المعالجات الأصولية للجمع بين قاعدة التسامح في أدلة السنن والروايات صحيحة السند (مع التأكيد على رأي آية الله بهجت)

خلاصة

تتناول قاعدة التسامح في أدلة السنن الأدلة الضعيفة التي تعد بالثواب على فعلٍ ما، وتدل بحسب رأي بعض الفقهاء على استحباب ذلك الفعل وأنه لا ينبغي التشديد في هذا الخصوص. ونظراً لوجود أنواع من المستحبات والمكروهات في جميع الأبواب الفقهية، فإن الاهتمام بهذه القاعدة يكتسي أهمية بالغة. يهدف البحث الراهن إلى دراسة هذه القاعدة ونطاقها من وجهة نظر آية الله بهجت الذي قام بنقدها وتقييمها في كتاب “مباحث الأصول” وكذلك في دروسه في مرحلة البحث الخارج، والإجابة عن هذا التساؤل: إذا وُجد دليل معتبر، كرواية صحيحة السند، يدل على عدم رجحان ومطلوبية فعل ما، فكيف يمكن الجمع بين أدلة حجية خبر الواحد التي تفيد عدم مطلوبية الفعل من نظر الشارع، وبين روايات «من بلغ» وقاعدة التسامح في أدلة السنن التي تحكم بمطلوبية واستحباب الفعل نفسه؟

ويخلص هذا التحقيق إلى أنه في نظرية آية الله بهجت، لا تُستفاد حجية الخبر الضعيف الدال على الاستحباب من أخبار «من بلغ» التي تُعد أهم دليل لقاعدة التسامح، كما لا يمكن حمل مضمون هذه الأخبار على الإرشاد؛ بل إن المضمون الأساسي لهذه الروايات هو حكم ثانوي بترتب الثواب التفضلي الإلهي على من يقوم بالعمل بعد بلوغ الرواية وسماعها برجاء ذلك الثواب. كما أن حل التعارض الموجود من وجهة نظره متنوع، ومن أهمها الرجوع إلى التخيير في مقام العمل، ويوضح هذا الأمر بالتمسك بالمبنى التخييري الذي اختاره كبار العلماء مثل المرحوم الكليني وبعض أساتذته في تعارض الأخبار.

مقدمة

تُعدّ قاعدة التسامح في أدلة السنن إحدى القواعد الاجتهادية كثيرة الاستعمال في علمي الفقه والأصول. وهذه القاعدة في مسألة الاحتياط في الشبهات الوجوبية، وهي مسألة أصولية، تعد إحدى طرق إمكان الاحتياط، كما بُحثت في نقاش الاحتياط في العبادات وإمكانه بسبب التسامح وبعض المستثنيات من شروط خبر الواحد؛ وكذلك في الفقه، فإن التعامل الأساسي لهذه القاعدة هو مع المستحبات والمكروهات التي تجري تقريباً في جميع الأبواب الفقهية، وتترتب عليها أحكام كثيرة.

في مجمل كتب الشيعة وأهل السنة، هناك ثماني روايات تستند إليها هذه القاعدة، وتعود أسانيدها إلى ثلاثة أشخاص:

أ) الصدوق في “ثواب الأعمال” روى رواية صفوان عن الإمام الصادق (عليه السلام). (الصدوق، ١٤٠٦ق، ص ١٤٠) وقد نقلها السيد ابن طاووس أيضاً في كتاب “الإقبال” عن الصدوق. (ابن طاووس، ١٣٧٦، ج ٣، ص ١٧٠).

ب) رواية محمد بن مروان التي رواها الكليني في “الكافي”. (الكليني، ١٤٠٧ق، ج ٢، ص٨٧) وهذا الخبر هو نفسه رواية “محاسن” البرقي. (البرقي، ١٣٧١ق، ج ١، ص ٢٥).

ج) رواية هشام بن سالم عن الإمام الصادق (عليه السلام) التي وردت في “الكافي”. (الكليني، ١٤٠٧ق، ج ٢، ص ٨٧، ح ١).

من بين هذه الروايات الثماني، هناك روايتان فقط لهما سند محكم، وكلتاهما تشتركان في راوٍ واحد هو هشام بن سالم؛ ومن ثم يمكن اعتبارهما في حكم رواية واحدة. إحدى هاتين الروايتين وردت في “أصول الكافي” كما يلي: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَنْ سَمِعَ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ فَصَنَعَهُ، كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا بَلَغَهُ» (نفس المصدر، ج ٢، ص ٨٧، ح ١).

علي بن إبراهيم القمي عن أبيه إبراهيم بن هاشم القمي، أول ناشر لحديث علماء الكوفة في قم، عن محمد ابن أبي عمير الأزدي، من الرواة الموثوقين جداً (النجاشي، ١٤٠٧ق، ص٣٢٧)، عن هشام بن سالم الجواليقي (نفس المصدر، ص ٤٣٤)، عن أبي عبد الله حضرت الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يروي أنه قال: «من بلغه ثواب على شيء فعمله، كان له ذلك الثواب، وإن لم يكن كما بلغه».

يعمل الموافقون لهذه القاعدة بمفاد أخبار «من بلغ» الصحيحة؛ لا بأخبار الاستحباب الضعيفة، وذلك بأحد التوجهات التالية: ثبوت الاستحباب للعمل كعنوان أولي، أو رجاء ترتب الثواب كعنوان ثانوي، أو حدوث مصلحة، أو جعل الاحتياط الاستحبابي.

في هذا التحقيق، يقع محل البحث في الحالة التي تدل فيها رواية ضعيفة على استحباب عمل ما، وفي المقابل توجد رواية صحيحة تدل على عدم مطلوبيته واستحبابه. في هذه الحالة، وبناءً على رأي جماعة من الفقهاء، تقول قاعدة التسامح في أدلة السنن وروايات «من بلغ» إنه إذا دلت رواية، ولو بسند ضعيف، على ترتب ثواب على عمل، فإن ذلك العمل يكون مطلوباً، ويُعطى للعامل الثواب المذكور في الرواية الضعيفة. بالطبع، يُطرح إشكال على هذه المطلوبية في بعض الموارد؛ منها الحالة التي يوجد فيها دليل معتبر، كرواية صحيحة السند، يدل على عدم الرجحان والمطلوبية.

السؤال المحوري هو: كيف يُجمع بين الروايات الدالة من الشارع على عدم مطلوبية الفعل، وبين روايات «من بلغ» وقاعدة التسامح التي تحكم بالمطلوبية؟ أي، عند التعارض بين خبر الثقة أو الصحيح المستند إلى أدلة حجية خبر الواحد والذي يدل على عدم الاستحباب، وبين الخبر الضعيف المستند إلى دليل «من بلغ» الذي يُستفاد منه الاستحباب، فماذا يجب أن نفعل؟ أيٌّ من هذين الدليلين (أدلة حجية خبر الواحد وأحاديث «من بلغ») يتقدم على الآخر؟ وبتعبير آخر، أيهما يتقدم: المطلوبية أم عدم المطلوبية، وبأيهما يجب الحكم؟

المنهج الصحيح لبحث هذه المسألة هو المنهج الوصفي التحليلي، حيث يبدأ ببيان المباني المختلفة في قاعدة التسامح ويوضح النظريات حولها؛ ثم وفقاً لكل من هذه المباني، يدرس حكم المسألة، وفي النهاية يعرض رؤية آية الله بهجت في حل التعارض مستنداً إلى دروسه في البحث الخارج في الأصول وكتابه الأصولي، ويوجه إليها بعض الانتقادات الإجمالية. والجدير بالذكر أنه لم يُعثر على أي مقال أو تحقيق مستقل في هذا الصدد خلال عمليات البحث التي أُجريت.

۱. المباني المختلفة في قاعدة التسامح وتفسير أحاديث «من بلغ»

يوجد معارضون لأصل التمسك بقاعدة التسامح، وقد استدلوا لآرائهم بآية النبأ وروايات اعتبرت الاعتماد على الظن غير جائز، وكذلك تمسكوا بالأصل العملي (البحراني، ١٣٦٣ق، ج ٤، ص ٢٠٢)، وبأن الاستحباب حكم شرعي، ومثله مثل الوجوب والحرمة يجب إثباته بدليل معتبر؛ وعليه، فإن الخبر الضعيف الذي يفتقر إلى شروط الحجية غير مقبول في إثبات الاستحباب (المجلسي، ١٤٠٤ق، ج ٨، ص ١١٢-١١٤). بالطبع، للموافقين على أحاديث «من بلغ» ومفادها وتحديد موضوع هذه الأخبار آراء مختلفة، أهمها كما يلي:

۱-۱. الأقوال في قاعدة التسامح

۱-۱-۱. حجية الخبر غير الثقة في المستحبات

يُنسب إلى مشهور الفقهاء قول مفاده أن هذه الأخبار تفيد حجية الخبر الضعيف الذي يكون مؤداه استحباب العمل، وبعبارة أخرى، لا تقتصر حجية الخبر في المستحبات على خبر الثقة، بل تشمل مطلق الأخبار (المحقق الخوانساري، ١٣٨٧، ج ١، ص ١٥٦؛ الطباطبائي، ١٢٩٦ق، ص ٣٤٦؛ الحسيني، ١٤١٧ق، ج ١، ص ٤٢٠)؛ حتى أن الشيخ البهائي اعتبر الاعتماد على الأخبار الضعيفة في الاستحباب عادة الأصحاب (الشيخ البهائي، ١٣٨٢، ص ٢٢٨). ومن هذا الباب حكم كثير من الفقهاء بالاستحباب في موارد يكون المدرك والمستند فيها ضعيفاً، بعد الاعتراف بضعف السند[1] (المحقق الخوانساري، ١٣٨٧، ج ١، ص ٢٢٨)، وتعبير «قاعدة التسامح في أدلة السنن» يتناسب مع هذا المبنى (الخوئي، ١٣٦٨، ج ٢، ص ٢٠٨؛ همو، ١٤١٧ق، ج ١، ص ٣١٩).

وعلى هذا الأساس، تُعد هذه القاعدة من القواعد الأصولية ويمكن أن تكون حجة (الخوئي، ١٣٦٨، ج ٢، ص ٢٠٧). وبالطبع، أُجريت بحوث مفصلة حول سعة وضيق هذه القاعدة ومقدار شمولها، وهو ما يخرج عن موضوع هذا المقال، وعادة ما تُبحث هذه القاعدة في تنبيهات بحث البراءة[2] (راجع: الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ق، ص ٣٥٢). كما كُتبت بعض الرسائل المستقلة في هذا المجال (راجع: الأنصاري، ١٤١٤ق، ص ١٣٧). وفي كثير من الكتب التي موضوعها القواعد الفقهية، وردت هذه القاعدة (راجع: البجنوردي، ١٣٧٧، ج ٣، ص ٣٢٧).

۱-۱-۲. استحباب العمل بعنوان ثانوي

يعتقد بعض الفقهاء أن مفاد هذه الروايات هو استحباب العمل بالأخبار التي تذكر الثواب؛ ولكن ليس بمعنى أن هذه الأمور مستحبة بالحكم الأولي؛ بل إن عنوان «البلوغ» نفسه هو الذي يجعل هذه الأعمال معنونة بعنوان ثانوي يترتب عليه الاستحباب. وتوضيح ذلك أنه كما يمكن لعمل مباح أن يصبح موضوعاً لحكم غير الإباحة بسبب تعلق أمر الوالد أو النذر أو عناوين ثانوية أخرى، فإن تعلق عنوان ثانوي وهو «بلوغ الثواب» يوجب استحباباً شرعياً للعمل (الخوئي، ١٣٦٨، ج ٢، ص ٢٠٨؛ همو، ١٤١٩ق، ج ٣، ص ٣٠٣).

على أساس هذا القول، لا يُعطى الثواب بسبب الانقياد أو الاحتياط، وليس الأمر أن الاستحباب لا يثبت؛ بل وفقاً لهذا المبنى، يثبت استحباب شرعي (وليس عقلياً صرفاً)؛ ولكن خلافاً لمبنى المشهور، وهو القول الأول، يثبت الاستحباب بسبب عنوان ثانوي.[3] ووفقاً لهذا المبنى، تكون قاعدة التسامح في أدلة السنن قاعدة فقهية ولا يمكنها إثبات الحجية لأمر ما (همو، ١٣٦٨، ج ٢، ص ٢٠٧).

۱-۱-۳. الإرشاد إلى حكم العقل

القول الآخر هو أن مفاد هذه الأخبار هو الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، وتُخبر بأن الله تعالى، من باب التفضل، يهب للعامل نفس الثواب الذي ورد في الخبر (الذي بلغه)؛ حتى وإن لم يكن مطابقاً للواقع (همو، ١٤١٧ق، ج ٢، ص ٣١٩)؛ أي أن هذه الأخبار لا تهدف إلى إسقاط شرط وثاقة الراوي في موارد الاستحباب، ولا إلى إثبات حكم شرعي بالاستحباب للعمل بالروايات؛ بل تكتفي ببيان حكم العقل نفسه، وهو أنه في موارد احتمال الاستحباب، من الجيد العمل بالخبر. كما تخبر بأنه في حال العمل بهذه الروايات، فإن الله تعالى، من باب التفضل، يمنح العبد المحتاط والمنقاد نفس الثواب المذكور في الخبر.

۱-۱-۴. بيان استحباب شرعي للاحتياط

في مقابل القول السابق الذي كان يثبت الاستحباب العقلي، في هذا الوجه يثبت الاستحباب الشرعي؛ ولكن هذا الاستحباب ليس حكماً أولياً (خلافاً لقول المشهور)؛ بل هو استحباب يتعلق بعنوان ثانوي. وكذلك، خلافاً للقول السابق، ليس هنا إرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط؛ بل هو حكم شرعي باستحباب الاحتياط.

۱-۱-۵. مجرد الإخبار عن التفضل والإحسان الإلهي

أحد الاحتمالات التي وردت في كلام المرحوم الشيخ الأنصاري واختارها بعض الأكابر هو أن مفاد هذه الأخبار هو مجرد الإخبار عن التفضل والإحسان الإلهي. هذه الأخبار تبين أن الله، من باب التفضل والإحسان، لا يخيب أمل الشخص الذي يعمل بروايات وصلته وذُكر فيها ثواب. وفقاً لهذا المبنى، لا يوجد أي ترغيب في العمل بالروايات الضعيفة في المستحبات؛ بل هو مجرد إخبار. بالطبع، بعد ملاحظة هذا الوعد بالاستحباب، قد تنشأ الرغبة. المثال العرفي ونظير هذه النظرية هو أن يقول شخص: «كل من يأتي إلى بيتي متخيلاً أني سأطعمه، لن أحرمه، بل سأطعمه»، فهذه الجملة هي لبيان كرم صاحب البيت فقط، لا لترغيب الأشخاص في المجيء إلى بيته. والشاهد على ذلك أنه قد يكون المتكلم كارهاً لمجيء الضيف؛ ولكن كرمه وجوده أعظم من أن يخيب آمال الناس ولا يدخل الضيف إلى بيته. الأمثلة العرفية والمشابهات في أدلة «من بلغ» توجب ظهور هذه الأدلة في هذا المعنى؛ بل حتى لو لم نقبل بالظهور، فإن القدر المتيقن من الأدلة لا يتجاوز هذا المقدار (روحاني، ١٣٩٣، ج ٤، ص ٥٢٥).

۱-۱-۶. إعطاء الثواب بشرط ثبوت الاستحباب من حجة معتبرة

يعتقد بعض المعاصرين أن هذه الأخبار تشمل فقط الموارد التي ثبت استحبابها (مطلوبيتها) بحجة معتبرة. والدليل الذي أوردوه لهذا القول هو أن تعبير «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ» (الكليني، ١٣٦٣، ج ٣، ص ١٣٩، ح ١) ظاهر في أن أصل الثواب ثابت؛ ولكن المقدار المذكور في الخبر ليس مطابقاً للواقع (راجع: شهيدي بور، ١٣٩٥). وبعبارة أخرى، تقول هذه النظرية: مفاد أحاديث «من بلغ» هو أنه إذا لم يكن الخبر المتعلق بمقدار ثواب عمل مستحب مطابقاً للواقع، فإن الله تعالى يعطي العامل المقدار المذكور في الخبر من فضله وكرمه. والوجه الآخر لهذا الكلام يمكن أن يكون أنه في فرض عدم وجود حجة شرعية على الاستحباب، لا يصدق البلوغ.

۱-۲. نظرية آية الله بهجت

في رأي آية الله بهجت، تكشف أخبار «من بلغ» عن حقيقة أنه في غير الإلزاميات، يمكن الحكم باستحباب العمل، وهذا غير ممكن إلا من باب التفضل والتوسعة التي تفضل بها الشارع المقدس على عباده في هذه الأحكام. وبناءً على ذلك، هذا الحكم هو لمن يجهل الحكم الواقعي، وأخبار «من بلغ» وأحكامها هي نوع من الأحكام الثانوية، والحكم الثانوي (الاستحباب) ثابت للجاهل بالواقع. كما أن للبلوغ موضوعية في جعل عمل ما مستحباً (بهجت، DVD الثاني، الجلسة ٢٩٠).

ولكن، هل مفاد أحاديث «من بلغ» هو استحباب يترتب على بلوغ الثواب للمكلف الذي يأتي بالعمل بداعي الثواب، أم يجب أن يكون الإتيان بداعي ثواب خاص؟ وقد قيدت الروايات ذلك بطلب ذلك الثواب والتماس ذلك الثواب، مثل رواية البرقي التي فيها عبارة «طلب قول النبي» (الحر العاملي، ١٤١٢ق، ج ١، ص ٨١، ح ٤) وكذلك رواية الكافي (نفسه، ص ٨٢، ح ٧)، وكلاهما يرويهما محمد بن مروان، وتتضمنان وعداً بالاستحباب لنفس الثواب البالغ وداعي الثواب الخاص؛ ولكن كثيراً من الروايات الأخرى في هذا الباب مطلقة وتتضمن وعداً بالاستحباب لنفس الثواب؛[4] مثل رواية “ثواب الأعمال” (نفسه، ص ٨٠، ح ١) ورواية البرقي عن هشام بن سالم (نفسه، ص ٨١، ح ٣) التي تقول إنه لا يلزم الإتيان بالعمل بداعي بلوغ ثواب خاص، وأن الإتيان به بداعي الأمر لكونه عبادة كافٍ.[5]

ويجيب سماحته على سؤال ما إذا كان يمكن الحكم بالاستحباب المولوي أو الإرشادي بناءً على حديث «من بلغ»، ويُذكّر بأنه إذا أمكن إثبات الاستحباب المولوي، فلا حاجة بعد ذلك لقيد الالتماس والطلب في هذه الروايات، ويصبح نفس الفعل محبوباً، وإذا ثبت الاستحباب الإرشادي، فلا علاقة لنا ببلوغ الثواب؛ لأن العقل حيثما يثبت نفس الثواب، يؤيده الشرع أيضاً.

يقول سماحته: «هل يستفاد منها الاستحباب المولوي أو الإرشادي؛ فإن كان الأول، فلا ملزم للتقييد بالالتماس والطلب، وإن كان الثاني، فلا وجه للوعد بنفس الثواب البالغ؛ فإن العقل لا يعينه حتى يقرره الشرع» (بهجت، ١٣٨٨، ص ٣٩١). إذن: إذا أمكن إثبات مطلق الثواب، فلا حاجة بعدئذٍ لروايات «من بلغ»، وكلما قصد المكلف الثواب، سيصل إليه مطلق الثواب، وإذا قصد ثواباً خاصاً، فإنه يستفيد من الثواب الخاص. إذن، أمر المكلف دائر بين نيته.

رأي آية الله بهجت هو أنه لا يمكن القول بأن مطلق العمل له ثواب؛ لأن أصل الحديث مقيد: «ويتحصل من الجميع: أن العمل المأتي به بداعي بلوغ ثواب خاص عن النبي (صلى الله عليه وآله) مستحب مجعول له ذلك الثواب البالغ؛ واختلاف مراتب هذا الاستحباب المولوي وإن كان ممكناً إلا أنه غير استظهار الوحدة من الأدلة» (نفسه، ص ٣٩٤).

على الرغم من عدم وجود تقييد في المستحبات؛ إلا أن ظاهر هذه الروايات يدل على أن المطلق هو نفسه المقيد: «وإن لم يلزم في سائر موارد المثبتين، حيث إن الاستحباب في المطلق مولوي وفي الخاص إرشادي، فلا يتم المولوي إذا كان الأمر هنا واحداً، إلا بالتقييد الراجع إلى استحباب واحد لعمل واحد، لأنه يقال إن العمل بذاته مستحب، وبعنوان الطلب مستحب آكد، ويترتب على الأول نفس الثواب، وعلى الثاني الثواب البالغ، والموافقة للعقل في الأصل لا ينافي المخالفة في المرتبة والآثار وحدب الثواب» (نفسه، ص ٣٩٢).

في تلخيص هذا القسم، على الرغم من أن آية الله بهجت لم يصرح بذلك في الكتاب، وفي متن درس الخارج الذي أشير إليه أعلاه، يميل نوعاً ما إلى استحباب العمل بعنوان ثانوي؛ ولكنه يقول في عبارته النهائية: «والحاصل… فموضوع الحكم ما عمل بعد البلوغ بداعي البلوغ… لا يمكن حمله على الإرشاد، لأن العقل لا يعين ذلك الثواب البالغ، فلابد من حمله على الاستحباب الشرعي الذي موضوعه العمل بداعي الثواب البالغ، وحيث إن الحكم في الجميع كالحكم الواحد فالمستحب الشرعي ما أتى به بداعي بلوغ الثواب أو طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا غير مربوط برجحان الانقياد، بل واستحبابه شرعاً أيضاً» (نفسه، ص ٣٩٥).

۲. وجه الجمع بين أخبار «من بلغ» وأدلة حجية قول الثقة

في هذا القسم، تُطرح قائمة بوجوه الجمع بين الأدلة في المسألة بشكل مجمل.

۲-۱. الخروج التخصصي لأدلة «من بلغ»

قد يُقال إن أدلة «من بلغ» خارجة موضوعاً عن الموارد التي يوجد فيها دليل معتبر على عدم استحباب العمل. ويمكن تقديم بيانات متنوعة لهذا الخروج الموضوعي (التخصص). أحدها هو أن يُقال إن «البلوغ» لغوياً لا يصدق في هذه الموارد.

ولدعم هذا الاستظهار، يمكن الاستشهاد بكلام بعض اللغويين: ورد في لسان العرب: «والعرب تقول للخبر يبلغ واحدهم ولا يحققونه: سَمْعٌ لا بَلْغٌ أي نسمعه ولا يَبْلُغُنا» (ابن منظور، ١٤١٩ق، ج ٨، ص ٤٢٠). والعرب تقول عن الخبر الذي يصل إلى أحدهم ولا يصدقه: سماع بلا بلوغ، أي نسمعه ولكن لا يصلنا (لا نتحققه). وهذا الفهم يمكن أن يكون أساساً للقول الذي اعتبر موضوع روايات «من بلغ» هو الموارد التي يثبت فيها الاستحباب بطريق شرعي معتبر. وهنا نضيف أنه إذا لم نقل إن البلوغ يختص بموارد إثبات الاستحباب الشرعي، فعلى الأقل لا يشمل الموارد التي توجد فيها حجة على عدم الاستحباب.

۲-۲. الانصراف

أحد الإجابات الممكنة الأخرى هو القول بانصراف أدلة «من بلغ» عن الموارد التي توجد فيها حجة على عدم الاستحباب (مكارم الشيرازي، ١٣٨٦، ج ٣، ص ٨٨). وتوضيح ذلك أن موضوع أدلة التسامح في السنن (روايات «من بلغ») هو المورد الذي يُذكر فيه خبر عن ترتب ثواب على عمل، ويحتمل الشخص الذي بلغه الخبر صدقه، ومن المؤكد أن هذه الأخبار لا تشمل الموارد التي يعلم فيها الشخص بعدم مطابقتها للواقع. الآن، بالنظر إلى هذه النقطة، يمكننا القول إنه كما أن هذه الروايات لا تشمل موارد العلم الوجداني بالمخالفة، فإنها لا تشمل أيضاً الموارد التي يوجد فيها علم تعبدي وحجة على عدم مطابقة مفاد الخبر للواقع، وعلى الرغم من استخدام ألفاظ مطلقة، فإنه بمناسبة الحكم والموضوع، تنصرف هذه الأدلة عن مثل هذه الموارد؛ بل يمكن القول إنه حتى لو افترضنا احتمال الانصراف، فإن شمول أدلة «من بلغ» يصبح مشكلاً ولا يمكن الحكم بموجبها.

۲-۳. حكومة روايات «من بلغ» على أدلة حجية خبر الواحد

البيان الأول للحكومة

ادعى البعض مثل المحقق النائيني أن أخبار «من بلغ» حاكمة على أدلة حجية خبر الواحد؛ لأن هذه الأخبار تُعتبر ناظرة وشارحة لأدلة حجية خبر الثقة. ووجه النظر هو أن لسان أخبار «من بلغ» يفيد أن أدلة حجية خبر الواحد تختص بغير أخبار المستحبات، وفي هذه الأخبار لا تُشترط وثاقة الراوي؛ أي أن أخبار «من بلغ» تضيق موضوع اعتبار شروط حجية الخبر (حسيني الشاهرودي، ١٣٨٥ش، ج ٤، ص ٢٠١).

وبالطبع، لا يُشكل بأن هذا البيان هو نفسه «التخصيص» ولا ينبغي تسميته «حكومة»؛ لأنه من الواضح أن الحكومة بمعنى التضييق التي تكون ناظرة إلى عقد الوضع، هي مثل التخصيص، والفرق الوحيد هو أن لسان الحكومة هو لسان نظر وشرح، بخلاف التخصيص. وكذلك لا يُشكل بأنه لا توجد ثمرة للتفريق بين الحكومة والتخصيص في محل البحث؛ لأنه يجب العلم بأن التخصيص يتوقف على قياس النسبة؛ بخلاف الحكومة التي في فرض إثبات النظر، لا يُنظر بعد ذلك إلى النسبة بين الدليلين.

البيان الثاني للحكومة

الوجه الآخر الذي يمكن بيانه للحكومة هو أن نقول إن أخبار «من بلغ» حاكمة على أدلة حجية خبر الواحد؛ لأنها تبين حكماً ثانوياً. وتوضيح ذلك أنه كما في الموارد التي ينذر فيها الشخص بفعل مستحب، لا تتعارض أدلة وجوب الوفاء بالنذر مع أدلة استحباب ذلك الفعل (وعدم وجوبه)؛ لأن العنوان الذي تعلق به الوجوب يختلف عن العنوان الذي تعلق به الاستحباب وعدم الوجوب. في بحثنا أيضاً، العنوان الذي تتعلق به أدلة «من بلغ» هو عنوان مختلف، وهو نفسه «العمل بالخبر الضعيف لامتثال قول الأئمة (عليهم السلام) ومن باب تعظيم كلامهم والاهتمام به» (مكارم الشيرازي، ١٣٨٦، ج ٣، ص ٨٧).

۲-۴. حكومة أدلة حجية خبر الواحد على أحاديث «من بلغ»

ينقل الشهيد محمد باقر الصدر بياناً للحكومة بناءً على مباني بعض الأكابر. يقول إن أدلة حجية خبر الواحد تجعلنا عالمين بالحكم تعبداً، ونظراً لأن المدلول الالتزامي أو المطابقي للدليل الصحيح هو عدم الاستحباب، وفي موضوع أخبار «من بلغ» يُفترض احتمال صحة البلوغ والمطابقة للواقع، فإن أدلة حجية خبر الواحد ترفع تعبداً موضوع أدلة «من بلغ» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص ١٣٦).

۲-۵. التخصيص أو التقييد

إذا قلنا إن موضوع أخبار «من بلغ» هو خصوص المستحبات، وبتعبير أصح، خصوص الأخبار التي تذكر ثواباً على عمل ما – بينما موضوع أدلة حجية خبر الثقة هو مطلق أخبار الثقات – فيمكن القول بتقدم أخبار «من بلغ» من باب التخصيص. وهذا الوجه مبني على عدم اعتبار التعارض بين الرواية المتضمنة للثواب والرواية المتضمنة لعدم الاستحباب؛ بل نعتبر التعارض بين دليل حجية كل منهما، وفي هذه الحالة، يتعارض دليل حجية خبر الثقة مع أخبار «من بلغ» (بالطبع هذا في فرض عدم تمامية التخصص والانصراف والحكومة التي مرت سابقاً، وفي حالة عدم التوفيق العرفي، تصل النوبة إلى قياس النسبة بين الدليلين).

النقطة التي يجب أخذها في الاعتبار عند دراسة صحة وجه الجمع هذا هي أن قياس النسبة هذا يختلف باختلاف المباني في باب خبر الواحد؛ على سبيل المثال، إذا كان دليل حجية خبر الواحد هو آية النبأ الشريفة، فبالنظر إلى التعليل الوارد في الآية «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»، فإن موارد المستحبات والمكروهات التي ليس لها آثار إلزامية، لا تكون مشمولة بأدلة حجية خبر الواحد (راجع: حسيني الشاهرودي، ١٣٨٥، ج ٤، ص ٢٠١)؛ لذلك، في قياس النسبة هذا، يجب مراعاة المباني المختلفة في باب حجية خبر الواحد.

۲-۶. عدم وجود تعارض حقيقي

السيد محمد الطباطبائي في التنبيه السابع من “مفاتيح الأصول” يتناول هذه المسألة بشكل مستقل ويكتب: «مقتضى حجية خبر الثقة أنه كما في فرض العلم بمخالفة الرواية الضعيفة لا يمكن الحكم بالاستحباب بالتمسك بقاعدة «من بلغ»، كذلك في موارد إقامة الحجة لا يمكن الحكم بالاستحباب طبقاً لأخبار «من بلغ»» (الطباطبائي، ١٢٩٦ق، ص ٣٥٠).

يبدو أن هذا القسم ليس وجهاً مستقلاً، بل هو نوع من الجمع العرفي، إما بصورة العام والخاص أو المطلق والمقيد أو من باب الحكومة.

۲-۷. التعارض المستقر

تحكم أخبار «من بلغ» بنفسها بمطلوبية العمل وفقاً للرواية. الآن، بالنظر إلى الشمول الذاتي لأخبار «من بلغ»، فإن الوجه الوحيد للالتزام بعدم الاستحباب هو أن ما يفيد حجية خبر الثقة يدل على أن خبر الثقة في هذا المورد الخاص لا مطلوبية له ولا رجحان، وهذا بينما تتعارض أدلة حجية خبر الواحد في موارد الاستحباب، وفي هذا الأمر (عدم قدرة أدلة حجية خبر الواحد) لا فرق بين أن يكون التعبير عن مفاد روايات «من بلغ» بحجية الخبر الضعيف أو غير ذلك.

يقول الشيخ الأنصاري: في مثل هذه الموارد، يقع التعارض بين أدلة حجية خبر الواحد وأخبار «من بلغ» (بسبب اختلاف الموضوع، لا تتعارض أخبار «من بلغ» مع الخبر الصحيح نفسه؛ بل تتعارض مع أدلة حجيته)، ومقتضى القاعدة هو التساقط؛ ولكن هنا، لأن الأمر دائر بين الاستحباب وغير الاستحباب (وإن كان هذا الدوران والاحتمال ناشئاً من أخبار «من بلغ»)، يمكن الحكم بالاستحباب. ولا يُشكل بأن أخبار «من بلغ» لا تشمل نفسها؛ لأنه يُجاب بأنه على الرغم من أن شمول الخبر لنفسه غير معقول وليس لدينا عموم لفظي؛ ولكن بما أن المناط منقح، فإننا نتمسك بوجود الملاك والمناط (الأنصاري، ١٤١٤ق، ص ١٦٥).

۳. بيان التحقيق في وجه الجمع، مع التأكيد على رؤية آية الله بهجت

في جميع الموارد التي يُدعى فيها وجود تعارض بين دليلين، أي يُقال إن دليلين لهما موضوع واحد؛ ولكنهما يبيّنان حكمين مختلفين في ذلك الموضوع الواحد (مع افتراض قبول اختلاف هذين الحكمين بحيث يعتبرهما العرف متباينين)، فإن المنهج الصحيح للبحث يكون على النحو التالي: في المرحلة الأولى، يُدرس موضوع الدليلين المدعى تعارضهما ليتضح هل لهما موضوع واحد أم يبيّنان موضوعين مختلفين (سواء كان التعبد دخيلاً أم لا). في المرحلة الثانية، بعد إثبات تداخل الموضوعين، يجب أن نرى هل العرف يفهم المعنى اللغوي نفسه أم أنه بالنظر إلى قرائن مثل مناسبة الحكم والموضوع يمكن إثبات خروج مورد ما. في المرحلة الثالثة، يجب دراسة احتمال كون أحد الدليلين ناظراً وشارحاً للدليل الآخر. المرحلة الرابعة تتكفل بالمسألة التي إذا لم نتمكن في جميع المراحل السابقة من رفع التعارض، فيجب قياس النسبة بين الدليلين، وهل نسبة هذين الدليلين بحيث يمكن إيجاد جمع موضوعي عرفي لهما أم لا؟ إذن، في المرحلة الخامسة، إذا لم نتمكن من الجمع الموضوعي، مثلاً كانت العلاقة تباينًا أو عمومًا وخصوصًا من وجه، فيجب دراسة هل يمكن الجمع الحكمي أم لا؟ وفي النهاية، في المرحلة السادسة، إذا لم يكن الجمع الموضوعي والحكمي ممكنًا واستقر التعارض، تصل النوبة إلى تطبيق قواعد باب التعارض (بالنسبة للتعارض المستقر).

في هذا الباب، طُرحت نظريتان مهمتان حول كيفية مواجهة التعارض المستقر. النظرية الأولى هي «التساقط» التي تبناها مشهور الأصوليين (راجع: الخوئي، ١٤١٧ق، ج ٣، ص ٣٧١-٣٧٦) (بالطبع هذا التساقط يأتي بعد أن يكون كل من الطرفين فاقداً للمرجحات، وهناك خلاف في عدد هذه المرجحات وتقديمها وتأخيرها، وهو ما يُبحث في موضعه). النظرية الثانية هي «التخيير» التي اختارها بعض الأصوليين (راجع: النائيني، ١٤٠٩ق، ج ٤، ص ٧٥٨-٧٦٢). وهذه المجموعة من الأصوليين أنفسهم ينقسمون إلى فئتين: بعضهم مثل آية الله بهجت يعتبرون الأصل الأولي هو التخيير؛ أي يدعون أنه في موارد التعارض، ما استقرت عليه السيرة والتزم به العرف هو اختيار أحد الدليلين المتعارضين (بالطبع هذا التخيير في نظرهم يأتي بعد فقدان المرجح). الفئة الثانية هي مجموعة لا تعتبر الأصل الأولي هو التساقط؛ ولكن بالنظر إلى ورود روايات خاصة، قبلوا تعبداً بأن الشارع أجاز للمكلف أن يعمل تخييراً بأي من المتعارضين (بهجت، ١٤٣١ق، ج ٣، ص ٤٠٥).

يقدم آية الله بهجت في هذا البحث لحل الخلاف – أو بالأحرى التعارض – عدة حلول؛ ولكن هذه الحلول مبنية على عدم تمامية الطرق الأخرى؛ لذا، سنقوم في هذا البحث أولاً ببيان الطرق الأخرى ثم نوضح الحل المقترح من قبله.

۱. في محل النزاع، يوجد عمل واحد، رواية (صحيحة) نفت استحبابه، ورواية أخرى (ضعيفة) أثبتت ثوابًا على أدائه. دليل حجية خبر الواحد يحكم بعدم الاستحباب، وروايات «من بلغ» تحكم باستحباب أداء نفس العمل. وفقًا للمبنى السادس، من الواضح أن الخروج الموضوعي يقع، وأصلاً أخبار «من بلغ» لا تشمل هذا المورد، ومع عدم وجود وحدة الموضوع، لا يوجد تنافٍ؛ ولكن وفقًا للمباني الأخرى التي تثبت مجرد البلوغ في فرض إقامة رواية ضعيفة، يجب بيان وجه لعدم صدق البلوغ. وبعبارة أخرى، في سائر الموارد، يُقبل صدق «البلوغ» في الموارد التي يصل فيها خبر ويُعطى احتمال مطابقته للواقع؛ إلا إذا ادُعي الانصراف أو الحكومة أو… وهو ما سيُدرس لاحقًا (بهجت، ١٤٣١ق، ج ٣، ص ٤٠٥).

۲. بشأن شبهة الانصراف، يجب القول إن ادعاء الانصراف يحتاج إلى دليل. نعم، في الموضع الذي نعلم فيه بالكذب (نعلم بكذب المخبر الراوي؛ ولكن نحتمل صدق الخبر؛ أي نحتمل مطابقته للواقع)، فإن ألفاظ بعض روايات «من بلغ» لها شمول لغوي لهذا المورد؛ ولكن مناسبة الحكم والموضوع تخصص هذه الأخبار بالموضع الذي نحتمل فيه صدق المخبر؛ ولكن في غير هذا المورد، لا يوجد وجه للانصراف (راجع: بهجت، DVD الثاني، الجلسة ٢٩٨).

۳. بشأن ادعاء حكومة أدلة «من بلغ»، يجب القول إن ما هو شرط في الانصراف هو أن يكون لسان الدليل الحاكم لسان نظر وشرح، وهذا الأمر مفقود في محل بحثنا. وتوضيح ذلك أنه في محل بحثنا، أدلة «من بلغ» تقول فقط إذا عملتم بخبر يتضمن ثوابًا، فسيُعطى لكم الثواب، ولا تتعرض لأدلة خبر الواحد (لكي يكون هناك نظر، يجب أن يكون وجود الدليل المحكوم مفروضًا، وهذا ليس كذلك). نعم، وفقًا للمبنى الذي يعتبر أدلة «من بلغ» ثانوية وناظرة، قد يتقوى ويصح ادعاء الحكومة؛ ولكن آية الله بهجت لا يلتزم بهذا الرأي (راجع: نفسه).

٤. في ادعاء حكومة أدلة خبر الواحد، حتى لو قبلنا بمبنى تتميم الجعل، لا يمكن قبول الحكومة. قد يدعي القائلون بمبنى تتميم الجعل أن الفرد عالم تعبدًا بعدم الاستحباب، ووفقًا لمبنى قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، فإن أدلة «من بلغ» لا تشمل هذا الفرد؛ لأن مثل هذا الفرد قاطع بعدم المطابقة. الإشكال على هذا الاستدلال هو أنه في أدلة وأخبار «من بلغ»، لم يُؤخذ عدم العلم أو الشك واحتمال المطابقة حتى يمكن تصحيح الحكومة؛ بل ما أُخذ هو إمكان العمل على الثواب البالغ وانبثاقه عنه، وطالما أننا نعطي احتمال مطابقة الخبر الضعيف المتضمن للثواب، فإن موضوع أدلة «من بلغ» موجود (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص ١٣٧).[6]

والآن نشير إلى الحلول التي اختارها آية الله بهجت:

۱. الإطلاق والتقييد: بشأن احتمال التقييد، يجب القول إنه إذا ثبتت علاقة الإطلاق والتقييد بين أدلة حجية خبر الواحد وأخبار «من بلغ»، يمكن القول بالتقييد. وحول وجه التقييد، يمكن القول إن أدلة «من بلغ» تثبت الثواب فقط في فرض قصد الرجاء، وفي محل البحث يقولون إن هذا العمل الخاص إذا أُنجز برجاء الثواب البالغ، فهو مستحب؛ بينما أدلة حجية خبر الواحد تقول مطلقًا إن هذا العمل ليس مستحبًا. يكتب آية الله بهجت:

«ولو دلت رواية ضعيفة على الاستحباب وصحيحة على عدمه، فلا عبرة بالتنافي لولا الاعتبار بدليله؛ ومعه فالتنافي بين شمول دليل اعتبار الروايتين لهما بسبب تنافيهما، يمكن دفعه بأن مقتضى أحدهما استحباب المقيد بالإتيان بداعي البلوغ، ومقتضى الثاني عدم استحباب نفس العمل بأي داع تحقق؛ فما دل على استحباب المقيد بدليل اعتباره، يقيد ما دل على عدم الاستحباب مطلقًا، فهو جمع عرفي بين الروايتين بعد تمامية دليل الصدور في كل منهما مع قطع النظر عن المعارضة التي ظهر أنها قابلة للعلاج العرفي» (بهجت، ١٤٣١ق، ج ٣، ص ٤٠٣-٤٠٤).

وإذا دلت الرواية الضعيفة على استحباب ذلك العمل، ودلت الرواية المعتبرة على عدمه، فلا يوجد تنافٍ. إذن، عدم التوافق هو بين شمول الدليل المعتبر الذي يستلزم أحدهما مطلوبية قيد الأداء بداعي البلوغ، والثاني يدل على أن نفس العمل بأي دافع موجه ليس مطلوبًا. فما يدل على مطلوبية المقيد بعقيدة ما، يقيد ما هو غير مستحب أصلاً. إذن، بهذا التوجيه، إذا تم سند صدور الروايتين، يجري الجمع العرفي بين الطرفين.

۲. التخصيص: دليل اعتبار الصحيحة يجعل قول العادل حجة، والعدالة شرط لحجية الخبر في التكاليف؛ ولكن دليل الرواية الضعيفة يفيد أنه في المستحبات والسنن، لا تُشترط الوثاقة أو العدالة؛ أي على الرغم من أنه لا يمكن إجراء الإطلاق والتقييد في المخبر عنه، فإنه بالنظر إلى دليل اعتبار كل من الطرفين، يمكن القول بالتخصيص وتقديم أخبار «من بلغ» (راجع: همو، DVD الثاني، الجلسة ٢٩٩).

۳. تقديم روايات حجية خبر الواحد على أخبار «من بلغ»، كتقديم الأمارة على الأصل: لسان أدلة حجية خبر الواحد يختلف عن لسان أخبار «من بلغ». فأدلة حجية خبر الواحد لها لسان كاشف عن الواقع؛ بخلاف أخبار «من بلغ» التي لا تتعرض لمطابقة الأخبار للمخبر عنه؛ بل في بعضها صُرح بأن ترتب الثواب موجود حتى في فرض المخالفة للواقع. هناك باب واسع في الدخول في رحمة الله، بأنه بوصول خبر مشتمل على ثواب وأدائه من قبل العبد، يشمله التفضل الإلهي ويحصل على الثواب. يقول سماحته: «فالدليلان بمنزلة الأصل والدليل لا تلاحظ النسبة بينهما، لأن أحدهما في موضوع عدم العلم والآخر في ظرف عدم العلم إعلام تنزيلي بعدم الاستحباب؛ فكما لا حكم لدليل «من بلغ» في صورة العلم فكذا في صورة الإعلام العقلائي المقرر شرعًا ولا تلاحظ النسبة بين الدليلين حتى يرتكب التقييد» (همو، ١٤٣١ق، ج ٣، ص ٤٠٤).

وبتعبير فني أكثر، وفقًا للمباني المختلفة في بحث الأمارات، يمكن القول إن الأمارات لها نوع من الكشف عن الواقع؛ على سبيل المثال، وفقًا لمبنى جعل العلمية، نقول إنه كلما قامت أمارة على أمر ما، فإن مفاد أدلة حجية الأمارة هو أنه على الرغم من أن الأمارة ليست كشفًا تامًا عن الواقع وكشفها ناقص، يجب إلغاء احتمال الخلاف وجعل ذلك الظن بديلاً عن القطع في الكشف عن الواقع. من الواضح أنه وفقًا لهذا المبنى، تعتبر أدلة حجية خبر الواحد الواقع هو نفس مؤدى الخبر الصحيح (في محل البحث، الواقع هو أن الأمر الفلاني ليس مستحبًا)؛ ولكن أخبار «من بلغ» لا نظرة لها ولا إشراف على الواقع، وإنما ترغب فقط في العمل بمؤدى الخبر الضعيف؛ ومن ثم لا يوجد تعارض في مقام الوجود. يقول سماحته في هذا الصدد: «بل مفاد مثل «صدق العادل» هو واقعية أخبار الثقة حكمًا عقلائيًا ومفاد «من بلغ» أنه في تقدير عدم العلم بالواقعية فالاستحباب ثابت، فالأول يهدم موضوع الثاني والثاني لا يحفظ موضوع نفسه» (نفسه).

بل إن معنى مثل «صدق العادل» هو واقعية خبر الثقة في الحكم العقلي، ومفاد أخبار «من بلغ» هو أنه في ظرف عدم العلم بالواقع، حكم الاستحباب ثابت. فالأول يهدم موضوع الثاني، والثاني لا يستطيع حفظ موضوعه. ويبدو أن هذه العبارة لآية الله بهجت ناظرة إلى مبنى الآقا ضياء الذي يعتبر في الأصول العملية الجهل هو الموضوع، وفي باب الأمارات الجهل هو المورد، وفي الجهل يجري.

وفقًا لمبنى الشهيد الصدر في بحث كيفية جعل الحكم الظاهري المبني على «التزاحم الحفظي» وأن قوة «الاحتمال» تؤخذ في الاعتبار في موارد الأمارات، بخلاف الأصول العملية التي يُنظر فيها إلى قوة «المحتمل» (الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٧ق، ج ٥، ص ١٢)، يبدو أن أدلة حجية الأمارات تقول إنه بما أن المولى لا يستطيع الحفاظ على جميع الملاكات المترتبة على الواقع، ومن جهة أخرى احتمال إصابة خبر الثقة للواقع أكبر من احتمال عدم مطابقته، فإن المولى يأمر بالعمل بخبر الثقة؛ ولكن روايات «من بلغ» لا تقول أكثر من الترغيب والتشجيع على العمل بالرواية المشتملة على الاستحباب.

من هذا المنطلق، يبدو من خلال تحليلات آية الله بهجت أنه لا يوجد تعارض أساسًا؛ لأن ما يشير إلى عدم مسنونية الفعل هو في الحقيقة إعلام بعدم الاستحباب الواقعي، وما يشير إلى الاستحباب ناظر إلى الحكم الظاهري. إذن، هذان الخبران يُعتبران من قبيل الأمارة والأصل.[7]

٤. التخيير: بالنظر إلى ما سبق، إذا لم نعتبر البيانات السابقة تامة، يجب القول إن التعارض بين دليل حجية خبر الواحد وأخبار «من بلغ» هو تعارض مستقر. في هذه الحالة، يجب الرجوع إلى مرجحات باب التعارض (ما يحدث في التعارض هو تكاذب الفعليات، لا الشأنيات؛ لأن شأنيتين لا تتكاذبان، وقبل أن تصلا إلى الفعلية، يمكن جمعهما). وكلما تعارضت فعليتان، نرجع إلى المرجحات.

قد يُقال إن آية النبأ الشريفة يمكن أن تكون مرجحة لأدلة حجية خبر الواحد؛ لأنه في الآية الشريفة نُهي صراحة عن العمل بخبر الفاسق، والمفروض أن الخبر المشتمل على الثواب الذي نريد تصحيحه بأدلة «من بلغ» هو ضعيف؛ أي أن راويه إما فاسق أو يوجد احتمال فسقه؛ ولكن الصحيح أن نقول إن الآية لا يمكن أن تكون مرجحة؛ لأن هذه الآية تشمل تعليلاً يقيدها. في التعليل المذكور في آية «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (الحجرات: ٦) يربط النهي بالموضع الذي يُعتبر فيه العمل بالرواية جهالة ويوجد احتمال أن يؤدي إلى الندم؛ بينما الفرض هنا هو أن العمل بالرواية لا يوجب الندم؛ لأنه لا يوجد احتمال للحرمة. المرجحات الأخرى مثل مخالفة العامة وموافقة المشهور غير موجودة أيضًا في محل البحث.

إذن، بعد أن اتضح عدم وجود مرجح في البحث، يجب على المبنى القول بالتخيير؛ أي نقول إن أدلة حجية خبر الواحد وأخبار «من بلغ» في غير مورد التعارض لها حجية تعيينية، وفي مورد التعارض لها حجية تخييرية، فالمكلف مخير بين أن يعمل بأخبار «من بلغ» ويستفيد من الثواب المذكور في الرواية الضعيفة المشتملة على الثواب، أو أن يترك العمل استنادًا إلى الرواية الصحيحة (راجع: بهجت، DVD الثاني، الجلسة ٢٩٩ و ٣٠٠).

۴. نقد رؤية رفع التعارض على أساس التخيير

بيان نظرية التخيير في كلام سماحته جاء بعد مراجعة المسألة في كتاب “مباحث الأصول”، ولم يرد فيه كلام صريح بهذا الشأن؛ ولكن يبدو أنه في عدة مواضع يوجد مجال للنقد والنظر في رؤية جمع الخلاف على أساس التخيير.

أولاً، هناك فرق بين أن نكون قائلين بحجية الخبر الضعيف بحكم أخبار «من بلغ» أم لا، وأن يكون مبنى المجتهد في أخبار «من بلغ» هو الاستحباب بعنوان ثانوي. لنفرض أن خبراً ضعيفاً يدل على استحباب عمل ما، وخبراً صحيحاً يدل على أن هذا العمل ليس مستحباً بعنوان أولي. بناءً على الاحتمال الأول، توجد حجتان، إحداهما تقول إن هذا العمل مستحب، والأخرى تقول إنه ليس مستحباً. هنا تتعارض الحجتان وتتساقطان، ونتيجة لذلك لا يثبت استحباب ذلك العمل. ولكن وفقاً للاحتمال الثاني، هذا العمل بناءً على الصحيحة ليس مستحباً بعنوان أولي. والخبر الضعيف يقول إنه مستحب بسبب بلوغ الخبر وكونه عنواناً ثانوياً، والعنوان الثانوي في باب التزاحم مقدم على العنوان الأولي.

كذلك، لنفرض أن خبراً صحيحاً يقول إن كل أمر مضر ليس مستحباً؛ مطلقاً، سواء كان هناك خبر ضعيف أم لا. وأخبار «من بلغ» تقول: كل ما ورد به خبر ضعيف فهو مستحب، مثل اللطم والجرح في عزاء الإمام الحسين (عليه السلام). هنا يوجد عامان مطلقان يجتمعان في مادة واحدة. أخبار «من بلغ» تقول إنه مستحب. والحديث الصحيح يقول لأنه مضر، حتى بعنوان ثانوي لا يمكن أن يكون مستحباً. في مادة الاجتماع هذه، يحدث تعارض وتساقط، ولا يبقى مجال للتخيير.

ثانياً، ظاهر أخبار «من بلغ» يقول إن الخبر الضعيف دال على الاستحباب، والخبر الصحيح في المقابل يقول إن هذا العمل ليس مستحباً. ظاهراً، يوجد تنافٍ بين هذين الدليلين.

ثالثاً، المناقشة في الاستناد إلى الشيخ الكليني في مسألة التخيير. يبدو أن سماحته قائل بالتخيير من باب التسليم، لا من باب الحجية. في باب التسليم، كلا الحكمين ثابتان، لا أنهما حجة، ومحل بحثنا هو في نطاق حجية دليلين؛ وبعبارة أخرى، يوجد نوعان من التخيير: التخيير من باب الحجة والتخيير من باب التسليم. التخيير من باب التسليم، كما ورد في رواية علي بن مهزيار بشأن نافلة الصلاة على الأرض أو على المحمل، يقول المعصوم (عليه السلام): «مُوَسَّعٌ عَلَيْكَ بِأَيَّةٍ عَمِلْتَ». هذا من باب التخيير التسليمي. في هذه الرواية ورد: «عَلِيُّ بْنُ مَهْزِيَارَ قَالَ قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رِوَايَاتِهِمْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ فَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنْ صَلِّهِمَا فِي الْمَحْمِلِ وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنْ لَا تُصَلِّهِمَا إِلَّا عَلَى الْأَرْضِ فَأَعْلِمْنِي كَيْفَ تَصْنَعُ أَنْتَ لِأَقْتَدِيَ بِكَ فِي ذَلِكَ؟ فَوَقَّعَ (عليه السلام) مُوَسَّعٌ عَلَيْكَ بِأَيَّةٍ عَمِلْتَ» (الطوسي، ١٣٦٤، ج ٣، ص ٢٢٨). سُئل عن نافلة الفجر، حيث ذكرت رواية جواز صلاتها على المحمل، ورواية أخرى حصرت صلاتها على الأرض، فأجاب الإمام (عليه السلام) على هذا السؤال بتعبير «مُوَسَّعٌ عَلَيْكَ بِأَيَّةٍ عَمِلْتَ»، وقد استُدل بهذا التعبير من الإمام (عليه السلام) على التخيير بين خبرين متعارضين.

لكن محل بحثنا هو في الحالة التي تعتمد فيها رواية ضعيفة على دعم أخبار «من بلغ» للاستحباب، ورواية صحيحة السند، وهي رواية خاصة، تدل على عدمه؛ في هذه الحالة، يكون التخيير من باب الحجية، وهو ما لا يبدو أنه مورد نظر الشيخ الكليني.[8]

رابعاً، استقرار التعارض واختلاف مفاد روايات «من بلغ» مع الأخبار صحيحة السند ليس واضحاً. إذا كانت الرواية الصحيحة موجودة، فلا شك أنه لا مكان لأخبار «من بلغ»؛ لأن التعارض واختلاف روايتين فرع على الحجية التعبدية للخبر. الآن، إذا كنا من الناحية المبنائية قائلين بوثوق الخبر، فلن يكون هناك خبران موثوقان متعارضان ومتضادان أبداً حتى يتم اللجوء إلى التخيير لرفع التعارض.

خامساً، إذا كان سماحته يقبل بالجمع بين الدليلين (وهو ما يُستشف من كلامه)، فلا يبقى تعارض في الأمر حتى يُطرح بحث التخيير. وكذلك إذا كانت أخبار «من بلغ» عنواناً ثانوياً، فإن الدليل المتكفل بالعنوان الثانوي حاكم على الدليل المتكفل بالعنوان الأولي.

كذلك، إذا قبلنا بدلالة الأخبار على الاستحباب، ففي صورة بلوغ الخبر الضعيف، لا يكون الحكم ظاهرياً، والمرحوم سماحته يرى أن أدلة خبر الواحد رافعة لموضوع أدلة البلوغ ويقدم خبر الواحد على هذه الأخبار.

سادساً، بناءً على المباني التي لا تعتبر خبر الواحد حجة، كما قال السيد المرتضى وابن إدريس والقاضي ابن براج (الضميري، ١٣٨٤ش، ص ١٢٠)، أو حتى لا يعتبرون خبر الثقة حجة، أو القائلون الذين يناقشون في أصل أخبار «من بلغ» (روحاني، ١٤١٧ق، ص ٨؛ الخميني، ١٤١٤ق، ج ٢، ص ١٣١-١٣٧)، لا مكان للتخيير.[9]

الخاتمة

في الختام، يبدو أن ما يُستخلص من كلام آية الله بهجت في باب تعارض الرواية الضعيفة الدالة على الاستحباب والمستندة إلى حديث «من بلغ»، والرواية الصحيحة الدالة على عدم الاستحباب والمستندة إلى دليل حجية خبر الواحد، هو أنه إذا أُجريت دراسة دقيقة في هذا المجال، يمكن القول إنه لا يوجد تعارض أصلاً؛ لأن ما يشير إلى عدم مسنونية الفعل هو في الحقيقة إعلام بعدم الاستحباب الواقعي، وما يشير إلى الاستحباب ناظر إلى الحكم الظاهري. وبناءً على ذلك، يُعتبر هذان الخبران نوعاً ما من قبيل الأمارة والأصل. وبالطبع، ما أشار إليه سماحته في نهاية مجلس الدرس كان الرجوع إلى التخيير في مقام العمل، الذي بالتمسك بالمبنى التخييري الذي اختاره كبار العلماء مثل الكليني وبعض أساتذته في مقام التعارض، أصبحوا قائلين بالتخيير. وهذه النظرية أيضاً كانت تعاني من إشكالات أُشير إليها.[10]

الهوامش

1. بالطبع، يشكك المرحوم الروحاني في هذه النسبة ولا يقبلها (الروحاني، ١٣٩٣، ج ٤، ص ٥٢٨).

2. يمكن العثور على هذا البحث في حواشي وشروح الكفاية وكذلك الدروس الخارج التي نُظمت على ترتيب الكفاية.

3. كما سيأتي، عدل المرحوم المحقق الخوئي عن هذا الرأي، واختار في الدورات المتأخرة من درسه، التي وردت في كتاب “مصباح الأصول”، مبنى آخر.

4. «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: مَنْ بَلَغَهُ ثَوَاباً مِنَ اللَّهِ عَلَى عَمَلٍ فَعَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ أُوتِيَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ». يقول محمد بن مروان: سمعت الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: «من بلغه ثواب على عمل من الله، فعمل ذلك العمل رجاء ذلك الثواب، أُعطيه؛ وإن لم يكن الحديث كما بلغه» (الكليني، ١٣٩٣، ج ٣، «بَابُ مَنْ بَلَغَهُ ثَوَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عَمَلٍ»، ص ١٣٩، ح ١).

5. استدل العلماء بأخبار «من بلغ» في السنن والآداب، لا في الموارد الإلزامية كالواجب والمحرم في غير السنن والآداب. لدينا أدلة قوية على وجوب كون المخبر عادلاً، مثل آية النبأ. والمتيقن من روايات «من بلغ» هو السنن والآداب.

6. السؤال هو: عندما تقول الرواية الصحيحة إن هذا العمل ليس مطلوبًا من الشارع وليس مستحبًا، ألا ينشأ علم بالكذب؟

7. بناءً على قبول هذا المبنى، يطرح هذا السؤال: كيف تصل النوبة إلى الأصل مع وجود الأمارة؟

8. المحقق الأصفهاني (الأصفهاني، ١٤٢٩ق، ج ٤، ص ١٩٤) والمحقق العراقي (العراقي، ١٤٢٠ق، ج ٢، ص ٢١٣) يعتقدان أنه وفقاً لمبنى المحقق الخراساني، لا يوجد تعارض هنا؛ لأن وحدة الموضوع شرط في التعارض. وهنا وحدة الموضوع غير متحققة؛ لأن الخبر الصحيح يقول إن العمل بذاته وبعنوان أولي ليس مستحباً، وأخبار «من بلغ» تقول إنه بسبب عنوان بلوغ الثواب (وهو عنوان ثانوي) يكون هذا العمل مستحباً. إذن، موضوع رواية عدم الاستحباب هو العنوان الأولي، وموضوع الاستحباب هو العنوان الثانوي. لا يوجد تعارض بينهما. وكلما ثبت إطلاق كلا الدليلين، يصبح الموضوع واحداً ويثبت التعارض ويستقر.

9. لم يذكر الشيخ الطوسي أخبار «من بلغ»، وورد سندان فقط في كتاب “المحاسن” وبنفس السندين في “الكافي”، وأورده الصدوق في “ثواب الأعمال” بسند آخر.

10. في النهاية، أشار في مجلس الدرس إلى الرجوع إلى التخيير في مقام العمل، وذلك بالتمسك بالمبنى التخييري الذي اختاره كبار مثل الكليني وبعض أساتذته في مقام التعارض، فقالوا بالتخيير. وهذه النظرية أيضاً كانت تعاني من إشكالات أُشير إليها.

Scroll to Top