الترتب في نظر المحقق النائيني والآثار الفقهية المترتبة عليه

الملخص

يعدّ بحث الترتب من المباحث الهامة في علم الأصول التي ترتبت عليها آثار كثيرة، وقد طرحه المحقق الكركي أولاً، ثم تناوله المحققون من بعده بالبحث. وفي مسألة إمكان الترتب، أي إمكان فعلية الأمر بالمهم في حال عصيان الأمر بالأهم؛ وقع الخلاف في الرأي؛ فذهب البعض إلى امتناعه وذهب آخرون إلى إمكانه. ومن الذين تبنوا الرأي الثاني وأقاموا البرهان على إمكان الترتب هو المحقق النائيني. فإنه بعد تنقيح وتشريح دقيق لمحل النزاع وتبيينه، وأن منشأ التزاحم بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم هو إطلاقهما لا أصل الخطابين، يقول: لو كان لازم الترتب هو طلب الجمع بين الضدين – كما توهمه القائلون بالامتناع – لكانت استحالة الترتب وامتناعه أمراً بديهياً وضرورياً؛ لأن المكلف غير قادر على امتثال الضدين في آن واحد؛ ولكن الأمر ليس كذلك، بل لازمه الجمع بين الضدين الذي يرتفع بتقييد الأمر بالمهم بترك الأمر بالأهم وترتيب الأمر بالمهم على ترك الأمر بالأهم. في هذا المقال، تم أولاً نقل أدلة القائلين بامتناع الترتب؛ ثم تم شرح وتبيين برهان المحقق النائيني على إمكان الترتب ونقد أدلة المخالفين، وفي الختام، بعد نقل الإشكالات على برهان المحقق النائيني ونقدها، تم ترجيح رأيه؛ لأنه في اعتقاد الكاتب، أدلة المحقق النائيني على إمكان الترتب هي الأقوى. وفي النهاية، تمت الإشارة إلى بعض الثمرات الفقهية المترتبة على مسألة الترتب.

المقدمة

من أجل تبيين بحث الترتب بشكل صحيح ومنطقي، نشير أولاً إلى بعض النقاط التمهيدية:

أ) بالتتبع في الكتب الأصولية للعلماء المتقدمين، مثل الذريعة للسيد المرتضى (علم الهدى، 1376هـ ش)، وعدة الأصول للشيخ الطوسي (الطوسي، 1417هـ)، ومعارج الأصول للمحقق الأول (المحقق الحلي، 1423هـ) وغيرها… يتضح أنهم لم يتطرقوا لهذا البحث.

من هنا، فإن هذه المسألة من المسائل الجديدة والمستحدثة في علم الأصول التي تناولها المتأخرون، وكان أول من تطرق لهذه المسألة بينهم هو المحقق الكركي المعروف بالمحقق الثاني من علماء القرن العاشر. وقد طرح هذه المسألة في كتابه الفقهي، جامع المقاصد (المحقق الثاني، 1414هـ، 5: 13) الذي هو شرح لكتاب قواعد الأحكام للعلامة الحلي (الحلي، 1413هـ، 2: 102)، وبعده دخلت هذه المسألة من الكتب الفقهية إلى الكتب الأصولية، وتناولها الأصوليون، مثل الشيخ الأنصاري، والآخوند الخراساني وغيرهم… وكُتبت مقالات أيضاً في زماننا حول الترتب وبُحثت من جوانب مختلفة. ونحن في هذا المقال نركز بشكل خاص على رأي المحقق النائيني حول الترتب ونتناول برهانه على إمكانه.

ب) يقول المحقق النائيني قبل الشروع في إقامة البرهان على إمكان الترتب: بما أنه لا يوجد أي تنافر أو تعاند في مقام الجعل والتشريع في الترتب بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم، كالأمر بإزالة النجاسة من المسجد مع الأمر بالصلاة؛ بل بينهما كمال الملاءمة والموافقة، والتعاند إنما هو في مقام فعلية الحكمين وتحققهما الخارجي لموضوعيهما.

من البديهي والضروري أن مسألة الترتب هي من صغريات باب التزاحم؛ وبناءً على ذلك، سيكون إثبات إمكان الترتب مساوقاً ومساوياً لوقوع الترتب، وليس لدينا دليل وبرهان مستقل على وقوعه بعد إثبات إمكانه؛ لأنه في باب التزاحم، كلا الحكمين المتزاحمين لهما أمر (الكاظمي، 1370هـ ق، 1: 335)، مثل التزاحم بين إنقاذ غريقين، حيث لا توجد مشكلة في جعل حكم «أنقذ كل غريق» بالنسبة لكلا الغريقين؛ بل المشكلة تكمن في مقام الفعلية وعجز المكلف عن إنقاذ كلا الغريقين.

1. تعريف الترتب

الترتب في اللغة يعني الثبات وعدم الحركة والوقوف في مكانه (ابن منظور، ذيل مادة: رتب، 1414هـ، 1: 409؛ الفيومي، ذيل مادة: رتب، 1414هـ)، مثل استعمال لفظ راتب في إمام الجماعة الذي يؤم في مكان معين؛ لأنه ثابت ومستقر في مكان واحد. وفي اصطلاح الأصوليين، يعني اجتماع حكمين فعليين في موضوع واحد أو اجتماع حكمين فعليين في موضوعين في زمان واحد؛ بحيث لا يكون المكلف قادراً على امتثالهما معاً، وهذا يكون في حالة يكون فيها أحد الحكمين مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيان الحكم المطلق أو مشروطاً ببناء المكلف على عصيان الحكم المطلق (المشكيني، 1416هـ، ص 104). اجتماع أمرين فعليين في موضوعين، مثل أن يكون شخصان يغرقان؛ ولكن أحدهما مؤمن والآخر منافق؛ واجتماع أمرين فعليين في موضوع واحد، مثل أن يكون الدخول في ملك الغير، بغير إذن المالك، واجباً كمقدمة لإنقاذ غريق. في هذه الحالة، كل خطوة يخطوها في ملك الغير، تكون واجبة من جهة كونها مقدمة لإنقاذ الآخر، وحراماً من جهة غصب ملك الآخرين. هنا، يحدث الترتب بين حكمين في موضوع واحد.

2. إمكان الترتب أو امتناعه

بعد عرض المباحث التمهيدية، ننتقل الآن إلى المحتوى الرئيسي للمقال؛ أي إمكان أو امتناع الترتب وأدلته، والذي يتضح من خلاله ابتكارات وإبداعات المحقق النائيني وأوجه تميزه عن سائر المحققين في علم الأصول.

كما أُشير إليه سابقاً، فإن بعض الأصوليين البارزين، مثل المرحوم الشيخ الأنصاري في مطارح الأنظار (تقريرات الكلانتري، 1383هـ ش، 1: 286) والمرحوم الآخوند الخراساني في كفاية الأصول (الخراساني، 1409هـ، ص 134) وتلامذته، لا يعقلون الترتب ويقولون باستحالته؛ ولكن في المقابل، يقف الميرزا النائيني الذي يرى الترتب ممكناً وقد استدل على إثبات إمكانه ببرهان يختص به؛ ولكن بما أن برهانه على إمكان الترتب ناظر إلى نقد أدلة الآخوند الخراساني على امتناع الترتب أيضاً، ففي الخطوة الأولى، نبيّن باختصار الأدلة التي أقامها الآخوند الخراساني في كفاية الأصول على استحالة الترتب.

الدليل الأول

خلاصة ادعاء المرحوم الآخوند في الدليل الأول على استحالة الترتب في كفاية الأصول (الخراساني، 1409هـ، ص 134) هي أنه أولاً: بين الخطابين المتزاحمين، بالنظر إلى أن المكلف لا يملك القدرة على امتثالهما معاً في زمان واحد، توجد مطاردة وكل من الخطابين يطرد الآخر؛ وبناءً عليه، يلزم طلب الضدين – وهو محال – وهذه المطاردة لا تنحل بطولية الخطابين – التي هي نتاج إثبات الترتب – أيضاً؛ لأنه وإن أصبح الخطابان المتزاحمان بالترتب خارجين عن العرضية وصارا طوليين – سواء بناءً على الشرط المتأخر أو الشرط المقارن – لكن مشكلة طلب الضدين – التي هي محالة من الشارع – لا تنحل؛ لأن كل واحد منهما له فعلية في رتبة أخرى، وفي نفس الرتبة التي له فيها فعلية، يكون للآخر فعلية أيضاً.

في هذه الصورة، يكون الحكمان الفعليان، بالنظر إلى أنه لا توجد قدرة زائدة، يتطاردان؛ أي كل منهما يقول: اصرف القدرة فيّ، ويطردان بعضهما البعض، وطلب أمرين يطرد أحدهما الآخر والمكلف لا يملك القوة والقدرة على فعل أحدهما إلا بترك الآخر، محال. حتى إنه يصور المطاردة في الأهم والمهم أيضاً ويعتبرها طرفينية ويقول: معنى فعلية الحكم، أي اصرف قدرتك فيّ، وإذا كان من المفترض أن يكون كل من الأهم والمهم فعلياً، فكما يقول الأهم: اصرف القدرة فيّ، يقول المهم نفس الشيء؛ وبناءً عليه، توجد مطاردة بين الخطابين.

ثانياً: إذا قال أحدهم إن المطاردة ليست بين الطرفين في الأهم والمهم؛ بل فقط الأهم يطرد المهم؛ نقول إن وجود المطاردة في طرف واحد كافٍ. وإن قبلنا أن المهم ليس في رتبة الأهم؛ ولكن الأهم – الذي هو مطلق – يقول: اصرف القدرة فيّ واطرد المهم، وهذا كافٍ؛ سواء طرد المهم الأهم أم لم يطرده.

الدليل الثاني

الدليل الثاني الذي يورده المرحوم الآخوند في كفاية الأصول (الخراساني، 1409هـ، 135) على استحالة الترتب، هو أن القول بالترتب له لازم لا يمكن الالتزام به وأنصار الترتب أيضاً لا يلتزمون به؛ لأنه كما مر، معنى الترتب هو أنه في فرض العصيان اللاحق أو العزم على المعصية، يكون كل من الأمر بالأهم فعلياً والأمر بالمهم فعلياً، وطلب الضدين في هذه المرحلة، لا مانع منه. نسألكم: إذا خالف المكلف في أول الوقت كلا الأمرين؛ أي لم يزل النجاسة ولم ينقذ الغريق و… ولم يصلِّ؛ فهل عليه عقاب واحد أم عقابان؟ هل هي وحدة العقاب أم تعدد العقاب؟ إذا قلتم إنه لا يستحق إلا عقاباً واحداً، فهذا خلاف القاعدة؛ لأنه عندما تتعدد التكاليف، يتعدد العقاب أيضاً؛ لأن تعدد الأسباب يوجب تعدد المسببات، وإذا قلتم إن هناك عقابين، فهذا لا ينسجم مع حكمة المولى؛ لأن المكلف في آن واحد، لا قدرة له على امتثالهما معاً ولا يستطيع الجمع بين الضدين، والعقاب على مثل هذا الأمر، هو عقاب على أمر غير مقدور. فالعقلاء يستقبحون مثل هذا العقاب ويوبخون المولى الذي يؤاخذ عبده على أمر غير مقدور. إذاً، القول بالترتب يستلزم تعدد العقاب وهذا اللازم باطل؛ وبناءً عليه، يكون الملزوم باطلاً أيضاً.

3. دليل الميرزا النائيني على إمكان الترتب

في مقابل القائلين بامتناع الترتب، يقف القائلون بإمكان الترتب الذين أقاموا أدلة وبراهين على إمكان وعدم استحالة الترتب؛ ولكن بالنظر إلى عنوان المقال، نكتفي بذكر واحد منها، وهو برهان المحقق النائيني على إمكان الترتب. لقد ذكر برهاناً يتكون من خمس مقدمات لإثبات إمكان الترتب ويقول: من يصحح هذه المقدمات، فإنه لا محالة سيقبل بالترتب أيضاً. هذه المقدمات الخمس وردت في كتابي أجود التقريرات (الخوئي، 1352هـ، ص 286-302) وفوائد الأصول (الكاظمي، 1370هـ ش، ج 1، ص 337-357) وهما تقريرات درس المحقق النائيني؛ مع هذا الفارق أنه في فوائد الأصول (الكاظمي، 1370هـ ش، ج 1، ص 352) يقول: المقدمة الأولى والثالثة من هذه المقدمات الخمس، لا دور لهما في إثبات إمكان الترتب؛ لأنها في المقدمة الأولى تبحث في علة ومنشأ القول بالاستحالة، وفي المقدمة الثالثة تدفع بعض الإشكالات، مثل توقف إمكان الترتب على القول بإمكان الواجب المعلق أو إمكان الشرط المتأخر.

المقدمة الأولى

يقول في المقدمة الأولى – التي لا دور لها في تصحيح الترتب؛ بل أوردت لتنقيح وتشريح منشأ النزاع والاختلاف بين القائلين بإمكان وامتناع الترتب -: هل علة ومنشأ التزاحم بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم، هي فعلية الخطابين (خطاب: أزل النجاسة وصل) وأصل وجودهما في زمان واحد، ونتيجته طلب الجمع بين الضدين واستحالته بديهية وضرورية؛ لأن المكلف في زمان واحد، لا قدرة له على امتثال ضدين؛ مثل أن يصلي ويزيل النجاسة من المسجد في آن واحد؛ أم أن علة ومنشأ التزاحم بينهما، هي إطلاق الخطابين؛ لا أصل الخطابين وفعلية الخطابين؟ بحيث يرتفع هذا التزاحم برفع اليد عن إطلاق دليل المهم وتقييده بترك الأهم، وترتفع مشكلة الاستحالة، ولا يلزم رفع اليد عن أصل الخطاب؛ لأن «الضرورات تتقدر بقدرها»؟ كما سيأتي في المقدمة الخامسة أنه أثبت بهذه المقدمة أن المنشأ هو إطلاق الخطابين لا أصل الخطابين.

المقدمة الثانية

المقدمة الثانية – وهي من أركان مقدمات إثبات عدم استحالة الترتب – هي أن الواجب المشروط، بفعلية شرطه، لا يخرج عن كونه مشروطاً؛ على سبيل المثال، إذا قال الشارع: إذا استطعت، فالحج واجب عليك، وأوجب الحج على المكلف بشرط الاستطاعة. فإذا استطاع المكلف، فالحج الذي كان واجباً مشروطاً، لا يزال واجباً مشروطاً؛ ولكنه واجب مشروط قد أصبح شرطه فعلياً، فهو أيضاً فعلي؛ ولكنه لا يزال وجوب الحج وجوباً مشروطاً، وليس من المعقول أن يصبح الواجب المشروط، بفعلية شرطه، مطلقاً.

البرهان الذي استدل به على إثبات هذا الادعاء هو أن الشرط بمنزلة الموضوع. وبناءً عليه، إذا خرج الواجب المشروط بفعلية شرطه عن كونه مشروطاً؛ فهذا يعني أن موضوعه خرج عن كونه موضوعاً، وهو أمر غير معقول؛ لأن «الشيء لا ينقلب عما هو عليه». (لا ينقلب أي شيء عن حقيقته وماهيته). فإذا كان الأمر بالمهم (الأمر بالصلاة) المشروط بعصيان الأمر بالأهم (الأمر بالإزالة)، أصبح فعلياً بفعلية شرطه؛ أي عصيان الأهم، فإنه لا يخرج عن كونه مشروطاً، وادعاء المنكرين؛ أي الترتب – الذين يقولون بمجرد أن يصبح الأمر بالمهم فعلياً، يتحول من كونه مشروطاً إلى مطلق ويتطارد مع الأمر بالأهم الذي هو مطلق أيضاً – باطل؛ لأنه بالنظر إلى هذه المقدمة، النتيجة هي أنه حتى بعد فعلية الشرط، لا يخرج الواجب المشروط عن كونه مشروطاً، ويزول التزاحم بين الأمرين المطلق والمشروط اللذين يكون أحدهما في طول الآخر، ولا توجد مطاردة بين الأمر المطلق والمشروط أيضاً.

المقدمة الثالثة

هذه المقدمة، مثل المقدمة الأولى، لا دور لها في تصحيح الترتب، وتشتمل على أمرين، وبإثبات هذين الأمرين، يجيب على الإشكالات التي طرحها أنصار القول باستحالة الترتب والتي وردت في ثنايا كلمات الآخوند الخراساني في الكفاية:

1. الأمر الأول هو أن فعلية الحكم لا تنفك عن فعلية موضوعه، وبمجرد أن يصبح الموضوع فعلياً، يصبح الحكم فعلياً أيضاً، وليس من المعقول أن يكونا في زمانين مختلفين؛ لأن نسبة الموضوع إلى الحكم كنسبة العلة إلى المعلول. وبعبارة أخرى، كما أن المعلول لا ينفك عن علته وهما يختلفان في الرتبة فقط، ولكنهما في زمان واحد، فكذلك الموضوع والحكم.

2. الأمر الثاني هو أن امتثال الحكم لا ينفك عن زمان فعلية الحكم، ولا ينفصل زمان امتثال الحكم عن زمان فعليته، ونفس الحكم الذي كان علة للموضوع، هو علة الامتثال أيضاً، وهما في زمان واحد، ولا معنى لأن يكون الوجوب، على سبيل المثال، قبل طلوع الفجر؛ ولكن امتثاله بعد طلوع الفجر؛ لأن مثل هذا الشيء لغو.

يُستنتج من هاتين المقدمتين أنه لإثبات إمكان الترتب، لا حاجة للقول بالشرط المتأخر أو الواجب المعلق؛ وبناءً عليه، لا يشكل أحد بأن لازم الترتب هو الشرط المتأخر والواجب المعلق، وأنتم أنفسكم تنكرون كليهما؛ فلا يمكنكم القول بالترتب!

المقدمة الرابعة

وقد قال عن هذه المقدمة إنها من أهم المقدمات وأساس الترتب قائم عليها. خلاصة المقدمة هي أنه إذا أريد لحكم أن يكون موجوداً وفعلياً في فرض وتقدير وحالة خاصة، فيتصور ذلك على ثلاث صور:

أ) تارة يكون بالإطلاق والتقييد اللحاظي، وأن هذا الحكم لو وجد في هذا الفرض والتقدير، فذلك بلحاظ الحاكم؛ وحينئذ، قد يكون هذا الفرض إطلاق الحكم، ويكون الشارع قد لاحظ الحكم مطلقاً، أو يكون قد لاحظه مقيداً. على كل حال، مرجع ذلك إلى كيفية لحاظ الحاكم. ثم قال إن موضع هذا القسم من الحكم هو التقسيمات الأولية للحكم.

ب) القسم الثاني هو أن يكون الحكم فعلياً وموجوداً في فرض وتقدير، بسبب عموم الملاك أو ضيق وتقييد الملاك؛ لا بسبب اللحاظ الإطلاقي أو التقييدي للحاكم والشارع، مثل التقسيمات الثانوية للحكم التي لا مجال فيها للإطلاق أو التقييد اللحاظي للمولى؛ لأنه في التقسيمات الثانوية، التقييد اللحاظي من قبل الحاكم والشارع محال، ومتى كان محالاً، كان الإطلاق محالاً أيضاً؛ لأن النسبة بين الإطلاق والتقييد هي العدم والملكة، وحيثما استحالت الملكة، استحال عدم الملكة أيضاً. على سبيل المثال، انحفاظ الحكم في ظرف الجهل، حيث إن الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل؛ ففي ظرف الجهل، الحكم موجود ومنحفظ؛ ولكن ليس لأن المولى عندما جعل الحكم، جعله مطلقاً ومشتركاً بين العالم والجاهل، لأن ذلك محال، بل لأن ملاك الحكم عام ويشمل العالم والجاهل، فالحكم عام. بالطبع، إطلاق وعموم هذا الحكم يحصل بواسطة متمم الجعل – الذي هو خارج عن الجعل الأولي.

ج) القسم الثالث هو أن فعلية الحكم في تقدير خاص وفرض مخصوص (مثل فرض إطلاق الحكم أو فرض تقييد الحكم) ذاتية للحكم وكامنة في بطن الحكم والخطاب وناشئة من ذات الحكم، لا من دافع خارجي؛ مثل فعلية الحكم في فرض الطاعة وامتثال الحكم أو العصيان ومخالفة الحكم. على سبيل المثال، لا يستطيع الشارع بلحاظ الإطلاق والتقييد الذي هو الصورة الأولى أو متمم الجعل الذي هو الصورة الثانية، أن يقيد وجوب الصلاة بامتثال الحكم من قبل المكلف؛ لأنه عندما يمتثل المكلف الحكم ويصلي، يكون الحكم قد امتُثل. فتقييده بالامتثال تحصيل حاصل، ولا يمكنه تقييد وجوب الصلاة بفرض ترك الصلاة؛ أي أن يقول هكذا: إذا تركت الصلاة، أوجبت عليك الصلاة؛ لأنه يلزم طلب الضدين؛ لأن المكلف تارك للصلاة، ولا يمكن أمر التارك بفعل شيء، وعندما يكون التقييد بالشكل اللحاظي ومتمم الجعلي محالاً، يكون الإطلاق محالاً أيضاً؛ لأن النسبة بين الإطلاق والتقييد هي العدم والملكة.

فقط الإطلاق والتقييد بواسطة ذات الحكم يبقى؛ أي أن ذات الحكم تقتضي أن يكون الحكم موجوداً في فرض طاعة وامتثال الحكم أو عصيانه. فذات الحكم هي التي لها هذا الاقتضاء وتقول: أوجدني واهدم عدمي. وبعد بيان هذه الأقسام الثلاثة قال: إن كون الحكم موجوداً وفعلياً في القسم الثالث باقتضاء ذات الحكم؛ لا باقتضاء إطلاق وتقييد الحاكم والشارع ولا باقتضاء عموم وخصوص ملاك الحكم، هو منشأ ظهور أثرين:

1. في القسمين الأولين، نسبة الحكم إلى منشئه وعلته، هي نسبة المعلول إلى العلة. على سبيل المثال، وجوب الحج في فرض الاستطاعة، معلول لتقييد الحكم بالاستطاعة، وتقييد الحكم بالاستطاعة هو علة لوجوب الحج؛ بخلاف القسم الثالث الذي تكون نسبة الحكم إلى منشئه هي نسبة العلة إلى المعلول، وذات الحكم هي علة وجوب الامتثال ومقتضية لامتثال الحكم.

2. الأثر الثاني الذي يترتب على الأثر الأول، هو أنه في القسمين الأولين، لا يوجد للحكم أي تعرض لمنشئه؛ لأن نسبته إلى المنشأ هي نسبة المعلول إلى العلة، وليس من المعقول أن يتعرض المعلول لعلته؛ لأن رتبته بعد العلة، ومحال أن يؤثر ما رتبته متأخرة في المتقدم؛ بخلاف القسم الثالث الذي تكون نسبة الحكم إلى منشأ اقتضائه هي نسبة العلة إلى المعلول، والعلة يمكن أن تتعرض لمعلولها. وبناءً عليه، يمكن أن تقول: امتثل الحكم واهدم تركه.

المقدمة الخامسة

النتيجة التي تُستخلص من هذا التقسيم هي أن مشكلة مطاردة الأمر بالأهم مع الأمر بالمهم التي أوردها المرحوم الآخوند في دليله الأول على استحالة الترتب، تُحل؛ لأنه في فرض عصيان الأهم، وإن كان كلا الأمرين – الأهم والمهم – ثابتين وفعليين معاً في زمان واحد؛ ولكن ثبوت وفعليتهما مختلفة، وهذا الاختلاف يرفع المطاردة؛ أي في المقام الذي يوجد فيه ترتب والمكلف يترك الأهم، ويصبح الأمر بالمهم والأهم كلاهما فعلياً، لا توجد مطاردة بينهما ولا يطرد أحدهما الآخر ويمنعه؛ بل بينهما كمال الانسجام؛ ولكن من جانب الأمر بالمهم، لا توجد مطاردة ولا يطرد الأمر بالأهم؛ لأن الأمر بالمهم مشروط بترك الأهم.

فالأمر بالمهم، مترتب على ترك الأمر بالأهم ومعلول له، وترك الأهم هو علة للأمر بالمهم. وبناءً عليه، ليس له اقتضاء لترك الأهم؛ بل محال أن يقتضي ترك الأهم؛ لأن المعلول إذا أصبح سبباً لعلته، يلزم الدور؛ ولكن من جانب الأمر بالأهم، لا توجد مطاردة، وليس للأمر بالأهم اقتضاء لترك المهم؛ لأن مقدار دلالة الأمر بالأهم هو إلى حد الأمر بإيجاد متعلقه؛ أي إيجاد الأهم؛ ولكن أن يكون له دلالة على ترك المهم أيضاً، بالإضافة إلى دلالته على إيجاد متعلقه، ليكون هناك منافاة مع الأمر بالمهم، فليس له مثل هذه الدلالة.

آخر مقدمة ذكرها المحقق النائيني لإثبات الترتب واعتبرها مؤثرة في إثبات مدعاه، أي إمكان الترتب؛ تتضمن مطلبين: الأول أن يثبت أين هو مورد الترتب؟ والثاني أنه يحاول إثبات أنه وإن كان في فرض عصيان الأهم، كل من أمر الأهم والأمر بالمهم فعليين؛ ولكن هذا جمع بين الضدين، لا طلب الجمع بين الضدين، وما هو محال هو طلب الجمع بين الضدين، وأن يقول المولى: أوجد هذين الضدين معاً؛ ولكن إذا قال: أوجد هذا، وفي فرض عصيان الأول، أوجد الآخر، فلا إشكال.

خلاصة كلامه هنا هي أن الخطابين والحكمين اللذين يتقارنان ويجدان الفعلية في زمان واحد، يمكن أن يكونا على إحدى هذه الصور الأربع:

1. أحد الخطابين المتقارنين اللذين هما في عرض بعضهما البعض، مطلق والآخر مشروط بشرط غير اختياري، وليس أي من الخطابين ناظراً للآخر؛ مثل خطابين أحدهما يدل على وجوب الصلاة المشروط بطلوع الفجر والآخر يدل على وجوب الصوم بدون تقييد بقيد أو شرط. الآن إذا تقارن هذان الخطابان زمانياً وأصبح كلاهما فعلياً، تجري أحكام باب التزاحم.

2. أحد الخطابين المتقارنين اللذين هما في عرض بعضهما البعض، مشروط بشرط اختياري والآخر مطلق؛ ولكن الخطاب المطلق لا نظر له بالمشروط والمشروط أيضاً لا نظر له بالمطلق. في هذا القسم أيضاً، مثل القسم الأول، الخطابان عرضيان. وبناءً عليه، إذا تقارنا زمانياً وأصبح كلاهما فعلياً، تجري أحكام باب التزاحم.

3. الخطابان في طول بعضهما البعض، لا في عرض بعضهما البعض؛ ولكن أحدهما، بوجوده وفعليته، يرفع موضوع الخطاب الآخر؛ مثل أن خطاب تعلق الخمس يقول: هذا المال متعلق بالخمس ولا يمكن التصرف فيه، ومن جهة أخرى، دليل وجوب الحج يقول: إذا كنت مستطيعاً، فالحج واجب. إذا لم يدفع المكلف الخمس؛ فإن ما يملكه يكفي للحج ويحصل الاستطاعة؛ ولكن إذا أخرج الخمس، يزول موضوع وجوب الحج؛ أي الاستطاعة. فوجود أحد الخطابين يمنع فعلية الخطاب الآخر ويزيل موضوعه.

في هذه الصورة أيضاً، لا علاقة له ببحث الترتب، وأساساً محال أن يتحقق طلب الضدين؛ لأنه ما دام وجوب الخمس فعلياً ويقول إن خمس أموالكم ليس مالكم؛ فإن موضوع الخطاب الآخر، أي الاستطاعة، لا يتحقق ليلزم منه طلب الضدين.

4. وجود أحد الخطابين لا يزيل موضوع الخطاب الآخر؛ بل بامتثاله، يزيل موضوع الخطاب الآخر، وموضوع ومورد الترتب هو هذا القسم. على سبيل المثال، في «أزل النجاسة عن المسجد»، أمر «أزل» هو الأهم، و«صل إن عصيت» هو الأمر بالمهم. أمر «أزل» بوجوده وفعليته، لا يزيل وجوب الصلاة؛ بل بامتثاله، أي إزالة النجاسة من المسجد، يزول موضوع وجوب الصلاة، أي عصيان أمر الإزالة.

فبإنجاز الأمر الأهم، يسقط الأمر بالمهم من الفعلية، لا بوجوده. وبناءً عليه، إذا أنجز المكلف الأمر الأهم، لا يتحقق العصيان. وبالتالي، لا يصبح وجوب الصلاة فعلياً؛ لأن موضوعه، أي عصيان الأهم، لم يتحقق. الآن وقد تحدد مورد الترتب، يقول: في هذه الصورة أيضاً، لا يحصل طلب الضدين، وأن منكري الترتب توهموا أن الأمرين المترتبين في القسم الرابع يستلزمان طلب الضدين؛ نقول إنه ليس فقط الترتب في هذا القسم لا يستلزم المحال؛ بل الأعلى من ذلك، محال أن يقع طلب الضدين في الترتب؛ لأنه في الترتب، الأمر بالمهم مشروط بترك الأهم، ومطلوبيته ومحبوبيته في فرض ترك الأمر بالأهم.

بناءً عليه، محال أن يكون في زمان واحد، الأمر بالأهم والأمر بالمهم، محبوبين ومطلوبين للشارع. والشاهد على ذلك أيضاً هو أنه لو فرضنا في الخارج إمكان أن يقوم المكلف بكلا العملين، أي إزالة المسجد والصلاة معاً، فإن وقوع هذين العملين معاً ليس مطلوباً للمولى ولا محبوبية له، والمولى يختار أحدهما.

بتعبير آخر، المحذور والإشكال في تعلق الأمر بضدين الذي يطرحه القائلون بامتناع الترتب، هو أن لازمه طلب الجمع بين ضدين؛ أي أن الشارع يطلب من المكلف كلا العملين في زمان واحد، وهذا المحذور يلزم في حالة يكون كلا الخطابين مطلقين أو يكون كل منهما مقيداً بامتثال الآخر؛ ولكن إذا كان أحد الخطابين مطلقاً والآخر مقيداً ومشروطاً بعدم امتثال الآخر، وهو مورد وموضع الترتب، فلا يلزم طلب الجمع بين ضدين. والدليل على هذا الادعاء – أن الشارع لا يريد كلا العملين من المكلف في زمان واحد وليس مطلوباً للشارع – هو أنه على فرض لو تمكن في الخارج من امتثالهما معاً، فكلاهما ليس مطلوباً ومحبوباً للشارع. على سبيل المثال، إذا قال الشارع: ادخل المسجد، وإذا لم تدخل، فاقرأ القرآن. هنا، إذا دخل المكلف المسجد وقرأ القرآن، فإن قراءة القرآن ليست مطلوبة للشارع، ونفس عدم المطلوبية والمحبوبية لقراءة القرآن في المسجد، كاشف عن أن طلب الجمع بين الضدين الذي هو محال، لا يلزم.

النتيجة

من ضم المقدمة الثانية والرابعة والخامسة التي لها دور في البرهان، نستنتج أن الترتب ممكن، لا ممتنع، ودليل المرحوم الآخوند الأول على امتناع الترتب باطل؛ لأنه في المقدمة الثانية ثبت أن الواجب المشروط بتحقق شرطه لا يتحول من كونه واجباً مشروطاً إلى واجب مطلق. وبناءً عليه، أحد الخطابين مطلق والآخر مشروط؛ لا أن كلا الخطابين مطلق. وفي المقدمة الرابعة أيضاً ثبت أنه بين الأمر بالأهم – الذي هو مطلق – والأمر بالمهم – الذي هو مشروط – يوجد كمال الانسجام، ولا يطرد الأمر بالأهم والمهم بعضهما البعض، ولا توجد بينهما مطاردة. وفي المقدمة الخامسة أيضاً ثبت أنه عندما لا تكون بينهما مطاردة، لا يلزم طلب الجمع بين الضدين ليكون الترتب ممتنعاً.

نقد الدليل الثاني للقائلين باستحالة الترتب

الدليل الثاني الذي استدل به المرحوم الآخوند الخراساني في كفاية الأصول (الخراساني، 1409هـ، ص 134) على استحالة الترتب كان تالياً فاسداً يترتب على القول بالترتب، وهو تعدد العقاب في فرض عصيان كلا الخطابين، حيث قال إن القائلين بالترتب لا يقبلونه.

وقد أجاب المرحوم النائيني في فوائد الأصول (الكاظمي، 1370هـ ش، ج 2، ص 366) على هذا الإشكال:

1. جواب نقضي، بالنقض بالواجب الكفائي. بهذا البيان أنه في الواجب الكفائي، إذا لم يدفن جميع المكلفين هذا الميت أو لم ينقذوا هذا الغريق، يعاقبون جميعاً؛ في حين أن الجميع لم يكن لديهم القدرة على إنجاز الفعل، وفعل واحد لا يقبل التعدد. ففي الواجبات الكفائية، مع أن اجتماع المكلفين محال؛ ولكن في صورة الترك، يوجد تعدد للعقوبة. هنا أيضاً اجتماع المطلوبين محال؛ ولكن لا مشكلة في أن يعاقب على مخالفة هذا المتعلق وعلى مخالفة المتعلق الآخر. كل جواب يعطى بشأن النقض، يأتي هنا أيضاً.

2. في الجواب الحلي، يقول هكذا: وإن كان المكلف لا يملك القدرة على إتيان كلا الخطابين معاً ومحال أن يجمع بينهما؛ وتعدد العقاب من هذه الجهة محال؛ ولكنه يملك القدرة على ترك الجمع بينهما؛ أي كان يستطيع أن يأتي بالأهم؛ ولكنه تركه؛ كما أنه كان يستطيع أن يأتي بالمهم في صورة ترك الأهم وتركه. فتعدد العقاب هو بسبب قدرة المكلف على الجمع بين التركين، حيث كان يملك القدرة عليه.

بالنتيجة، وإن كان لازم القول بالترتب في صورة ترك كلا الخطابين هو تعدد العقاب؛ ولكن تعدد العقاب هذا ليس قبيحاً؛ لأنه كانت لديه القدرة عليه. بتعبير آخر، في الأمرين المترتبين، كلا الخطابين متوجه للمكلف، وهذا الشخص له القدرة على الأمر بالأهم وحده والخطاب متوجه إليه، وله القدرة على المهم، بشرط أن يعصي الأهم. وبناءً عليه، الخطاب بالمهم أيضاً متوجه إليه، وكل من الخطابين مقدور، ويكفي لاستحقاق العقوبة أن يكون كل خطاب متوجهاً للمكلف والمكلف قادراً على امتثاله، لأن هذا الملاك موجود في الترتب. وبناءً عليه، تعدد العقاب ليس قبيحاً.

رأي الكاتب

يبدو أن برهان النائيني على الترتب هو من أقوى وأشمل البراهين التي أقيمت على إمكان الترتب، وفيه تمت الإشارة إلى جميع زوايا المسألة ورفع جميع الإشكالات التي أثيرت على الترتب. وبناءً على ذلك، لتثبيت هذا البرهان، نحن بصدد نقد الإشكالات التي أثيرت لرد هذا البرهان، وندافع عنه باعتباره أهم دليل لمّي على إمكان الترتب.

4. الإشكالات على مقدمات النائيني الخمس في إمكان الترتب ونقدها

أثيرت إشكالات كثيرة على مقدمات المحقق النائيني على إمكان الترتب، والتي هي في رأي الكاتب قابلة للنقاش والنقد. يمكن تقسيم مجموع هذه الإشكالات إلى ثلاثة أقسام:

1. إشكالات هيكلية وشكلية على المقدمات الخمس للمحقق النائيني؛ 2. إشكالات مبنائية؛ 3. إشكالات محتوائية وبنائية، وهي أهم من القسمين الأولين، ونحن في هذا المقال نذكر بعضها مما هو مهم وعمدة وننقده.

الإشكال الأول ونقده

هذا الإشكال في منتقى الأصول (عبد الصاحب، 1413هـ، ج 2، ص 392) على المقدمة الأولى من المقدمات الخمس التي أقامها المحقق النائيني على إمكان الترتب. الإشكال هو أن المقدمة الأولى لا دخل لها في الاستدلال والبرهان؛ بل في هذه المقدمة تم بيان موضوع النزاع والاختلاف ومركزه وعلته ومنشئه؛ في حين أن ظاهر هذه المقدمة هو أن لها دوراً في البرهان على إمكان الترتب؛ ولكن هذا الإشكال لا يرد على المحقق النائيني؛ لأنه كما مر، هو نفسه اعترف بعدم دور هذه المقدمة في فوائد الأصول (الكاظمي، محمد علي، 1376هـ ش، ج 2، ص 352). وبناءً عليه، الإشكال الأول ناشئ عن عدم الدقة في مجموع كلمات النائيني.

الإشكال الثاني ونقده

الإشكال الثاني أيضاً في منتقى الأصول (عبد الصاحب، 1413هـ، ج 2، ص 392) على المقدمة الخامسة. هذا الإشكال يقول إن هذه المقدمة، مثل المقدمة الأولى، ليست من مقدمات تصحيح الترتب؛ بل هي وحدها من أدلة تصحيح الترتب؛ دون الحاجة إلى ضم بقية المقدمات. هذا الإشكال أيضاً لا يرد على المحقق النائيني؛ لأن هذه المقدمة بدون إثبات عدم انقلاب الواجب المشروط إلى واجب مطلق بعد فعليته بتحقق شرطه؛ أي عصيان الأمر بالأهم، الذي ثبت في المقدمة الثانية، لا تؤدي إلى نتيجة إمكان الترتب؛ لأنه إذا أنكر شخص المقدمة الثانية وقال بتبدل الواجب المشروط بتحقق شرطه إلى واجب مطلق، فإن دليلي الأهم والمهم بإطلاقهما يطرد أحدهما الآخر ويمتنع الترتب. وبناءً عليه، للوصول إلى النتيجة وإثبات المدعى، أي إمكان الترتب، هذه المقدمة وحدها لا تكفي ولا يمكن أن تكون دليلاً مستقلاً على إثبات الترتب.

الإشكال الثالث ونقده

الإشكال الثالث على برهان المحقق النائيني على إمكان الترتب، هو إشكال أورده تلميذه، المحقق الخوئي في أجود التقريرات (الخوئي، أبو القاسم، 1352هـ ش، ج 1، ص 295) – تقريرات درس الأستاذ –. يقول في حاشية هذا الكتاب: المقدمة الرابعة للنائيني لا دخل لها في إثبات إمكان الترتب، ولا تأثير لها في استدلال النائيني على إمكان الترتب؛ لأنه بدون هذه المقدمة أيضاً يثبت الترتب.

هذا الإشكال أيضاً لا يرد على المحقق النائيني، وكما قال هو نفسه في بداية هذه المقدمة في فوائد الأصول (الكاظمي، محمد علي، 1376هـ ش، ج 2، ص 348)، فإن هذه المقدمة هي أهم المقدمات وإثبات إمكان الترتب قائم عليها؛ لأنه في هذه المقدمة، بإثبات اختلاف مقام الأمر بالأهم والأمر بالمهم، يثبت أنه لا توجد مطاردة بينهما، وبإثبات هذا المطلب، ينهار أساس برهان الآخوند الخراساني على استحالة الترتب، أي المطاردة بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم.

الإشكال الرابع ونقده

قال المحقق النائيني في المقدمة الخامسة: المحذور والمشكلة التي تلزم من تعلق طلبين بمطلب واحد في زمان واحد مع وجود قدرة المكلف على أحد الخطابين، هو طلب الجمع بين ضدين؛ لا الجمع بين ضدين. وهذا المحذور يرتفع بالترتب؛ في حين أن هذا التفسير للمحذور والمشكلة، مبني على مبنى باطل موجود في باب الإطلاق، والمحقق النائيني أيضاً يرده ويسميه جمع القيود، وهو قائم عليه؛ لا على المبنى الصحيح وهو إطلاق رفض القيود وهو مبنى المحقق النائيني نفسه.

وقد ذكر هذا الإشكال المرحوم الروحاني في منتقى الأصول (عبد الصاحب، 1413هـ، ج 2، ص 94)؛ ولكن هذا الإشكال لا يرد على المحقق النائيني وهو ناشئ عن عدم الدقة في مجموع كلماته؛ لأنه يستفاد من ثنايا كلمات النائيني في المقدمة الخامسة أن مقصوده من المحذور في باب الترتب هو تحقق واقع الجمع بين ضدين؛ لا عنوان الجمع بين ضدين؛ أي أن المولى في باب الترتب لم يأمر بالجمع بين ضدين ولم يقل: اجمع بين هذا وهذا (اجمع بين الضدين وأتِ بهما معاً) حتى يقول المستشكل: هذا المطلب ينسجم مع مبنى جمع القيود في الإطلاق – الذي هو مبنى باطل –.

الإشكال الخامس ونقده

إشكال آخر أورد على أصل برهان إمكان الترتب هو أن محذور طلب بين ضدين لا يرتفع بالترتب؛ لأنه في حال اشتغال المكلف بإنجاز المهم، لا يخرج أمر الأهم عن حالين: إما أن تلتزم بعدم أمر الأهم وتقول: الأهم ليس له أمر، وهذا خلف؛ لأن مورد وموضع الترتب هو حيث اجتمع كلا الأمرين في زمان واحد، أو أن تلتزم بوجود أمر الأهم الذي لازمه تحقق طلب الجمع بين ضدين وهو محال. هذا الإشكال ورد في منتقى الأصول (عبد الصاحب، 1413هـ، ج 2، ص 394).

هذا الإشكال أيضاً لا يرد على برهان ترتب النائيني، وهو ناشئ عن عدم التفطن للمقدمات الخمس التي ذكرها لبرهان الترتب؛ لأن المحقق النائيني أيضاً يقبل بأن الخطابين موجودان معاً في زمان واحد وكلاهما فعلي، وفي جزء من المقدمة الخامسة تناول هذا الأمر؛ ولكنه يقول: مع أن كلا الخطابين فعلي، لا توجد مطاردة بينهما ولا يدفع أحدهما الآخر، لأنه كما مر في المقدمة الرابعة، يختلف مقام كل من أمر الأهم والمهم عن الآخر، ولا يتعرض أحدهما للآخر، بل الأعلى من ذلك، محال أن ينزل مقام الأهم إلى المهم ويترقى أمر المهم ليتعارضا.

الإشكال السادس ونقده

الإشكال التالي على الشاهد الذي أقامه المحقق النائيني في المقدمة الخامسة على استحالة طلب الجمع بين ضدين بناءً على الترتب. قال في هذه المقدمة: الدليل على هذا الادعاء – أن الشارع لا يريد كلا العملين من المكلف في زمان واحد وكلاهما ليس مطلوباً للشارع في آن واحد – هو أنه على فرض، لو تمكن في الخارج من امتثالهما معاً، فكلاهما ليس مطلوباً ومحبوباً للشارع. على سبيل المثال، إذا قال الشارع: ادخل المسجد، وإذا لم تدخل المسجد، فاقرأ القرآن. هنا، إذا دخل المكلف المسجد وقرأ القرآن، فإن قراءته للقرآن ليست مطلوبة للشارع، ونفس عدم المطلوبية والمحبوبية لقراءة القرآن في المسجد، كاشف عن أن طلب الجمع بين ضدين الذي هو محال، لا يلزم اجتماع ضدين ممكن، ومع ذلك ليسا مطلوبين في زمان واحد.

وقد أشكل المشكل في نقد هذا الجزء من كلام النائيني قائلاً إن هذا الشاهد ليس صحيحاً؛ لأنه وإن كان المكلف في صورة اشتغاله بالأهم وفرضنا إمكان اجتماع الضدين وحصل الاشتغال بالمهم أيضاً، فإن الأمر بالمهم ليس له مطلوبية وليس محبوباً للشارع؛ ولكن هذا من باب أن موضوع الأمر بالمهم لم يقع؛ لأن موضوع الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم الذي لم يتحقق بسبب امتثال الأمر بالأهم من قبل المكلف، لا من باب أن كلا الأمرين معاً ليس لهما مطلوبية ليكون شاهداً على مدعاكم بأن الترتب لا يؤدي إلى طلب الجمع بين ضدين. وقد طرح هذا الإشكال المرحوم السيد محمد باقر الصدر في كتاب بحوث في علم الأصول (تقريرات الشاهرودي، السيد محمود، 1417هـ، ج 2، ص 359).

هذا الإشكال أيضاً لا يرد، والنائيني نفسه تعرض له في المقدمة الخامسة وأجاب بأنه لو أراد الشارع طلب الجمع بين ضدين من المكلف، لزم أن يكون كلا الخطابين مطلقاً أو أن يكون كلاهما مشروطاً بزمان اشتغال الآخر؛ ولكن إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً، فلا يؤدي إلى طلب الجمع بين ضدين. وبناءً عليه، لو صدر كلاهما منك، فليس كلاهما مطلوباً؛ بل واحد فقط هو المطلوب والمحبوب.

5. الآثار والثمرات الفقهية للترتب

بحث الترتب في جميع أبواب الفقه، من الطهارة إلى الديات، هو أساس فتاوى الأصحاب. ونحن في هذا المقال نكتفي بذكر بعض الأمثلة منها التي أوردها المحقق النائيني في فوائد الأصول (الكاظمي، محمد علي، 1370هـ، ج 1، ص 358) والسيد اليزدي في العروة الوثقى (الطباطبائي، اليزدي، السيد محمد كاظم، 1409هـ، ج 1، ص 84):

1. إذا قصد شخص الإقامة بسبب أمر، مثل نذر أو قسم، عند طلوع فجر شهر رمضان إلى الزوال، حرم عليه ذلك، وعصى هذا الشخص ولم يقم، بلا إشكال، يجب عليه الصوم. في هذا الفرع الفقهي، في اللحظة الأولى من طلوع الفجر، أصبح خطابا فعليين عليه: أحدهما حرمة الإقامة عشرة أيام والآخر وجوب صوم شهر رمضان؛ ولكن وجوب الصوم مترتب على عصيان حرمة قصد الإقامة.

2. إذا وجب على المسافر قصد الإقامة بسبب أمر، مثل نذر أو قسم، ووجب عليه الصلاة تماماً، وعصى هذا الخطاب، بلا إشكال، تجب عليه صلاة القصر. في هذا الفرع الفقهي أيضاً، أصبح خطابا فعليين على المكلف في زمان واحد؛ ولكن الخطاب الثاني مشروط بعصيان الخطاب الأول.

3. إذا حرم على المسافر قصد الإقامة بسبب أمر، مثل نذر أو قسم، ونتيجة لذلك يجب أن يصلي صلاته قصراً؛ فإذا عصى هذا الخطاب وقصد الإقامة، وجب عليه التمام.

4. إذا كان على شخص دين وأراد أن يسدده من أرباح سنته التي لم يحن بعد موعد خمستها؛ فلا خمس على ذمته؛ ولكن إذا عصى ولم يسدد دينه الذي كان واجباً، وجب عليه الخمس.

5. متى رأى مكلف نجاسة في المسجد ودخل وقت الصلاة أيضاً؛ فإذا كان وقت الصلاة واسعاً، وجب عليه تقديم الإزالة والصلاة؛ ولكن إذا عصى ولم يزل النجاسة، وجبت عليه الصلاة.

الخاتمة

هذا البحث هو أول دراسة موسعة تقارن بين رأي المحقق النائيني والآخوند الخراساني حول الترتب، وتُلخص نتيجتها في بضع جمل على النحو التالي:

1. مسألة الترتب، خلافاً لبعض مسائل علم الأصول مثل مبحث المشتق، والحقيقة الشرعية، واستعمال اللفظ في أكثر من معنى… التي إما لا أثر لها أو أثرها قليل وفائدتها ضئيلة، لها آثار وثمرات فقهية مهمة في جميع أبواب الفقه، من الطهارة إلى الديات، مما يستدعي أن يكون لها باب مستقل في الكتب الأصولية وتُبحث بالتفصيل.

2. الترتب هو من صغريات باب الترتب ولا يختص بالمورد الذي يكون فيه المتزاحمان أهماً ومهماً؛ بل يجري في غير موارد الأهم والمهم أيضاً؛ مثل أمرين أحدهما موسع والآخر مضيق؛ لأن البرهان الذي أقامه المحقق النائيني على إمكان الترتب عام وشامل ويشمل غير مورد الأهم والمهم أيضاً.

3. المحقق النائيني، بفهمه الصحيح والدقيق للمسألة، أشار إلى منشأ وعلة إنكار المنكرين وقال: إن القائلين باستحالة الترتب بين جمع أمرين فعليين مع طلب الجمع بين أمرين فعليين، خلطوا وتوهموا أن الترتب من صغريات طلب الجمع بين أمرين فعليين الذي استحالته بديهية؛ في حين أنه من صغريات اجتماع أمرين فعليين والتضاد الابتدائي والظاهري بينهما يرتفع بالترتب أحدهما على الآخر وعصيانه.

4. بعد المحقق النائيني، قبل جميع الأصوليين المتأخرين عنه تقريباً الترتب وتبنوه؛ وإن كان من الممكن أن يكونوا قد أخذوا عليه بعض المآخذ في بعض تفاصيل المسألة أو لزوم وعدم لزوم بعض المقدمات الخمس التي أقامها في برهان المحقق النائيني.

قائمة المصادر

1. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (1414هـ)، لسان العرب، قم: دار الفكر.

2. الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (1413هـ)، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم.

3. الحلي، جعفر بن حسن (1423هـ)، معارج الأصول، قم: مؤسسة الإمام علي (ع).

4. الخراساني، محمد كاظم (1409هـ)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

5. الخوئي، أبو القاسم (1352هـ)، أجود التقريرات، تقريرات درس المحقق النائيني، الناشر: مطبعة العرفان.

6. الشاهرودي، محمود (1417هـ)، بحوث في علم الأصول، تقريرات درس الشهيد السيد محمد باقر الصدر، قم: مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي.

7. الطوسي، محمد بن الحسن (1417هـ)، العدة في أصول الفقه، قم: محمد تقي علاقبنديان.

8. العاملي الكركي (المحقق الثاني)، علي بن الحسين (1414هـ)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

9. عبد الصاحب، منتقى الأصول (1413هـ)، تقريرات درس آية الله السيد محمد الحسيني الروحاني، قم: مكتب آية الله السيد محمد الحسيني الروحاني.

10. علم الهدى (السيد المرتضى)، علي بن الحسين (1376هـ ش)، الذريعة إلى أصول الشيعة، طهران: جامعة طهران.

11. الفيومي، أحمد بن محمد (1414هـ)، المصباح المنير، بدون مكان: دار الرضي.

12. الكاظمي، محمد علي (1370هـ)، فوائد الأصول، تقريرات درس المحقق النائيني، قم: جامعة المدرسين بحوزة قم العلمية.

13. الكلانتري، أبو القاسم (1383هـ ش)، تقريرات درس الشيخ الأعظم الأنصاري، مطارح الأنظار، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

14. المشكيني، علي (1416هـ)، إصلاحات الأصول، قم: نشر الهادي (ع).

15. اليزدي الطباطبائي، السيد محمد كاظم (1409هـ)، العروة الوثقى فيما تعم به البلوى، قم: مؤسسة الأعلمي.

الهوامش

1. خريج مرحلة البحث الخارج في حوزة قم العلمية، ومدرس السطوح العليا في حوزة قم العلمية؛ nourafshan.moein85@gmail.com.

Scroll to Top