مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأطيبين، وعجل الله في فرج مولانا صاحب الزمان.
نظرية حق الطاعة من النظريات الأصولية التي طرحها الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر بأسلوب بديع وغير مسبوق وببيان خاص، ثم استفاد منها في غضون عدة مباحث أصولية كإمكانية حجية الظن، وإمكان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، وقبح التجرّي.
لا ينبغي أن يُتصور أن هذا المفكر العظيم هو الفقيه الشيعي الوحيد الذي أنكر أصل البراءة العقلية خلافًا لسائر الفقهاء؛ فقد سبقه ولحقه فقهاء عظام أبطلوا المسلك المشهور. وبحسب بحث الكاتب، يمكن إحصاء ما يقرب من عشرة من فقهاء الشيعة الذين خطّأوا رأي المشهور، سواء ببيان إجمالي، أو تفصيلي، أو بتقرير خاص.
أما مسألة ما إذا كانت البراءة العقلية وقاعدة قبح العقاب بلا بيان مشهورة قبل المرحوم الوحيد البهبهاني أم لا، فهي مسألة تستدعي بحثًا ونقاشًا مستفيضًا. يصر الشهيد الصدر في دراسته لتاريخ البراءة العقلية على أن شهرة هذه القاعدة قد انعقدت بين المتأخرين فقط؛ أما بين الفقهاء المتقدمين حتى عصر الوحيد البهبهاني، فلا يوجد أي نص يدل على قبول هذه القاعدة، بل إن نصوصهم مشوشة ومضطربة، وكل منها قابل للحمل على معنى غير محل النزاع.
لقد سعى الشهيد الصدر لإثارة الشك في صحة رأي المشهور بين المتأخرين، فبدأ بإنكار أي أصل تاريخي لرأي المشهور من خلال دراسة تاريخ البراءة العقلية، ثم من خلال رد استدلالات المشهور وبيان بعدها، أوضح جيدًا أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليست من بديهيات العقل السليم كما يظن المشهور. ثم سعى بنفسه، بادعاء وجداني وغير برهاني لكون حكم العقل بالاحتياط، إلى تحديد حدوده وقيوده، ومهّد الطريق للاعتراف بمسلك حق الطاعة بتوضيح فضاء البحث. وحقًا، يجب الإقرار بأن مخالفة المسلك المشهور وتخطئة جم غفير من الفقهاء المتأخرين في إدراك حكم بديهي ووجداني، هو عمل شاق وعجيب، وهذا القدر من التدقيق لا يصدر إلا عن مفكر دقيق وعميق مثله.
يعتقد الكاتب أن الشهيد الصدر هو الأصولي الوحيد الذي أغلق، بطرحه لهذه المسألة بأسلوب خاص، جميع طرق ورود الإشكال على مسلك حق الطاعة.
في السنوات الأخيرة، أثيرت بين الحين والآخر شبهة حول مسلك حق الطاعة، تبعها رد. وقد توجت سلسلة هذه المباحث بمقالة بعنوان «مسلك حق الطاعة بين الرفض والقبول» بقلم الأستاذ المعظم آية الله الشيخ جعفر السبحاني في مجلة «پژوهشهای اصولی». يمكن تناول محتويات المقالة المذكورة في ثلاثة أقسام منفصلة. القسم الأول يتناول تحرير محل النزاع وكيفية الاستدلال على أصل البراءة العقلية. القسم الثاني يتناول نقد بعض أدلة المشهور. والقسم الثالث يشتمل على طرح إشكالات على مسلك حق الطاعة. هذه الإشكالات متناثرة في ثنايا المقالة، ونحن سنعرض هنا محتويات الأقسام الثلاثة بتعبير أوضح وأبعد عن المسامحة مع قليل من التوضيح، ثم في ذيل كل قسم، سنقوم بدراسة المحتويات المذكورة، بحوله ومدده.
القسم الأول: تحرير محل النزاع وكيفية الاستدلال على أصل البراءة العقلية
ذكر كاتب المقال في هذا القسم أن التمسك بالبراءة العقلية مشروط بثلاثة شروط: الأول، ألا يرد بيان من المولى في محل البحث، أي في موارد الشك في التكليف، لا بيانًا أوليًا بما هو هو، ولا بيانًا ثانويًا بما هو مشكوك الحكم؛ لأنه بوجود البيان بأحد المعنيين، يرتفع موضوع البراءة العقلية. الثاني، ألا يكون هناك احتمال لوجود غرض مولوي مهم في محل البحث، كما لو رأينا غريقًا واحتملنا أنه ابن المولى. في هذه الحالة، يحكم العقل بفعلية وتنجز التكليف المحتمل. الثالث، أن يكون المولى قادرًا على إيراد البيان بأحد المعنيين المذكورين، ولكنه مع ذلك يترك البيان ولا يُلزم العبد بالإيجاب أو الترك. في هذه الحالة، يستقل العقل في الحكم بعدم مسؤولية العبد ويقول: «لو كان للمولى غرض لازم الاستيفاء، لبيّنه حتمًا ولم يسكت».
إذا انتفى أحد الشروط الثلاثة المذكورة، أي ورد بيان من المولى، أو احتمل وجود غرض مولوي مطلوب للمولى، أو لم يكن المولى متمكنًا من البيان بحيث يعجز عن تقرير مقاصده ويمنع من التكلم، ففي هذه الحالات لا تجري البراءة العقلية، ولكن المفروض وجود الشروط الثلاثة. إذن، لا تتم الحجة على لزوم الاحتياط عقلاً، إن لم نقل إن الحجة تامة على البراءة العقلية.
إضافة إلى ذلك، يمكن الاستناد إلى السيرة العقلائية والأدلة النقلية كمؤيدات لحكم العقل بالبراءة.
المؤيد الأول: النظام الحاكم بين العقلاء هو جريان البراءة عند عدم البيان. وهذا الأمر لا يمكن أن يكون له منشأ سوى الفطرة والعقل السليم؛ لأننا نرى العقلاء يحكمون بذلك في كل مكان وزمان. والسعة والعمومية في كل حكم عقلائي دليل على فطرية ذلك الحكم؛ أي أن المصالح والأغراض العقلائية الخاصة لا دخل لها في هذا الحكم.
المؤيد الثاني: صرّح الله سبحانه في عدة آيات من القرآن بأن الهدف من إرسال الرسل هو قطع عذر العباد وإبطال حجتهم، وهذا يعني أنه لو لم يأتِ الأنبياء، لكان للناس حجة على الله في إجراء أصل البراءة بالنسبة للتكليف المشكوك. ومن تلك الآيات: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
تُظهر هذه الآية أن الله سبحانه يحتج على الناس فقط بسبب البيان الواصل، ولو لم يكن هناك بيان واصل، لاستطاع الناس أن يحتجوا على الله: لِمَ لَمْ ترسل نبيًا، ولِمَ أهملت مقاصدك وأغراضك؟
آية أخرى تدل على أن الله تعالى يحتج بحكم العقل فقط بسبب البيان الواصل، هي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.
وهنا أيضًا، يُظهر القرآن صراحةً أن احتجاج الله على الناس يكون بسبب البيان الواصل في التكليف، واحتجاج الناس على الله يكون بسبب عدم البيان الواصل، وقد أرسل الله تعالى الأنبياء ليغلق طريق احتجاج الناس عليه.
المؤيد الثالث: نوع آخر من آيات القرآن ينفي العقاب قبل البيان، بيانًا لشأن ومكانة الله المولوية. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾.
مفاد هذا النوع من الآيات، التي دخل فيها حرف النفي «ما» على الفعل الناقص «كان»، هو نفي الشأنية، أي أن العقاب قبل البيان قبيح وممتنع الوقوع بالنظر إلى صفة الحكمة والعدالة في الشارع.
بالنظر إلى هذه المؤيدات الثلاثة، يتضح أن ملاك احتجاج الله على العباد عند العقل هو البيان الواصل، لا البيان المشكوك.
دراسة القسم الأول
يظهر من كلام المستدل أن اشتراط الأمور الثلاثة هو لتحرير وتعيين محل النزاع بين المشهور والقائلين بمسلك حق الطاعة. إن تعابير المستدل في بيان الشرط الأول والثالث تُظهر أن محل النزاع هو صدور البيان وعدم صدوره، في حين أن محل النزاع هو وصول البيان وعدم وصوله. ولحسن الحظ، في نهاية هذا القسم من المقال، نرى التعبير الصحيح قد استُخدم.
أما في بيان الشرط الأول، فقد ذكروا أنه في إجراء أصل البراءة العقلي، يلزم ألا يرد بيان على التكليف بعنوان أولي أو ثانوي. ويبدو أن المقصود هو ألا يرد دليل محرز ظني أو قطعي على وجود التكليف، وكذلك ألا يرد أصل عملي منجز للتكليف. لأنهم يقولون: «الدليل المحرز يثبت التكليف لطبيعة الموضوع وبدون فرض الشك؛ ولكن الأصل العملي يثبت التكليف للموضوع بوصف كونه مشكوك الحكم الواقعي». هذا الكلام بالطبع يطابق مصطلح المشهور الذي يعتبر الدليل المحرز دالاً على الحكم الواقعي، والأصل العملي دالاً على الحكم الظاهري. ولكن الشهيد الصدر، بالإضافة إلى اهتمامه الكافي بمحورية وصول البيان وعدم وصوله كمحل للنزاع، قد تحدث بدقة أيضًا عن كون حكم العقل مطلقًا أو مشروطًا. فهو يقول إن العقل يحكم بلزوم الاحتياط بالنسبة لكل تكليف مشكوك، إلى أن يحصل القطع بعدم ذلك التكليف أو يقوم حكم ظاهري بعدم لزوم الاحتياط تجاه ذلك التكليف. بناءً على هذا، إذا وجدت أمارة أو أصل ترخيصي، فمع أن التكليف المشكوك لا يخرج عن كونه مشكوكًا، إلا أن دليل حجية تلك الأمارة أو الأصل يدل على رضا الشارع بترك الاحتياط بالنسبة للتكليف المشكوك. يمكن قول نظير هذا الكلام لصالح المشهور أيضًا. أي أننا نقول إن العقل يحكم بالبراءة بالنسبة لكل تكليف مشكوك، إلى أن يحصل القطع بوجود ذلك التكليف أو يقوم حكم ظاهري بلزوم الاحتياط تجاهه. فإذا وجدت أمارة أو أصل مثبت للتكليف، فمع أن التكليف المشكوك لا يخرج عن كونه مشكوكًا، إلا أن دليل حجية الأمارة أو الأصل يدل على اهتمام الشارع بالتكليف المشكوك بوصف كونه مشكوكًا.
في هذا البيان الذي قدمه الشهيد الصدر، تلاحظون أن الأمارة والأصل العملي يقعان في مرتبة واحدة ويدلان على الحكم الظاهري. أي حكم يثبت للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم الواقعي. وفي محل البحث، يجب استخدام هذا المصطلح؛ لأن المشهور قد أثبتوا الحجية للقطع بما هو قطع – أي بما هو كاشف تام – لا للجامع بين الانكشاف التام والناقص. ولازم كلامهم أنه حيث لا يوجد قطع بالتكليف، لا يوجد عقاب أيضًا؛ أي أن الحجية الذاتية للقطع وقاعدة قبح العقاب بلا بيان هما وجهان لحقيقة واحدة. حينئذ يجب أن نرى كيف يصحح دليل حجية الأمارة العقاب في فرض مخالفة الأمارة المثبتة للتكليف.
من هنا نشأت عدة مسالك في تفسير جعل الحجية للأمارات الظنية (مسلك الطريقية، مسلك جعل الحكم المماثل، ومسلك التنزيل). الغرض هو أن طرح البحث بشكل دقيق ومنطقي يقتضي أن نتحدث وفق المصطلح الثاني.
أما بالنسبة للشرط الثاني، فيجب إضافة أن الشرط الثاني بالتقرير الذي يظهر في كلام المستدل لا محصل له؛ فأولاً، ليس من المعلوم كيف يُكتشف كون الغرض المولوي مهمًا؟ وثانيًا، ما هو الحد الفاصل بين الأغراض المهمة وغير المهمة؟ يمكن القول إن جميع تكاليف الشارع مهمة، والغرض المولوي المهم يكمن وراء جميعها، بحيث يكون فرض الشك في التكليف مساويًا لفرض الشك في الغرض المولوي المهم في كل الحالات. إذن، بحكم العقل، يجب الاحتياط بالنسبة لكل تكليف مشكوك. وإذا كان مقصود المستدل أن أغراض المولى وراء التكاليف الشرعية متفاوتة، فبعضها مهم وبعضها غير مهم، حينئذ نسأل: كيف يُعرف هذا التفاوت؟ هل يحكم العقل باستقلال بأهمية غرض وعدم أهمية غرض آخر؟ أم أن الشارع ببيان خاص يُظهر اهتمامه ببعض التكاليف، بحيث لا يرضى بتركها حتى في فرض الشك؟ في الحالة الأولى، يجب القول إن العقل لا يفرق بين تكاليف المولى وبين أغراضه التي وراءها، ويعتبرها جميعًا مهمة من حيث انتسابها إلى المولى، وإن كان واضحًا لدى العقل أن بعض الملاكات قد تكون أقوى من بعضها الآخر؛ ولكن العقل لا يملك ميزانًا لوزن الملاكات وتحديد الأهم والمهم؛ والطريق الوحيد لمعرفة ذلك هو من خلال دراسة خطاب الشارع ووجود دليل إثباتي. وفي هذه الحالة، وهي الحالة الثانية للبحث، يجب القول إن وجود بيان شرعي وإظهار اهتمام خاص من المولى ببعض أغراضه، بحيث لا يرضى بتركها حتى في فرض الشك، يعني جعل حكم ظاهري ولزوم احتياط شرعي، ولا علاقة له بالأصل الأولي العقلي؛ سواء كان ذلك الأصل الأولي العقلي براءة أم احتياطًا. بناءً على هذا، الشرط الثاني ليس شرطًا مستقلاً ويعود إلى الشرط الأول.
إضافة إلى ما سبق، يمكن الاستفادة من تعبير المستدل في بيان الشرط الثاني والقول: إنه قد أعاد صياغة نظرية حق الطاعة نفسها. لأنه قال: «إن التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأمور… الثاني: عدم احتمال وجود غرض مهم للمولى في المورد بخصوصه على نحو لا يرضى بتركه حتى في صورة الظن والشك».
ولو دققنا في العبارة، لوجدنا أن مجرد «عدم احتمال وجود غرض مهم» قد جُعل شرطًا ثانيًا، لا «العلم بعدم وجود غرض مهم» أو «إحراز عدم وجود غرض مهم». وهذا التعبير كافٍ لنقول إن المستدل في المعنى موافق للقائلين بمسلك حق الطاعة، وقد آمن به بشكل ارتكازي. لأن القائلين بمسلك حق الطاعة لا يقولون أكثر من أنه حيثما وجد احتمال غرض مولوي مهم، يجب الاحتياط. الخلاف الوحيد في هذا الجانب هو أن الشهيد الصدر يقول: «هذا الاحتمال موجود بالنسبة لجميع التكاليف المشكوكة». والمستدل يقول: «هذا الاحتمال غير موجود». نحن نوافق المستدل في هذه الكبرى الكلية، ونصرف النظر عن المناقشة في البحث الصغروي.
أما بالنسبة للشرط الثالث، الذي ذكروا فيه أنه: «مع فرض التمكن من إيراد البيان، إذا لم يأتِ المولى ببيان على التكليف، حكم العقل بالبراءة»، يطرح هذا السؤال: هل تفترضون محل البحث فرض عدم صدور البيان أم فرض عدم وصول البيان؟ في الحالة الأولى، من المناسب أن نجعل التمكن من صدور البيان شرطًا، لأن جهة النزاع تعود إلى البحث القديم «أصله الخطر أو الإباحة»، وفي تلك الحالة يجب على القائلين بأصالة الإباحة أن يقولوا إنه إذا كان المولى متمكنًا من صدور البيان، ولم يكن ممنوعًا من أصل التشريع والتكليف بسبب نكتة – شبيهة بنكتة استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم – ومع ذلك لم يشرّع شيئًا ولم يأتِ بتكليف، يمكن للمكلف بمجرد الشك في التكليف أن يبني على الإباحة وعدم الإلزام بالفعل أو الترك. إذن، بالنسبة للشرط الثالث، نقبل أصل الاشتراط، ولكن الإشكال مبنائي، لأننا قلنا إن محل البحث ليس فرض عدم صدور البيان.
وفي الحالة الثانية، حيث تفترضون محل البحث فرض عدم وصول البيان، لا يبقى مجال لهذا الشرط؛ لأنه عندما ندخل في بحث الوصول أو عدم الوصول، نكون قد فرغنا من أصل تمكن المولى ومن أصل صدور البيان، ونتردد فقط في هذا الجانب: هل كان ذلك البيان الصادر بيانًا بالإلزام أم بيانًا بالترخيص؟ في هذه الحالة، يقول الشهيد الصدر: «يجب الاحتياط». خلاصة القول، بالنسبة للشرط الثالث، إما أن يرد عليه ذلك الإشكال المبنائي، وإما هذا الإشكال البنائي.
في النهاية، بعد بيان اشتراط الأمور الثلاثة، لم يُدعَ إلا عدم تمامية الحجة على الاحتياط وتمامية الحجة على البراءة، وهذا لا يخرج عن كونه تكرارًا لادعاء المشهور.
دراسة المؤيدات
أما في الرد على المؤيدات الثلاثة، فيجب القول إن المؤيد الأول ليس سوى استقرار سيرة العقلاء في الأعصار والأمصار على جريان البراءة العقلية في دائرة المولويات العرفية، ويمكن اعتبار سعة وعمومية هذه السيرة شاهدًا على عقلائية قاعدة قبح العقاب بلا بيان في دائرة المولويات العرفية؛ ولكن ادعاء تسري هذه السيرة إلى الشرعيات أو ادعاء انعقاد السيرة في دائرة أوسع من المولويات العرفية لا شاهد له، بل هو منكر بحكم الوجدان.
أما المؤيد الثاني، فكان بعض آيات القرآن الكريم التي أناطت إتمام الحجة وصحة العقوبة بإرسال الرسل، وقد اعتبر المستدل «الرسول» كناية عن البيان الواصل وطبّق الآية على محل البحث. بينما يمكن القول إن «الرسول» كناية عن البيان الصادر، وعلى الأقل، من يعتبر ترك إرسال الرسل دليلاً على إهمال أغراض الشارع ومقاصده، يجب عليه أن يعتبر «الرسول» كناية عن البيان الصادر؛ لأنه من الواضح أن عدم وصول البيان لا يضر بأصل وجود الشريعة وإظهار أهداف الشارع ومقاصده، أي أن عدم وصول البيان ليس دليلاً على إهمال أغراض الشارع ومقاصده.
بناءً على هذا، يمكن لمفاد هذا النوع من الآيات أن يكون مؤيدًا لرأي القائلين بأصالة الإباحة في النزاع القديم «أصالة الخطر والإباحة»، الذي يتعلق بفرض عدم ورود الشرع، وفي الواقع، تشير هذه الآيات إلى عدم صحة العقوبة في فرض عدم ورود الشرع، وهو خارج عن محل بحثنا. وإذا أصررتم على أن «الرسول» كناية عن البيان الواصل، فيمكن في هذه الحالة اعتبار الآية الشريفة ناظرة إلى البراءة الشرعية؛ لأن الناس في حالة عدم وصول الدليل على التكليف يمكنهم التمسك بأصل البراءة الشرعية الذي كشفوه بطريقة ما، والاحتجاج به على المولى.
الاحتمال الثالث في مفاد الآية الشريفة هو أنه لما كان الناس يوجبون اللطف على الله تعالى، فإنهم يحتجون عليه يوم القيامة: لِمَ لَمْ تؤكد حكم العقل بالاحتياط بإرسال الرسل، أي بإيصال البيان بالتكليف؟ بناءً على هذا، مع أن العقل يحكم بالاحتياط تجاه التكليف المشكوك، ويعتبر مخالفة هذا الحكم موجبة لاستحقاق العقوبة، إلا أنه في الوقت نفسه ينفي فعلية العقاب؛ لأن العقل يعلم أن فعلية العقاب لا تصح إلا في حالة وجود بيان شرعي.
عدم فعلية العقاب قد ينشأ من عدم الاستحقاق، وقد ينشأ من العفو الإلهي، ولكن فعلية العقاب حتمًا تكون بعد وصول الدليل الشرعي على التكليف لدى المكلف، أي بعد إرسال الرسول. هذا الاحتمال لا يختلف عن الاحتمال الثاني إلا في هذه الجهة، وهي أنه في الاحتمال الثاني لا يوجد أي نظر إلى حكم العقل بالبراءة أو الاحتياط، ولكن في الاحتمال الثالث نفترض أن حكم العقل بالاحتياط صحيح، ومع ذلك يمكن للناس قبل إرسال الرسل، أي قبل وصول البيان، أن يحتجوا على الله على مخالفتهم للتكليف المشكوك وعدم لزوم الاحتياط، وينفوا بحكم العقل فعلية العقاب، لا استحقاقه.
الاحتمال الرابع هو أن نقول إنه قبل إرسال الرسل، لا حجة لله على الناس، ولا يمكنه مؤاخذتهم على ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك؛ لأنه هنا يُتصور أن الناس كمجموعة يوجد بينهم جاهل قاصر أيضًا. فإذا أراد الله أن يتم الحجة على الجميع، حتى على أولئك الذين أخطأوا ويقنوا بالبراءة، يجب عليه أن يرسل رسولاً، أي أن يوصل بيانًا بلزوم الاحتياط إلى المكلف.
أما المؤيد الثالث، فكان بعض آيات القرآن الكريم الأخرى التي اعتبرت العذاب الإلهي قبل وصول البيان بعيدًا عن شأن الله تعالى، وقيل بالنظر إلى الصفات الإلهية إن العذاب قبل وصول البيان، وإن كان ممكنًا ذاتًا، فهو ممتنع وقوعًا. هنا أيضًا، اعتبر المستدل «الرسول» كناية عن البيان الواصل. في حين أن «الرسول» كناية عن صدور البيان وينظر إلى أصل التشريع. بناءً على هذا، مفاد الآيات المذكورة هو أنه قبل ورود الشرع، لا مسؤولية على المكلف تجاه تضييع بعض الأغراض الواقعية ومخالفة بعض التكاليف الواقعية التي لم تصل بعد إلى مرحلة الصدور. وعدم المسؤولية هذا من جانب العبد، وعدم العقاب من جانب المولى، ناشئ من امتناع العقاب قبل صدور البيان، والمراد بالطبع عدم استحقاق العقاب، لا عدم الإمكان الذاتي والتكويني؛ لأن الله يستطيع أن يعاقب المكلف على ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك قبل صدور البيان؛ ولكن لما كان العقل يقبّح العقاب في مثل هذه الموارد، فإن وقوعه يُعتبر بعيدًا عن الشأن الإلهي. وإذا أصررتم على أن «الرسول» كناية عن البيان الواصل، فإن الآيات المذكورة تقع في عداد أدلة البراءة الشرعية.
حينئذ يجب القول إن الله، ببيانه لشأنه ومنزلته التشريعية، بصدد تأسيس أصل البراءة الشرعية بنفس هذا التعبير، لا أنه ينفي شأنية ناشئة من القبح العقلي للعقاب قبل البيان الواصل، بل القضية عكس ذلك تمامًا، أي أن نفي الشأنية مبني على إمكان وصحة العقاب العقلي قبل البيان الواصل، والله بهذا التعبير يخبر عن حصول التخفيف المولوي والامتنان على العباد. إضافة إلى هذا، فإن الخطاب في الآية الشريفة موجه إلى الكفار المتحججين، الذين أشير إليهم في الآية السابقة: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
إذن، يمكن القول: إن الهدف من إرسال الرسل لم يكن إتمام الحجة عليهم، بل إكمال الحجة عليهم، بحيث يمكن فرض أن الحجة كانت تامة عليهم قبل إرسال الرسل؛ ولكن الله أراد أن يؤكد ويكمل وجود الحجة بإرسال الرسل. على أي حال، يجب القول إن التمسك بالآيات المذكورة على صحة أصل البراءة العقلي يواجه إشكالات عديدة، ولعل هذا هو السبب في أنها عُدّت في كلام المستدل مؤيدات، لا أدلة.
القسم الثاني: نقد بعض أدلة القول المشهور
القول الأول
ذكر المحقق النائيني في توجيه أصل البراءة العقلي أن التكليف الواقعي بوجوده الواقعي لا يدفع المكلف إلى الحركة؛ بل بوجوده العلمي. بناءً على هذا، الوجود الواقعي ليس بيانًا كافيًا في صحة المؤاخذة واستحقاق العقوبة، ووجوده وعدمه سيان، وفقط في حالة وصول التكليف يمكن تصحيح المؤاخذة والعقوبة.
نقد الدليل المذكور: في مقام نقد هذا الكلام، ذكروا أن لا الوجود الواقعي للتكليف ولا الوجود العلمي له يسببان تحريك العبد نحو امتثال التكليف؛ بل وصول التكليف هو وحده الذي يصحح موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة. وما يحرك العبد نحو امتثال التكليف هو الخوف من العقاب والطمع في الثواب. إذن، يجب اعتبار وصول التكليف سببًا مجازيًا للتحريك، باعتبار أن وصول التكليف هو وحده الذي يصحح موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة.
دراسة النقد المذكور: نحن نقول إن الكلام عن صحة المؤاخذة يأتي في مرحلتين متأخرتين عن تمامية موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة. لأنه بعد ثبوت حق الطاعة بحكم العقل – سواء في دائرة التكاليف المعلومة كما يقول المشهور، أو في دائرة مطلق التكاليف المنكشفة أعم من الظنية والاحتمالية كما يقول الشهيد الصدر – إما أن يُراعى هذا الحق، وإما أن يُضيّع، وفي المرحلة الثالثة نقول: مراعاة الحق والعمل الصالح يوجب استحقاق المثوبة، وتضييع الحق والظلم يوجب استحقاق العقوبة، سواء كان ترتب الثواب والعقاب على الأعمال من باب التجسّم، أو من باب وعد المولى، أو من باب آخر. بناءً على هذا، من يلاحظ الخوف من العقاب والطمع في الثواب كعامل محرك للعبد نحو امتثال التكليف، يجب عليه أن يكون قد قبل بوجود حق الطاعة في المرحلة السابقة، لأنه من الواضح أن هذا الخوف والطمع ليسا بلا سبب. وإذا ثبت حق الطاعة، فإن العقل مستقل في لزوم مراعاة حق المولى وقبح مخالفته. بالطبع، وعد المولى ووعيده مؤثران في تأكيد المحركية، ونحن لا ننكر ذلك؛ ولكن ليس الأمر بحيث يُظن أنه بدون وجود الوعد والوعيد، لن توجد أي محركية وأي تنجيز. لأن مجرد أن يلوم العبد نفسه على ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك، كافٍ في توفير قابلية التحريك وكافٍ في التنجز العقلي للتكليف المشكوك عليه، سواء كان هناك ثواب وعقاب أم لا. نعم، نحن نقبل بأن ترتب الثواب على فعل الاحتياط وترتب العقاب على ترك الاحتياط، يشدد من التنجيز العقلي. إذن، على الميرزا النائيني، من الجهة التي ذكرها المستدل، لا يرد إشكال، بل في هذا النزاع، المهم هو تحديد دائرة موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة، هل هو ثابت في خصوص التكاليف المعلومة أم في مجال أوسع؟ الإشكال على الميرزا النائيني هو أنه اعتبر الوصول القطعي وحده وصولاً، وهذا يعني أخذ المدعى في الدليل ومصادرة على المطلوب، في حين يمكن اعتبار الوصول الاحتمالي للتكليف وصولاً أيضًا، والشهيد الصدر يقول: «نحن بحكم العقل العملي، نرى وجود حق الطاعة حتى في موارد الوصول الاحتمالي للتكليف».
القول الثاني
ذكر المحقق الأصفهاني أن الطاعة والعصيان يدوران مدار الحكم الحقيقي، والحكم الحقيقي متقوم بوصول التكليف؛ لأنه من غير المعقول أن يخلق مجرد الإنشاء الواقعي للحكم دافعًا لدى المكلف لامتثال التكليف. فإذا لم يصل حكم إلى المكلف، يمكننا القول إن ذلك الحكم ليس له وجود حقيقي، وإذا لم يكن له وجود حقيقي، فلا تصدق مخالفة التكليف أبدًا، وبالتالي لن يثبت العقاب. بناءً على هذا، العقاب يكون فقط على مخالفة التكليف الحقيقي المتقوم بالوصول.
نقد الدليل المذكور: في مقام نقد هذا الكلام، ذكروا أنه أولاً، لا ينبغي إخراج الحكم الإنشائي من كونه حكمًا، والشاهد على ذلك تقسيم الحكم إلى إنشائي وفعلي، وهذا التقسيم ليس مجازيًا من قبيل تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره. ثانيًا، الحكم الحقيقي أعم من الحكم الواصل. ومورد الافتراق من جانب الأعم هو حيث يكون هناك حكم حقيقي ولكنه لم يتنجز بسبب عدم الوصول. فإذا كان وجوب الإطاعة دائرًا مدار وجود الحكم الحقيقي، فيجب الاحتياط بالنسبة للتكليف المشكوك، بينما نرى أنه موضع للبراءة.
دراسة النقد المذكور: نحن نعلم أن مشهور الأصوليين، ومنهم الناقد المذكور، يقولون إن الأصل الأولي بالنسبة لكل تكليف مشكوك هو البراءة. المحقق الأصفهاني في مقام توجيه كلام المشهور يقول: «التكليف المشكوك هو تكليف غير حقيقي». ولكن الناقد يعتقد أن التكليف المشكوك هو تكليف حقيقي وغير منجز. المهم أن كليهما يقولان بالبراءة تجاه شيء واحد. المحقق الأصفهاني يعتبر الحكم الحقيقي، الذي جُعل بداعي إيجاد التحريك في المكلف ويقع في مقابل الحكم الإنشائي، متقومًا بالوصول، ومراده من الوصول هو الوصول القطعي فقط. وهذا يعني أنه إذا لم يصل تكليف واقعي بشكل قطعي إلى المكلف، فإن العبد لا يجد دافعًا لامتثاله، ولأن الحكم الحقيقي جُعل بداعي إيجاد التحريك في المكلف، فإذا لم يتمكن من إيجاد التحريك، يجب القول: إنه لم يوجد واقعًا أصلاً. وبهذا تثبت براءة ذمة المكلف وعدم صحة العقاب. لا ينبغي توقع أن يقول المحقق الأصفهاني بنوع من الحكم الحقيقي غير المنجز، بل هو يخرج الحكم غير المنجز من كونه حقيقيًا ويدخله في دائرة الحكم الإنشائي، ولا ينبغي تصور أن المحقق الأصفهاني بهذا البيان يخرج الحكم الإنشائي من كونه حكمًا بالمعنى الذي في أذهاننا، لأنه يتحدث إلينا باصطلاحه الخاص، وعندما يضع الحكم الإنشائي في مقابل الحكم الحقيقي، فمعناه أن الحكم الإنشائي قد وصل إلى مرحلة الإنشاء فقط ولا يوجد فيه داعي البعث والتحريك، وهذا لا ينافي أن يُطلق عليه، باصطلاح الناقد، حكم حقيقي في هذه المرحلة أيضًا.
الجواب الذي قدمه الشهيد الصدر على كلام المحقق الأصفهاني هو أنه أولاً: هذا الكلام متوقف على ادعاء ضيق دائرة حق الطاعة، فهو إذن مصادرة. أما على مبنى سعة دائرة حق الطاعة، فيمكن اعتبار إنشاء الحكم محركًا في حالة الوصول الاحتمالي. وثانيًا: في حالة عدم الوصول القطعي، إذا لم يكن الحكم الحقيقي موجودًا، أي لم يكن داعي البعث والتحريك موجودًا وكان هناك فقط إنشاء واقعي، فهل مبادئ الحكم، أي المصلحة أو المفسدة، وبالتالي الإرادة أو الكراهة المولوية، موجودة أم لا؟ إذا كانت موجودة، فهذا كافٍ في صحة نظرية حق الطاعة؛ سواء سُمي حكمًا اصطلاحًا أم لا. لأنه إذا علم المكلف أو ظن أو شك بوجود مبادئ الحكم، فإن هذا الانكشاف الناقص بالنسبة لمبادئ التكليف كافٍ في وجوب الاحتياط عقلاً. سواء سميناه حكمًا حقيقيًا اصطلاحًا أم لا.
القول الثالث
تصور البعض أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان أمر عقلائي أمضاه الشارع، وليس لها أساس عقلي في الأصل.
نقد الدليل المذكور: في مقام نقد هذا الدليل، ذكروا أنه في هذه الحالة، تصبح قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة شرعية وليست عقلية، في حين أن التأمل في هذا الدليل يجعلنا نعتقد بالبراءة العقلية.
دراسة النقد المذكور: أساسًا، لا ينبغي إدراج القائل بهذا الدليل في عداد المعتقدين بالبراءة العقلية، بل هذا الكلام يتناسب مع مسلك منكري البراءة العقلية. ومن هؤلاء المنكرين آية الله مكارم الشيرازي، وخلاصة كلامه في هذا الباب هو أنه: في حالة الشك وفي حالة عدم وجود البيان، وهو محل النزاع، يحكم العقل بوجوب الاحتياط ووجوب الإطاعة وقبح المعصية، وهذا على خلاف رأي المشهور في باب قبح العقاب بلا بيان. من هنا، قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليست قاعدة عقلية؛ ولكنها بالطبع قاعدة عقلائية أمضاها الشارع. ولو لم يكن هذا البناء العقلائي وإمضاء الشارع له موجودًا، لما كان هناك أي قبح عقلي في العقاب. في الواقع، لقد حدث خلط بين الأحكام العقلية المبنية على مسألة الحسن والقبح، والأحكام العقلائية الناشئة من التشريعات والقوانين العقلائية. في حين أن الفرق بين هذين الأمرين واضح، كما أن آثارهما مختلفة أيضًا.
القسم الثالث: طرح الإشكالات على مسلك حق الطاعة
الإشكال الأول
قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» العقلية هي من المستقلات العقلية. ولكن التقبيح العقلي في هذه القاعدة ليس بسبب تحقق الظلم، فقد يحسّن العقل أمورًا أو يقبّحها دون أن يصدق عليها عنوان الظلم أو العدل. مثلاً، مقابلة الإحسان بالإحسان حسنة في نظر العقل، ومقابلة الإحسان بالإساءة قبيحة في نظر العقل، ولكن لا الحسن ولا القبح يعودان إلى حسن العدل وقبح الظلم، وفي محل البحث، العقل مستقل في إدراك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، سواء عاد قبح العقاب هنا إلى قبح الظلم أم لم يعد.
دراسة الإشكال الأول: مع أن هذا الكلام ليس بصيغة إشكال على مسلك حق الطاعة، بل هو في مقام توجيه رأي المشهور، ولكن يبدو أن المستدل يريد من خلاله تقويض أسس مسلك حق الطاعة، لأن هذا المسلك يجعل وجوب الاحتياط العقلي في مقابل التكليف المشكوك مناطًا بوجود حق المولى ولزوم رعاية هذا الحق. وفي المقابل، لإبطال مسلك المشهور، يقول: إن مؤاخذة العبد بسبب ترك الاحتياط في مقابل التكليف المشكوك ليست فقط لا قبح فيها، بل هي عين العدل؛ لأن حق المولى كان ثابتًا والعبد لم يراعه. الآن، إذا قلنا إن الحسن والقبح العقليين على الأقل هنا يمكن أن يعودا إلى العدل والظلم، وبالتالي إلى الحق والباطل، فإنه يُغلق طريق إبطال رأي المشهور وإثبات رأي الشهيد الصدر، وفي نفس الوقت لا يبقى طريق لإثبات رأي المشهور وإبطال رأي الشهيد الصدر؛ لأن الشهيد الصدر أيضًا يمكنه أن يسير على نفس المنوال الذي سار عليه المستدل، ويدعي أن قبح مخالفة التكليف المشكوك ثابت، وإن لم يكن قبح المخالفة راجعًا إلى قبح الظلم.
خلاصة القول إننا نقول: على فرض قبول المبنى المذكور، لا يرد إشكال على الشهيد الصدر؛ لأنه يتحدث بناءً على مبناه الخاص، ويعتبر الحسن والقبح أمرين ذاتيين يجدان حقيقتهما في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود.
الإشكال الثاني
حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة التمرد يكون في الموضع الذي يصل فيه بيان على التكليف، أما إذا كان وجود التكليف لدى المكلف مظنونًا أو محتملاً، فإن العقل يحكم بحسن الاحتياط فقط. إذن، يجب اعتبار موضوع وجوب الطاعة هو التكليف الواصل، وموضوع حسن الاحتياط هو التكليف المشكوك.
دراسة الإشكال الثاني: نظير هذا الكلام صدر أيضًا من الوحيد البهبهاني. من وجهة نظر الشهيد الصدر، للوصول مراتب، والوصول الاحتمالي هو نوع من الوصول. إذا كان مراد المستدل أن الوصول القطعي للتكليف هو موضوع وجوب الإطاعة، وأما الوصول الاحتمالي فهو موضوع حسن الاحتياط، بحيث لا يكون المكلف ملزمًا بالاحتياط، فهذا هو أول النزاع. يقول الشهيد الصدر: وجوب الإطاعة ثابت في جميع موارد انكشاف التكليف، سواء كانت موارد انكشاف قطعي أو موارد انكشاف ظني أو احتمالي، إلا أن الإطاعة في المورد الأول تكون بإتيان التكليف المقطوع به، وفي المورد الثاني برعاية الاحتياط وإتيان التكليف المظنون أو المحتمل. إذن، الاحتياط نفسه نوع من الإطاعة، ولزوم الاحتياط يعني لزوم الإطاعة. الآن، إذا قيل إن العقل بالنسبة للتكليف المشكوك، يحسّن الاحتياط، فهذا الحسن العقلي كافٍ في لزوم الاحتياط. لأن الحسن العقلي يكون بملاحظة إدراك حق المولى، وما لم يخفف الشارع نفسه، فإن العقل حاكم بلزوم الاحتياط. وإذا أدرك العقل أن العبد بسبب ترك الاحتياط يستحق العقوبة، فمعناه أنه لا يثبت أي حق طاعة لله بالنسبة للتكليف المشكوك. حينئذ يُسأل: فلماذا يحكم العقل بحسن الاحتياط مع ذلك؟
حل هذا الإشكال هو أن الكلام عن حسن الاحتياط العقلي في حد عدم الإلزام، قابل للطرح بعد ثبوت البراءة الشرعية. أي أن العقل يقول: مع أن الشارع قد تنازل عن حقه، ولكن إذا أوقع العبد نفسه في المشقة بسبب وجود حق المولى وسعى لتحصيل الملاكات الواقعية، فإنه بالطبع يوجب التقرب والثواب. أما قبل استكشاف البراءة الشرعية أو بصرف النظر عن البراءة الشرعية، فإن حكم العقل بحسن الاحتياط يكون في حد الإلزام، وهو عين حكم العقل بضرورة الاحتياط.
الإشكال الثالث
قال الشهيد الصدر: «كما أن أصل حق الطاعة من المدركات الأولية للعقل العملي وأمر غير برهاني، فإن سعة وضيق دائرة حق الطاعة أيضًا أولي وبديهي وغير برهاني». في حالة ما إذا كان مرادهم برهانًا فلسفيًا يفترض فيه أن نقيض المطلوب يوجب اجتماع أو ارتفاع النقيضين، فبالطبع لا يوجد برهان لمسلك حق الطاعة، لأن هذا النوع من البرهان يختص بمسائل الحكمة النظرية، لا الحكمة العملية، والمسألة محل النزاع من مسائل الحكمة العملية. ولكن بالطبع، عدم وجود البرهان لا يعني أن حكم العقل العملي بالبراءة أو الاحتياط يبقى مشكوكًا، بل بنظرنا، العقل العملي مستقل في الحكم بالبراءة. وإذا كان مرادهم من كون مسلك حق الطاعة غير برهاني هو أن العقل لا يجد دليلاً على ثبوت أو عدم ثبوت حق المولى بالنسبة للتكليف المشكوك، وفي النهاية يحكم بالتوقف الذي نتيجته الاحتياط، فيجب القول إن توقف العقل هنا لا معنى له. لأن العقل لنفسه في مثل هذه الموضوعات يعتبر له حق القضاء.
دراسة الإشكال الثالث: في نظر الشهيد الصدر، حكم العقل بالاحتياط مبتنٍ على ثبوت حق الطاعة، وثبوت أو عدم ثبوت حق الطاعة هو نقطة النهاية في البحث. بناءً على هذا، المراد من كون مسلك حق الطاعة غير برهاني واستدلالي هو أن حكم العقل العملي هنا ليس مستنتجًا من مقدمات سابقة لننقل البحث والنزاع إلى تلك المقدمات. بهذا المعنى، مسائل الحكمة النظرية ومسائل الحكمة العملية كلاهما قد يكون برهانيًا وقد يكون غير برهاني. إضافة إلى ذلك، إذا لم يضر إثبات كون المسألة غير برهانية بأي وجه يقول به المستدل بقطعية المسألة، فلا يرد إشكال على الشهيد الصدر أيضًا، لأنه هو أيضًا يعتبر المسألة غير برهانية وفي نفس الوقت قطعية. ومن هنا يتضح أن عدم كونها برهانية بمعنى تردد صحة القضية لدى العقل، ليس هو ما يقصده الشهيد الصدر.
الإشكال الرابع
إذا افترضنا أن كشف حكم العقل بالاحتياط يتطلب دقة بالغة، فبما أن هذا الحكم العقلي يبقى خفيًا على معظم الناس، ويعيشون حياتهم غافلين عن حكم العقل على أساس قبح العقاب بلا بيان، فلا يليق بالشارع المقدس أن يعتمد على هذا الحكم الخفي.
دراسة الإشكال الرابع: إذا كان مقصود المستدل عدم لياقة الاعتماد في مقام الجزاء، فإن الإشكال المذكور يعود إلى أن معظم الناس قاصرون في فهم أصل الاحتياط العقلي والإقرار بصحته. وبالطبع، يمكن للقائلين بمسلك حق الطاعة أن يقولوا: إن قصور المكلف وعدم صحة مؤاخذة العبد في حالة القصور، لا علاقة له بأصل ثبوت القاعدة وصحتها. إذن، يمكن بإيراد منبهات وجدانية إظهار حكم العقل للناس، وكم من أحكام بديهية عقلية تخفى أحيانًا على الناس بل وتكون مورد إنكار. إن لم نقل إن هذا عدم الإيمان والإنكار من باب الاشتباه في التطبيق، كما أن الكثيرين في محل البحث قد أخطأوا في البراءة العقلية مع البراءة الشرعية المستكشفة بسبب العقل.
الإشكال الخامس
المشهور وضعوا مولوية المولى وحق الطاعة في حدود التكاليف المقطوعة الثبوت؛ ولكن الشهيد الصدر وضعها في حدود التكاليف غير المقطوعة العدم. الآن يجب القول إن المشهور قائلون بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وينجزون فقط التكليف المعلوم على المكلف عقلاً. وهذا ليس من باب أنهم يميزون في ثبوت الحق بين التكاليف المقطوعة والتكاليف المشكوكة، لأن حق الطاعة أمر واقعي وله جذور في خالقية الله تعالى ومنعميته، وهو مقبول حتى بالنسبة للتكاليف المشكوكة، بل هو من باب أن المشهور ينيطون التنجز العقلي للتكليف بحصول العلم بالتكليف، بحيث لو لم يكن هناك علم، فإن المكلف الجاهل القاصر يُحسب معذورًا في ترك الاحتياط. إذن، مع وجود المقتضي، أي حق الطاعة، فإن المانع، أي الجهل والقصور، مفقود.
دراسة الإشكال الخامس: هذا الإشكال يعود إلى أن حق المولى ثابت، والمكلف أيضًا يعلم بوجوده، ولكن بما أنه لا يعلم بالتكليف، فهو معذور في ترك الاحتياط؛ في حين أن القائلين بمسلك حق الطاعة يقولون: «تنجز التكليف دائر مدار ثبوت قطعي للتكليف، بل دائر مدار ثبوت حق المولى». وكأن المستدل قد صاغ أصل ادعاء المشهور كإشكال على مسلك حق الطاعة. في هذه الحالة، يمكن للقائلين بمسلك حق الطاعة أن يقولوا في المقابل: «في نظر العقل، كل من التكاليف المقطوعة والتكاليف المشكوكة منجز، والعبد غير معذور في ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك؛ لأن في نظر العقل، أي نوع من انكشاف التكليف هو علة تامة لثبوت حق الطاعة، إلا أن يسقط الشارع حق نفسه ويرخص في ترك الاحتياط». خلاصة القول، في نظرنا، اعترف المستدل بأمرين متضادين، أحدهما وجود حق الطاعة، والآخر عدم تنجز التكليف، والجمع بين هذين الأمرين محال أساسًا.
الإشكال السادس
إذا كان حق الطاعة غير قابل للتبعيض، فيجب أن يكون ثابتًا أيضًا في موارد القطع بعدم التكليف. شرح المطلب هو أن المشهور يقولون: فقط التكليف الواصل بوصول قطعي هو المنجز. والشهيد الصدر يشكل على المشهور بأن هذا التبعيض في التنجيز يستلزم تبعيضًا في المولوية. أي يستلزم أن نقول: فقط في حدود التكاليف المقطوعة الثبوت، يثبت حق الطاعة والمولوية، وفي غيرها لا يثبت. في حين أن الشهيد الصدر نفسه قد وقع في فخ هذا الإشكال؛ لأنه صرح بأن التكليف المقطوع العدم ليس منجزًا، وهذا يعني أن مولوية المولى وحق الطاعة في التكاليف الواقعية التي نقطع بعدمها، ليسا ثابتين.
دراسة الإشكال السادس: المكلف تجاه التكليف الواقعي يمكن أن يكون له ثلاث حالات: القطع بوجود التكليف، القطع بعدم التكليف، والشك في التكليف. في الحالتين الأولى والثانية، الكلام عن المنجزية والمعذرية القطعية، وفي الحالة الثالثة، كلام الشهيد الصدر عن منجزية الشك، وكلام المشهور عن عدم منجزية الشك، وبتعبير آخر، كلامهم عن معذرية الشك، ونقطة الخلاف هي هنا. أما في الحالة الثانية، فبنظر الجميع، حق الطاعة ليس ثابتًا، وإلا فإن معناه سلب المعذرية عن القطع الطريقي، وهو محال. وفي نظر الشهيد الصدر، المولوية شيء منفصل عن حق الطاعة؛ ولكن يبدو أن في نظر المستدل، المولوية أوسع من حق الطاعة. أي بالنسبة للتكاليف الواقعية التي يقطع المكلف بعدمها، المولوية ثابتة ولكن حق الطاعة ليس ثابتًا. إذن، يبدو أن المستدل يريد أن يجعل تفكيك المولوية عن حق الطاعة إشكالاً على الشهيد الصدر الذي يقول بعدم التفكيك بينهما. وهذا الإشكال المبنائي سنناقشه أدناه بشكل مستقل.
الإشكال السابع
ما علاقة المولوية الذاتية غير المجعولة في الله تعالى بمسألة تنجز التكليف المشكوك؟ قد تكون مولوية الله واسعة، ولكن حق الطاعة لا يتسع بنفس القدر. لأن سعة مولوية الله بملاك سعة ملاك المولوية وهو خالقيته، والعباد في أي حالة كانوا يصدق عليهم أنهم خلق الله، فمولوية الله إذن صادقة في كل حالة؛ حتى في حالة الشك في التكليف، ولكن بالطبع، حق الطاعة ليس صادقًا في حالة الشك.
دراسة الإشكال السابع: لا شك في أن محل البحث هو المولوية التشريعية، لا المولوية التكوينية. الكلام هو من أين نشأت هذه المولوية التشريعية. يقول الشهيد الصدر: «المولوية التشريعية ناشئة من المولوية التكوينية». أي إذا لزمت طاعة الشارع المقدس، فذلك لأنه هو الخالق المنعم لنا؛ ولكن لا يلزم أن تكون المولوية التشريعية واسعة حيثما اتسعت المولوية التكوينية، وإلا يجب أن نعتبر دائرة التكوين والتشريع متساوية ومنطبقة، وهو ضروري البطلان. الآن وقد ثبت أن دائرة التشريع أضيق من دائرة التكوين، يجب أن نسأل: هل المولوية التشريعية ثابتة بالنسبة للتكاليف المشكوكة أم لا؟ يقول الشهيد الصدر: «ثابتة بحكم الوجدان»، ويقول المشهور: «ليست ثابتة». هنا لا يمكن الإشكال على الشهيد الصدر بأن ثبوت المولوية ما علاقته بتنجز التكليف؟ لأنه لا يقول بثبوت المولوية التكوينية العامة، بل بثبوت المولوية التشريعية الخاصة التي هي عين حق الطاعة وموجبة لتنجز التكليف المشكوك. وإذا قيل: ما علاقة المولوية التشريعية الذاتية بحق الطاعة؟ ولماذا تقتضي المولوية التشريعية الذاتية سعة حق الطاعة؟ فالجواب هو أنه إذا كانت مولوية الله تعالى ذاتية وغير مجعولة، وأدرك العقل ذلك، فلتعيين حدود هذه المولوية الذاتية يجب الرجوع إلى حكم العقل أيضًا. أي نفس العقل الذي أدرك أصل المولوية الذاتية، يدرك حدودها أيضًا. إذن، لا ينبغي تصور أن الشهيد الصدر يستدل بكون المولوية التشريعية ذاتية على سعتها؛ بل هو يعتبر سعة مولوية الله تعالى التشريعية تبعًا لأصلها من مدركات العقل العملي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش
1. سورة النساء (4): 165.
2. سورة طه (20): 134.
3. سورة الإسراء (17): 15.
4. سورة القصص (28): 59.
5. سورة طه (20): 133.
6. بحوث في علم الأصول، ج 5: ص 28.
7. أنوار الأصول / بقلم أحمد قدسي، ج 3: ص 58.
8. فصلنامه پژوهشهای اصولی / مقالة «مسلك حق الطاعة بين الرفض و القبول»، بهار 82: ص 114، السطر 15 وما بعده.
9. ر.ك: بحوث في علم الأصول، ج 4: ص 40.
10. فصلنامه پژوهشهای اصولی، بهار 82: ص 117، السطر 14.
11. ر.ك: الرسائل الأصولية / رسالة في أصالة البراءة، ص 350.
12. ر.ك: مجلة پژوهشهای اصولی، بهار 82: ص 122.
13. المصدر نفسه: ص 123، السطر 10.
14. المصدر نفسه: ص 125، السطر 17.
15. المصدر نفسه: ص 125، السطر الأخير.