بحثٌ في منزلة الحياة في الاجتهاد والتقليد

المستخلص

المشهور بين فقهاء الإمامية في مقام استنباط الأحكام الدينية هو اشتراط الرجوع إلى المجتهد الحي، واعتبار مراجعة المجتهد الميت ابتداءً باطلة. والسؤال الرئيس هو: ما هو الدور الذي تلعبه حياة المجتهد في التقليد حتى تكون شرطًا فيه؟ إذا كان رأي المجتهد، كسائر الفنون العلمية، له طريقيّة من حيث كشفه للواقع، والأدلة تثبت ذلك، فحينئذٍ لا تكون الحياة والممات شرطًا؛ لأن كلام الفقيه طريق للوصول إلى الحق، وهذه الطريقية تبقى قائمة حتى بعد مماته. بالطبع، إذا قال أحد بموضوعية حياة المجتهد، فلا بد من اشتراط الحياة. فإذا ثبتت الكاشفية لنظرية المجتهد الحي، فإن التقليد بعد وفاته لا مانع منه، ولكن إذا ثبتت الموضوعية، فهناك مجال لإنكار التقليد عن الميت. تسعى هذه المقالة من خلال دراسة الآراء والأدلة المتعلقة بمشروعية الاجتهاد والتقليد إلى إثبات الجانب الثاني، أي الطريقية والكاشفية، لرأي المجتهد الحي.

مقدمة

آثار حياة الإنسان على نوعين: آثار مادية، كالمشي والأكل والشرب والزواج، وآثار معنوية، كالآثار العلمية والفكرية. الآثار العلمية تهدي الإنسان وغيره، ويمكن الاستناد إليها لإثبات الحقائق. مع انتهاء حياة الإنسان، تزول آثاره الطبيعية، ولكن هل تزول آثاره العلمية أيضًا بعد حدوث الموت؟ هل بموت الشيخ الطوسي، وابن سينا، وسائر العلماء، تزول آثارهم الفقهية والفلسفية وتسقط حجيتها؟ لو كان الأمر كذلك، لانهارت أسس الحضارة القائمة على العلوم، ولكان لزامًا البدء بعلوم جديدة ومبتكرة. من الواضح أن آراء العلماء التي قُدِّمت بالاستدلال العقلي والنقلي، وعُمل بها لمدد طويلة، بل وظلت محط اهتمام حتى بعد سنوات من وفاتهم واستمرت حتى الآن، لا تزول أبدًا، بل يمكنها أن تكون هادية للأجيال القادمة. من هنا، إذا لم يبطلها دليل أقوى، فإن حجيتها للآخرين في الأبعاد النظرية والعملية ثابتة. النظرية التي تُقدَّم مع الاستدلال هي العلة المحدثة، وبوجودها تبقى آثارها. وعليه، لا مانع من أن تكون العلة المحدثة هي العلة المبقية أحيانًا. فهل تجري هذه القاعدة في تقليد المجتهد الميت أم لا؟ إذا سقطت حجية نظريات الشيخ الطوسي الفقهية، التي تُعد أساس الفقه الموجود، بوفاته، فيجب تدوين فقه جديد، يُعرف أحيانًا بالفقه المستحدث، بينما تُقدَّم نظريات فقهاء اليوم بالاعتماد على فقه المتقدمين. قد يختلفون مع الشيخ في بعض النظريات، ولكن ما دام لم يُقدَّم دليل أقوى، يمكن البقاء على النظرية السابقة. إذًا، الفقه الذي بين أيدينا اليوم، سواء في هيكله أو في كثير من مسائله الجزئية، هو نظريات الفقهاء القدامى. ومع ذلك، كانت هذه المسألة محل بحث، وهي: هل تقليد الميت جائز أم لا؟ وفي هذه المسألة توجد مباحث كثيرة، وسنقتصر في هذا التحقيق على مكانة الحياة وعلاقتها برأي المجتهد ونظره.

الآراء حول دور الحياة في الاجتهاد

لتوضيح دور الحياة، تُبحث أولاً الآراء والأدلة، ثم نظرة المحققين إلى مكانة الحياة. المشهور بين فقهاء الإمامية هو أنه لا يجوز أخذ أحكام الدين من مجتهد قد توفي، بل يجب الرجوع إلى المجتهد الحي. (1) وهناك آراء أخرى تخالف الرأي المشهور. توجد ثلاث آراء في المسألة: ١. الرأي الأول هو أن الحياة ليست شرطًا في الاجتهاد والتقليد، بل يمكن أخذ تعاليم الدين بشكل ابتدائي أو استمراري من شخص قد توفي. يتبنى هذا الرأي الأخباريون وبعض الأصوليين مثل المحقق القمي. (2) كما أن الأخباريين لا يشترطون الحياة. فمن هذا المنطلق، كما أنه لا حاجة لحياة الراوي في نقل الرواية، كذلك لا تُشترط الحياة في نقل الفتوى وأخذها. (3) ٢. الرأي الثاني هو أن الحياة شرط، والرأي بدون حياة لا حجية له، حتى بالنسبة لمجتهد قُلِّد مدة في حياته. ولهذا، فإن الرجوع إلى الميت غير صحيح، لا استمرارًا ولا ابتداءً. (نفس المصدر) ٣. الرأي الثالث هو أن الحياة شرط في التقليد الابتدائي، وليست شرطًا في الاستمراري. هذا الرأي هو المشهور بين الفقهاء، خاصة عند المتأخرين، وقد ادُّعي الإجماع عليه في كلام بعض الفقهاء. (4) على سبيل المثال، ادعى المحقق الثاني الإجماع على اشتراط الحياة. (5) وكتب صاحب المسالك: «أصحابنا شرطوا في العمل بقول المجتهد اشتراط الحياة». (6) وكلام الوحيد البهبهاني هو: «أجمع الفقهاء على أن المجتهد إذا مات لا حجية في قوله». (7) ومن وجهة نظر ابن أبي إحسائي أيضًا، فإن المجتهد الميت لا قول له، وهو كناية عن عدم حجية قوله (نفس المصدر). هذا في حين يبدو أن دعوى الإجماع غير تامة؛ لأن الشيخ الأنصاري في تقريراته نسب عدم جواز تقليد الميت إلى الأكثر عن قول الأردبيلي. (8) كما نسب الشهيد الثاني عدم الجواز إلى الأكثر. (9) إذن، المسألة خلافية، واختلاف الآراء نابع من الاختلاف في المنهج العلمي لديهم. على سبيل المثال، الميرزا القمي، بناءً على مبنى انسداد باب العلم في الأحكام وصعوبة الامتثال الجزمي والاحتياط، يعتبر الظن بالأحكام، الذي يحصل من فتاوى العلماء سواء كانوا أحياءً أم أمواتًا، حجة. (10) وقد كتب بعض الفقهاء في نقد هذا الرأي: هذا كلام الميرزا القمي من حيث المبنى والبناء محل إشكال. فمن حيث المبنى غير صحيح؛ لأن انسداد باب العلم مبتنٍ على أمرين: ١. عدم حجية الظواهر بالنسبة لمن لم يُقصد إفهامهم؛ ٢. عدم حجية الخبر الموثوق به. في حين أن حجية الظواهر لا تختص بـ«من قصد إفهامه». كما أن الخبر «الموثوق به» حجة كالخبر «المقطوع به». أما من حيث البناء فغير صحيح؛ لأنه على فرض انسداد باب العلم، يثبت اعتبار الظن في خصوص المجتهد، وعليه أن يعمل بظنه حسب الأدلة. أما المقلدون وعامة الناس فلا يمكنهم تحصيل العلم بالحكم الواقعي من فتوى المجتهد الميت؛ لوجود الخلاف بين فتوى الميت والمجتهد الحي، خاصة إذا كان الحي أعلم. (11) ورأي المحدثين أيضًا مبتنٍ على أنهم ينكرون مشروعية التقليد ويعتبرون رجوع العامي إلى المجتهد من باب الرجوع إلى رواة الحديث. في الواقع، المجتهد ينقل الرواية، وحجية الرواية وجواز العمل بها لا يتوقف على حياة الراوي. (12) هذه الدعوى أيضًا من حيث المبنى والبناء غير صحيحة؛ لأنه بالتوجه إلى آيتي «النفر وأهل الذكر»، (13) يتضح أن الرجوع إلى المجتهد هو لكونه من أهل الخبرة، ورأيه له دور في الرجوع، لا من حيث كونه راويًا للحديث. بناءً على آية النفر، فإن إنذار الفقيه حجة، والفقيه يبدي رأيه على أساس الأخبار والجمع بين المتعارضات وتخصيص العمومات، ومن هذا الباب يُرجع إليه، بينما في الراوي لا تُعتبر الفقاهة. ومن هذا البيان يُستفاد أن للحياة موضوعية. يبدو أن الإشكال المذكور غير وارد؛ أولاً: إذا كان استمرار الرأي لازمًا للحياة، فهذا الإشكال وارد أيضًا في صورة البقاء على تقليد الميت الذي قُلِّد في حياته؛ لأنه في تلك الحالة الرأي غير مصاحب للحياة، والمستشكل يقبل مثل هذا التقليد دون أن يشترط الحياة. ثانيًا: اختلاف الفقهاء مع الأخباريين ليس في الاجتهاد بمعناه الأعم؛ لأن الاجتهاد بمعنى بيان الأحكام باستخدام الروايات موجود عندهم أيضًا. الفتوى عند الأخباريين هي عبارة عن نقل الحديث (طبعًا النقل بالمعنى). في هذا النقل بالمعنى يوجد نوع من الاجتهاد وإعمال النظر؛ لأن ليس كل الناس يستطيعون استنباط الحكم من الروايات. ما ينكره الأخباريون هو الاجتهاد بالمعنى الخاص، وهو: الإخبار بالأحكام بناءً على رأي المجتهد مع الاستنباط من قواعد، وهذه القواعد تُستحصل بدليل عقلي أو نقلي في علم الأصول، بينما الأخباريون يعملون بالروايات فقط. يكتب السيد الجزائري: كتب الفقه هي شروح لكتب الحديث؛ لأنه في الروايات يوجد العام والخاص والمطلق والمقيد، وليس كل أحد قادرًا على تحصيله. المجتهد يسعى لبيان معاني وفوائد الأحاديث، وينظمها. من هنا، فإن اختلاف الفقهاء يرجع إلى اختلاف الأحاديث أو اختلاف المعاني. ولهذا، لو نُقلت هذه الروايات فقط دون تبيين ونظم من الفقهاء، لنشأ الخلاف. كما يُرى الخلاف بين المحدثين أنفسهم مع أنهم يعملون فقط في دائرة الأخبار، فلا فرق بين التدوين في الفقه والتأليف في الحديث. (14) هذا البيان يدل على أن الأخباريين أيضًا ليسوا بلا اجتهاد ورأي، ولكن هذا الرأي يُبيَّن في ثوب الحديث دون أن ينقلوا استنباطهم بصورة فتوى. من هنا، بجانب نقل معنى الخبر، يوجد فتوى ورأي أيضًا، لذا الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة وفي رسالة مستقلة، بيّن الأحكام بنقل الروايات. إذًا، هذا القول بأن مبنى أهل الحديث هو نقل الأخبار، وفي نقل الأخبار لا تشترط الحياة، لا يبدو صحيحًا؛ لأن نفس الملاك الذي يُشترط به الحياة بين المجتهدين، موجود أيضًا بين الأخباريين؛ لأن ملاك الرأي موجود عندهم أيضًا. إذًا، إذا كان الأخباريون لا يشترطون الحياة في التقليد، فليس هناك مبنى حتى يرد إشكال المحقق الخوئي.

نقد ودراسة أدلة كل رأي

استدل أصحاب كل رأي لإثبات نظريتهم بأدلة قرآنية وروائية بل وعقلائية، نتناولها باختصار. أُقيم على رأي شرطية الحياة دليلان: الأول، الدليل اللفظي (الآيات والروايات)؛ الثاني، الدليل غير اللفظي (الإجماع والسيرة العقلائية).

١. الدليل اللفظي

أ) آيتا النفر والذكر: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ (15) ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (16) هذه الآيات ظاهرة في الحياة؛ لأنها ترجع الناس إلى الفقهاء وأهل الذكر، وهذا الإرجاع ممكن في حال الحياة، كما أن من توفي لا يمكن أن يكون منذرًا وأهلاً للذكر. (17) ب) روايات إرجاع الأشخاص بواسطة أهل البيت (ع) إلى بعض الأصحاب وعلماء زمانهم، دليل على أن المجتهد يجب أن يكون حيًا. على سبيل المثال، يقول شعيب العقرقوفي للإمام الصادق (ع): عرضت عليه: «ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي يعني أبا بصير». (18) وفي رواية أخرى معروفة بالتوقيع، قال: «أما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي». (19) يبدو أن هذه الأدلة اللفظية غير تامة في إثبات شرطية الحياة؛ لأنه لم تُشترط الحياة في أي آية أو رواية، كما لم يُنف الممات. بالطبع، يشمل التقليد المجتهد الحي، أي أن المكلف يمكنه أخذ مسائله الدينية من المجتهد الحي، لكن انحصاره غير ثابت. بعبارة أخرى، الأدلة المذكورة وإن كانت ظاهرة في شرطية الحياة، إلا أنها لا مفهوم لها حتى تنحصر حجية الفتوى في الفقيه الحي؛ لأن الأدلة المذكورة لا تدل على عدم جواز تقليد الميت. إذن، من الممكن أن تكون فتوى الميت حجة كفتوى الحي.

٢. الدليل غير اللفظي

الدليل الآخر هو السيرة والإجماع. بالطبع، دعوى الإجماع هذه هي من جانب علماء الشيعة فقط؛ لأن أهل السنة يجيزون تقليد الميت. النقطة الأخرى هي أنه أُشكل على هذا الإجماع بأنه ليس تعبديًا ليكشف عن رأي المعصوم؛ لأن احتمال المدرك في هذا الإجماع كبير جدًا. (20) ما يؤيد هذه الحقيقة هو أن سيرة العقلاء قائمة على مراجعة كتب المتقدمين والعمل بأفكارهم. وهذه السيرة لم تُردع أبدًا؛ لأن السيرة تشمل الرجوع إلى الحي والميت معًا، بالطبع السيرة رُدعت فقط في الأمور التي أبطلتها علوم أو فتاوى الفقهاء الجدد، وكان هؤلاء الأفراد أعلم من المتقدمين، ولكن في حال لم يكونوا أعلم بل مساوين ولم يكن هناك اختلاف، فلا مانع من مراجعتهم. مما سبق، يتضح أنه لا يوجد دليل قوي على شرط الحياة ونفي الممات، إلا سيرة المتشرعة. إذا ثبتت السيرة، فيوجد دليل قوي على شرطية الحياة ولا يمكن تجاوزه. ولكن يبدو أن هناك مجالاً للتأمل والإشكال؛ لأن السيرة والإجماع في هذا المطلب مشتركان، ويجب دراسة جذور تشكلهما. لتوضيح ذلك، نذكر بعض النقاط: ١. نشأة السيرة تحتاج إلى زمان وتتشكل بمرور الوقت، لذا في البداية تصدر آية أو رواية، أو يُؤدى عمل أمام المعصوم، وبمرور الوقت ينتشر ويتحول إلى سيرة. إذن، السيرة تتشكل بمرور الزمن وتحتاج إلى مصدر، حتى لو كان ذلك المصدر رضا المعصوم. في هذه المصادر، لم يُنف تقليد الميت. ٢. قد يكون سبب نشأة السيرة هو ظروف واحتياجات زمن الصدور. في عصر المعصوم (ع)، لم يكن الناس بحاجة إلى تقليد الميت بناءً على الظروف الموجودة، وفي حال الحاجة، كان وجود المعصوم والأفراد الذين يقدمهم يحل المشكلات. أحيانًا بسبب عدم تدوين الفتاوى وعدم توفرها، كان الناس يحلون مشكلاتهم العلمية بالرجوع إلى الحي، كما يفعل معظم الناس اليوم. ولهذا، في العصور اللاحقة، ترسخ هذا النهج كارتكاز. هذا الارتكاز لا يعني نفي تقليد الميت؛ لأن النهج العملي لقوم لا يعني أبدًا نفي مقابله. الآن، إذا تغيرت الظروف بحيث يلبي الناس احتياجاتهم دون مراجعة الأفراد بل بكتبهم، فهل تنفي الأدلة المذكورة ذلك أم لا؟ إذن، معرفة السيرة وجذورها تقودنا إلى هذه الحقيقة، وهي أن الهدف من مراجعة المجتهد هو معرفة الدين والمذهب، فإذا راجع شخص مجتهدًا بيّن الدين بأدلة قوية وبأسلوب مناسب جدًا، فإن الأدلة المذكورة لا تنفيه. الأدلة القرآنية والروائية لا تنفي الحجية كما لا تثبت الموضوعية للحياة. إذن، السيرة كالأدلة اللفظية تشمل مراجعة الحي ولا تثبت الانحصار. بحثنا ليس في الأولوية والترجيح، بل في المشروعية وعدم المشروعية.

أدلة رأي عدم شرطية الحياة

الدليل الأول: الآيات التي ذُكرت في الرأي السابق تثبت حجية فتوى الفقيه ولا تشترط الحياة؛ لأن إطلاق الأدلة اللفظية، كما يثبت حجية فتوى المجتهد الحي، يشمل أيضًا حجية فتوى المجتهد الميت. قيل في نقد هذا الدليل: ١. هذا الدليل، على فرض الإطلاق، لا يشمل صورة اختلاف العلماء الأحياء والأموات. ٢. عناوين الآيات والروايات ظاهرة في القضية الفعلية. من هنا، يشمل من هو منذر بالفعل، وأهل ذكر، وراوي حديث، أما من كانوا في الماضي يحملون هذه العناوين وحاليًا لا يحملونها، فلا يشملهم. إذن، الميت ليس منذرًا. الحذر عند الإنذار أو السؤال من أهل الذكر، أو على الرجوع إلى راوي الحديث، وهذه القضايا ظاهرة في الفعلية، بمعنى أن قولنا مثلاً: «العالم يجب إكرامه» ظاهره أن من كان متصفًا بالعلم هو الذي يجب إكرامه، لا الأعم من المتلبس بالفعل ومن انقضى عنه التلبس، ولا إشكال في أن الميت لا يتصف بإنذار أو أهل الذكر أو بغيرهما. (21) يبدو أن إشكال المحقق الخوئي غير تام؛ لأنه: أولاً: في مقام الاستدلال على حجية فتوى المجتهد الميت، يكفي شمول الأدلة له. الحديث هو في مشروعية التقليد دون عوارض وحالات ثانوية كالاختلاف في الفتوى. من هنا، فإن صورة تعارض فتوى الميت والحي لا تجعل أصل الاستدلال غير تام. إذا كان الاختلاف يؤدي إلى بطلان أصل الاستدلال، فهذا المشكل موجود في حالة البقاء على تقليد الميت، بل وفي حالات اختلاف العلماء الأحياء مع بعضهم البعض، بل واختلاف المجتهد الميت الذي نبقى على تقليده مع المجتهد الحي. ما هو الحل الذي نقدمه في هذه الحالات؟ إذا كانت فتاوى المجتهد الذي نبقى على تقليده تختلف مع المجتهد الحي، فهل لا تشمل أدلة الاجتهاد والتقليد حجية كليهما؟ أي حل نختاره لحل الخلاف بين هذا النوع من الفقهاء، يجري أيضًا في اختلاف الميت مع الحي. إذن، أدلة التقليد تشمل صورة اختلاف وتعارض المجتهدان الأحياء والأموات. ثانيًا: يبدو أن القول بأن عناوين الإنذار وأهل الذكر والراوي لا تشمل المجتهد الميت، هو قول غير تام؛ لأن المقلد يُنذر بمراجعته لفتاوى العظماء التي هي مضمون الآيات والروايات. كما أن بيان حقيقة من آية ورواية باللسان يصدق عليه الإنذار، فبالكتابة أيضًا يوجد إمكانية للإنذار ولا حاجة للحضور الجسدي للشخص. إضافة إلى ذلك، يرد هذا الإشكال على القائلين بالتفصيل؛ لأنهم يقولون إن التقليد البقائي والاستمراري لا إشكال فيه. إذا كانت العناوين فعلية، فكيف يمكن لمن توفي أن ينذر مقلديه؟ بينما هناك لا تطرحون هذا الإشكال. إذا قيل إنه في التقليد البقائي، كان المجتهد قد أنذر وشمل المكلف قبل العمل، ثم توفي المجتهد، فمن هنا هو حجة عليه؛ لأنه يصدق أن المجتهد منذر فعلي، والإنذار الحدوثي كافٍ في التقليد، يُقال في الجواب: إذا كان في صدق إنذار المنذر يُشترط حضور المكلف، فهذا الكلام صحيح، أما إذا لم يكن شرطًا فهو غير تام، والظاهر أنه في الإنذار لا يلزم حضور المكلف؛ لأن فتوى المجتهد (سواء حيًا أو ميتًا) تصدر بصورة قضية حقيقية، لا قضية خارجية. إذًا، على رأي وفتوى المجتهد الميت، يصدق الإنذار والمنذر. من العجب أن المحقق الخوئي في ذيل بحث البقاء على تقليد الميت، يستدل بإطلاق هذه الآيات والروايات نفسها على شمول الميت والحي، فيقول: وعلى الجملة، إنها تدلنا بإطلاقها على أن إنذار الفقيه حجة مطلقًا سواء كان حيًا عند العمل به أم لم يكن، وكذلك آية السؤال والأخبار الآمرة بالأخذ من محمد بن مسلم… لأنهما إنما دلتا على وجوب السؤال من أهل الذكر أو هؤلاء الأشخاص المعينين ولم تدلا على تقييد ذلك بما إذا كان أهل الذكر أو هؤلاء الأشخاص أحياءً عند العمل بقوله. (22) مع أن للمحقق الخوئي في البقاء على تقليد الميت مبنى خاصًا يُطرح في محله، إلا أن الكلام هنا في كيفية الاستدلال. قال البعض: الميت لا يتصف بالإنذار وأهل الذكر، (23) بينما صدور الرأي كافٍ للإنذار، كما بيّن المحقق الخراساني: إن الرأي حدوثه يكفي في حجيته بحسب البقاء ولا يعتبر استمراره في حجيته بعد الممات. (24) إذا رجع شخص إلى كتاب كُتب قبل قرون عن المبدأ والمعاد والفقه والأخلاق، ألا يصدق الإنذار؟ إذًا، وظيفة المكلف هي أن يعرف الدين، وأحد طرق الوصول إلى حقيقة الأحكام هو مراجعة آراء أهل الخبرة، ورأي هؤلاء الأفراد في الحدوث كافٍ. من هنا، فإن تقييد حجية فتوى المجتهد بالحياة يحتاج إلى دليل صريح وقطعي.

الدليل الثاني، هو الروايات التي أشير إليها سابقًا. من هذه الروايات، لا يُستفاد شرطية الحياة لحجية فتوى المجتهد؛ لأن الروايات التي تدل على حجية فتوى الفقيه لم تُقيَّد بالحياة. بالطبع، أمر الأئمة (ع) بالرجوع إلى أفراد معينين لا يشمل المجتهد الميت، ولكن في الوقت نفسه قد يكون ذلك لسبب خاص بالزمان والمكان والأفراد أنفسهم الذين أُرجع إليهم. من هنا، فإن الإرجاع إلى الأشخاص أنفسهم لا إلى فتاواهم. ولهذا، لا يمنع من الرجوع إلى الميت.

الدليل الثالث، هو سيرة العقلاء، بالنظر إلى أن ملاك دليل التقليد من أهل الخبرة هو رجوع الجاهل إلى العالم، وسيرة العقلاء الممضاة من الشارع مقبولة عند الأصوليين، فمن وجهة نظر العقلاء، رجوع الجاهل إلى العالم هو لأن رأي العالم المجتهد طريق إلى الواقع وكاشف عنه، لا لأن قول الخبير أقرب إلى الواقع أو من باب الاحتياط أو من باب قانوني وضعه رؤساء العقلاء: لا إشكال في أن رجوع الجاهل إلى العالم لأجل طريقيته إلى الواقع وكشفه عنه، وأن منشأه إلقاء احتمال الخلاف لأجل غلبة موافقة قوله للواقع وندرة المخالفة بحيث لا يعتني به العقلاء. (25)

طريقية رأي وحياة أم موضوعيتهما

من المباحث السابقة، اتضح أنه في شرطية الحياة لا يوجد سيرة وإجماع، والأدلة التي أُقيمت على شرطية الحياة لا تثبتها. ما يُستفاد من الأدلة هو أن تقليد المجتهد الحي مشروع، ولكن لا ينفي مشروعية تقليد الميت. النقطة الأخرى التي تُستفاد من ظاهر الأدلة المقامة هي أن حياة المجتهد ورأيه طريق. هذه الحقيقة تُستفاد أكثر من سيرة العقلاء التي هي أقوى دليل على جواز التقليد. توضيح المطلب: الذين يشترطون الحياة في التقليد، يقولون في الرد على دليل الاستصحاب لعدم شرطية الحياة: أحد شروط جريان الاستصحاب هو بقاء الموضوع، وهنا ما هو موضوع الحكم هو رأي المجتهد وفتواه، ومن توفي لا رأي له ولا فتوى، كما أنه لا يتصف بالعلم والظن. إذا كان لصفة الحياة دور في عنوان الحكم والرأي، فإن رأي من توفي لا حجية له؛ لأن الحياة التي لها دور أساسي في الرأي والتقليد قد زالت، واستصحاب جواز التقليد قبل الممات لا يجري هنا؛ لأن الموضوع في الزمن السابق كان مجتهدًا حيًا، وبعد الموت، اختلف الموضوع. الاستصحاب يجري حيث يكون الموضوع المتيقن والمشكوك فيه واحدًا. (26) هذا الرأي ينسب للحياة دورًا رئيسيًا وموضوعيًا. ويكتب المحقق الخراساني أيضًا: بالموت، لا يبقى الرأي؛ لأن الرأي من منظور العرف متقوم بالحياة، وإن كان في الواقع لا ينعدم الرأي؛ لأن الرأي متقوم بالنفس، والنفس تبقى بعد الموت، ولكن ملاك بقاء الموضوع في الاستصحاب هو العرف لا الدقة العقلية. (27) هذا الإشكال أيضًا يبدو غير تام؛ أولاً: انتفاء الرأي بالموت من منظور العرف غير ثابت. كيف ينعدم الرأي بينما يعمل العرف بآراء بعض أهل الخبرة في الفنون والصناعات المختلفة بعد قرون؟ هذه علامة على أن الرأي لا يزول بالموت، إلا إذا تحول برأي جديد أقوى. (28) ثانيًا: لإثبات الموضوع يجب إثبات مطلبين آخرين: أحدهما هل مجرد الرأي هو الموضوع، أم الرأي الصادر بناءً على دليل وحجة شرعية، وهذا الرأي يبقى ما لم ينفه دليل أقوى. هل الرأي الصادر في بقائه يحتاج إلى حياة أم لا؟ من الواضح أن مجرد الرأي القائم بالنفس في الحياة ليس موضوع الاستصحاب، بل الرأي بمعنى الحاصل المصدري هو الملاك. بعبارة أخرى، الرأي الصدوري الذي صدر في الخارج بصورة فتوى وأحيانًا دُوِّن بصورة كتاب، وهو حجة بينه وبين الله، ولهذا يبقى هذا الموضوع ولم يقع أي تحول في الموضوع. (29) ثالثًا: الرأي الجزمي الصادر هو طريق إلى الواقع؛ لأن ميزة الطريقية لصاحب الرأي تثبت بعد إبرازه، سواء كان حيًا أم توفي. ملاك الطريقية هو أنه يخبر عن الواقع بصورة جزم، من هنا إذا أفتى فقيه بعدم صحة الصلاة في لباس مصنوع من لحم حرام، فهذه الفتوى، بغض النظر عن الحياة والممات، كاشفة عن الواقع، وهذه المزايا (الرأي الطريقي والتنجيزي) لا تزول بالموت والنوم، إلا إذا نُقض الرأي بدليل وجزم على خلافه. هذه حقيقة يُعمل بها في سيرة العقلاء بالنسبة للأمارات، ومن الواضح أن الدليل الوحيد في التقليد هو سيرة العقلاء، والأدلة الشرعية خارجة عن نطاق دليل السيرة. إذًا، لا مانع من استصحاب بقاء الموضوع؛ لأن القضية المتيقنة والمشكوكة متحدة، فالموضوع أو المتيقن هو رأي الفقيه بميزة الجزم وكونه طريقًا إلى الواقع، وهو ملاك العمل عند العقلاء والشرع أيضًا، والشارع أمضى هذا الملاك. (30) بالدقة في النقاط المذكورة، يتضح أن: ١. الحياة والرأي لهما دور طريقي؛ لأن الدليل المهم للتقليد هو سيرة العقلاء، والعقلاء في هذه السيرة يعاملون آراء العلماء كأمارة كاشفة عن الواقع. إن مناط عمل العقلاء على رأي كل ذي صنعة في صنعته هو أماريته وطريقيته عن الواقع، وهو المناط في فتوى الفقهاء، سواء كان دليل اعتباره بناء العقلاء الممضى أو الأدلة اللفظية فإن مفادها أيضًا كذلك، ففتوى الفقيه… (31) سيرة العقلاء في العمل بنظر كل صاحب صنعة وصاحب فن هي أنهم يعتبرون رأيه أمارة وطريقًا إلى الواقع، طبعًا ما لم يبطله دليل أقوى. هذا الملاك نفسه موجود في فتاوى الفقهاء؛ لأنه عندما يفتي الفقيه بوجوب صلاة الجمعة، يكون هذا الرأي طريقًا إلى حكم شرعي، وحجة له، وقوام طريقية أي رأي خبير في الواقع هو عندما يخبر بصورة يقين. من هنا، فإن حدوث مثل هذه الفتوى يوجب الطريقية إلى الواقع دون أن يكون مقيدًا بزمان الحياة. هذه الطريقية لا تُسلب منه أبدًا، إلا بتجديد النظر أو التردد فيه. إذًا، الفتوى طريق سواء كان صاحب الرأي حيًا أو ميتًا. ولهذا، فإن رأي العلامة الحلي وكتابه القواعد كاشف عن الأحكام الواقعية، ووجوده الحدوثي في الطريقية والحجية، وهو ملاك العمل عند الشرع والعقلاء، كافٍ. (32) ٢. في البحث الروائي أيضًا، يظهر جزمه ويقينه؛ لأن قوام حجية الأخبار وطريقيتها بالنسبة للواقع هو يقين الراوي. من هنا، إذا أخبر الراوي عن المعصوم بتردد، فإن خبره ليس أمارة وطريقًا إلى الواقع. إذًا، مع الخبر المصحوب بالجزم واليقين، توجد الكاشفية عن الواقع، والعمل به جائز. بالطبع، ما دام على هذا الجزم (سواء كان المخبر حيًا أو ميتًا)، وجزمه حين الإخبار كافٍ في جواز العمل إلا إذا عدل عن يقينه. هذا المطلب يجري في الفتوى والرأي أيضًا. بالنظر إلى أن رأي وفتوى أهل الخبرة والمجتهد لهما حجية وطريقية إلى الواقع، ومن ناحية أخرى، سيرة العقلاء وارتكازهم على عدم الفرق بين فتوى الحي والميت، تثبت طريقية وأمارية الرأي في الحياة. بالطبع، هذا الارتكاز ليس كافيًا للعمل وحده، بل يجب أن تكون السيرة معروفة بحيث يكون عدم ردع الشارع كاشفًا عن رضاه. إذًا، يمكن العمل بالأمارات العقلائية التي أُمضيت لفظيًا أو كُشف عن طريق عدم الردع أنها مطابقة لإمضاء الشارع. (33) نظرية الإمام الخميني (قدس) بأن الرأي والحياة طريق إلى الواقع منطقية وعلمية؛ لأن هذا المطلب يمكن استفادته من دليل العقل والعقلاء وظاهر الآيات والروايات المتعلقة بجواز التقليد. من هنا، فإن مجرد حدوث الرأي كافٍ. يجب التذكير بأنه بالنظر إلى دور الاجتهاد في النمو الفكري ورفع الاحتياجات الدينية، من الضروري وجود مجتهد حي في كل زمان، ولكن هذه الضرورة لا تمنع من تقليد الميت، خاصة إذا قلنا بالتفكيك في التقليد، بمعنى أنه في المسائل المستحدثة والجديدة، والمسائل المالية وسهم الإمام، يُرجع إلى المجتهد الحي، وفي المسائل الفقهية التي بيّنها المجتهد الميت، يُرجع إليه. وفي الختام، من المناسب الإشارة إلى رأي المذاهب غير الشيعية حول مكانة الحياة لتتضح المشتركات في المسألة.

رأي أهل السنة في شرطية الحياة

لم يذكر أهل السنة في بحث الاجتهاد والتقليد شرطًا باسم الحياة، ولكن يُستفاد من مجموع كتبهم الأصولية أنه يوجد خلاف في دور الحياة. يكتب الشاطبي في دور فتوى المجتهد: فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء إذا كانوا لا يستفيدون منها شيئًا. (34) فتوى المجتهد لعامة الناس هي كالأدلة الشرعية للمجتهد. المجتهد بمراجعته للأدلة الشرعية يبيّن الحكم الإلهي، والمقلد لكشف الحكم الإلهي يراجع فتوى المجتهد؛ لأنه لا يستطيع الاستفادة من الأدلة مباشرة، ولهذا يجب أن يرجع إلى المجتهد وفتواه. من ظاهر كلام الشاطبي، يُستفاد طريقية آراء المجتهد كطريقية الروايات. ويضيف في تتمة كلامه: المفتي شارع من وجه… فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله. (35) مع أن أهل السنة لم يذكروا في شروط المجتهد شيئًا عن شرط الحياة، إلا أنه يوجد ثلاثة آراء في هذا الصدد: ١. البعض مثل ابن حزم لا يجيزون التقليد ويعتقدون أن على كل مكلف أن يجتهد بنفسه؛ (36) ٢. فريق آخر يوجبون التقليد ويعتقدون أن الاجتهاد لغير أئمة المجتهدين غير صحيح، والتقليد صحيح منهم فقط؛ ٣. بناءً على الرأي الثالث، يلزم التقليد من أئمة المجتهدين، وفي المسائل التي تظهر بمرور الزمن يُسأل العلماء. (37) يختلف رأي أهل السنة قبل وبعد رسمية المذاهب الأربعة. قبل أن تكتسب مذاهبهم الرسمية في القرن الرابع، كانوا يرجعون لأخذ الأحكام الشرعية إلى الأحياء؛ لأنه في زمن الصحابة كانوا يرجعون إلى الصحابة، وفي زمن التابعين إلى التابعين. من هنا، كان هناك عدد كبير من المجتهدين الذين يقلدهم الناس، ولكن بعد القرن الرابع، أصبح تقليد الميت رسميًا، وبما أن الاجتهاد خارج المذهب مُنع، مُنع أيضًا تقليد المجتهدين الآخرين؛ مع أن فريقًا لم يقبل هذا الرأي ولم يقلدوا رؤساء المذاهب الأربعة نتيجة لاجتهادهم الخاص؛ مثل الغزالي والسيوطي. كما أن علماء الوهابية يشترطون الحياة في المجتهد ولا يجيزون تقليد الميت. (38)

النتيجة

من التحقيق المقدم، يُستفاد عدة أمور: ١. لا شك في جواز الرجوع إلى المجتهد الحي الأعلم، بل مع وجود المجتهد الجامع للشرائط لا حاجة إلى الميت، والقدر المتيقن من الأدلة هو الرجوع إلى المجتهد الحي. الكلام في بطلان الرجوع إلى الميت. إذا كان المجتهد الميت أعلم من المجتهد الحي، أو لم يوجد مجتهد حي، فلا مانع من التقليد الابتدائي من الميت؛ لأنه لا يوجد دليل على عدم الجواز. ٢. في هذه المقالة، بعد بيان أهمية ودور الحياة في الاجتهاد والتقليد، اتضح أن الحياة مع الرأي، كسائر الفنون العلمية، كاشفة وطريق إلى الواقع؛ لأن المجتهد في عصر حياته، باستخدام الأدلة النقلية والعقلية وبالشروط الصحيحة، توصل إلى نتائج قطعية هي حجة بينه وبين الله ويعمل بها. من هنا، في حال لم تُبطل نظريات المجتهد الميت بواسطة مجتهد حي أعلم وبدليل أقوى، يمكن تقليده، كما أن سيرة العقلاء قائمة على العمل بنظريات المتخصصين الذين توفوا منذ قرون، كما يُعمل بكتاب القانون في الطب لابن سينا بعد قرون من وفاته. إذًا، يُستفاد من الأدلة النقلية والعقلائية أن الحياة ليست مفتاح التقليد، بل مفتاح الاجتهاد هو الوصول إلى الحقيقة والحجة الشرعية. إذا توصل شخص بناءً على الشروط وبإشراف على الأدلة القرآنية والروائية والعقلائية إلى حقيقة الأحكام ودوّنها، فإن تقليده كافٍ. ٣. إذا لم يوجد بين الشيعة هذا النهج، أي العمل بفتاوى المجتهد الميت، فذلك لأنه في القرون الثلاثة الأولى، مع وجود أئمة أهل البيت (ع)، لم تكن هناك حاجة لتقليد الميت، وفي القرون اللاحقة، كان المجتهد الأعلم والجامع للشرائط حاضرًا في كل زمان. إضافة إلى ذلك، بسبب لزوم جمع الضرائب الإسلامية واستخدامها كخليفة للإمام (ع) وبيان الاحتياجات والمشكلات الأخرى، كان وجود العالم الجامع للشرائط يملأ هذا الفراغ، ومن هنا لم يكن للرجوع إلى العلماء الأموات مكانة.

الهوامش

١. الأنصاري، مجموعة رسائل، ص ٥٨.

٢. الفيروزآبادي، عناية الأصول في شرح الكفاية، ج ٦، ص ٢٧٥.

٣. الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج ١، ص ٩٥.

٤. الأنصاري، مجموعة رسائل، ص ٥٨.

٥. نفس المصدر.

٦. نفس المصدر، ص ٥٩.

٧. نفس المصدر.

٨. الفيروزآبادي، عناية الأصول في شرح الكفاية، ج ٦، ص ٢٦٦.

٩. نفس المصدر.

١٠. الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ص ٩٧.

١١. نفس المصدر.

١٢. نفس المصدر.

١٣. سورة التوبة: ١٢٢، وسورة النحل: ٤٣.

١٤. الفيروزآبادي، عناية الأصول في شرح الكفاية، ج ٦، ص ٢٦٦.

١٥. سورة التوبة: ١٢٢.

١٦. سورة النحل: ٤٣.

١٧. الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ص ١٠٠.

١٨. الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ١٠٧.

١٩. نفس المصدر، ص ١٠١.

٢٠. الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ص ١٠٥.

٢١. الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ص ٩٩.

٢٢. الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ص ١١٠.

٢٣. نفس المصدر، ص ١٠٠.

٢٤. الخوئي، ص ١٠٢.

٢٥. الموسوي الخميني، الرسائل، ص ١٣٠.

٢٦. الأنصاري، مجموعة رسائل، ص ٦١.

٢٧. الخراساني، كفاية الأصول، ج ٢.

٢٨. الفيروزآبادي، عناية الأصول في شرح الكفاية، ج ٦، ص ٢٧٦.

٢٩. الموسوي الخميني، تهذيب الأصول، ج ٣، ص ١٩٥.

٣٠. الموسوي الخميني، الرسائل، ص ١٥٢؛ الأنصاري، مجموعة رسائل، ص ٦١.

٣١. الخميني، نفس المصدر.

٣٢. نفس المصدر.

٣٣. نفس المصدر، ص ١٥٧.

٣٤. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج ٤، ص ٢٩٢.

٣٥. نفس المصدر.

٣٦. زكي الدين شعبان، أصول الفقه الإسلامي، ص ٣٣٠.

٣٧. نفس المصدر.

٣٨. رجبي، چگونگی پیدایی مذاهب إسلامی، ص ٥٠.

المصادر والمراجع

الأنصاري، مرتضى (١٤٠٤ق)، مجموعة رسائل، تحقيق عباس الحاجياني، قم: منشورات مكتبة المفيد.

الحر العاملي، محمد بن الحسين (١٣٩٨ق)، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تصحيح وتعليق: عبدالرحيم الرباني الشيرازي، طهران: مكتبة الإسلامية.

الخراساني، محمد كاظم (بلا تا)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة نشر إسلامي.

الخوئي، سيد أبو القاسم (بلا تا)، التنقيح في شرح العروة الوثقى، مؤسسة آل البيت (ع).

رجبي، حسين (١٣٨٥ش)، چگونگی پیدایی مذاهب إسلامی، مؤسسة مذاهب إسلامی.

زكي الدين شعبان (١٩٩٥م)، أصول الفقه الإسلامي، بنغازي: منشورات جامعة قاريونس.

الشاطبي، أبو إسحاق (بلا تا)، الموافقات في أصول الشريعة، بيروت: دار المعرفة.

الفيروزآبادي، السيد مرتضى الحسيني (١٣٩٢ق)، عناية الأصول في شرح الكفاية، دار الكتب الإسلامية.

الموسوي الخميني، روح الله (بلا تا)، تهذيب الأصول، بقلم جعفر سبحاني، قم: چاپ مهر.

(١٣٨٥ق)، الرسائل، چاپ مهر.

Scroll to Top