الحكم التكليفي والأوّلي لتعدد الزوجات

المستخلص

الزواج الدائم بأكثر من امرأة (إلى أربع نساء) ليس ممنوعاً في الإسلام، ومن جهة أخرى ليس واجباً؛ ولكن هناك اختلاف بين الفقهاء في أن حكمه الأوّلي والتكليفي، بغض النظر عن الظروف الخاصة، هل هو الاستحباب أم الإباحة أم الكراهة. ورغم كثرة الأبحاث والمناقشات حول تعدد الزوجات، إلا أنه لم يُولَ اهتمام كبير بحكمه التكليفي، وتم التركيز أكثر على مباحث مثل فلسفة تعدد الزوجات وشرط العدالة وغيرها. وعليه، من الضروري دراسة حكم تعدد الزوجات، الذي يوجد فيه اختلاف كبير بين الفقهاء، بشكل مفصل، والإجابة في النهاية على هذا السؤال المهم: «ما هو الحكم الأوّلي والتكليفي لتعدد الزوجات؟». يسعى هذا المقال للإجابة على هذا السؤال بالاعتماد على المصادر المكتبية وبمنهج وصفي-تحليلي، والنتيجة التي تم التوصل إليها هي استحباب تعدد الزوجات كحكم أوّلي.

مقدمة

من المواضيع التي طُرحت مؤخراً على صعيد المجتمع، الحكم التكليفي لتعدد الزوجات. المراد بتعدد الزوجات هو أن يتخذ الرجل أكثر من زوجة دائمة واحدة، والمراد بالحكم التكليفي في هذا المقال هو الحكم الأوّلي لتعدد الزوجات؛ وعليه، فإن الحكم الوضعي وكذلك الحكم الثانوي لن يكونا موضع دراسة في هذا البحث.

نظراً إلى أن موضوع الحكم التكليفي لتعدد الزوجات لم يُبحث إلا قليلاً، ولا يوجد تفصيل في كلمات الفقهاء بين الحكم الأولي والثانوي لتعدد الزوجات، فإن الدراسة التامة والكاملة للأقوال والأدلة في هذا المجال ضرورية، كما أنها ستكون مقدمة لدراسة الحكم الثانوي لتعدد الزوجات.

السؤال الرئيسي الذي يسعى هذا المقال للإجابة عليه هو ما الحكم التكليفي والأوّلي لتعدد الزوجات، والأسئلة الفرعية هي:

بناءً على الآية الثالثة من سورة النساء، ما هو الحكم التكليفي والأوّلي لتعدد الزوجات؟ بناءً على الروايات، ما هو الحكم التكليفي والأوّلي لتعدد الزوجات؟ بناءً على سيرة المعصومين والتأسي بالأئمة (ع)، ما هو الحكم التكليفي والأوّلي لتعدد الزوجات؟

رأى الفقهاء جواز تعدد الزوجات استناداً إلى الآية 3 من سورة النساء ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾. وقد طرح بعض المتأخرين استحباب تعدد الزوجات أيضاً، وبالإضافة إلى الإباحة بالمعنى الأعم، اعتبروا حكمه الخاص هو الاستحباب. وقد ردّت مجموعة أخرى من الفقهاء أدلة الاستحباب واعتبروا تعدد الزوجات مباحاً.

أول من صرّح باستحباب تعدد الزوجات هو الشيخ الحر العاملي (الحر العاملي، 1414هـ، ج7، ص70) والمولى أحمد النراقي (النراقي، 1425هـ، ص738)، حيث أشارا فقط إلى استحبابه؛ أما أول من استدل على استحباب تعدد الزوجات فهو صاحب الجواهر (النجفي، 1404هـ، ج29، ص35)، ومن بعده طرح الفقهاء هذا البحث بشكل استدلالي.

مقال «دراسة نقدية في حكم تعدد الزوجات» (دهقاني، خريف 1400، العدد 3، ص 151-177) و «الحكم الأولي لتعدد الزوجات من منظور الفقه الإمامي» (شكوهي، ربيع وصيف 99، العدد الأول، ص 144-160) هما مقالتان بحثتا حكم تعدد الزوجات، ومع بيان أقوال المسألة وعرض مختصر لبعض الأدلة، رجحتا في النهاية إباحة تعدد الزوجات.

النقاط التي تميز هذا المقال عن سائر الأبحاث هي:

1. بيان الأدلة بصورة كاملة والاستدلال بروايات تم التغافل عنها.

2. دراسة كلام الشيخ الطوسي وأتباعه الذي فهم منه الفقهاء كراهة تعدد الزوجات؛ بينما يتوافق كلام الشيخ الطوسي مع الإباحة أيضاً، ومن جهة أخرى لم يكن الشيخ الطوسي أصلاً في مقام بيان حكم تعدد الزوجات، بل كان في مقام الرد على داود، وربما يكون كلامه قابلاً للحمل على الإباحة.

في هذا المقال، تُطرح أولاً أقوال الفقهاء، وضمن بيان القائلين بالكراهة، يُدرس كلام الشيخ الطوسي؛ لأن بعض الفقهاء فهموا الكراهة من كلامه. ثم تُطرح أدلة القائلين بالاستحباب والإباحة وتُناقش وتُدرس.

وجدير بالذكر أن دليل القائل بالكراهة يُذكر مباشرة بعد ذكر القول بالكراهة ويُردّ؛ لأنه يتضح من دليله أن الكراهة قد ذُكرت كحكم ثانوي، وبما أن البحث يدور حول الحكم الأولي لتعدد الزوجات، فإن هذا القول ودليله يخرجان عن محل البحث.

1. أقوال الفقهاء في الحكم التكليفي لتعدد الزوجات

يوجد إجماع بين فقهاء العامة والخاصة على عدم وجوب تعدد الزوجات؛ حتى في عدم وجوب الزواج الأول، يوجد إجماع بين الإمامية، وبين العامة لم يقل بوجوب الزواج الأول إلا داود. (ابن قدامة المقدسي، 1388، ج7، ص4).

كما أن حرمة تعدد الزوجات ليس لها قائل بين الفقهاء، ولكن شبهة ابن أبي العوجاء حول حرمته كانت تُطرح دائماً، وقد أجاب عنها الإمام الصادق (ع) لهشام. (الكليني، 1407هـ، ج5، ص 362 و 363).

1-1. الاستحباب

الفقهاء الذين قالوا باستحباب تعدد الزوجات هم: الشيخ الحر العاملي (الحر العاملي، 1414هـ، ج7، ص70)، والمولى أحمد النراقي (النراقي، 1425هـ، ص738)، وصاحب الجواهر (النجفي، 1404هـ، ج29، ص35)، والسيد اليزدي (اليزدي، 1409هـ، ج2، ص797)، والمرحوم البصري البحراني (البصري، 1413هـ، ج7، ص5)، والمرحوم الآغا التبريزي (التبريزي، 1427هـ، ج6، ص260)، والمرحوم الآغا الشاهرودي (الشاهرودي، 1417هـ، ج6، ص119)، والسيد محمد حسين الترحيني (العاملي، 1427هـ، ج6، ص112).

كذلك يثبت آية الله الشبيري الزنجاني استحباب تعدد الزوجات في بعض الظروف. (الزنجاني، 1419هـ، ج1، ص20). ويقول آية الله مكارم الشيرازي أيضاً: ربما تدل أخبار تكثير النسل على استحباب تعدد الزوجات. (اليزدي، 1428هـ، ج2، ص748).

1-2. الإباحة

الفقهاء الذين قالوا بإباحة تعدد الزوجات هم: الشيخ الطوسي2 (الطوسي، 1387هـ، ج6، ص4)، وابن البراج (الطرابلسي، 1406هـ، ج2، ص342)، والمرحوم الطبرسي (الطبرسي، 1410هـ، ج2، ص288)، والشيخ البهائي. (العاملي، 1429هـ، ص618).

1-3. الكراهة

الفقيه الوحيد الذي قال بكراهة تعدد الزوجات وصرّح بذلك هو المرحوم اشتهاردي. ويبيّن دليله على كراهة تعدد الزوجات بأن النساء يقعن في معرض الخصومة والعداوة، والرجال أيضاً يقعون في معرض ترك العدالة. (اشتهاردي، 1417، ص 20 و 21).

1-3-1. إشكال على دليل الكراهة

إذا كان مراد المرحوم اشتهاردي هو أنه في زماننا ومع تغير الظروف، تقع النساء في معرض الخصومة والعداوة والرجال في معرض ترك العدالة، فهو في الواقع في مقام بيان حكم ثانوي وهو ليس محل البحث؛ ويبدو أن مراده هو هذا الحكم الثانوي. أما إذا كان مراده أن الحكم الأولي لتعدد الزوجات هو الكراهة، فهذا أولاً مخالف لإجماع الفقهاء؛ وثانياً، بالنظر إلى السيرة المستمرة للأئمة لا يمكن القول بالكراهة؛ لأن زوجات الأئمة كنّ أيضاً في معرض الخصومة والعداوة، ومع ذلك أقدم الأئمة على تعدد الزوجات. وهذه الخصومة والعداوة قد بُيّنت بوضوح في صحيحة محمد بن مسلم:

ينقل الحسين بن سعيد عن نضر عن هشام بن سالم عن محمد بن مسلم: دخلت على الإمام الصادق (ع) في خيمته، وهو يكلم امرأة. ترددت قليلاً. فقال الإمام: ادنُ، هذه أم إسماعيل (زوجة الإمام)، وأنا على يقين أن هذا المكان هو الذي أفسد الله فيه حجها الأول. كنت قد نويت الإحرام، فقلت أن يوضع لي ماء في تلك الخيمة، وأحضرت الجارية الماء ووضعته هناك. كنت مع تلك الجارية… ثم قلت لها أن تغسل رأسها وتجففه جيداً حتى لا تشعر مولاتك (أم إسماعيل)، وعندما تنوين الإحرام، اغسلي جسدك ولا تغسلي رأسك حتى لا تشك فيك أم إسماعيل. تلك الجارية (بعد غسل الرأس وتجفيفه) دخلت خيمة أم إسماعيل لتأخذ شيئاً، فلمست أم إسماعيل رأسها وشعرت بالرطوبة. ولهذا السبب حلقت رأس الجارية وضربتها، فقلت لها إن هذا المكان هو الذي أفسد الله فيه حجك. (الطوسي، 1407هـ، ج1، ص134).

رغم أن هذه الرواية تتعلق بالجارية، إلا أن ما أدى إلى هذا التصرف من زوجة الإمام وخصومتها تجاه الجارية كان الغيرة النسائية، وما يسبب الخصومة والعداوة في مجتمعنا في تعدد الزوجات هو نفس الغيرة النسائية المشتركة بين نساء اليوم ونساء عصر الأئمة.

الحسين بن سعيد (الطوسي، 1420هـ، ص149)، والنضر بن سويد (الطوسي، 1427هـ، ص345)، وهشام بن سالم (النجاشي، 1407هـ، ص434)، ومحمد بن مسلم (النجاشي، 1407هـ، ص323) جميعهم ثقات، وهذه الرواية صحيحة.

1-3-2. كلام الشيخ الطوسي وأتباعه

قد يُستفاد من كلام الشيخ الطوسي، وابن البراج، وأمين الإسلام الطبرسي، والشيخ البهائي كراهة تعدد الزوجات، ولكن في الواقع كلامهم ليس في مقام بيان الكراهة، بل هو مجرد نفي لاستحباب تعدد الزوجات.

يقول الشيخ الطوسي في المبسوط: لا خلاف بين الفقهاء في أن الرجل يمكنه اتخاذ أربع زوجات، والمستحب أن يكتفي الرجل بزوجة واحدة. ثم يقول: قال داود باستحباب عدم الاكتفاء بزوجة واحدة؛ لأن النبي (ص) لم يتخذ تسع زوجات. (الطوسي، 1387هـ، ج6، ص4).

وهو نفسه يقول في الخلاف: لا خلاف بين الفقهاء في أن الرجل يستطيع اتخاذ أربع زوجات، والمستحب ألا يقدم على عدد أكبر لا يستطيع القيام بحقه. ثم يبين دليله قائلاً: ما ذكرناه إجماعي، والزيادة والنقصان عنه يحتاج إلى دليل. (الطوسي، 1407، ج5، ص111). لقد قيّد في الخلاف استحباب الاكتفاء بزوجة واحدة بعدم قدرة الرجل على تعدد الزوجات.

كلام ابن البراج مشابه لكلام الشيخ الطوسي، حيث يقول: يجوز للرجل الزواج بأربع نساء، والمستحب أن يكتفي بزوجة واحدة. (الطرابلسي، 1406هـ، ج5، ص111). يبدو أن ابن البراج قد ذكر هذا المطلب تبعاً للشيخ الطوسي.

يقول الشيخ البهائي: «تسعة وستون أمراً يتعلق بالنكاح: أمر واجب، وأربعة وثلاثون أمراً سنة، وثمانية أمور حرام، وستة وعشرون أمراً مكروه». (العاملي، 1429هـ، ص615). ثم يعدد الأربعة والثلاثين أمراً السنة ويقول: «والثالث والثلاثون: عدم طلب أكثر من امرأة حرة». (العاملي، 1429هـ، ص618).

يقول المرحوم التويسركاني في حاشيته: «استحباب هذا الأمر مشكل». (العاملي، 1429هـ، ص615).

1-3-2-1. احتمالات كلام الشيخ الطوسي وأتباعه

في كلام الشيخ الطوسي وأتباعه احتمالان:

1. أنهم قائلون باستحباب الزوجة الواحدة وكراهة تعدد الزوجات.

2. أنهم قائلون باستحباب الزوجة الواحدة وعدم كراهة تعدد الزوجات، ويعتبرون الرجل الذي يتزوج مجدداً تاركاً للمستحب، لا مرتكباً للمكروه.

أ) مؤيد الاحتمال الأول (كراهة تعدد الزوجات)

بعض الفقهاء فهموا الكراهة من كلام الشيخ الطوسي. قسّم الشهيد الأول النكاح بحسب الناكح إلى الأحكام الخمسة، ومن الموارد التي ذكرها كنكاح مكروه، كراهة النكاح بأكثر من امرأة واحدة بناءً على قول الشيخ الطوسي. (العاملي، بلا تاريخ، ج1، ص380).

وقد كرر الفاضل المقداد (الحلي، 1403هـ، ص409) والشهيد الثاني (العاملي، 1413هـ، ج7، ص15) نفس كلام الشهيد الأول. كما فهم المقدس الأردبيلي الكراهة من كلام الشيخ الطوسي. (الأردبيلي، بلا تاريخ، ص509).

كذلك فهم صاحب الجواهر الكراهة من كلام الشيخ الطوسي، وبعد بيان أدلة استحباب تعدد الزوجات يقول: بناءً على هذه الأدلة، فإن ما ذكره الشيخ الطوسي من أن الزواج بأكثر من امرأة مكروه (الطوسي، 1387هـ، ج6، ص4)، ضعفه واضح. (النجفي، 1404هـ، ج29، ص35).

ويقول السيد الشاهرودي أيضاً: كلام الشيخ الطوسي القائل بكراهة الزواج بأكثر من امرأة، ضعفه واضح. (الشاهرودي، 1417هـ، ج6، ص119).

كذلك فهم السيد محمد حسين الترحيني الكراهة من كلام الشيخ الطوسي. (العاملي، 1427هـ، ج6، ص112).

ب) مؤيد الاحتمال الثاني (عدم كراهة تعدد الزوجات)

كلام الشيخ الطوسي في الخلاف وكذلك كلام المرحوم الطبرسي حول استحباب الاكتفاء بزوجة واحدة مقيد بعدم القدرة على تعدد الزوجات، بينما البحث يدور حول الحكم الأولي لتعدد الزوجات؛ أي أن حكم تعدد الزوجات يُبحث بغض النظر عن العوارض الجانبية. وعليه، فإن كلام هذين الفقيهين خارج عن محل البحث.

أما كلام الشيخ الطوسي في المبسوط، فبالنظر إلى أنه ناظر إلى كلام داود (القائل باستحباب تعدد الزوجات) وفي مقام رد قوله، فهو في الواقع ينفي الاستحباب، ويتوافق مع الإباحة والكراهة، وليس بصدد إثبات الكراهة، بل ينفي الاستحباب فقط، وليس من المستبعد أن نعتبر الشيخ الطوسي قائلاً بالإباحة؛ لأن كلام الشيخ في الخلاف حيث يقول: «ما ذكرناه إجماعي، والزيادة والنقصان عنه يحتاج إلى دليل» (الطوسي، 1407هـ، ج5، ص111) يتوافق مع الإباحة؛ لأن الزيادة والنقصان عن الإباحة يحتاج إلى دليل. ويبدو أن ابن البراج قد تبعه في ذلك.

لقد بيّن الشيخ الطوسي استحباب الزواج بزوجة واحدة. ومن المستبعد أن يكون الشيخ البهائي قائلاً بكراهة تعدد الزوجات؛ لأنه ذكر الأمور المستحبة والأمور المكروهة، وفي الأمور المكروهة لم يشر إلى تعدد الزوجات؛ بل قال في الأمور المستحبة إن الزواج بزوجة واحدة مستحب؛ أي أن من يتخذ زوجة ثانية يكون قد ترك مستحباً، لا أنه ارتكب مكروهاً. وعليه، يبدو أن الفقهاء الذين بيّنوا استحباب الزواج بزوجة واحدة ليسوا ناظرين إلى كراهة تعدد الزوجات.

وفي الرد على الفقهاء الذين فهموا الكراهة من كلام الشيخ الطوسي، يجب القول: إن الاستحباب والكراهة ليسا ضدين لا ثالث لهما، بحيث إذا كان الزواج بزوجة واحدة مستحباً، يكون تعدد الزوجات مكروهاً3؛ بل بالإضافة إلى الاستحباب والكراهة، توجد الإباحة كحكم ثالث، وبنفي الاستحباب لا يمكن الحكم بالكراهة، واحتمال الإباحة قائم أيضاً. على سبيل المثال، لنفترض أن شرب الماء واقفاً في النهار مستحب. هل من يشرب الماء جالساً في النهار يرتكب أمراً مكروهاً؟ من الواضح أن استحباب شرب الماء واقفاً في النهار لا يلازم كراهة شربه جالساً، وشرب الماء جالساً يمكن أن يكون مباحاً.

وعليه، لا يمكن القول إن كلام الشيخ الطوسي في المبسوط، وتبعه كلام ابن البراج، بصدد بيان كراهة تعدد الزوجات؛ بل كلامهما أعم يشمل الإباحة والكراهة؛ ولكن بما أن الكراهة تحتاج إلى بيان استدلالي، والشيخ نفسه صرّح بأن الزيادة والنقصان عما بيّنه يحتاج إلى دليل، ولم يذكر بياناً للكراهة، فيمكن اعتبار الشيخ الطوسي وتبعه ابن البراج قائلين بإباحة تعدد الزوجات.

2. دراسة أدلة استحباب تعدد الزوجات

البحث الرئيسي في الحكم الأولي لتعدد الزوجات هو البحث في استحبابه أو إباحته. القائلون باستحباب تعدد الزوجات أقاموا أدلة على مدعاهم، والقائلون بالإباحة ردوا أدلة القائلين بالاستحباب ورأوا أن ظهور الأدلة هو الإباحة. لهذا السبب، سندرس أدلة القول بالاستحباب وإشكالاتها:

2-1. آية ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ…﴾ (النساء: 3). إذا خشيتم ألا تعدلوا في (الزواج) باليتيمات، فاصرفوا النظر عن الزواج بهن، وتزوجوا من النساء (الأخريات) الطيبات، اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً.

اعتبر صاحب العروة الزواج الثاني والثالث والرابع مستحباً كالزواج الأول، ولم يخصص الاستحباب بالزواج الأول، وذكر آية ﴿فَانكِحُوا…﴾ كدليل. (اليزدي، 1409، ج2، ص797).

الاستدلال بهذه الآية هو أن ﴿فَانْكِحُوا﴾ أمر، وظهوره في الوجوب، ولكن بما أننا نعلم أن تعدد الزوجات ليس واجباً، لوجود الإجماع على عدم وجوبه، فإن الأمر الدال على مطلق الرجحان يُحمل على الاستحباب؛ بعبارة أخرى، أقل مراتب الأمر هو الاستحباب، وبناءً على الإجماع على عدم وجوب تعدد الزوجات، يثبت استحبابه. (العاملي، 1427، ج6، ص112).

2-1-1. إشكال على الاستدلال بآية ﴿فَانْكِحُوا﴾

يرى صاحب الجواهر أن هذه الآية في مقام بيان عدم جواز الزواج بأكثر من أربع نساء؛ وعليه، يُستفاد من هذه الآية ترخيص الزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع نساء، ولا يوجد فيها ترغيب حتى يثبت الاستحباب؛ فـ «فانكحوا» في مقام الترخيص، لا في مقام الترغيب؛ مثلاً عندما يقال: «إذا كان هذا الطعام يضرك، فكل من ذلك الطعام الآخر»، فهذا يعني أن الطعام الآخر لا يضر، ويمكن للشخص أن يأكله (ترخيص)؛ لا أن ذلك الطعام مرغوب فيه. (النجفي، 1404هـ، ج29، ص11).

كذلك اعتبر معظم الفقهاء بعد صاحب الجواهر الاستدلال بالآية لإثبات استحباب تعدد الزوجات غير تام، وقدموا إجابة مشابهة لإجابة صاحب الجواهر. (اللنكراني، 1421هـ، ص275 و 276؛ الزنجاني، 1419هـ، ج16، ص5104 و 5105؛ اليزدي، 1428هـ، ج2، ص748).

2-2. الروايات

2-2-1. صحيحة معمر بن خلاد

«رُوِيَ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ثَلَاثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الْعِطْرُ وَإِحْفَاءُ الشَّعْرِ وَكَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ»؛ (الصدوق، 1413هـ، ج3، ص382 و 383)؛ ثلاث من سنن المرسلين: العطر، وتقصير الشعر، وكثرة الزوجات.

2-2-1-1. الدراسة السندية

طريق الشيخ الصدوق إلى معمر بن خلاد هو كالتالي: وما كان فيه عن معمر بن خلاد فقد رويته عن محمّد بن موسى بن المتوكل؛ ومحمد بن علي ماجيلويه؛ وأحمد بن زياد بن جعفر الهمداني -رضي الله عنهم- عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن معمر بن خلاد (الصدوق، 1413هـ، ج4، ص427).

محمد بن موسى بن متوكل (الحلي، 1381هـ، ص149)، وأحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (الحلي، 1381هـ، ص19)، وعلي بن إبراهيم (النجاشي، 1407هـ، ص260)، ومعمر بن خلاد (النجاشي، 1407هـ، ص421) موثقون.

محمد بن علي ماجيلويه ليس له توثيق صريح، ولكن إكثار الشيخ الصدوق من الرواية عنه يثبت وثاقته. وعليه، فهذه الرواية صحيحة.

هذه الرواية وردت أيضاً في الكافي بسند صحيح. (الكليني، 1407هـ، ج5، ص320).

2-2-1-2. دراسة دلالة الرواية

يحتمل العلامة المجلسي معنيين في «كثرة الطروقة»: كثرة الأزواج أو كثرة الجماع. (المجلسي، 1404هـ، ج20، ص5 و 6). تُدرس دلالة الرواية وفقاً لهذين الاحتمالين:

1. كثرة الأزواج: وفقاً لهذا الاحتمال، فإن دلالة الرواية على استحباب تعدد الزوجات واضحة.

2. كثرة الجماع: إذا كان معنى كثرة الطروقة هو كثرة الجماع، فإن الرواية لا تدل على استحباب تعدد الزوجات؛ لأن كثرة الجماع ممكنة مع زوجة واحدة. بالطبع، نظراً إلى أن الجماع حرام في أيام حيض المرأة، وكذلك قد تكون المرأة مريضة أو حاملاً في بعض الأيام، فقد يقال إن لازم كثرة الجماع هو تعدد الزوجات. يبدو أن عوامل مختلفة تؤثر في إمكانية كثرة الجماع مع امرأة واحدة، وقد لا تكون كثرة الجماع ممكنة لبعض الأفراد لأسباب معينة؛ وبالتالي، قد تكون إمكانية أو عدم إمكانية كثرة الجماع مختلفة باختلاف الأفراد، وبالنسبة للأفراد الذين لا يمكنهم كثرة الجماع مع امرأة واحدة، يكون تعدد الزوجات مستحباً. ولكن هذا الاستحباب ليس حكماً أولياً، وفي الواقع، كثرة الجماع مستحبة، واستحباب تعدد الزوجات يكون حكماً ثانوياً، وهو خارج عن محل البحث.

الآن يجب دراسة أي من هذين الاحتمالين هو الصحيح في معنى كثرة الطروقة.

أ) دراسة الاحتمالين في معنى «الطروقة»

في كتب اللغة، وردت الطروقة بمعنى الزوجة، ولم ترد بمعنى الجماع. في العين (الفراهيدي، 1410هـ، ج5، ص98)، والمحيط في اللغة (إسماعيل بن عباد، 1414هـ، ج5، ص320)، والصحاح (الجوهري، 1410هـ، ج4، ص1515)، ومعجم مقاييس اللغة (ابن فارس، 1404هـ، ج3، ص451)، ومفردات الراغب (1412هـ، ص518)، وأساس البلاغة (الزمخشري، 1419هـ، ج1، ص603)، والنهاية (ابن الأثير، 1367هـ، ج3، ص122)، ولسان العرب (ابن منظور، 1414هـ، ج10، ص216)، والمصباح المنير (الفيومي، 1414هـ، ج2، ص371)، ومجمع البحرين (الطريحي، 1375هـ، ج5، ص205)، وتاج العروس (الزبيدي، 1414هـ، ج13، ص291) ورد هذا المعنى.

وعليه، فبناءً على كتب اللغة، تكون الطروقة بمعنى الزوجة؛ بالطبع، في مجمع البحرين بعد بيان معنى الطروقة، فُسِّرت كثرة الطروقة في الرواية بمعنى كثرة الجماع (الطريحي، 1375هـ، ج5، ص205)، ولكن نظراً إلى أن كتباً كثيرة ذكرت معنى الزوجة، يحصل الاطمئنان بذلك، ويُقبل معنى الزوجة.

رواية أخرى ورد فيها لفظ «طروقة» ومعنى الطروقة فيها هو الزوجة، يمكن أن تكون مؤيداً آخر لترجيح المعنى الأول (كثرة الزوجات):

«وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَشْيَمَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) تَمَتَّعْتَ مُنْذُ خَرَجْتَ مِنْ أَهْلِكَ قُلْتُ لِكَثْرَةِ مَا مَعِيَ مِنَ الطَّرُوقَةِ أَغْنَانِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَ وَإِنْ كُنْتَ مُسْتَغْنِياً فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُحْيِيَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)» (الحر العاملي، 1409هـ، ج21، ص15). نقل إسماعيل بن الفضل الهاشمي أن الإمام الصادق (ع) قال له: هل تمتعت منذ أن خرجت من عند زوجتك؟ قلت: لكثرة النساء اللواتي عندي، أغناني الله عن المتعة. فقال الإمام (ع): وإن كنت مستغنياً عن المتعة، فإني أحب أن تحيي سنة رسول الله (ص).

بناءً على الأسانيد السابقة، يكون سند هذه الرواية كالتالي: «مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمُفِيدُ فِي رِسَالَةِ الْمُتْعَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَشْيَمَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ».

المراد بمحمد بن محمد بن النعمان المفيد هو الشيخ المفيد، وهو من الأكابر والثقات. (النجاشي، 1407هـ، ص399). جعفر بن محمد بن قولويه من أجلاء الثقات. (النجاشي، 1407هـ، ص123). سعد بن عبدالله (النجاشي، 1407هـ، ص177)، وأحمد بن محمد بن عيسى (الطوسي، 1427هـ، ص351)، ومروان بن مسلم (النجاشي، 1407هـ، ص419)، وإسماعيل بن فضل الهاشمي (الطوسي، 1427هـ، ص124) موثقون أيضاً. علي بن أحمد بن أشيم ليس له توثيق، ولكن بإكثار أحمد بن محمد بن عيسى من الرواية عنه يمكن إثبات وثاقته.

وعليه، فهذه الرواية صحيحة. بناءً على هذه الرواية والمعنى اللغوي للطروقة، يتقوى الاحتمال الأول (كثرة الأزواج)؛ وعليه، فإن صحيحة معمر بن خلاد قابلة للاستدلال بها على استحباب تعدد الزوجات.

أما أن العلامة المجلسي اعتبر الطروقة بمعنى الجماع أيضاً، فقد يكون ذلك لأن أحد المعاني الحقيقية لـ«طَرَقَ» هو الدق (ابن فارس، 1404، ج3، ص449)، وهو مناسب للجماع، ولكن بالنظر إلى الشواهد المذكورة، فإن معنى الجماع للطروقة بعيد.

خبر الحسن بن جهم (الحر العاملي، 1409، ج20، ص243 و 244) ورد أيضاً بنفس مضمون صحيحة معمر بن خلاد، ولكنه بسبب ضعف السند يعتبر مجرد مؤيد لهذه الرواية.

رواية أخرى يشبه الاستدلال بها الاستدلال بصحيحة معمر بن خلاد، وهي كالتالي: «قَالَ: تَعَلَّمُوا مِنَ الدِّيكِ خَمْسَ خِصَالَ مُحَافَظَتَهُ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالْغَيْرَةَ وَالسَّخَاءَ وَالشَّجَاعَةَ وَكَثْرَةَ الطَّرُوقَةِ» (الصدوق، 1413، ج1، ص482). تعلموا من الديك خمس خصال: محافظته على أوقات الصلاة، والغيرة، والسخاء، والشجاعة، وكثرة الطروقة.

هذه الرواية ضعيفة لكونها مرفوعة. خبر محمد بن عيسى ورد أيضاً بنفس المضمون، وطريقة الاستدلال به كصحيحة معمر بن خلاد. (الحر العاملي، 1409، ج20، ص242).

2-2-2. صحيحة صفوان بن مهران

«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص).. وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَيْتٍ يُعْمَرُ فِي الْإِسْلَامِ بِالنِّكَاحِ…»؛ (الكليني، 1407هـ، ج5، ص328). ليس عند الله عز وجل شيء أحب من بيت يُعمر في الإسلام بالزواج.

وثّق النجاشي محمد بن يحيى العطار (النجاشي، 1407هـ، ص353) وصفوان بن مهران (النجاشي، 1407هـ، ص198). كما وثّق الشيخ الطوسي أحمد بن محمد بن عيسى (الطوسي، 1427هـ، ص351) وعلي بن الحكم (الطوسي، 1420هـ، ص263). وعليه، فهذه الرواية صحيحة.

تبيّن هذه الرواية أن البيت الذي يُعمر بالزواج هو أحب الأمور إلى الله. الرجل الذي لديه زوجة واحدة ويتزوج ثانية، يكون مشمولاً بهذه الرواية؛ لأنه بسبب زواجه بالزوجة الثانية، يُعمر بيت بالزواج. وكذلك الزواج الثالث والرابع مشمولان بهذه الرواية.

يبدو أن دلالة هذه الرواية على استحباب تعدد الزوجات تامة، وإطلاقها يشمل زواج الرجل مرة أخرى.

توجد رواية أخرى مضمونها قريب من هذه الرواية: «رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): مَا بُنِيَ بِنَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّزْوِيجِ»؛ (الصدوق، 1413هـ، ج3، ص383). لم يُبنَ عند الله تعالى بناء أحب من الزواج.

عبدالله بن الحكم مُضعَّف وليس له توثيق. (النجاشي، 1407، ص225). وعليه، فهذه الرواية ضعيفة.

تثبت هذه الرواية أيضاً ببيان مشابه محبة الزواج الثاني والثالث والرابع للرجل، ولكن نظراً لضعف هذه الرواية، لا يمكن ذكرها كدليل مستقل، بل هي مجرد مؤيد.

2-2-3. موثقة عبدالله بن سنان

«عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِ عِدَّةٍ ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا هَلْ يَصْلُحُ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا قَالَ نَعَمْ لَا تُتْرَكَ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ زَوْجٍ»؛ (الطوسي، 1407هـ، ج8، ص58). نُقل عن عبدالله بن سنان أنه سأل الإمام (ع) عن رجل طلق امرأته بغير عدة، ثم أمسك عنها حتى انقضت عدتها، هل يجوز لي أن أتزوجها؟ قال الإمام (ع): نعم، لا تُترك المرأة بغير زوج.

الضمير في «عنه» يعود إلى الحسن بن محمد بن سماعة المذكور في السند السابق، وهو واقفي ثقة. (النجاشي، 1407هـ، ص40). المراد بمحمد بن زياد هو ابن أبي عمير من أصحاب الإجماع. وقد وثّق النجاشي عبدالله بن سنان. (النجاشي، 1407هـ، ص214). وعليه، فهذه الرواية موثقة.

الاستدلال بهذه الرواية هو أن الإمام (ع) في جوابه لسؤال الراوي يقول: نعم، لا تُترك المرأة بغير زوج. بما أن الإمام (ع) لم يكتف بـ«نعم» وأكمل قائلاً: «لا تُترك المرأة بغير زوج»، يتضح أن بقاء النساء بلا أزواج ليس مطلوباً، وزواجهن مطلوب، ولازم عدم بقاء النساء بلا أزواج هو أن يقدم بعض الرجال على تعدد الزوجات؛ وبالتالي، فإن تعدد الزوجات مطلوب.

2-2-3-1. إشكال على موثقة عبدالله بن سنان

هذا الاستدلال يكون تاماً فقط إذا كان عدد النساء الجاهزات للزواج أكبر من عدد الرجال الجاهزين للزواج، وإلا فإنه لا يثبت الاستحباب؛ لأن لازم عدم بقاء النساء بلا أزواج ليس تعدد الزوجات، والغرض يتحقق بزواج الرجال الأول في المجتمع أيضاً. وعليه، فإن هذه الرواية لا تثبت استحباب تعدد الزوجات كحكم أولي. نعم، تثبت هذه الرواية مطلوبية تعدد الزوجات في حالة زيادة عدد الفتيات والنساء العازبات الجاهزات للزواج على عدد الشبان الجاهزين للزواج.

2-2-4. مرسلة يونس

«عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ إِسْرَافٌ إِلَّا فِي النِّسَاءِ قَالَ اللَّهُ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ…» (العياشي، 1380هـ، ج1، ص281). في كل شيء إسراف، إلا في النساء. يقول الله: تزوجوا من النساء الطيبات (الأخريات)، اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً.

هذه الرواية مرسلة؛ وبالتالي تُعد من الروايات الضعيفة.

2-2-4-1. دلالة الرواية

السياق الحاكم على هذه الرواية هو سياق الترغيب والتشويق والتحريض؛ حيث ضمن الاستناد إلى آية ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، اعتبر تعدد الزوجات خارجاً عن حسابات الإفراط والإسراف، مما يدل على نوع من المحبوبية في تعدد الزوجات.

2-2-4-2. إشكال على مرسلة يونس

يُستفاد من هذه الرواية أن الإسراف المحرم يكون في غير النساء، وفي النساء لا توجد هذه الحرمة؛ ولكن نفي الحرمة لا يثبت الاستحباب، وقد يكون حكم تعدد الزوجات الإباحة، وهذا لا يتنافى مع هذه الرواية. فعدم الحرمة لا يستلزم الاستحباب؛ لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة. (اشتهاردي، 1417، ج29، ص21).

بالطبع، جواب الإشكال هو أن لسان الرواية يُستشم منه مطلوبية تعدد الزوجات؛ لأن مثل هذا اللسان قد استُخدم في مطلوبية سائر الأمور مثل العطر (الكليني، 1407، ج6، ص512) والخير (ابن أبي الجمهور، 1405، ج1، ص291) أيضاً.

على كل حال، بسبب ضعف السند، لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية.

2-2-5. روايات كون النكاح سنة

ذكر صاحب الجواهر روايات لإثبات استحباب تعدد الزوجات:

2-2-5-1. صحيحة ابن القداح

«عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: … رسول الله (ص) فقال:…. وَمِنْ سُنَّتِيَ النِّكَاحُ»؛ (الكليني، 1407هـ، ج5، ص494). «والزواج من سنتي».

المراد بـ«عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ» وفقاً لما نقله العلامة الحلي عن الشيخ الكليني هم: علي بن محمد بن علان، ومحمد بن أبي عبدالله، ومحمد بن الحسن، ومحمد بن عقيل الكليني. (الحلي، 1381هـ، ص272).

علي بن محمد بن علان (النجاشي، 1407هـ، ص260)، خال الشيخ الكليني، ومحمد بن أبي عبدالله (النجاشي، 1407هـ، ص373) وثّقهم النجاشي.

محمد بن الحسن الطائي الرازي ليس له توثيق، ولكن بإكثار الشيخ الكليني من الرواية عنه تثبت وثاقته.

محمد بن عقيل الكليني لم يوثّق ولا يمكن توثيقه.

بناءً على توثيق ثلاثة من هؤلاء الأفراد، لا يوجد إشكال في «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا».

حول وثاقة سهل بن زياد خلاف؛ فقد وثّقه الشيخ الطوسي في رجاله (الطوسي، 1427، ص387)، ولكنه ضعّفه في الفهرست (الطوسي، 1420هـ، ص228). وقد ضعّفه النجاشي أيضاً وقال إن أحمد بن محمد بن عيسى شهد بغلوه؛ (النجاشي، 1407هـ، ص185). ولكن يبدو أنه يمكن إثبات وثاقته؛ لأن الشيخ الكليني روى روايات كثيرة في الكافي عن طريق «عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد»، وهذا يدل على اعتماد الكليني عليه. ومن القرائن الأخرى، إكثار علي بن محمد بن علان الكليني من الرواية عن سهل بن زياد. تضعيف سهل بن زياد كان بسبب اعتقاده بالغلو؛ لأنه روى روايات غلو، بينما أولاً، نقل روايات الغلو لا يعني الاعتقاد بالغلو، وثانياً، المعنى والمفهوم الدقيق للغلو محل خلاف، والتضعيف بسبب الغلو أمر اجتهادي وحدسي، بينما الملاك في التوثيق والتضعيف هو الشهادة الحسية. (الزنجاني، 1419هـ، ج21، ص6835). وعليه، فإن سهل بن زياد موثّق.

جعفر بن محمد الأشعري ليس له توثيق، ولكن بإكثار إبراهيم بن هاشم وسهل بن زياد من الرواية عنه يمكن إثبات وثاقته. كذلك روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، صاحب النوادر، وبما أنه ليس من مستثنيات ابن الوليد، فهو من الذين وثّقهم ابن الوليد.

المراد بابن القداح هو عبدالله بن ميمون بن الأسود القداح الذي وثّقه النجاشي. (النجاشي، 1407هـ، ص213).

وعليه، فهذه الرواية صحيحة.

2-2-5-2. صحيحة محمد بن مسلم

«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): تَزَوَّجُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَّبِعَ سُنَّتِي فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِي التَّزْوِيجَ»؛ (الكليني، 1407، ج5، ص329). قال رسول الله (ص): من أحب أن يتبع سنتي، فإن الزواج من سنتي.

وثّق النجاشي محمد بن يحيى العطار. (النجاشي، 1407هـ، ص353). ووثّق الشيخ الطوسي أحمد بن محمد بن عيسى. (الطوسي، 1427هـ، ص351).

القاسم بن يحيى ليس له توثيق، ولكن بإكثار الجليل يمكن إثبات وثاقته؛ لأن أحمد بن محمد بن عيسى روى عنه روايات كثيرة. من الأدلة التي يمكن إقامتها لإثبات دلالة إكثار الشخص الجليل على وثاقة المروي عنه، ما يلي:

المقدمة الأولى: الراوي الذي يروي عنه فرد جليل روايات كثيرة لا يخرج عن ثلاث حالات: الحالة الأولى: وثاقة الراوي المذكور معلومة عند الفرد الجليل. الحالة الثانية: ضعف الراوي المذكور معلوم عند الفرد الجليل. الحالة الثالثة: حال الراوي المذكور من حيث الوثاقة والضعف مجهول عند الفرد الجليل.

المقدمة الثانية: من بين الحالات الثلاث السابقة، الحالة الثانية بعيدة؛ لأن الداعي العقلائي لنقل الرواية هو الاعتماد عليها، ومع وجود العلم بضعف الراوي، لا يمكن الاعتماد على روايته.

كذلك الحالة الثالثة بعيدة؛ لأن رواية الفرد الجليل الكثيرة عن راوٍ تستلزم كثرة المعاشرة معه، وجهل حال الراوي عند الفرد الجليل مع وجود كثرة المعاشرة بعيد.

بناءً على ذلك، تتعين الحالة الأولى، ويجب القول إن رواية الفرد الجليل الكثيرة عن راوٍ تكشف عن وثاقة ذلك الراوي عند الفرد الجليل.

المقدمة الثالثة: بثبوت وثاقة الراوي عند الفرد الجليل، تثبت وثاقته عندنا أيضاً؛ لأن الأصل الأولي عند العقلاء هو عدم خطأ الفرد في الأمور الحسية والقريبة من الحس.

الحسن بن راشد ليس له توثيق أيضاً، وبإكثار القاسم بن يحيى، تثبت وثاقته. وقد روى عنه ابن أبي عمير أيضاً. وعليه، يمكن توثيقه عن طريق مشايخ الثقات. قيل عن ابن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، وصفوان بن يحيى: «لا يروون إلا عن ثقة». (الطوسي، 1417، ج1، ص154).

محمد بن مسلم من أصحاب الإجماع ومن الثقات الأجلاء. (الكشي، 1409، ص238).

وعليه، فهذه الرواية صحيحة.

ثم يذكر صاحب الجواهر روايتين أخريين مجموعهما مشابه لصحيحة ابن القداح وصحيحة محمد بن مسلم:

«قَالَ (ص): النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»؛ (الشعيري، بلا تاريخ، ج1، ص154). «الزواج من سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

هذه الرواية مرسلة وتُعد من الروايات الضعيفة. بالطبع، نظراً إلى أن هذه الرواية في المستحبات، فربما اعتمد عليها صاحب الجواهر من باب التسامح في أدلة السنن.

«الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُسْتَرِقِّ عَنْ بَعْضٍ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ…. ثم قال رسول الله (ص)… فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»؛ (الكليني، 1407هـ، ج5، ص496). «… فمن رغب عن سنتي فليس مني».

هذه الرواية مرسلة بواسطة «بعض رجاله». ربما يكون اعتماد صاحب الجواهر على هذه الرواية أيضاً من باب التسامح في أدلة السنن؛ وربما يكون قد اطمأن بصدورها نظراً لتكرار هذا المضمون في روايات ضعيفة أخرى. (القمي، 1404، ج1، ص179 و 180؛ الطوسي، 1414، ص525).

مضمون هاتين الروايتين، بالإضافة إلى بعضهما البعض، مثل صحيحة ابن القداح وصحيحة محمد بن مسلم.

2-2-5-3. دلالة روايات كون النكاح سنة

بعد ذكر هذه الروايات، يشرع صاحب الجواهر في بيان الاستدلال ويقول: سنة وطريقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إما واجبة أو مستحبة؛ لأن المباح والمكروه لا يُقال لهما سنة النبي. وعليه، فإن الزواج الذي هو سنة النبي، إما واجب أو مستحب، ويشمل الزواج الثاني والثالث والرابع أيضاً، وبما أن الزواج الثاني والثالث والرابع ليس واجباً بالإجماع، يثبت استحبابه. (النجفي، 1404هـ، ج29، ص12).

2-2-5-4. إشكال على روايات كون النكاح سنة

هذه الرواية ناظرة إلى مطلوبية طبيعة الزواج وفي الواقع هي تشجيع على التزويج وعدم العزوبة؛ وعليه، لا يُستفاد منها مطلوبية تعدد الزوجات. فهي لا إطلاق لها بالنسبة للزواج الثاني والثالث والرابع؛ لأنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، وفي مقام بيان مطلوبية مجرد وجود الزواج. والقرينة على هذا المعنى هي ذيل الرواية: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»؛ لأن من يترك الزواج الثاني أو الثالث أو الرابع، قطعاً لم يرغب عن سنة النبي، ولا يصدق عليه «فليس مني».

2-2-6. خلاصة الروايات

من بين الروايات، كانت صحيحة معمر بن خلاد وصحيحة صفوان بن مهران تامتين من حيث السند والدلالة، وأثبتتا استحباب تعدد الزوجات. ومرسلة يونس، رغم تماميتها من حيث الدلالة، إلا أنها بسبب إرسالها وضعف سندها ليست دليلاً مستقلاً، وهي مجرد مؤيد.

3. سيرة الأئمة

أحد الأدلة التي تمسك بها بعض الفقهاء لإثبات استحباب تعدد الزوجات هو سيرة الأئمة. (النجفي، 1404هـ، ج29، ص35؛ العاملي، 1427هـ، ج6، ص112).

بعض المعاصرين لم يعتبروا هذا الاستدلال تاماً ولم يقبلوا إثبات استحباب تعدد الزوجات بشكل مطلق بواسطة السيرة:

فيما يتعلق باستحباب تعدد الزوجات، يُتمسك أحياناً بسيرة الأئمة الأطهار (ع) (نظراً لخصوصية بعض الأحكام المتعلقة بالنبي الأكرم (ص)، لا يُستدل بسيرة النبي (ص)). في رأينا، هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن هذا الفعل من الأئمة (ع) كان بهدف التغلغل بين جميع قبائل وشرائح المجتمع، ليتمكنوا من نشر رسالتهم ودعوتهم بشكل أوسع من خلال هذه المصاهرات، ومن جهة أخرى مسألة زيادة نسل المسلمين والشيعة وأمور من هذا القبيل، وكذلك عدم وجود مشاكل في إدارتهن في فعل الأئمة (ع)؛ بناءً على هذه النقاط، فإن إثبات استحباب تعدد الزوجات بشكل مطلق وبدون النظر إلى هذه الخصوصيات للجميع كحكم كلي، فيه إشكال. (الزنجاني، 1419، ج16، ص5104).

سيرة المعصومين، من حيث إن فعل المعصوم بقرينة التكرار يدل على الاستحباب، تحتاج إلى دراسة صغروية وكبروية؛ أي أولاً يجب دراسة ما إذا كان فعل المعصوم بقرينة التكرار في غير العبادات يدل على الاستحباب، وثانياً، هل كان تعدد الزوجات فعلاً مستمراً للأئمة؟ سيتم بحث هذا الموضوع في مقال آخر.

الخاتمة

في بحث الحكم التكليفي والأولي لتعدد الزوجات، يوجد قولان في المسألة: الإباحة والاستحباب. القائلون بالاستحباب يسعون لإثباته بالتمسك بالقرآن والروايات والسيرة، والقائلون بالإباحة يسعون لإثباتها برد أدلة القائلين بالاستحباب.

تمسك بعض القائلين بالاستحباب لإثباته بالآية الثالثة من سورة النساء؛ ولكن نظراً إلى أن الآية في مقام بيان ترخيص الزواج باثنتين أو ثلاث أو أربع نساء، ولا يوجد فيها ترغيب، فلا يُستفاد منها الاستحباب.

من بين الروايات أيضاً، معظمها فيه إشكال من حيث السند أو الدلالة أو كليهما، ولا يمكن التمسك بها لإثبات استحباب تعدد الزوجات. فقط صحيحة معمر بن خلاد وصحيحة صفوان بن مهران تامتان من حيث السند والدلالة، وتثبتان استحباب تعدد الزوجات كحكم أولي. ذكرت صحيحة معمر بن خلاد «كثرة الطروقة» من سنن الأنبياء، وبناءً على القرائن المذكورة، يُرجح معنى الزوجة للطروقة. كما اعتبرت صحيحة صفوان بن مهران البيت الذي يُعمر بالزواج أحب الأشياء إلى الله، وإطلاقها يشمل الزواج الثاني والثالث والرابع أيضاً.

استدل بعض الفقهاء أيضاً بسيرة الأئمة لإثبات استحباب تعدد الزوجات، وهذا الاستدلال أيضاً محل نقاش.

الهوامش

1. باحث في الحوزة العلمية بقم؛ M.kazemi@gmail.com.1

2. لم يصرح الشيخ الطوسي بالإباحة، ولكن سيتم طرح كلامه أدناه ومناقشة الاحتمالات المختلفة بشأنه. وبناءً على القرائن المذكورة، سيتضح أن كلامه يتوافق مع الإباحة.2

3. بناءً على فرض قبول هذا المبدأ القائل بأن الاستحباب والكراهة ضدان لا ثالث لهما، فإن الزواج بأكثر من زوجة سيكون مكروهاً مع استحباب الزواج بزوجة واحدة. ومع فرض عدم قبول هذا المبدأ، سيكون الإشكال أوضح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الشيخ الطوسي قائلاً بكراهة تعدد الزوجات.3

Scroll to Top