشي، محمد بن بهادر، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: جما حمدي، لبنان: دار المعرفة، 1408 هـ.
- الزنجاني، عبد الله، تاريخ القرآن، طهران: منظمة الإعلام الإسلامية، 1404 هـ.
- السبزواري، محمود عادل، لغتنامه قرآن كريم، طهران: نشر ثالث، 1387 هـ.
- السجستاني، عبد الله بن سليمان، مصاحف، تحقيق: محمد عبده، القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، 1423 هـ.
- السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: دار الكتب العربي، الطبعة الثانية، 1421 هـ.
- صالح، صبحي، مباحث في علوم القرآن، قم: منشورات الرضي، الطبعة الخامسة، 1372 ش.
- الصعيدي، عبد المتعال، “سور القرآن في مصحف عثمان ومصحف أبي بن كعب”، الأزهر، المجلد الثامن عشر، جمادى الثانية 1366 هـ – العدد 6.
- الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج على أهل اللجاج، تحقيق: خرسان، محمد باقر، مشهد: نشر مرتضى، 1403 هـ.
- الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تصحيح: أبو الحسن شعراني، طهران: كتاب فروشي إسلامية، د.ت.
- الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420 هـ.
- الطرابلسي، عبد الرزاق بن حمزة، نهاية الغاية في بعض أسماء رجال القراءات أولى الرواية، بيروت: المكتبة العصرية، 1431 هـ.
- الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في التفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1413 هـ.
- الطوسي، محمد بن حسن، فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأصول، قم: ستاره، 1420 هـ.
- عبد الصبور، شاهين، تاريخ القرآن، مصر: دار نهضة مصر، 1426 هـ.
- العياشي، محمد بن مسعود، تفسير عياشي، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، طهران: مكتبة العلمية الإسلامية، د.ت.
- فاكر ميبدي، محمد، “اختلاف القراءات ونقشها في التفسير من وجهة نظر العلامة الطباطبائي”، مجلة قرآن شناخت، السنة الرابعة، العدد 2، 1390 ش.
- فاكر ميبدي، محمد، “نقد وجهة نظر ريجي بلاشير في قراءات القرآن”، مجموعة مقالات المؤتمر الدولي للقرآن والمستشرقين، قم: المركز الدولي للترجمة والنشر المصطفى، ج1، 1391 ش.
- فاني أصفهاني، سيد علي، حول القرآن، بيروت: دار الهادي، 1411 هـ.
- الفضلي، عبد الهادي، القراءات القرآنية، بيروت: دار القلم، الطبعة الثالثة، 1405 هـ.
- الفيض الكاشاني (ملا محسن)، محمد محسن بن شاه مرتضى، الوافي، أصفهان: مكتبة الإمام أمير المؤمنين (ع)، 1406 هـ.
- قدوري الحمد، غانم، رسم المصحف، العراق: اللجنة الوطنية للاحتفال بمطلع القرن الخامس الهجري، 1402 هـ.
- القسطلاني، شهاب الدين، لطائف الإشارات لفنون القراءات، تحقيق وتعليق: سيد عثمان وعبد الصبور شاهين، القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1329 هـ.
- القمي، علي بن إبراهيم، تفسير قمي، تحقيق: سيد طيب موسوي جزائري، قم: دار الكتاب، 1404 هـ.
- الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، قم: دار الحديث، 1429 هـ.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار الإحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1403 هـ.
- محمدي، محمد حسين، تاريخ القرآن، قم: پژوهشگاه بين المللي المصطفى، 1390 ش.
- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران: بنگاه ترجمه و نشر كتاب، 1360 ش.
- معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1415 هـ.
- معرفت، محمد هادي، تاريخ القرآن، طهران: سمت، 1375 ش.
- نجفي، روح الله، “وظيفة قراءة أبي بن كعب في ترجيح بين القراءات السبع”، مجلة الدراسات الإسلامية، السنة السابعة والأربعين، العدد 94، ربيع وصيف 1394 ش.
- الهروي، أبو عبيد قاسم بن سلام، فضائل القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية، 1426 هـ.
- الواقدي، محمد بن عمر بن واقد، تحقيق: مارسدن جونس، بيروت: دار الأعلمي، 1409 هـ.
- اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ترجمة: محمد إبراهيم آيتي، طهران: شركة انتشارات علمي و فرهنگي، 1343 ش.