الملا علي النهاوندي ونظرية التعهد في الوضع

طُرحت نظرية التعهد لأول مرة على يد المحقق النهاوندي في كتابه القيّم “تشريح الأصول”، وبعده دافع عن هذه النظرية المحقق الأصفهاني والمرحوم الحائري. وفي العصر الأخير، يُعرف هذا المسلك في الغالب باسم المحقق الخوئي. وقد ذكر المؤلفون المعاصرون أيضاً في بحث مسلك التعهد، المأخذ الأصلي بنحو أقل. كما أن المحقق الخوئي لم يشر إلى سابقة هذا البحث، ولم يأتِ على ذكر العلماء الأصوليين الذين سبقوه في تبيين نظرية التعهد.

ويرى الكاتب أن المحقق النهاوندي، بوصفه مؤسس “مسلك التعهد”، قد طرح بحثاً قيّماً للغاية وجامعاً في الوقت نفسه. والمقالة الحاضرة هي استعراض لكيفية تبيينه لهذه النظرية بناءً على كتاب تشريح الأصول.

بنظرة إجمالية، يمكن تلخيص رأي المحقق النهاوندي على النحو التالي: من المسلّم به أن العلاقة بين اللفظ والمعنى، والتي حاصلها هو “الدلالة”، ليست علاقة ذاتية. فليس الأمر بحيث توجد علاقة بينهما من تلقاء نفسها. وفي تحليل ماهية هذه العلاقة، طُرحت آراء مختلفة تحت عنوان نظريات “الوضع”. يعتقد المحقق النهاوندي أن ما طُرح في هذا الباب لا يملك القدرة على تبيين كيفية الدلالة. فـ”الاختصاص” و”التخصيص” و”التعيين” وتعبيرات من هذا القبيل لا يمكنها أن تكون بياناً لواقع الأمر. بالطبع، لا مانع من القول بأن كل هذه الأمور تتحقق في نهاية المطاف وفي طول الوضع، إلا أن الروح الأصلية للوضع هي “التعهد” الذي يلتزم به الواضع، وهو أنه: كلما أردتُ تفهيم معنى “ألف”، سأستخدم لفظ “ب”. يعتقد المحقق النهاوندي:
أولاً: نظرية “التعهد” يمكنها أن تكون موجِّهة لـ”الوضع”.
وثانياً: النظريات الأخرى عاجزة عن توجيه هذا الأمر.

فيما يلي سنعرض بيان المحقق النهاوندي في كلا الموضعين. ولكن من الأفضل في البداية أن يتضح تعريف المحقق النهاوندي للتعهد.

ماهية التعهد

يرجع التعهّد في تعريف المحقق النهاوندي إلى “الإرادة”. وفي نظامه الأصولي، تحتل الإرادة مكانة مهمة. ولهذا السبب، يبدأ كتاب تشريح الأصول بهذا البحث أيضاً.

من وجهة نظره، الإرادة عبارة عن “الاعتقاد بالنفع أو المصلحة”، مع ملاحظة أنها ليست مجرد اعتقاد؛ بل تتصف بوصف “الإرادة” حينما يقوم الشخص المريد بإجراء عملي في سبيل الوصول إلى “المراد”، ويتخذ إجراءً لتحقيقه. وعلى هذا، إذا كان الفعل غير قابل للتحقق أبداً ولم يكن الإنسان قادراً على تحصيله، حتى لو تُصوّر فيه نفع، فإنه لا يقع تحت إرادة الإنسان لعدم إمكان اتخاذ إجراء للوصول إليه، ولا يكون هذا الاعتقاد بالنفع أكثر من مجرد “أمنية”. كما أنه إذا لم يكن الفعل محالاً وكان وقوعه ممكناً، ولكن إنجازه ليس في وسع الشخص المريد، فإنه لا يقع تحت الإرادة أيضاً. وإذا كان الشخص جازماً بأنه سيقوم بالفعل عند توفر الشروط، فإن هذه الحالة تُعتبر -مجرد- “عزم” لا إرادة.

بناءً على ذلك، يدخل المحقق النهاوندي عنصرين في تحليل ماهية الإرادة: العنصر الأول هو الاعتقاد والعلم بأن ذلك الفعل ذو نفع، والعنصر الثاني هو الإجراء العملي في سبيل تحصيل النفع المنشود. على هذا الأساس، بلحاظ الإجراء العملي أو الاشتغال، يتصف “الاعتقاد” بـ”الإرادة”، وما دام الاشتغال لم يحدث، فإن عنوان الإرادة لا يُنتزع.

“فالإرادة صفة تحدث في محلها، وهو العلم بعد الاشتغال بالفعل المراد، وبملاحظة هذا الفعل وباعتباره. فالاعتقاد يعنون بها بعد الشروع في الفعل أو مقدماته”. (تشريح الأصول، ص 4)

وفقاً لهذا التوضيح، ما دام الاشتغال لم يحدث، فإن الإرادة تكون في حد الشأنية فقط، وذلك الإجراء العملي والاشتغال هو ما يوصلها إلى الفعلية. والآن، إذا كانت الإرادة بحيث تحتاج في تحويل الشأنية إلى فعلية إلى إبراز وبيان، وكان المانع الرئيسي في طريق الفعلية هو جهل الطرف المقابل، وبرفع هذا الجهل عبر الإبراز والبيان، فإن الإرادة الفعلية في هذه الحالة هي نفسها الإرادة المبرزة، وهذه الإرادة المبرزة هي نفسها التعهد.

بهذا البيان، يمكن القول إن التعهد له ثلاثة عناصر أساسية:
1. الإرادة الشأنية.
2. البيان.
3. توقف الفعلية على البيان.

يقول المحقق:
“التعهد هو الالتزام الاختياري الذي فعليتها بالبيان والإعلام، ويعبّر عنه بالفارسية: «قرار دادن». ففي البيان مدخلية لتحقق عنوان التعهد نظير عنوان الطلب الذي هو حقيقة في إرادة فعل الغير وفعليته إنما هي بالبيان”. (المصدر السابق، ص 23)

بهذا التوضيح، يكون التعهد والطلب من مقولة واحدة، مع فارق أن متعلق التعهد هو فعل الشخص نفسه، أما في الطلب، فالمتعلق هو فعل الغير. وبهذا الوصف، فإن التعهد من وجهة نظر المحقق النهاوندي يرجع إلى العقد. فالشخص عندما يلتزم بأداء عمل ما، فقد أخذ على عاتقه تعهداً. فإن كان هذا التعهد من جانب واحد، فهو إيقاع، وإن كان من طرفين وجانبين، فهو عقد.

بناءً على ذلك، فإن ماهية التعهد دائماً من جهة هي حقيقة نفسانية (أي الإرادة)، ومن جهة أخرى هي إبراز وإظهار. فلا وجود للتعهد من دون إبراز؛ كما يمكن القول بأن “الإرادة” لم تتحقق في حد الفعلية. من هذا المنظور، يرجع المحقق النهاوندي الإنشاء إلى الإرادة. فليست روح الإنشاء سوى بيان للإرادة، وسر كونه إنشاءً هو أنه يمنح الإرادة فعلية. ففي جمل الأمر والنهي والاستفهام والنداء، يكون الإنشاء بياناً لطلب المريد المتعلق بفعل الغير، وفي الإيقاعات والعقود، وكذلك في جمل الوعد والوعيد، يبرز الشخص إرادته الخاصة، لا بالنسبة لفعل الغير، بل فيما يخص فعله هو.

بهذا التقرير، للإنشاء أيضاً جانب موجِد لأنه يمنح الإرادة فعلية ويخرجها من حد الشأنية، وله أيضاً جانب إبرازي لأنه يبيّن الإرادة النفسانية. ويعتبر المحقق النهاوندي الوضع “تعهداً” و”إنشاءً”. من جهة أن الواضع يريد أن يستخدم لفظ “ب” في تفهيم معنى “ألف”، ويبيّن هذه الإرادة أيضاً. وهذا الادعاء للمحقق النهاوندي له جانبان، إيجابي وسلبي، سنتناولهما أدناه:
الادعاء الأول: نظرية “التعهد” يمكنها أن تكون موجِّهة لـ”الدلالة” وبياناً صحيحاً لـ”الوضع”.

أ) الدعوى الإيجابية

إن ما يسعى إليه الواضع في الوضع هو هذه الحقيقة، وهي أن يتحقق نوع من الارتباط بين استخدام لفظ “ب” وقصد تفهيم معنى “ألف”. وهذا الغرض يُؤمَّن بالتعهد الذي يلتزم به الواضع. والفرض هو أنه قد تعهد بأنه: عند تفهيم معنى “ألف”، سيُستعمل لفظ “ب”. هذا التعهد يؤدي إلى حصول مثل هذا الارتباط في أذهان المخاطبين.

السؤال الجاد الذي يطرح هنا هو أنه إذا كان هذا التعهد قد التزم به الواضع وحده دون غيره، فإن غرض الوضع لم يتحقق، وإذا تبعه الآخرون أيضاً في مقام الاستعمال، فإن تعريف الوضع يصدق على كل من يستخدم هذه الألفاظ بقصد تفهيم المعنى. ومن جهة أخرى، فإن ارتجازنا هو أن دلالة اللفظ على المعنى في مجتمع لغوي ما تحصل بنحو واحد ولا تنحصر في شخص الواضع.

يجيب المحقق النهاوندي قائلاً: “لا فرق جادّاً بين الواضع وغيره. غاية ما في الأمر أن البعض لهم دور “التابع” في هذا التعهد. لذا، لا مانع من إطلاق تعبير “الواضع” على جميع المتعهدين؛ لأن ماهية عملهم واحدة. غاية ما في الأمر أن تعهد الواضع ابتدائي، أما تعهد الآخرين فتبعي”.

سؤال آخر هو أنه لنفرض أن الواضع قد تعهد بذلك، ولكن من أين لنا أن نعلم بأن المستعمِل ملتزم بهذا التعهد؟
جواب المحقق النهاوندي هو أن “التعهد” جزء من السبب وليس تمام السبب؛ إذ يجب أولاً إحراز أن المتكلم أيضاً، حين كلامه، ملتزم بهذا التعهد. وثانياً، يجب أن نحرز أنه لم يخطئ في فهم الواقع وتحديد الوضع. وهذان الإحرازان يتمان بالأصول العقلائية.
الأصل الأول هو أنه ما دام فرد في مجتمع لغوي لم يصرح بخلاف ذلك، فإنه يتبع تعهد الواضع الأصلي [أصل التبعية].
والثاني هو أن ظاهر حال الفرد هو أنه لم يخطئ في فهم نظر الواضع، وأنه قد فهم تعهد الواضع فهماً صحيحاً [أصل عدم الاشتباه].

هذان الأصلان كلاهما أصول ظنية؛ لكننا مضطرون للعمل بهذه الظهورات ما لم يكن هناك ظهور أقوى. ونرى أننا في فهم مراد المتكلم، نحتاج في كل الأحوال إلى هذه الأصول العقلائية؛ إلا أن إصرار المحقق النهاوندي هو أن “إرادة تفهيم المعنى عن طريق لفظ خاص” هو مضمون الدلالة الوضعية.

سؤال مهم آخر يواجه إمكانية ثبوت نظرية التعهد، يطرحه المحقق النهاوندي نفسه، وهو نابع من تحليله لماهية التعهد، وهو أنه وفقاً للتعريف، فإن فعلية الإرادة تعتمد على البيان. هنا، للـ”بيان” دور “فعّال” وتأثيره “إيجادي”، أي أنه دخيل في تحقق فعلية الإرادة. ومن عناصر التعهد الجوهرية أن يكون للـ”بيان” جانب مقدمي ويستخدم في سبيل الوصول إلى الفعلية. بمعنى أنه إذا لم يكن للبيان مثل هذه الدلالة بطبيعته، فإن التعهد لا يتحقق أيضاً. والحال أنه إذا كان التعهد يعتمد على كون البيان “مقدمة”، واللفظ الذي يستخدمه الشخص يراد به أن يدل على كونه “مقدمة”، فسيحدث مشكلة الدور.

إن مشكلة الدور تنشأ؛ لأن التعهد يعتمد على كون البيان “مقدمة”، والبيان اللفظي لكي يدل على كونه مقدمة يحتاج إلى “وضع”، والوضع ليس سوى التعهد. فنرى أن التعهد يعتمد على نفسه. [إشكال الدور]

يجيب المحقق النهاوندي على هذا السؤال: “صحيح أن التعهد يعتمد على كون البيان مقدمة؛ ولكن يجب الانتباه إلى أننا لا نستفيد كون البيان مقدمة من الدلالة الوضعية لكي يعتمد على الوضع وبالتالي على التعهد”.
توضيح المطلب هو أن الشخص عندما يُعلم أنه يمتلك إرادة حتمية وأن إرادته قد بلغت حد الشأنية، والمانع الوحيد هو جهل الطرف المقابل، يكفي أن يُعلِم المخاطب بأنه يمتلك إرادة تامة. ومن مقام مثل هذه الإرادة، يُستفاد بطبيعة الحال وبدون الحاجة إلى دلالة وضعية، كون البيان مقدمة للوصول إلى المقصود؛ ولذا عندما يستخدم الشخص اللفظ في مقام الاستعمال، فبفرض أن تصديه للبيان نابع من إرادة يمتلكها في مقام التفهيم للمخاطب، يُستنتج كون البيان مقدمة لفعلية هذه الإرادة.

“فكون وقوعه على الجهة التوصلية مأخوذ في اللفظ الكاشف، ولكنه ليس من حيث الوضع، بل باعتبار كشفه عن الإرادة التامة التي لا تنفك عن الفعلية بحكم العقل بكون الكاشف عنها فعلية لها ووارد في مقام التوصيلة والمقدمية”. (المصدر السابق، ص 23)

ب) الدعوى السلبية

يقول المحقق: “لقد طُرحت نظريات مختلفة في هذا الباب، منها: تخصيص اللفظ بالمعنى، وإيجاد الملازمة بين اللفظ والمعنى، وتنزيل اللفظ منزلة المعنى، أو تعيين اللفظ لجهة الدلالة على المعنى و…؛ ولكن أياً منها لا يمكنه أن يكون بياناً لماهية الوضع”.

توضيح المطلب:
1. الأمور في الخارج على نوعين: (أ) أمور متأصلة واقعية لها ما بإزاء خارجي، مثل زيد وعمرو. (ب) أمور انتزاعية ليس لها ما بإزاء خارجي مباشرة، ولكنها تُنتزع من موجودات النوع الأول، مثل “الأبوة” و”البنوة” و”الفوقية” و…. تُسمى المجموعة الأولى بالحقائق الأولية، والمجموعة الثانية بالعناوين الثانوية.
2. من جهة أخرى، الأفعال على نوعين: النوع الأول أفعال تتحقق بدون واسطة وبشكل مباشر، مثل حركات البدن. والنوع الثاني أفعال تتحقق بواسطة، مثل الإحراق الذي هو حاصل الإلقاء في النار. بعبارة أخرى، للإلقاء عنوانان: (أ) العنوان الأصلي الذي هو نفس الإلقاء، وهو بيان للصورة الأولية والعنوان الأولي للفعل؛ (ب) العنوان الانتزاعي والثانوي والطارئ الذي يُنسب إلى الإلقاء باعتبار النسبة الخاصة التي وقعت بين الإلقاء والإحراق.
3. العناوين الثانوية والأفعال التبعية، لا يقع أي منها مباشرة تحت قدرة الإنسان؛ بل تُنتزع العناوين الثانوية في طول تعلق الفعل بالأفعال الأولية.
4. الإرادة تتحقق عندما تتعلق بالفعل المقدور، عن طريق العنوان الأولي.

النتيجة هي أن العناوين الأولية فقط هي التي تقع تحت الإرادة، وتظهر العناوين الثانوية باعتبارها تابعاً ونتيجة للفعل الأولي. ومن ثم، يستفيد المحقق النهاوندي من هذه المقدمات على هذا النحو: “هذه المعاني التي ذُكرت للوضع (تخصيص، تعيين، جعل ملازمة، تنزيل و…) ليست بياناً لواقعية فعل الواضع، وذلك لأنها ليست عناوين أولية؛ ولذا لا تقع تحت إرادة الواضع. فالقدرة أولاً وبالذات لا تتعلق بالتخصيص والتعيين. في البداية، يحدث فعل يقع تحت قدرة الواضع، ولكن نتيجته هي أن التخصيص والتعيين و… يُنتزع من مقام فعل الواضع”.

“تلك الأمور كلها من الأمور الاعتبارية التي ليس لها ما بإزائها في الخارج، والأمورات الاعتبارية تغييرها وتبدلها بلا تصرف في أحد طرفيها ولا بواسطة تغيرها وحركتها محال لا يعقل”. (المصدر السابق، ص 28)

بالطبع، يذكّر المحقق النهاوندي بهذه النقطة أيضاً، وهي أن هذا الإشكال يتوجه إلى أولئك الذين يدّعون أن هذا التخصيص والتعيين هما ما يصدر مباشرة من الواضع. أما إذا ادعى أحدهم أن الواضع يقوم بعمل تكون نتيجته التخصيص أو التعيين، فلا يرد عليهم إشكال. بعبارة أخرى، إذا أصر شخص على أن ما يحدث من قبل الواضع هو التخصيص أو الملازمة بالمعنى الدقيق للعنوان الأولي، فمن المؤكد أنه يطرح ادعاءً باطلاً؛ لأن من المؤكد أن مراد أنصار نظرية التخصيص أو التعيين وغيرهما ليس أنه يُنشأ ارتباط من قبيل التخصيص أو الملازمة خارج الذهن وفي عالم الواقع بين اللفظ والمعنى، بل على القاعدة يُنشأ نوع من التخصيص أو التعيين والارتباط والملازمة الذهنية. ونحن لا نعرف أي تصرف خارجي ومباشر في اللفظ يؤدي إلى إيجاد التخصيص أو التعيين مباشرة؛ إلا أن نعتبر أن هناك سلوكاً وعملاً من الواضع ينشأ في طوله، بشكل طبيعي، التخصيص أو الملازمة أو أي نوع من الارتباط الذهني من هذا القبيل.

نرى إصرار المحقق النهاوندي على أن جعل الملازمة أو التخصيص والتعيين كلها من العناوين المسبَّبة ولا تحكي عن السبب. فما يصدر عن الواضع هو السبب نفسه، أي العمل الذي يصدر عنه مباشرة؛ أما أن نتيجة عمله هي نوع من العلقة والملازمة الذهنية، فلا ينبغي أن يوقعنا في الخطأ، وبدلاً من أن نشير إلى السبب في تحليل الوضع، نبحث عن المسبَّب. بناءً على ذلك، فإن تعابير “جعلته”، “سميته” وعناوين من هذا القبيل كلها تعبير عن المسبَّب؛ ولكن هذه الأمور نفسها لا تصدر أبداً مباشرة وبالمباشرة من الواضع. على العكس، فإن التعهد بأني عند إرادة مفهوم “ألف”، سأستخدم لفظ “ب”، كما مر، هو إرادة تصدر مباشرة منه هو.

ويشير المحقق النهاوندي في تتمة كلامه إلى أنه حتى لو لم يقبل أحدهم برهاننا على عدم إمكان صدور الوضع بهذه المعاني من الواضع، فلا يزال هناك مبرر للعدول عن مسلك التعهد، وذلك لأن فرضنا هو أن الواضع شخص عاقل، وبطبيعة الحال لا يرتكب عملاً لغواً وعبثياً في مقام الوضع. وعلى هذا الأساس، فإن ادعاءنا هو أن المسالك الأخرى في الوضع خالية من العمل غير العبثي واللغو.

أما تقرير المطلب:
الهدف من الوضع هو أن يتمكن المخاطب عند مواجهة عبارة من المتكلم من نسبة المطلب ومحتوى البيان إليه. وهذا يحدث عندما يكون لدى المتكلم إرادة تفهيم لمحتوى الكلام، ولا يكون مجرد مقام أداء اللفظ وإلقاء تصور المعنى. إن نظرية التعهد تؤمن هذا الغرض جيداً، وأساساً فإن الدلالة التصديقية الدقيقة مستندة إلى الوضع، وليست الدلالة الوضعية شيئاً غير هذا.

هنا، يطرح المحقق النهاوندي إشكالاً وهو أن: “الوضع ليس من المفترض أن يؤمن كل هذا الغرض؛ بل يكفي أن يوجد الدلالة التصورية، ونحن نؤمن الجزء الآخر بالاستناد إلى ظاهر حال المتكلم. أي أننا نحصل على الدلالة التصورية من اللفظ، والدلالة التصديقية من ناحية ظاهر الحال الذي هو خارج عن حريم مفاد الوضع”.

الجواب الذي يقدمه المحقق النهاوندي على هذا الإشكال هو: “من المسلم به أنه لو أمكن تأمين هذه الدلالة مباشرة بالوضع، لكنا قد بلغنا هدف الوضع بصراحة وسرعة أكبر، ولذا بلحاظ هذه النقطة، قد اتبع الواضع هذا الطريق؛ لأن العاقل يختار الطريق الأقصر، وليس هناك حاجة في باب التوجيه لاختيار الطريق الأطول. فإذا اختار الواضع في مقام الاختيار هذا الطريق وترك الطريق الأقصر، فإن ذلك يحكي عن تساهله. وهذا خلاف الفرض، وبتعبير آخر، أكل من القفا”.

بناءً على ذلك، لمسلك التعهد سند عقلي وعقلائي. وفي الوقت نفسه، من وجهة نظر المرحوم النهاوندي، مع الحفاظ على نظرية التعهد، يمكن تقرير عملية الوضع بحيث تظهر قريبة من النظريات الأخرى بقليل من التسامح. فالواضع يذعن أولاً بأنه لو كانت هناك علاقة في ذهن المخاطبين بين اللفظ والمعنى، لأدت إلى الدلالة. وللوصول إلى هذا الهدف، يُنزِّل اللفظ والمعنى منزلة أمرين متلازمين، وروح هذا التنزيل هي أن الواضع يبني على أن يتعامل مع هذين كأمرين متلازمين. وفي الخطوة الثالثة، يُبرز هذا البناء والتعهد بالملازمة. إذن، روح هذه النظرية شيئان:
1. أن يتعامل مع اللفظ والمعنى معاملة أمرين متلازمين.
2. أن يُبرز هذا البيان.

وبالطبع، من الطبيعي أن التعهد بالملازمة يفتح الطريق بنفسه لتكوّن ارتباط ذهني بين اللفظ وإرادة تفهيم المعنى في ذهن المخاطب، ويتشكل نوع من الملازمة الاتفاقية، مع فارق أن هذه الملازمة الثانية هي نتيجة الوضع لا الوضع نفسه. وبالطبع – كما ذُكر – الأدق هو القول بأن ملازمة تحدث بين اللفظ وإرادة تفهيم المعنى.

قد يُطرح هذا السؤال: في النهاية، هل قبل المحقق النهاوندي مسلك الملازمة؟ جوابه هو أننا لا ننشئ الملازمة مباشرة؛ بل العمل الذي يمكننا القيام به كواضعين هو التعهد بالملازمة والبناء على الملازمة، وهو نفس إرادة شخص الواضع. وهذا غير تصديه لإنشاء الملازمة.

“فإن البناء على الإسماع عند إرادة التفهيم عين الإرادة والاختيار، وبعد هذا الاختيار يُنتزع الملازمة المذكورة”. (المصدر السابق، ص 38)

التعهد في نظر المحقق النهاوندي أمر ذو مؤونة قليلة. ومن هذا المنطلق، بمقدار أن نقبل بأن الواضع قد قرر في الواقع أن يستخدم لفظاً خاصاً عند تفهيم المعنى، نكون قد قبلنا عملياً مسلك التعهد.

يعتقد الكاتب أن المحقق النهاوندي، بصفته مؤسس نظرية “التعهد”، قد قدم تبييناً مناسباً نسبياً للبحث. وفي الوقت نفسه، طُرحت بعده مسائل كثيرة من قبل المحققين في رد أو قبول النظرية، نترك طرحها لمقالة أخرى.

الهوامش:
1. ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني في تعريف المحقق النهاوندي: “وهو الشيخ علي بن المولى فتح الله النهاوندي النجفي، علامة كبير ومحقق جليل من الأكابر العلماء وأجلاء الفقهاء، كان من تلاميذ الشيخ مرتضى الأنصاري والميرزا أبي القاسم الكلانتر. وكان بحثه من أبحاث النجف المعدودة ومن دروسها المحترمة. من تلامذته: الميرزا حبيب الله الرشتي والمولى كاظم المرندي والسيد محمد الخلخالي وشيخ الشريعة الأصفهاني. توفي في غرة ربيع الآخر سنة 1322 هـ ودفن في وادي السلام في مقبرة الخاصة المعروفة. من آثاره كتابا تشريح الأصول الصغير والكبير”. (آقا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة: نقباء البشر في القرن الرابع عشر، ج 4، ص 1497 – مع قليل من التصرف).
2. هذا الكتاب قيد التحقيق في مركز تحقيقات مدرسة ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه).
3. وقاية الأذهان، ص 62، طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
4. درر الفوائد، ص 35، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.
5. نسب الإمام الخميني (قدس سره) في مناهج الأصول (ج 1، ص 58) النظرية إلى المحقق الرشتي. ولم يجد الكاتب في حدود بحثه المتواضع في كتاب بدائع الأفكار أثراً لطرح نظرية التعهد.
6. على سبيل المثال، الشيخ محمد إسحاق الفياض: المباحث الأصولية، ج 1: ص 134 [و] السيد محمود الهاشمي: بحوث في علم الأصول، ج 1، ص 78.
7. أجود التقريرات، ج 1، ص 12، طبعة مصطفوي.

Scroll to Top