التحليل الدلالي وتحقيق مصدر عبارة «السر المستودع» في الصلوات الفاطمية (عليها السلام)

الملخص

في الآونة الأخيرة، اكتسبت عبارة «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ»، والتي تُعرف بـ«الصلوات الخاصة للسيدة الزهراء (عليها السلام)»، شهرة واسعة بين العامة والخاصة، وأصبح فكُّ رموز «السر المستودع» في وجودها المبارك محورًا لنقاشات وحوارات كثيرة. يرى البعض، بمقتضى كونه سرًا، أنه غير قابل للتفسير من الأساس؛ وفي المقابل، قدّم آخرون، بعضهم على نحو قطعي وبعضهم على سبيل الحدس والتخمين، ما مجموعه عشرون تفسيرًا تقريبًا لهذا السر. ومن هذه التفاسير: الإمام المهدي، والمحسن، والحسنان، والأئمة الأحد عشر، والسيدة زينب، وقبر السيدة الزهراء المخفي، وودائع النبوة، ومصحف فاطمة. بعد بحث شامل نسبيًا في المصادر الحديثية، والكلامية، والتفسيرية، والعرفانية، والأخلاقية، والفلسفية، ومراجعة جميع الأقوال والكتابات المتعلقة بهذه الصلوات، لم يعثر الكاتب على مصدر معتبر لتركيب «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا». وبناءً على ذلك، يعتقد الكاتب أن الاطمئنان بصدور هذه الصلوات، مشتملةً على هذا التركيب، محل إشكال. ومن المحتمل جدًا أن تكون هذه الصلوات بصيغتها الحالية، وخصوصًا فقرة «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا»، من إنشاءات بعض علماء الإمامية في القرون أو العقود الأخيرة. وعليه، فإن إبداء رأي قطعي أو ظني في تحديد مصداق السر المستودع يُعد أمرًا في غير محله.

1. بيان المسألة

لا شك ولا شبهة في فضائل ومقامات سيدة نساء العالمين، حضرة الزهراء (عليها السلام)، ولا في فضل الصلاة والسلام على هذا الوجود القدسي؛ فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا فاطمة، من صلى عليك غفر الله له، وألحقه بي حيث كنتُ من الجنة» (الإربلي، ١٣٨١هـ.ش، ١: ٤٧٢). كما لا شك في أن أهل البيت وحضرة الزهراء (عليهم السلام) هم حملة بعض الأسرار الإلهية، كما ورد في الأحاديث عن أهل البيت (عليهم السلام) بألقاب مثل «مَوْضِعُ سِرِّ اللهِ» (الصفار، ١٤٠٤هـ.ق، ١: ٥٧) و«حَفَظَةُ سِرِّ اللهِ» (الصدوق، ١٤١٣هـ.ق، ٢: ٦١٠). ولكن، من بين العبارات التي ظهرت لها حواشٍ وتفاسير مختلفة في عصرنا وأصبحت محورًا لبعض الخطب في أيام الفاطمية، خاصة بين الخطباء الناطقين بالعربية، عبارتان هما:

الأولى: عبارة في مقام الصلاة على حضرة الزهراء (عليها السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ».

الثانية: عبارة في مقام التوسل بها: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا أَنْ تَفْعَلَ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَلَا تَفْعَلَ بِي مَا أَنَا أَهْلُهُ».

لسهولة البحث في هذا الموضوع، سنشير من الآن فصاعدًا في هذا البحث إلى العبارة الأولى بـ«الصلوات الفاطمية» وإلى العبارة الثانية بـ«التوسل الفاطمي». القاسم المشترك بين العبارتين، وموضوع هذا البحث، هو مقطع «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا»، والذي يشغل ذهن القارئ عند مواجهة كلتا العبارتين: ما هو حقًا السر الخفي المودع في كيان حضرة الزهراء (عليها السلام)؟ ولماذا بعد ١٤٠٠ عام لم يُكشف عن هذا السر بعد؟

ما يتكفل به هذا البحث هو دراسة سند ومحتوى هاتين العبارتين بالتركيز على مقطع «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا». فهل هذه العبارة مأثورة حقًا كتوسل أو صلاة، أم لا؟ وعلى فرض صدورها عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، هل السر المستودع في كيان حضرة فاطمة (عليها السلام) قابل للكشف أساسًا أم لا؟ وعلى فرض إمكانية الكشف عنه، فماذا يمكن أن يكون هذا السر الخفي وما هي التفاسير التي قُدمت له حتى الآن؟

2. توظيف السر المستودع في خطاب المفكرين

لقد أصبحت الصلوات على السيدة الزهراء (عليها السلام) أو التوسل بها مقترنة بتركيب «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» إلى درجة أن من يذكر الصلاة أو التوسل بها دون عبارة «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» يواجه بالدهشة والتساؤل من السامعين. ولهذا، فإن أحد الأسئلة المطروحة في مراكز الإجابة على الأسئلة الدينية هو: لماذا لا يقرأ بعض العلماء عبارة «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» في صلوات السيدة الزهراء (عليها السلام)؟ (المركز الوطني للإجابة على الأسئلة الدينية، ١٣٩٨هـ.ش).

إن استعراض توظيفات هذه الصلاة والتوسل، مع التأكيد على مقطع «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا»، يكشف من جهة عن رؤية المفكرين تجاه هذه العبارة، ومن جهة أخرى يبرز أهمية هذا البحث؛ إذ يتضح مدى تغلغل هذه الفقرة بمرور الزمن وتكرارها، وما أدت إليه من استنباطات ونتائج في مجال المعارف الدينية.

1-2. محورية فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الخمسة الطيبة

يعتقد بعض أهل المنبر أن تقديم السيدة الزهراء (عليها السلام) في الصلوات الفاطمية «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَ…» يشير إلى دورها المحوري بين الخمسة الطيبة (عليهم السلام). وقد اعتبر آية الله الكوراني في مقطع فيديو منشور له أن تقديم السيدة الزهراء (عليها السلام) هو تأكيد على ضرورة التمسك بولايتها (الكوراني العاملي، دون تاريخ). وذهب بعض الخطباء إلى أبعد من ذلك، معتقدين أنه بما أن اسمها جاء في البداية بصيغة الاسم الظاهر، بينما ذُكر بقية الخمسة الطيبة بصيغة النكرة التي عُرّفت بالإضافة إلى ضمير «ها» العائد عليها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أبيها) وأمير المؤمنين (عليه السلام) (بعلها) والحسنين (عليهما السلام) (بنيها) يُعرفون بواسطتها، وأن معرفتهم لا تمكن إلا بمعرفتها (مجهول، ٢٠١٩م).

2-2. دعاء للتوسل ورفع الكروب

إن الاستخدام الأكثر شيوعًا للصلوات والتوسل الفاطمي في خطاب العلماء هو كـ«خَتْم مجرَّب» (غالبًا بعدد ٥٣٠ مرة) لقضاء كل حاجة (الروحاني، فضائل ومصائب حضرت زهرا، ١٣٩٠هـ.ش، ٥٦؛ همو، راه سعادت، ١٣٩٠هـ.ش، ١١٢؛ همو، ١٤٣٣هـ.ق، ٤٥؛ همو، ١٤٣١هـ.ق، ٢: ١٩٥؛ انظر أيضًا: المجتهدي، ١٤٣٢هـ.ق، ٣٣٢؛ أبو معاش، دون تاريخ، ٥: ٢٩؛ القيومي، ١٣٧٣هـ.ش، ٣٠٤؛ المظاهري، ١٣٨٩هـ.ش، ١٦٣؛ الفتاحي، ١٣٨٥هـ.ش، ٢٧٦؛ الرحماني الهمداني، دون تاريخ، ٢٥٢؛ البحراني، ١٣٨٣هـ.ش، ١١: ١١٤٦؛ الجديع، ١٤٣٥هـ.ق، ٧؛ الزاهدي، ١٣٩٠هـ.ش، ٦٢؛ المظاهري، ١٣٩٣هـ.ش). كما يعبر بعض الخطباء عنه بأنه مفتاح سماوي لإجابة الدعاء (السعداوي، ٢٠٢٢م).1

3-2. دعاء للقنوت

ذكر المرحوم آية الله المرعشي النجفي في حاشيته على العروة (الطباطبائي، ١٣٨٨هـ.ش، ٧: ٤٣٩) والمرحوم آية الله الشريفي الأشكوري في كتابه الفقهي (١٣٨٨هـ.ش، ١: ٥٨٢)، أن التوسل الفاطمي «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا…» هو دعاء يُقرأ في القنوت، وأكده أرباب كتب السنن والآداب. ومن المثير للاهتمام أن بعض أهل المنبر، بمجرد هذه التوصية من المرحوم المرعشي، ادعوا في خطبهم بعنوان «دراسة تحليلية في السر المستودع في الزهراء (عليها السلام)» أن عددًا كبيرًا من العلماء القدامى والمعاصرين، رغم كثرة الأدعية في مذهب الشيعة، قد داوموا على هذا الدعاء (الصلوات الفاطمية) في قنوت جميع صلواتهم الواجبة والمستحبة! (مدرس، ٢٠٢٤م).

4-2. فقرة من أدعية صلاة الميت

لقد تسرب التوسل الفاطمي بفقرة «السِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» إلى أعمال بعض الكتّاب المعاصرين كفقرة من فقرات صلاة الميت (الأركاني الحائري، ١٣٩٠هـ.ش، ١١٦).

5-2. مظهر اسم «الباطن» الإلهي

يقول السيد كمال الحيدري في مقطع فيديو منشور له: «بناءً على مبنى الفلاسفة والعرفاء، لا يمكن لاسم من أسماء الله أن يوجد في الكون دون مظهر له، وبحثت في الروايات فلم أجد ما يكون مظهرًا لاسم «الباطن» بشكل مطلق لا نسبي إلا «السِّرُّ الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا» في حق السيدة الزهراء (عليها السلام)؛ لأن هذا السر سيبقى خفيًا إلى يوم القيامة» (الحيدري، ٢٠٢٢م).

6-2. تناسب الحاجة مع الدعاء

بعض الخطباء يرفعون من شأن هذا الدعاء لدرجة أنهم ينصحون المخاطبين بعد قراءة هذه الصلاة والتوسل بالترفع عن طلب الحاجات الصغيرة، ويشجعونهم على طلب الحاجات العظيمة كحسن العاقبة ورضا الله (الشفيعي، ١٣٩٢هـ.ش).

3. تحقيق مصدر السر المستودع

إن نتيجة البحث الذي أجراه الكاتب في التراث الحديثي، والكلامي، والتفسيري، والفقهي، والعرفاني، والفلسفي، والتاريخي، وكذلك في كتابات المفكرين المتقدمين والمتأخرين، هي أن تعبير «السر المستودع فيها» حول السيدة الزهراء (عليها السلام) لا وجود له في مضمون صلاة أو توسل بها. بالطبع، وردت الصلاة على أبيها وزوجها الكريمين وأبنائها الأكارم في مصادر الحديث، كما ورد في كلام منسوب للإمام الرضا (عليه السلام) عندما ذكر السيدة الزهراء (عليها السلام)، حيث قال في الصلاة عليها: «صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهَا وَعَلَى أَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا» (علي بن موسى الرضا (ع)، ١٤٠٦هـ.ق، ١٨٩). كما أن ذكر جملة «عدد ما أحاط به علمك» بعد هذه الصلوات، وإن لم تكن مأثورة، فلا مانع منها؛ لأن هذا التعبير شائع في الأدعية المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) للتعبير عن الكثرة، كما ورد في مهج الدعوات: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ» (ابن طاووس، مهج الدعوات ومنهج العبادات، ١٤١١هـ.ق، ١٣٢؛ الطوسي، ١٤١١هـ.ق، ١: ٨٧). بناءً عليه، فإن عبارة «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ» ليست صلاة مأثورة. وفي المقابل، توجد في المصادر الروائية عبارات متعددة للصلاة والسلام على السيدة الزهراء (عليها السلام) (ابن قولويه، ١٣٥٦هـ.ق، ٢٣١؛ المفيد، ١٤١٣هـ.ق، ٣٣١؛ الكفعمي، ١٤١٨هـ.ق، ٢٩٦؛ المجلسي، ١٤٢٣هـ.ق، ٢٨٢)، وأكثرها شيوعًا اليوم، والتي تسمى أحيانًا بـ«الصلوات الخاصة للسيدة الزهراء (عليها السلام)»، هي صلاة منقولة عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ونصها كالتالي: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الصِّدِّيقَةِ فَاطِمَةَ الزَّكِيَّةِ حَبِيبَةِ حَبِيبِكَ وَنَبِيِّكَ وَأُمِّ أَحِبَّائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ الَّتِي انْتَجَبْتَهَا وَفَضَّلْتَهَا وَاخْتَرْتَهَا عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ كُنِ الطَّالِبَ لَهَا مِمَّنْ ظَلَمَهَا وَاسْتَخَفَّ بِحَقِّهَا، وَكُنِ الثَّائِرَ لَهَا اللَّهُمَّ بِدَمِ أَوْلَادِهَا، اللَّهُمَّ وَكَمَا جَعَلْتَهَا أُمَّ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَحَلِيلَةَ صَاحِبِ اللِّوَاءِ الْكَرِيمَةَ عِنْدَ الْمَلَإِ الْأَعْلَى، فَصَلِّ عَلَيْهَا وَعَلَى أُمِّهَا خَدِيجَةَ الْكُبْرَى صَلَاةً تُكْرِمُ بِهَا وَجْهَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَتُقِرُّ بِهَا أَعْيُنَ ذُرِّيَّتِهَا، وَأَبْلِغْهُمْ عَنِّي فِي هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلَ التَّحِيَّةِ وَالسَّلَامِ» (الطوسي، ١٤١١هـ.ق، ١: ٤٠١؛ ابن طاووس، ١٣٣٠هـ.ق، ٤٨٦؛ الكفعمي، ١٤١٨هـ.ق، ٣٠٣؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ.ق، ٩١: ٧٤؛ همو، ١٤٢٣هـ.ق، ٣١٠).

بعد أن اتضح حال سند هذه الصلاة، من الأفضل أن نلقي نظرة على المقاربات المختلفة تجاه هذا التركيب. في البداية، يجب القول إن معظم الكتب والكتابات التي تحتوي على تركيب «السِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» تخلو من أي إحالة إلى كتب الحديث بخصوص هذه العبارة. وإن وُجدت إحالة، فعادة ما تكون إلى كتابين متأخرين هما «صحيفة الزهراء (س)» لجواد القيومي الأصفهاني (القيومي، ١٣٧٣هـ.ش، ٣٠٤) وكتاب «الصحيفة المهدية» للسيد مرتضى المجتهدي السيستاني (المجتهدي، ١٤٣٢هـ.ق، ٢٧٦). والمثير للاهتمام أن هذين الكتابين المتأخرين ليسا من مصادر الحديث، ولا يحتويان على إحالة إلى مصادر حديثية.

أحد المصادر الأخرى التي يكثر الاستشهاد بها لهذه العبارة هو كتاب «فاطمة الزهراء (س) بهجة قلب المصطفى» لأحمد الرحماني الهمداني (انظر على سبيل المثال: الهاشمي، دون تاريخ، ٤٥١). يكتب تحت عنوان «دعاء التوسل بها»: «سَمِعْتُ شَيْخِي وَمُعْتَمَدِي آيَةَ اللَّهِ الْمَرْحُومَ مُلَّا عَلِيٍّ الْمَعْصُومِيَّ يَقُولُ فِي التَّوَسُّلِ بِالزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا السَّلَامُ): تَقُولُ خَمْسَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ مَرَّةً: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ. وَأَيْضًا عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِلَهِي بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا، تُقْضَى حَاجَتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» (الرحماني، دون تاريخ، ٢٥٢).

لكن، كما هو واضح، هذا الكتاب أيضًا ينقل العبارة محل البحث عن المرحوم المعصومي الهمداني وهو خالٍ من أي إحالة إلى متون حديثية. وكذلك آية الله الكرامي في شرح حديث «لَوْلَا فَاطِمَةُ لَمَا خَلَقْتُكُمَا» يذكر العبارة محل البحث كدعاء منقول دون ذكر مصدر له (١٣٨٥هـ.ش، ٩٨). وآية الله الوحيد الخراساني أيضًا في موضع ينسب العبارة محل البحث إلى الإمام المعصوم (ع) بشكل مضمر دون ذكر إحالة (١٤٢٥هـ.ق، ٢٠)، وفي موضع آخر ينسبها إلى تعليم النبي وأهل البيت (ع) (الكوراني العاملي، ١٤٢٣هـ.ق، ٢٦١)، وفي موضع ثالث ينسبها إلى الإمام الصادق (ع) (نفسه، ٣١٢).

صاحب كتاب «المجالس المرضية في الأيام الفاطمية» كذلك يعبر عن العبارة محل البحث بأنها دعاء مأثور عن الإمام الصادق (ع) (تاج الدين، ١٤٣١هـ.ق، ٦٥). وفي حاشية كتابه، اكتفى بالإحالة إلى كتاب «صحيفة الزهراء (ع)» للقيومي، دون ذكر رقم الصفحة! والعجيب أن نسبة هذه الصلاة إلى الإمام الصادق (ع) هي من إضافاته هو، وإلا فلا يوجد مثل هذا الانتساب في كتاب «صحيفة الزهراء (س)» للقيومي، الذي يذكر هذه الصلاة فقط كـ«خَتْم» من ٥٣٠ مرة للتوسل بالسيدة الزهراء (عليها السلام) دون نسبتها إلى أي إمام ودون إحالة إلى أي مصدر.

بعض الخطباء الناطقين بالعربية أيضًا، دون ذكر أي مصدر، يعتقدون أن التوسل الفاطمي ورد في دعاء الاستخارة (طلب الخير) عن الإمام الصادق (ع) (الشوقي، ٢٠١٨م). ويدعي آخرون من الخطباء أن التوسل الفاطمي قد أُمر به في رواية عن الإمام الصادق (ع)، حيث يعتقدون أن شخصًا دخل على الإمام الصادق (ع) وعرض عليه حاجته، فأرشده الإمام بقوله: كل يوم عند غروب الشمس أقسم على الله هكذا: «إِلَهِي بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا إِلَّا قَضَيْتَ حَاجَتِي». وبعد ثلاثة أيام عاد ذلك الشخص وأخبر بقضاء حاجته، فبكى الإمام الصادق (ع) وقال: «وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ» (الصبيحاوي، ٢٠٢٠م). وهم يحيلون هذه الرواية إلى بحار الأنوار، ج ٣١، ص ٣٠٧ (العتابي، ٢٠١٨م)، بينما لم يعثر الكاتب على هذه الرواية لا في هذا العنوان ولا في سائر مجلدات البحار ولا في سائر كتب الرواية الشيعية.

خلاصة القول، إن هذه العبارة أصبحت مسلمًا بها لدى البعض لدرجة أنهم لا يبحثون عن سند لها فحسب، بل يخوضون في نقاش مفصل حول التحليل الدلالي للسر المستودع، ووصل الأمر إلى حد النقاش حول مرجع الضمير في تركيب «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» (العلوي الكركاني، ١٣٩١هـ.ش، ٢: ٤٢٤).

وفي مقاربة أخرى، يرى المجتهدي السيستاني في «الصحيفة المهدية» أن هذه الصلاة، باحتمالية عالية، قد وردت عن الناحية المقدسة (ع) بواسطة الشيخ الأنصاري، حيث يكتب: «مِنَ الْأَدْعِيَةِ الْمُجَرَّبَةِ لِأَخْذِ الْحَوَائِجِ، الصَّلَاةُ عَلَى سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ خَمْسَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ مَرَّةً: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ) لَمْ تُذْكَرْ هَذِهِ الصَّلَاةُ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، وَقَدِ اشْتُهِرَتْ مِنْ عَصْرِ الشَّيْخِ الْأَعْظَمِ الْأَنْصَارِيِّ فِي الْأَلْسِنَةِ، وَنَقَلْنَاهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ لِأَمْرَيْنِ: ١. هَذِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَنَقَلَهَا الشَّيْخُ الْأَعْظَمُ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَكِنَّهُ لِوُجُودِ ارْتِبَاطِ الشَّيْخِ مَعَ مَوْلَانَا الْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ يُحْتَمَلُ قَوِيًّا صُدُورُهَا عَنِ الْإِمَامِ أَرْوَاحُنَا فِدَاهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحَ بِهِ الشَّيْخُ. ٢. الْمَقْصُودُ مِنَ السِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا هُوَ الْإِمَامُ الْحُجَّةُ أَرْوَاحُنَا فِدَاهُ» (المجتهدي، ١٤٣٢هـ.ق، ٢٧٦).

لا يخفى على أهل التحقيق أن الادعاء المطروح في النص أعلاه هو مجرد ادعاء واحتمال، وهذا الاحتمال ليس فقط لا يتمتع بالقوة، بل يفتقر إلى أي درجة من الاعتبار. قد يقول قائل إن مراد المؤلف هو صدور أصل الصلاة دون فقرة «والسر المستودع فيها»، ولهذا وضع المؤلف هذه الفقرة داخل علامتي [] في متن كتابه. الجواب على هذا الاحتمال هو أنه إذا كان المراد أصل الصلاة، فكما سيأتي، أصل الصلاة موجود في المصادر الروائية دون الفقرة محل الشبهة، ولا يختص بما بعد زمن الشيخ الأنصاري؛ إلا إذا كان مراد المؤلف هو ختم هذه الصلاة بعدد ٥٣٠ مرة، فإن تلقي هذا الختم من الإمام (ع) هو ادعاء آخر بلا دليل أو سند.

والشاهد على هذا الجواب أيضًا هو أن مؤلف «الصحيفة المهدية» قد اعتبر مراد السر المستودع هو الإمام (ع) دون تردد في صدور فقرة «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» أو تشكيك في ذلك. وفي مقاربة ثالثة، يعتقد المرحوم المرعشي النجفي في «تعليقته على العروة» أن هذه الصلاة (باشتمالها على فقرة «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا») هي من الأدعية التي أكد أصحاب كتب الآداب والمستحبات على قراءتها في القنوت. ويضيف معتقدًا أن هذا الدعاء كانت تواظب عليه السيدة الزهراء (عليها السلام) في قنوت صلواتها، وأن الملائكة أيضًا تدعو به في قنوتها. وضمن ذلك، ينقل طريقًا لهذه الصلاة كما يلي: «شهاب الدين المرعشي النجفي عن أبيه عن السيد مرتضى الرضوي الكشميري بإسناده عن السيد رضي الدين بن طاووس بطرقه عن السيدة الزهراء (عليها السلام)». نص عبارة المرحوم المرعشي هو: «وَمِنَ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي أَكَّدَ أَرْبَابُ كُتُبِ السُّنَنِ بِقِرَاءَتِهَا فِي الْقُنُوتِ: مَا أَرْوِيهِ عَنْ وَالِدِي الْعَلَّامَةِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْعَلَّامَةِ جَمَالِ السَّالِكِينَ الْحَاجِّ السَّيِّدِ مُرْتَضَى الرَّضَوِيِّ الْكِشْمِيرِيِّ، بِطُرُقِهِ إِلَى قُدْوَةِ النَّاسِكِينَ مَوْلَانَا السَّيِّدِ رَضِيِّ الدِّينِ بْنِ طَاوُوسَ الْحَسَنِيِّ، بِطُرُقِهِ: أَنَّ سَيِّدَتَنَا الزَّهْرَاءَ الْبَتُولَ -رُوحِي لَهَا الْفِدَاءُ- كَانَتْ تَدْعُو فِي الْقُنُوتِ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَفْعَلَ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، وَلَا تَفْعَلَ بِي مَا أَنَا أَهْلُهُ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا دُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ فِي قُنُوتَاتِهِمْ» (الطباطبائي، ١٣٨٨هـ.ش، ٧: ٤٣٩).

الظاهر أن مراد المرحوم المرعشي بـ«أرباب كتب السنن» في بداية العبارة هو السيد بن طاووس (ت ٦٦٤ هـ) فقط، الذي يصل إليه سنده. وذلك بالنظر إلى أن السيد بن طاووس يمتلك أكبر وأشمل الآثار في مجال الدعاء والمناجاة والمستحبات (انظر: ابن طاووس، ١٤٠٦هـ.ق، ٧). كما أن فاعل «قال» في عبارة «وَقَالَ: إِنَّ هَذَا دُعَاءُ الْمَلَائِكَةِ فِي قُنُوتَاتِهِمْ» هو السيد بن طاووس (الصددي، ١٤٣٤هـ.ق، ٥٩٨).

الإشكال الذي قد يُطرح حول هذه العبارة هو أنه بحسبها، فإن السيدة الزهراء (عليها السلام) كانت تقسم على الله تعالى بحق نفسها. والمرحوم المرعشي النجفي في وصيته أيضًا قد حث ابنه على المداومة على الدعاء محل البحث، وذكر سنده كالتالي: «وأوصيه بالمداومة على هذا الدعاء الشريف في قنوت الصلوات الواجبة، وأنا أرويه عن والدي العلامة، وعن جمال السالكين المرحوم الشيخ محمد حسين الشيرازي، وهما يرويانه عن أستاذهما مصباح السالكين المرحوم السيد مرتضى الرضوي الكشميري، وهو بدوره يرويه بطريقه عن النجم الساطع السيد رضي الدين علي بن طاووس الحسني مؤلف كتاب «الإقبال» المتصل بأصحاب موالينا والملتحق بأئمتنا، وذلك الدعاء هو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَفْعَلَ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، وَلَا تَفْعَلَ بِي مَا أَنَا أَهْلُهُ» (الشريف الرازي، ١٣٧٠هـ.ش، ٩: ١٨؛ العلوي، ١٤٣٤هـ.ق، ١٢٤).2

تختلف عبارة المرحوم المرعشي في وصيته عن تعليقته على العروة في نقطتين: الأولى أنه في الوصية أضاف وسيطًا آخر إلى جانب والده في النقل عن السيد مرتضى الكشميري، وهو المرحوم الشيخ محمد حسين الشيرازي. والاختلاف الثاني هو أن عبارة الوصية لم تشر إلى أن هذا الدعاء هو دعاء كانت تواظب عليه السيدة الزهراء (عليها السلام) في القنوت، ولا أنه دعاء قنوت الملائكة.

مع كل هذه التوضيحات، فإن كلام المرحوم المرعشي قابل للنقد من عدة وجوه: النقد الأول: البحث في جميع الآثار الموجودة للسيد بن طاووس لا يسفر عن أي نتيجة تتعلق بالصلاة والتوسل محل البحث، لا بتركيب «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» ولا بدونه. النقد الثاني: نقل المرحوم المرعشي هو نقل شفوي واحد لا يوجد له أثر في أي من الآثار المكتوبة في مختلف العلوم من حديث وتفسير وكلام وأدعية وغيرها، وحتى في مجموعة آثار السيد بن طاووس نفسه. النقد الثالث: يبدو أن المرحوم المرعشي بعبارته «… عن النجم الساطع السيد رضي الدين علي بن طاووس الحسني مؤلف كتاب الإقبال المتصل بأصحاب موالينا والملتحق بأئمتنا، يروي وذلك الدعاء هو…» يحاول ترميم أسانيد السيد بن طاووس إلى الأئمة المعصومين (ع)؛ وكأنه يحسن الظن بأن السيد إذا نقل شيئًا، فلا بد أنه أخذه عن المعصومين (ع) وله سند بذلك. في حين أن النقل عن غير المعصومين (ع) في آثار السيد ليس أمرًا غير مسبوق (ابن طاووس، المجتنى من الدعاء المجتبى، ١٤١١هـ.ق، ٣٩). النقد الرابع: طبقًا لرواية المرحوم المرعشي عن السيد بن طاووس، فإن قراءة دعاء «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ…» كانت من مواظبة السيدة الزهراء (س)، وبتعبير آخر، كانت سيرتها العملية في قنوت صلواتها. هذا التقرير يقتضي أن تكون هذه السيرة منعكسة في مصادر ومنابع الرواية بكل اتساعها، على الأقل في موضع واحد، بينما لا يوجد مثل هذا التقرير عن هذه السيرة. النقد الخامس: لازم قراءة هذا الدعاء من قبل السيدة الزهراء (س) في القنوت هو أن تكون هي نفسها في قنوت صلواتها تقسم على الله بنفسها وبالسر المودع فيها، وهذا النوع من الدعاء يبدو بعيدًا بعض الشيء.

وفي خطوة أبعد، يعتقد أحد الخطباء الناطقين بالعربية أن المرحوم آية الله المرعشي النجفي قد تلقى عبارة «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ…» من لسان الإمام المهدي (ع) في إحدى تشرفاته (الحمداني، ٢٠١٢م). في حين أن المرحوم المرعشي نفسه لم يدعِ ذلك، خاصة مع ملاحظة أنه دوّن محتوى تشرفاته، ولو وُجد مثل هذا السماع، لما كان لديه بطبيعة الحال أي مانع من ذكره.

في مقاربة رابعة، يعترف مؤلف كتاب «الأسرار الفاطمية» من جهة بعدم وجود هذه العبارة في المصادر الحديثية والكتب المتداولة، ومن جهة أخرى، يخوض في شرح تفصيلي لهذه الصلاة ويعتمد في عمله على ثلاثة أمور: ١- نقل هذه الصلاة في كتابي «فاطمة الزهراء (س) بهجة قلب المصطفى» و«وصية آية الله المرعشي لولده». ٢- انسجام محتواها مع سائر النصوص حول السيدة الزهراء (س). ٣- قاعدة التسامح في أدلة السنن (المسعودي، دون تاريخ، ٢٥). في نقد الدليل الأول، يجب القول إن الكتابين المذكورين ليسا من مصادر الحديث ولا يتمتعان باعتبار ذاتي. وفي نقد الدليل الثاني، يمكن القول: لو كانت العبارة محل البحث منسوبة إلى الأئمة المعصومين (ع) على الأقل في أحد المصادر، ولو بسند ضعيف أو مرسل، لما كان هناك إشكال في قبولها بناءً على انسجام مضمونها مع روايات أخرى، ولكن هذه الصلاة ليس لها مثل هذه السابقة في الكتب المتقدمة. من الطبيعي أن هذه العبارة بمثل هذا الوضع لن تكون قابلة للتصحيح بقاعدة التسامح في أدلة السنن. وعليه، يمكن اعتبارها – خاصة تعبير «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» – عبارة مصطنعة من قبل بعض علماء الإمامية، ولكنها متوافقة مع مضمون بعض الروايات، لا دعاءً مأثورًا منسوبًا إلى الإمام الصادق (ع) أو أي من أهل البيت (ع). ولعل هذا هو السبب في أن بعض الفقهاء المعاصرين لم يجيزوا قراءتها بقصد الورود، ولكنهم اعتبروها جائزة بل حسنة كدعاء ونيابة مطلقة (الروحاني، فضائل ومصائب حضرت زهرا، ١٣٩٠هـ.ش، ٥٥). وبعض المحققين أيضًا يذكرون الصلوات الفاطمية كصلاة مأثورة عن الصالحين لا عن أهل البيت (ع) (المالكي، ٢٠٢٠م). ويؤكد آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري، من علماء العراق المعاصرين، على أن هذه العبارة قد أُضيفت، ويعتقد أنها أُضيفت في القرن الأخير ولم يكن لها أثر قبل ذلك (الحائري، ٢٠٢٣م).

في مقاربة خامسة، يستند الشيخ عقيل الحمداني، من الخطباء الناطقين بالعربية، في مقطع فيديو لإضفاء الشرعية على عبارة «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا…» إلى سيرة العلماء في المداومة على هذه الصلاة والدعاء والتوسل بالسيدة الزهراء (س) والتوصية بها. ولإثبات هذه السيرة، يستشهد بتوصية المرحوم الملا علي الهمداني المنقولة في كتاب «فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى»، وبوصية المرحوم آية الله المرعشي النجفي لابنه بالمداومة على هذا الدعاء (الحمداني، ٢٠١٢م).

جواب هذا الاستدلال واضح؛ فسيرة العلماء بحد ذاتها لا حجية لها ولا اعتبار، بالإضافة إلى أن سيرة بالمعنى الحقيقي بين العلماء في مجال هذه الصلاة لا وجود لها. فكل التوصيات بهذه الصلاة تمت في العصر المتأخر، ودراسة كلماتهم تظهر أن مجرد شهرة هذه الصلاة في الألسن قد أدى إلى الغفلة عن دراسة سندها وتوصية بعض العلماء بها.

4. التحليل الدلالي للسر المستودع

في تفسير مقطع «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا»، يوجد اتجاهان رئيسيان: الاتجاه الأول يرى أن هذا السر، بمقتضى كونه سرًا، غير قابل للتفسير أساسًا ويجب تفويض علمه إلى أهله (الحسيني الشيرازي، ١٤٢٨هـ.ق، ٢٢؛ مكارم الشيرازي، دون تاريخ؛ طاهرزاده، ١٣٩٢هـ.ش؛ الشفيعي، ١٣٩٢هـ.ش). الاتجاه الثاني يخطو في طريق فك رموز السر المستودع ويطرح احتمالات في تفسيره، وهي بإيجاز كالتالي:

١- الإمام المهدي (عج)، وقد اعتبره آية الله السيد محمد الشاهرودي، وآية الله السيد عادل العلوي (العلوي، ١٤٣٤هـ.ق، ١٢٤)، وآية الله الشفيعي من علماء الأهواز (الشفيعي، ١٣٩٢/١/٢٥) كاحتمال، وآية الله المظاهري (المظاهري، ١٣٩٣هـ.ش)، وآية الله الكوراني (الكوراني، ٢٠٢٣م)، والسيد مرتضى المجتهدي السيستاني (المجتهدي، ١٤٣٢هـ.ق، ٢٧٦) المصداق القطعي للسر المستودع.3

٢- المحسن (ع)، وقد اعتبر الهاشمي الشاهرودي (دون تاريخ، ٢٩: ١١٠) والمسعودي في «الأسرار الفاطمية» أن كلمة «بنيها» قرينة على إرادة هذا المعنى (المسعودي، دون تاريخ، ١٨).

٣- القبر المخفي للسيدة الزهراء (عليها السلام) (الحمداني، ٢٠١٢م؛ الشجاعي، دون تاريخ).

٤- ودائع النبوة؛ يقول المرحوم آية الله معرفت في إجابته على سؤال حول مراد «السر المستودع» في الصلوات الفاطمية: «أحيانًا كان النبي (ص) وعلي (ع) يجلسان معًا، فيودع النبي (ص) ودائع النبوة لعلي (ع)، وكان أمير المؤمنين يتلقى من النبي الأسرار التي يجب أن يتعلمها لهداية الأمة. وعندما كانت هذه الجلسات تعقد في بيت علي (ع)، كان النبي (ص) يقول للسيدة الزهراء (س): «أنتِ لستِ غريبة، تعالي اجلسي معنا». ولكن عندما كان هذا يحدث في بيت النبي (ص)، لم يكن يسمح لنسائه بالدخول. لذا يمكن القول إن السيدة الزهراء (س) كانت شريكة لعلي (ع) في تلقي ودائع النبوة، وأسرار النبوة العظيمة أودعت عندها أيضًا» (معرفت، ١٣٨٤هـ.ش، ١٤٧).

٥- اسم الله الأعظم؛ (المسعودي، دون تاريخ، ٦٠؛ العلوي، ١٤٣٤هـ.ق، ١٢٤). وقد ذهب بعض أهل المنبر إلى أبعد من ذلك، معتقدين أن للسيدة الزهراء (س) اسمًا أعظم خاصًا بها لا يملكه سائر المعصومين (ع).

٦- الأمور المتعلقة بالإمام المهدي (عج) (آية الله التبريزي، ١٣٨٦هـ.ش، ١٠: ٣٨٤).

٧- قيام الإمام المهدي (عج)؛ يكتب آية الله بهجت: «ربما يكون السر هو قيام ابنها الذي أودعوه كأمانة ليظهر في وقت معين» (بهجت، ١٤٠١هـ.ش).

٨- الأئمة الأحد عشر؛ (المسعودي، دون تاريخ، ٥٦؛ الحسيني الشاهرودي، ٢٠٠٩م).

٩- السيدة زينب (عليها السلام) (موسى، ٢٠٢٠م).

١٠- الحسنان (عليهما السلام) (نفسه).

١١- اسم فاطمة؛ يعتقد بعض أهل المنبر، تمسكًا برواية تقول إن للسيدة الزهراء (س) تسعة أسماء عند الله (المجلسي، ١٤٠٣هـ.ق، ٤٣: ١٠)، أن أخص أسمائها هو «فاطمة»، وأن سرها يكمن في هذا الاسم، الذي هو أحب الأسماء إلى أهل البيت (ع) ويفتح أبواب السماء كمفتاح، بحيث إذا أقسم على الله به، استجيبت الحاجة، ولا تتمتع أسماؤها الأخرى بهذه الخاصية (مدرس، ٢٠٢٤م).

١٢- أمر ولاية الأئمة (ع) (بالنظر إلى ولادة الأئمة الأحد عشر منها) (العلوي، ١٤٣٤هـ.ق، ١٢٤؛ المسعودي، دون تاريخ، ٥٧).

١٣- العلوم المستورة في قالب مصحف فاطمة (عليها السلام) (المسعودي، دون تاريخ، ٥٧؛ الحسيني الشاهرودي، ٢٠٠٩م).

١٤- كمالات مقام النبوة والإمامة؛ (المسعودي، دون تاريخ، ١٨؛ الحسيني الشاهرودي، ٢٠٠٩م).

١٥- الولاية على الخلق وسائر الأئمة (ع) حجج الله (بعض أهل المنبر).

١٦- الدور الفاعل للسيدة الزهراء (عليها السلام) في الدفاع عن الولاية (الحسيني الشاهرودي، ٢٠٠٩م).

١٧- مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) (مركز الأبحاث العقائدية، ١٣٩٢هـ.ش).

١٨- العلية الغائية للخلقة (المسعودي، دون تاريخ، ٥٩).

١٩- حقيقة خلقة السيدة الزهراء (عليها السلام) (الحسيني الشاهرودي، ٢٠١٩م).

٢٠- حقيقة ليلة القدر (الشوقي، ٢٠١٨م).

5. نقد واستنتاج التفاسير

وفقًا لما مر في بحث تحقيق المصدر، فإن النقد الأول والأساسي للتفاسير المقدمة لـ«السر المستودع» هو أن هذا التركيب في العبارات المنقولة للتوسل أو الصلاة على السيدة الزهراء (عليها السلام) لا أساس له في كتب الرواية الشيعية والسنية، ولو على نحو مرسل أو ضعيف؛ وبالتالي، فإن تقديم تفسير له هو عمل في غير محله.

ومع غض النظر عن هذا الإشكال الأساسي، فإن النقد الثاني هو أنه حتى لو كانت هذه العبارة صادرة، فإن جميع التفاسير المذكورة هي في حدود طرح الاحتمال والتخمين ورمي في الظلام، وأن التفسير القطعي لـ«السر المستودع» يفتقر إلى سند علمي.

الإشكال الثالث هو أنه في عبارة الصلاة «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا»، خلافًا لعبارة التوسل «اللهم إني أسألك بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها»، فإن السر المستودع، أيًا كان، بمقتضى العطف بالواو، مشمول بالصلاة، والصلاة لا تصح إلا على موجود عاقل حي مدرك؛ ولهذا فإن «اللهم صل على القرآن والكعبة» غير صحيح. ولهذا السبب، تصرّف البعض في عبارة الصلوات والتوسل الفاطمي، معتقدين أن العبارة يجب أن تكون: «اللَّهُمَّ بِحَقِّ فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ» حتى لا يكون السر المستودع مشمولًا بالصلاة (حبيب، ٢٠١٢م).

بناءً على هذه المقدمة، فإن غالبية التفاسير السابقة، كتفسير السر المستودع بودائع النبوة، والأمور المتعلقة بالإمام المهدي (عج) وقيامه، والنبوة والإمامة، وأمر الأئمة (ع)، والعلوم الربانية، واسم الله الأعظم، وقبر السيدة الزهراء (س)، ودورها الفاعل في الدفاع عن الدين، ومظلوميتها، وعليتها الغائية لخلق العالم، لا معنى محصلًا لها وستكون معيبة. ويبقى التفسير بالأشخاص فقط، كتفسير الإمام المهدي (عج)، والأئمة الأحد عشر، والمحسن (ع)، والسيدة زينب (س)، قابلًا للطرح.

الإشكال الرابع هو أن عددًا من هذه التفاسير إما لا يتناسب أساسًا مع كونه سرًا، أو أنه سيفقد صفة السرية بعد مدة؛ إما لأنها ليست من المسائل الخفية والمستورة من الأساس، كمظلومية السيدة الزهراء (س) ودورها الفاعل في الدفاع عن الدين، بل هي من فضائلها، أو لأنها ستتجلى بعد مدة ولن يصدق عليها عنوان السر بعد ذلك، كظهور الأئمة من وجودها المبارك.

وفي الإشكال الخامس، فإن تفسير السر المستودع بالمحسن أو الإمام المهدي (عج) بسبب عطفه على كلمة «بنيها» يحتاج إلى توجيه أدبي كعطف الخاص على العام، وتفسيره بالأئمة الأحد عشر (ع) أيضًا يحتاج إلى القول بالعطف التفسيري بين «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» و«بَنِيها». كما أن تفسير آية الله معرفت للسر المستودع بودائع النبوة، بالإضافة إلى الإشكالات المذكورة، يشتمل على رواية تاريخية تحتاج إلى إثبات في محلها.

وفي العبارات المنسوبة إلى المرحوم آية الله الحسيني الشاهرودي، فإن احتمال أن يكون المراد من السر المستودع هو الإمام المهدي (عج) قد استُدل عليه بأن روايات الفريقين تدل دلالة قطعية على أن المهدي (عج) من أولاد السيدة الزهراء (س) (الحسيني الشاهرودي، ٢٠٠٩؛ المسعودي، دون تاريخ، ٥٥). من الواضح جدًا أن هذا الاستدلال أعم من المدعى ولا دلالة خاصة له؛ لأن قطعية نسب الإمام المهدي من السيدة الزهراء (س) لا تدل على أن المراد من السر المستودع فيها هو الإمام المهدي (عج) نفسه. بالإضافة إلى أن سائر الأئمة (ع) هم قطعًا من نسلها، ولكنهم طبقًا لهذا التفسير لا يُعتبرون سرًا مستودعًا. وضمن ذلك، فإن هذا السر بعد السيدة الزهراء (س) قد انتقل إلى الإمام الحسين (ع) وبعده إلى الأئمة اللاحقين، ولن يكون سرًا خاصًا بها.

وقد تمسك البعض لتقوية هذا الاحتمال بتعبيرين في زيارة السيدة نرجس خاتون (عليها السلام)، حيث وُصفت هذه السيدة الجليلة بأنها أمينة أسرار الله: «السَّلَامُ عَلَى وَالِدَةِ الْإِمَامِ، وَالْمُودَعَةِ أَسْرَارِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، وَالْحَامِلَةِ لِأَشْرَفِ الْأَنَامِ… وَالْمُسْتَوْدَعَةِ أَسْرَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (ابن المشهدي، ١٤١٩هـ.ق، ٦٦٠). وبهذا الاستدلال، فإن السيدة نرجس خاتون (عليها السلام) حاملة للسر الإلهي، وهذا السر الإلهي لا مصداق له فيها سوى وجود الإمام المهدي (عج) المبارك (سعادت مير قديم لاهيجي، ١٣٩٣هـ.ش). جواب هذا الاستدلال هو أن كلمة «أسرار» في هذه التعابير هي صيغة جمع، وتفسيرها بالإمام المهدي (عج) لا ينسجم معها؛ بالإضافة إلى أن هذا البيان في النهاية يمكن أن يثبت أن السر المستودع في السيدة نرجس خاتون (عليها السلام) هو الإمام المهدي (عج)، ولكنه لا شأن له في تفسير السر المستودع في فاطمة الزهراء (س) ولا يسبب تقوية لهذا التفسير.

6. خاتمة

لا شك في ثبوت المقامات العالية والقدسية في عالم الخلق للسيدة الزهراء (عليها السلام)، ولا شك أيضًا في أن السيدة الزهراء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) هم حملة الأسرار الإلهية، ولكن مدار البحث هو صدور تركيب «وَالسِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا» ضمن صلاة أو توسل بها. وبناءً على هذا البحث:

١- هذا التركيب لا وجود له في مصادر الرواية الشيعية، ولا في مصادر الحديث لأهل السنة، ولا حتى في سائر المصادر من كتب فقهية وكلامية وتفسيرية وعرفانية وفلسفية كعبارة صادرة عن أهل البيت (ع)، حتى بصورة مرسلة وبدون سند. وعليه، فإن الإسهاب في الكتابة وإلقاء الخطب والمنابر في تحديد مرجع الضمير في هذا التركيب وتحديد مصداقه وفك رموزه لا وجه له، وأن الغفلة التي وقع فيها بعض الفقهاء والمفكرين في الخوض في هذا الموضوع ناتجة على الأرجح من شيوع هذه العبارة في العصور الأخيرة والظن بصدورها، وكذلك غلبة المناهج الذوقية على المنهج العلمي.

٢- يبدو أن السند الذي نقله المرحوم المرعشي لهذه الصلاة والتوسل ليس تامًا ولا يبعث على الاطمئنان.

٣- من نافلة القول إن الصلاة على السيدة الزهراء (عليها السلام) أمر مطلوب، وإذا أردنا أن نتعبد بالأدعية والتوسلات المأثورة، فيكفينا أن نقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا»، وبهذا يتحقق المطلوب.

الهوامش

1. يوجد أكثر من عشرين مقطع فيديو على موقع يوتيوب يشرح المراد من «السر المستودع».

2. في هذا المصدر، تم الاكتفاء بالتوصية بقراءة الدعاء في القنوت دون ذكر أي سند له.

3. تجدر الإشارة إلى أن آراء المرحوم آية الله السيد محمد الشاهرودي في هذا المقال ليست مستخرجة من آثاره، بل نُسبت إليه في أحد المواقع الإلكترونية (منتديات أهل البيت (ع)، ٦ أبريل ٢٠٠٩، على الرابط: https://ahlalb.hooxs.com/t351-topic).

Scroll to Top