ملخص
في آيات متعددة من القرآن الكريم، ذُكرت جملة من أسماء الأنبياء متتابعة، والتي تكون أحيانًا بترتيبات مختلفة. وقد أثارت بلاغة هذا العدّ وحكمة الاختلاف في ترتيب هذه الأسماء بعض الأسئلة والشبهات. تسعى هذه المقالة إلى اكتشاف الجوانب الأدبية ودراسة الأنماط المستخدمة في ترتيب هذه الأسماء، حيث قامت باستخراجها وتحليلها بلاغيًا وجماليًا بالاستعانة بعلم البلاغة. في بعض مواضع عدّ الأسماء، يُلحظ استخدام فن “الاطراد”، مع فارق أنه في القرآن الكريم، وعلى خلاف اطراد الشعراء، ليس الترتيب من الأب نحو الأجداد؛ ذلك لأن لكل فرد فيه استقلاله وسبقه في الشريعة والأبوة، مما يقتضي، إلى جانب نكات أخرى خفية، تقديم الآباء على الأبناء. ومن العوامل التي أدت إلى تقديم بعض الأنبياء على بعض: الرتبة، والسبق الزماني، والمناسبة لسياق الآيات أو مقصد السورة، وفي بعض الحالات التناسب الصوتي. كما أن تعديد أسماء الأنبياء يدخل في باب “مراعاة النظير”، حيث روعي التناسب المعنوي بينها، مهملاً أحيانًا الترتيب الزمني. وتكثر في ترتيب أسماء الأنبياء فنون بلاغية كالجمع والتعديد والتنسيق، والتي تنطوي على وجوه أدبية وجمالية كالنظم والتوازن والتكرار والتشبيه. وفي نهاية المطاف، ما يتوصل إليه هذا البحث هو أن كل اسم من أسماء الأنبياء قد وُضع في موضعه بحكمة، مظهرًا جانبًا بارزًا من بلاغة القرآن السامية ومكانته الإعجازية.
المقدمة
على مر تاريخ البشرية، أرسل الله أنبياء كُثُرًا لهداية الناس، وقد ورد في الرواية المشهورة أن عددهم بلغ 124 ألف نبي. وفي بعض الروايات، حُصر عددهم في ثمانية آلاف نبي فقط، أربعة آلاف منهم من بني إسرائيل وأربعة آلاف من غيرهم (الحويزي، 1415هـ، 4/ 537). لم يحدد القرآن الكريم عدد الأنبياء، ولكنه أشار بشكل عام إلى أنه ما من أمة خلت إلا وكان لها نذير: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: 24). كما بيّن القرآن أنه قصّ أخبار فريق منهم ولم يقصص أخبار فريق آخر (غافر: 78 والنساء: 164). أما عدد الأنبياء الذين وردت أسماؤهم صراحة في القرآن المجيد فهو 26 نبيًا فقط، وهم: آدم، نوح، إدريس، صالح، هود، إبراهيم، إسماعيل، إسحاق، يوسف، لوط، يعقوب، موسى، هارون، شعيب، زكريا، يحيى، عيسى، داود، سليمان، إلياس، اليسع، ذو الكفل، أيوب، يونس، عزير، ومحمد ﷺ (مكارم الشيرازي، 1386: 7/ 343). وقد ذكر البعض أن عدد أسماء الأنبياء المذكورين في القرآن هو 25، حيث لم يُدرج “عزير” [2] في هذا العدد (الزحيلي، 1411هـ: 6/ 34). وقد ورد اسمه في الآية 30 من سورة التوبة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾. ووفقًا لهذا الرأي، كان عزير كاهنًا يهوديًا سكن بابل حوالي عام 457 ق.م، وهو الذي جمع أسفار الكتب المقدسة، ويعتبره اليهود شخصية مقدسة (نفسه، 10/ 181). تأتي أسماء الأنبياء في القرآن تارة منفردة، وتارة أخرى يرد عدد منهم متجاورين. ومحور بحثنا في هذه المقالة هو القسم الثاني. ففي ترتيب هذه الأسماء في الآيات المختلفة، توجد فوارق، ولا يتبع الترتيب نمطًا واحدًا في كل المواضع، وأحيانًا يتطلب الكشف عن حكمة هذا الترتيب وعلته تحليلًا ودراسة. من ناحية أخرى، ظن البعض أن سرد الأسماء أمر يسير لا ينطوي على بلاغة عالية. حتى إن ابن حزم الأندلسي، وهو من القائلين بنظرية الصرفة، يعتقد أن القول بأن إعجاز القرآن يكمن في بلاغته الخارقة للعادة هو اختيار غير صائب، وأن إعجاز القرآن يعود إلى المنع الخارجي عن الإتيان بمثله. ويستدل على ذلك بأن آيات القرآن متفاوتة في مراتبها البلاغية، متسائلاً: لماذا تُمثّلون بآية القصاص؟ فأحيانًا يسرد القرآن أسماء متتالية، مثل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (النساء: 163). ففي هذا الموضع، لم يُذكر سوى أسماء أشخاص، وهو لا يتضمن درجة عالية من البلاغة وليس بعمل خارق للعادة، فلا يمكن، إذن، نسبة إعجاز القرآن إلى بلاغته (ابن حزم، د.ت: 12).
يسعى هذا البحث للإجابة عن سؤال: ما هي الأنماط التي يتبعها ترتيب وتركيب أسماء الأنبياء؟ وكيف تتجلى بلاغته ومستواه الإعجازي؟ فيما هو آتٍ، ومن خلال تتبع أسماء الأنبياء التي وردت متتابعة في القرآن الكريم، تم استخراجها، وبناءً على المباحث البلاغية والفنون الأدبية، تم تحليل بلاغة وجمال عدّ هذه الأسماء وكيفية ترتيبها، مع الإجابة على الشبهات المثارة. وقد اختير مصطلح “عدّ الأسماء” للدلالة على الترتيب المتتالي للأسماء، وهو مستلهم من أحد الفنون البلاغية، وسنتناوله في ختام المباحث. بالطبع، في سور عدة، مثل هود، والأنبياء، والشعراء، سُردت قصص الأنبياء تباعًا، ولكن دراسة كيفية وحكمة ترتيب هذه القصص تتطلب مجالًا ومقالًا آخر. وإلى جانب ترتيب أسماء الأنبياء، تم التطرق أحيانًا إلى أسماء أممهم بشكل طبيعي. وكمادة علمية سابقة، لم يُعثر على مقالة أو كتاب خُصص لاستقصاء مواضع عدّ أسماء الأنبياء في القرآن وتحليل كيفية ترتيبها. نعم، في ثنايا مباحث علوم القرآن أو علوم البلاغة، تُذكر نماذج تشمل أسماء الأنبياء؛ من ذلك ما ذكره الزركشي في “البرهان” في مبحث “القول في التقديم والتأخير” (الزركشي، 1410هـ: 3/ 303-358)، والسيوطي في “الإتقان” في النوع الرابع والأربعين: “في مقدمه ومؤخره” (السيوطي، 2001م: 2/ 623-630)، حيث درسا نماذج قليلة تتعلق بأسماء الأنبياء. حتى في كتاب موسع مثل “بلاغة التقديم والتأخير في القرآن الكريم”، لم يُعثر على إشارة لترتيب أسماء الأنبياء حتى في مبحث بلاغة التقديم والتأخير في العطف والتعدد (عون، 2006م: 3/ 930-980). وقد أورد ابن أبي الأصبع المصري في كتابه “بديع القرآن” في مبحث الاطراد نموذجين فقط من مواضع عدّ أسماء الأنبياء (ابن أبي الأصبع، 1368: 227). وفي كتب “متشابه اللفظي” كـ”درة التنزيل وغرة التأويل” للخطيب الإسكافي و”البرهان في متشابه القرآن” للكرماني، تم تتبع سبب اختلاف ترتيب بعض الآيات.
1. عدّ أسماء الأنبياء في القرآن وفن الاطراد
“الاطراد” في اللغة يعني التتابع والجريان. واطراد الكلام هو تتابع الحديث. واطراد الماء يعني جريانه المتواصل المستمر (ابن منظور، 1363: 3/ 268). أما “الاطراد” في علم البديع، فيعني أن يذكر الشاعر اسم الممدوح أو غيره وأسماء آبائه بحسب ترتيب الولادة؛ أي يذكر اسم الأب ثم الجد وهكذا، فيذكر أسماء الآباء متتابعة لشخصين أو أكثر. وشرط الاطراد أن يكون الكلام سهلًا سلسًا خاليًا من التكلف، يجري كجريان الماء. وفي هذه الحالة، يدل الاطراد على قدرة القائل (الخطيب القزويني، د.ت: 288؛ ابن يعقوب المغربي، د.ت: 2/ 596). ونقلًا عن الشيخ صفي الدين الحلي، “الاطراد” هو ذكر اسم الممدوح ولقبه وكنيته وحرفته، واسم أبيه وجده وقبيلته، حتى يُعرف الممدوح جيدًا. وأضاف هذا الشرط أيضًا، وهو أن يكون ذلك في بيت واحد دون تكلف، وألا تفصل بينه ألفاظ أجنبية (الحلي، د.ت: 133؛ الحموي، 2006م: 2/ 434). إن ما ذُكر أولًا في تعريف الاطراد هو التعريف المشهور لدى علماء البلاغة. وقد عرّف البعض الاطراد بأنه ذكر الأسماء مطلقًا (السبكي، 2003م: 2/ 280). وهذه التسمية صحيحة أيضًا؛ وإن كان التعريف الأول هو الأكثر شيوعًا والأقرب دلالة على هذا الفن (مطلوب، 2000م: 131). وعند دراسة “الاطراد” في القرآن الكريم، نجد أن القرآن لم يحصر نفسه في هذا الإطار، وأن عدّ الأنساب النبوية فيه له ديناميكيته وضوابطه الخاصة التي سنتناولها لاحقًا [3]. نموذج الاطراد هو هذا البيت المنسوب للرسول الأكرم ﷺ: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم … يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. ومصداق الاطراد في القرآن الكريم هو قول الله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (يوسف: 38). في هذه الآية، وخلافًا للنهج المألوف في الاطراد، لم يبدأ من الأب صعودًا نحو الأجداد، بل بدأ من الجد الأعلى وانتهى بالأب. ويذكر ابن أبي الأصبع أن السبب في ذلك هو أن يوسف عليه السلام لم يرد مجرد ذكر أسماء آبائه؛ بل أراد بذكرهم أن يبين ملّتهم التي اتبعها هو، ولذلك بدأ بصاحب الشريعة، وهو إبراهيم عليه السلام، ثم ذكر من أخذوا عنه بالترتيب (ابن أبي الأصبع، 1348: 227؛ السيوطي، 2001م: 2/ 160). ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي ۖ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 133). هذه الآية الكريمة تشبه الحالة السابقة، مع فارق أنه لما كان الخطاب ليعقوب، ذُكر آباؤه، ولكن لما كان يوسف هو من يعدّ آباءه، ذكر يعقوب. كما أن إسماعيل في هذه الآية، وهو عم يعقوب عليه السلام، حُسب من الآباء وأُطلق عليه لفظ “الأب”. وفي الآية 6 من سورة يوسف، التي تنقل خطاب يعقوب لابنه، ورد أيضًا: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾. وهنا أيضًا ذُكر آباء يوسف بترتيب تنازلي وتاريخي. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127). في هذه الآية الكريمة، ذُكر إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل على طريقة الاطراد بترتيب تنازلي وتاريخي، ولم يُشر إلى نسبتهما؛ لأن الأمر واضح ولا يحتاج إلى بيان، ولأنهما ذُكرا بوصفهما من عباد الله، ولم يكن الغرض بيان كونهما أبًا وابنًا، بل كونهما عبدين صالحين لله. لا يوجد في القرآن الكريم اطراد على النحو المتعارف عليه في هذا الفن، أي من الأب صعودًا إلى الأجداد. والفرق بين عمل القرآن وعمل الشعراء هو أن في اطراد الشعراء، يكون المقصود هو وصف الممدوح والتعريف به، ويُذكر آباؤه في ظله. أما في القرآن الكريم، فلكل شخص مكانته الخاصة، وللمسار التاريخي لبعثة الأنبياء ونزول الوحي عليهم دور حاسم في هذا الترتيب. كما أن شرف السبق في الشريعة والأبوة يقتضي تقديم الآباء على الأبناء. وبالطبع، قد تكون في كل موضع نكات أخرى خفية تقتضي تقديم الآباء. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 33-34). وكما تدل الآية الثانية، فإن آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران الذين اصطفاهم الله على العالمين هم ذرية بعضها من بعض، وبذلك يمكن اعتبارها مصداقًا من مصاديق الاطراد. يقول الله تعالى في سورة مريم، بعد ذكر زكريا، يحيى، مريم، عيسى، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، موسى، إسماعيل وإدريس: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: 58). ذكر سيرتهم في سورة مريم ليس بترتيب تاريخي، بل وفقًا للسير الموضوعي وأهداف ومقاصد السورة. ولكن في هذه الآية، تم تصنيفهم في أربع فئات: 1- ذرية آدم، 2- من كانوا مع نوح في السفينة، 3- ذرية إبراهيم، 4- ذرية إسرائيل. كل فئة من هذه الفئات الأربع تشمل الفئة التي تليها، ولكن بسبب طول المدة الزمنية، تتجدد مراتب الشرف النسبي. فكلهم من ذرية آدم، وكلهم باستثناء إدريس من نسل نوح؛ لأن إدريس عاش قبل نوح. وإبراهيم عليه السلام من نسل سام بن نوح، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب من نسل إبراهيم، وموسى وهارون وزكريا ويحيى ومريم وعيسى من نسل إسرائيل (يعقوب) بن إسحاق. وتدل الآية على أن أبناء البنت يُحسبون أيضًا من الذرية؛ لأن عيسى عليه السلام لم يكن له أب، ومع ذلك عدّته الآية من الذرية. والقول بأن إطلاق الذرية على عيسى من باب التغليب هو خلاف الظاهر أيضًا (الآلوسي، 1415هـ: 8/ 425؛ وانظر أيضًا: الطبرسي، 1372: 6/ 802؛ الطباطبائي، 1417هـ: 14/ 75).
2. عدّ أسماء الأنبياء في القرآن والتقديم والتأخير
من مباحث علم المعاني في علوم البلاغة، مبحث التقديم والتأخير، الذي يُعد من فنون وأساليب القرآن البليغة، ونوعًا من أنواع علوم القرآن (انظر: الزركشي، 1410هـ: 3/ 233-287؛ السيوطي، 2001م: 1/ 624-629). فالأسرار الكامنة في تقديم وتأخير ألفاظ القرآن الكريم تكشف عن جانب من بلاغته الخارقة وإعجازه البياني. وللتقديم والتأخير أسباب وحكم، منها: الاختصاص، والأهمية، والعظمة، والسببية، والكثرة، والترقي من الأدنى إلى الأعلى. وفيما يلي، نذكر ما يتعلق منها بعدّ أسماء الأنبياء.
1-2. الشرف
الشرف هو ميزة يتمتع بها شخص أو شيء على شخص أو شيء آخر؛ وإن لم يكن أعظم وأعلى منه مطلقًا. والشرف باب واسع، ويشمل مزايا كثيرة كالتذكير، والحرية، والإيمان، والعقل، والعلم، والفضيلة، والقيمة (الزركشي، 1410هـ: 3/ 322-330). ورغم أن جميع أنبياء الله هم رسل الله ومكرمون بفضيلة الرسالة، فإن مراتبهم ليست سواء، ولبعضهم على بعض فضل ومزايا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: 253)؛ فالله قد كلم بعضهم (موسى عليه السلام)، ورفع بعضهم درجات (النبي الأعظم الإسلام ﷺ)، وأعطى بعضهم كرامة وأيّده بروح القدس (عيسى عليه السلام). ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: 7). فالنبي الأعظم الإسلام هو أفضل من سائر الأنبياء، وقد قُدّم في الآية الكريمة. ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 163-164). في هذه الآيات الكريمة، قُدّم النبي ﷺ وإن كان آخرهم، وذلك لفضيلته. ثم جاء بعده نوح عليه السلام، وهو شيخ الأنبياء وأبو البشر الثاني. ثم ذُكر إبراهيم عليه السلام، وهو الأب الثالث ومنه تشعبت شجرة النبوة. وتعبير ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ يشمل جميع الأنبياء بعد نوح، ولكن الأنبياء المذكورين قد خُصّوا بالذكر تشريفًا وتعظيمًا. وقد قُدّم عيسى عليه السلام على أنبياء آخرين كانوا قبله. وسبب هذا التغيير هو العناية الخاصة التي أُحيط بها، ومن جهة أخرى، طعن اليهود فيه، وغلو النصارى في تقديسه (الصابوني، 1421هـ: 1/ 295). وذُكر موسى عليه السلام في هذه الآيات منفصلًا ومخصوصًا؛ لأنه حمل بعد نبينا ﷺ أعظم رسالة (صادقي، 1406هـ: 7/ 45). وفي آيات متعددة من القرآن الكريم، حيث يُقدَّم اسم موسى على اسم أخيه الأكبر هارون، فإن ذلك يتم وفقًا لقاعدة التشريف؛ لأن موسى أفضل من هارون، وقد بُعث هارون وزيرًا ومعينًا لموسى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا﴾ (يونس: 75)، و﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ و﴿سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (الصافات: 114 و120).
2-2. السبق الزماني
السبق الزماني من العوامل الشائعة للتقديم. وفي هذا النوع، يُراعى الترتيب الوجودي والتاريخي للأشياء والأفراد. وفي ترتيب أسماء الأنبياء، يُعد الترتيب الزمني لبعثتهم هو العامل الأكثر استخدامًا. فالله قد اصطفى أولًا من الملائكة رسلًا، ثم من الناس، فقدّمهم: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج: 75). وفيما يلي، تُذكر نماذج من ترتيب الأنبياء وفقًا للسبق الزماني. ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136). وشبيهة بهذه الآية، الآية 84 من آل عمران التي تبدأ بـ ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾، ثم تشترك معها في ما يلي. في هذا الترتيب، ذُكر الإيمان بالله منفصلًا ومقدمًا، وفُصل عن الإيمان بالأنبياء؛ لأن الإيمان بالله فطري ولا يحتاج إلى معجزات الأنبياء (الطباطبائي، 1417هـ: 1/ 311). ثم قُدّم الإيمان بما أُنزل إلينا، وهو القرآن ومعارفه. وهذا التقديم أيضًا بسبب أولوية وأهمية الإيمان بالنبي والكتاب الحاضر بالنسبة للكتب السابقة. كما أن المعرفة الصحيحة بالأمم السابقة تتيسر من خلاله، ولذلك يجب تقديمه. ثم عُدّ الأنبياء السابقون بالترتيب التاريخي لنزول الوحي عليهم. “الأسباط” جمع “سبط”، وهو هنا بمعنى قبائل بني إسرائيل التي كان لكل منها نبي. ويُستفاد من الآية 163 من سورة النساء أيضًا أن الوحي كان ينزل على “أسباط بني إسرائيل”، حيث يقول: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ (مكارم الشيرازي، 1386: 7/ 344). ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۖ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 89). في هذه الآية الكريمة، التي هي على لسان شعيب، رُوعي الترتيب التاريخي للأقوام الهالكة من الأنبياء السابقين، وآخر قوم وأقربهم إلى زمن شعيب هم قوم لوط. وهذا القرب يمكن أن يكون مكانيًا، حيث كانت مدن لوط قريبة من مدين، وزمانيًا حيث كانوا الأقرب إلى قوم شعيب وكانوا يعرفون بهلاكهم (فخر الرازي، 1420هـ: 18/ 389). ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۖ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (إبراهيم: 9). هذه الآية الكريمة هي كلام موسى عليه السلام يخاطب به قومه، أو خطاب من الله على لسان موسى إليهم. ويحتمل أن يكون بيانًا مستقلًا من القرآن يخاطب به المسلمين (رأي أكثر المفسرين). وهنا أيضًا رُوعي نفس الترتيب التاريخي (فخر الرازي، 1420هـ: 19/ 68). نظير هذه الآية ورد على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (غافر: 30-31). كذلك في هذه الآية، ذُكرت الكتب السماوية حسب ترتيب نزولها: ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: 3-4).
3-2. المناسبة مع سياق الآيات ومقصد السورة
أحيانًا يكون تقديم ما قُدّم مناسبًا لسياق الكلام وفضاء السورة: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 91)، ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون: 50). في الآية الأولى، قُدّمت مريم عليها السلام على ابنها عيسى؛ لأن سياق الكلام هو عن مريم. أما في الآية الثانية، فقد قُدّم الابن على الأم؛ لأن هذه الآية وردت في سياق الحديث عن الأنبياء، وفي الآية التي قبلها، ذُكر موسى عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (المؤمنون: 49). ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ (الأعلى: 18-19)، ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (النجم: 36-38). في سورة الأعلى، جاءت صحف إبراهيم أولًا ثم صحف موسى، أما في سورة النجم فقد ذُكرت صحف موسى أولًا ثم صحف إبراهيم؛ ففي آيات سورة الأعلى، ولتفخيم شأن هذه الكتب، ذُكرت أولًا بشكل مبهم وعام: “الصحف الأولى”، ثم جاء “صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى” كبدل منها (الآلوسي، 1415هـ: 15/ 323). ووصف الصحف بـ”الأولى” (السابقة) يقتضي أن تُذكر بحسب قدمها. أما في سورة النجم، فالكلام عن الاطلاع على محتوى هذه الصحف. وبطبيعة الحال، صحف موسى أقرب عهدًا وأخبارها أكثر تداولًا، وتقديمها على صحف إبراهيم مناسب. ويمكن إضافة أن كل كتاب سماوي يتضمن بعضًا من محتويات الكتب السابقة، وأن أحد طرق الاطلاع على محتوى الكتب السابقة هو الاطلاع على الكتب اللاحقة، ومن هذا المنطلق يكون تقديمها مناسبًا. إلى جانب هذا التقديم، فإن النظم الإيقاعي وفواصل الآيات في كل سورة قد تمت المواءمة بينها وبين بقية آيات السورة، ورُوعي البعد الجمالي إلى جانب البعد المعنوي، وهو ما سنتناوله في القسم التالي.
3. عدّ أسماء الأنبياء في القرآن والتناسب الفاصلي والصوتي
لنظم الكلام وتناغم الأصوات قيمة جمالية عالية؛ بحيث يؤدي أحيانًا إلى تقديم أو تأخير بعض عناصر الجملة. ويظهر هذا الأمر بوضوح في فواصل الآيات ونهاياتها. وفي كتب علوم القرآن والبلاغة، تُنسب النماذج التي تخالف القاعدة عادة إلى “مراعاة الفواصل” (انظر: السيوطي، 2001م: 2/ 625؛ ابن الأثير، 1995: 2/ 36؛ تمام حسان، 2000: 1/ 198). من نماذج هذا المبحث في عدّ أسماء الأنبياء، تقديم هارون على موسى في قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾ (طه: 70). ففي كل موضع من القرآن الكريم ذُكر فيه موسى وهارون معًا، قُدّم موسى، إلا في هذا الموضع؛ ومن ذلك قوله: ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (الأعراف: 122، الشعراء: 48). وبالنظر إلى سورة طه، يتضح أن تقديم هارون على موسى يحقق تناسب الفاصلة في هذه الآية مع بقية آيات السورة. وإن كان من الممكن ذكر كبر سن هارون على موسى كنكتة معنوية. نموذج آخر لهاتين المجموعتين من الآيات: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ * إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ (ص: 12-14). ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ (ق: 12-14). هناك أقوال كثيرة حول أصحاب الرس. يعتقد الكثيرون أنهم كانوا قومًا يسكنون أرض “اليمامة” وكان لهم نبي اسمه “حنظلة”، فكذبوه وألقوه في البئر (الطيب، 1369: 12/ 243؛ مكارم الشيرازي، 1371: 22/ 239). “الأيكة” تعني الشجر الكثيف الملتف كالغابة، و”أصحاب الأيكة” هم جماعة من قوم شعيب كانوا يسكنون خارج مدينة “مدين”؛ وهي مدينة كانت ذات أشجار كثيرة. والمقصود بـ”قوم تبع” هم جماعة من أهل اليمن. و”تبع” لقب لملوك اليمن، لأن الناس كانوا يتبعونهم، وظاهر التعبير القرآني يشير إلى واحد منهم تحديدًا، ورد اسمه في بعض الروايات “أسعد أبو كرب”، ويعتقد البعض أنه كان رجلًا مؤمنًا يدعو الناس إلى اتباع دعوة الأنبياء، ولكنهم خالفوه (مكارم الشيرازي، 1371: 22/ 240). في هذه الآيات، لم يُراعَ الترتيب التاريخي، وهناك اختلاف في الترتيب بين السورتين. والترتيب التاريخي للأقوام السابقة هو ما تذكره آيات سورة الحج: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (الحج: 42-44). يوضح الخطيب الإسكافي سبب اختلاف الترتيب في هاتين السورتين بأن سورة “ص” بُنيت فواصلها على حرف يسبق الحرف الأخير وهو الألف، أما في سورة “ق”، فالحرف قبل الأخير في جميع الآيات هو الياء والواو. لذلك، في سورة “ص”، خُتمت الفاصلة بوصف فرعون بـ”ذي الأوتاد”، ثم جاءت “أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ” و”فَحَقَّ عِقَابِ”. وبالمقابل، في سورة “ق”، قيل: “وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ”، وبدلًا من “فَحَقَّ عِقَابِ”، جاءت “فَحَقَّ وَعِيدِ”. وكذلك في سورة “ص” قيل: “وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ”، وفي سورة الصافات جاء: “وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ” (48)؛ لأن فواصل آيات سورة الصافات قبل الحرف الأخير هي الياء والواو. والغرض في هذه الحالات هو تحقيق الانسجام بين الألفاظ مع صحة المعاني؛ كما في سورة الشعراء: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (47-48)، وفي طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾ (70). وهو يرى أن هذه القاعدة، أي “التوفقة بين الألفاظ مع صحة المعاني”، كثيرة الاستعمال (الخطيب الإسكافي، 2002: 274). وينقل الكرماني كلام الخطيب نفسه ولا يقدم توضيحًا إضافيًا بهذا الشأن (الكرماني، 1997: 289). صاحب “ملاك التأويل” يبحث في هذه الآيات بحثًا مفصلًا ويطرح أربعة أسئلة: لماذا جاء ترتيب الأنبياء والأمم في هاتين السورتين مخالفًا للترتيب المقرر في ذكر الأنبياء والأمم وقصصهم في سور الأعراف وهود والشعراء؟ ولماذا يختلف سياق هذين المقطعين من سورة “ص” و”ق” في ترتيبهما؟ وما وجه اختصاص كل سورة بما ورد فيها؟ ولماذا خُتمت آية سورة “ص” بـ”فَحَقَّ عِقَابِ” وآية سورة “ق” بـ”فَحَقَّ وَعِيدِ”؟ ويجيب عن الأسئلة الثلاثة الأولى بالنظر إلى مقصد السورة وغرضها، ولا يجيب عن السؤال الرابع إلا بمراعاة تناسب الفواصل.
في سور الأعراف وهود والشعراء، كان المقصد من بيان سير الأولين هو تثبيت فؤاد النبي، ولذلك جاءت أخبارهم متسلسلة حسب زمانهم وإرسالهم. أما في هاتين السورتين، فالمقصد هو تسلية النبي ﷺ إزاء ما يلقاه من مشقة من غلاظة كفار قريش المتكبرين، وبيان أن الله سيعاقبهم. ولما كانت مقاصد هذه السور مختلفة، جاء الترتيب في كل منها مناسبًا لمقصدها. أما سبب اختلاف الترتيب بين السورتين فهو أن سورة “ص” بدأت بذكر عتو كفار العرب وعنادهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (2)، وتلا ذلك ذكر إهلاك أمم القرون الماضية: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (3). فيناسب ذلك أن يُقدَّم من بين الأمم السابقة أعتى وأشد الأقوام تمردًا. فجاء أولًا قوم نوح الذين أبدوا مقاومة طويلة جدًا لإنذاراته. ثم جاء قوم عاد الذين لم يكن لهم نظير في القوة والطغيان. ثم ذُكر فرعون مع كل طغيانه وعلوه. وعلى هذا المنوال رُوعي التناسب في الترتيب. أما سورة “ق”، فتتحدث قبل هذه الآيات عن عجائب الخلق وعدم اعتبار المشركين بها. وفي هذا السياق الذي تُستوفى فيه الآيات الإلهية، من المناسب أن تُستوفى الأمم التي هلكت لعدم تفكرها واتعاظها بالآيات الإلهية المحيطة بها. فذُكر قوم نوح، وهم الأقدم، ثم أصحاب الرس، وهم من المتأخرين، للدلالة على الأمم التي بينهما. كما قال القرآن الكريم في سورة الفرقان: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا﴾ (الفرقان: 37-38). تشير الآية إلى أن أصحاب الرس هم من الأمم الهالكة المتأخرة زمنيًا التي أُشير إليها في سورة الفرقان. والأمم الأخرى التي ذكرتها سورة “ق” هي من باب ذكر أمور يدل عليها اللفظ المتقدم. ومن الشواهد على قصد استيفاء الموارد هنا، أن سورة “ق” ذكرت ثمانية قرون، وفي المواضع الأخرى التي وردت كاملة، لم يُذكر أكثر من سبعة، وغالبًا ما ذُكر ستة (الغرناطي، 1983: 2/ 966-973). إن توضيحات الغرناطي قيمة من حيث إنها تدخل في معنى السورة ومقصدها، ويمكن أن تكمل البعد اللفظي. والتوضيح الذي يقدمه في سورة “ص” أفضل من توضيحه في سورة “ق”، كما أنه لم يقدم أي تعليل لتقديم ثمود على عاد. وكعادته، يكثر من استخدام عبارة “والله أعلم” في ثنايا توضيحاته. وبناءً على ما سبق، فإن الأبعاد الصوتية والمعنوية في ترتيب الأسماء في هذه الآيات قد تضافرت لتشكل ترتيبًا حسنًا في كل موضع. كما أن “إِخْوَانُ لُوطٍ” التي وردت في فاصلة الآية 13 من سورة “ق” جاءت متناغمة صوتيًا مع “أَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ”؛ لأن حرفي الدال والطاء متقاربا المخرج وكلاهما من الحروف الأسنانية اللثوية (حيث يلامس طرف اللسان نقطة التقاء الأسنان العليا باللثة أو يقترب منها)، ويشتركان في صفات الجهر والشدة والقلقلة.
4. عدّ أسماء الأنبياء في القرآن وفن مراعاة النظير
“مراعاة النظير” هي مراعاة التناسب في المعاني واستخدام الكلمات التي تندرج ضمن مجموعة واحدة ومجال دلالي واحد، وتكون متحدة من حيث الجنس، والنوع، والزمان، والمكان، والمصاحبة، وما شابه ذلك. وقد عرّف البلاغيون مراعاة النظير بأن يجمع الشاعر أو الناثر في كلامه بين أمور متناسبة ومترابطة، لا من قبيل التضاد (التفتازاني، 1392: 4/ 21؛ الخطيب القزويني، د.ت: 260؛ الكزازي، 1373: 103). ولا شك أنه عندما تُذكر في الكلام أسماء تشترك جميعها في أمر كالنبوة والهداية الإلهية، فإن التناسب المعنوي بينها يُلحظ، ويمنح الكلام انسجامًا، وسيكون له وجوه أدبية وجمالية تسمى “مراعاة النظير”؛ مثل إيجاد التناسب والانسجام بين أجزاء النص، وجعل الكلام جميلًا وممتعًا، والتصوير، وتداعي المعاني (خرقاني، 1398: 291). جميع مواضع عدّ أسماء الأنبياء هي مصداق لمراعاة النظير. فمثلًا في الآية الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (ص: 45)، الأسماء الثلاثة المذكورة تربطها علاقة الأبوة والبنوة، وقد رُوعي التناسب بينها. وكذلك هناك تناسب بين “الأيدي” و”الأبصار” لأنهما من أعضاء الجسد. في عدّ أسماء الأنبياء في القرآن، داخل كل قسم من الأنبياء المذكورين، قد توجد اشتراكات وتناسبات دقيقة على طريقة مراعاة النظير، هي التي تشكل حكمة ترتيبها. وفيما يلي، سندرس نموذجًا من ذلك. في الآيات 83 إلى 86 من سورة الأنعام، ذُكر اسم ثمانية عشر نبيًا، وهو أكبر عدد لأسماء الأنبياء يرد متجاورًا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۖ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۚ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. يمكن اعتبار الآيات المذكورة نموذجًا راقيًا لمراعاة النظير، حيث تتمتع بانسجام داخلي عالٍ. وفي ذكر أسماء هؤلاء الأنبياء، لم يُراعَ الترتيب التاريخي أو الفضيلة، بل هم مقسمون داخليًا إلى مجموعات تكمن فيها تناسبات ودقائق معنوية أخرى وتشابهات: ١- النبي الأول الذي هو محور البحث في الآيات السابقة والنقطة المركزية بين هؤلاء الأنبياء، هو إبراهيم عليه السلام. ٢- في المجموعة الثانية بعد إبراهيم عليه السلام، يأتي إسحاق ويعقوب، وهما ابنه وحفيده على التوالي، وفي هبتهما لإبراهيم إعجاز وألطاف إلهية خفية. ٣- في المجموعة الثالثة، يأتي نوح عليه السلام وحده، وهو أبو البشر الثاني، وكان قبل إبراهيم، وقد حظي بالهداية الإلهية. ٤- المجموعة الرابعة تشمل داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وهم من نسل النبيين العظيمين، نوح وإبراهيم. وبين أفراد هذه المجموعة تشابهات. فهم أنبياء كانوا، بالإضافة إلى النبوة والرسالة، يتمتعون بالملك والحكم والسيادة، ولأنهم قاموا بأعمال لصالح الناس في حكمهم، ذُكروا بوصفهم محسنين. داود وسليمان كانا ملكين عظيمين وثريين. وأيوب أيضًا كان أميرًا متمكنًا ومحسنًا. ويوسف وصل إلى منصب الوزارة، وموسى وهارون كان لهما الحكم أيضًا. ويمكن تقسيم هذه المجموعة إلى ثلاث فئات: داود وسليمان ذُكرا معًا وهما أب وابن. أيوب ويوسف اقترنا معًا لاشتراكهما في الامتحان والابتلاء الإلهي. ثم جاء موسى وهارون وهما أخوان. ٥- المجموعة الخامسة تضم زكريا ويحيى وعيسى وإلياس. وهم أنبياء اشتهروا بالزهد وترك الدنيا، وذُكروا بوصفهم صالحين. وعلاقة الأبوة والبنوة بين زكريا ويحيى، وكذلك علاقة القرابة بينهما وبين عيسى عليه السلام، هي من الروابط المعنوية داخل هذه المجموعة. ٦- المجموعة السادسة تضم إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا. وهم أنبياء عانوا كثيرًا وتحملوا مشاق عظيمة، وكان لكل منهم خصائص مميزة، وقد فضلهم الله على أهل عصرهم. ٧- بعد ذكر أسماء هؤلاء الأنبياء، يصرح الله في الآية التالية بأنه فضّل أناسًا من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، واصطفاهم وهداهم إلى صراط مستقيم. هؤلاء هم أنبياء وأولياء آخرون لم تُذكر أسماؤهم هنا وهم من نسل إبراهيم. وبين أفراد هذه المجموعة، أي “الآباء” و”الذريات” و”الإخوان”، توجد أيضًا مراعاة للنظير. ما ذُكر هو استنتاج الكاتب بناءً على الآيات والتفاسير. بعض هذه التفاسير تقسم الأنبياء المذكورين إلى ثلاث مجموعات تشمل الأنبياء بعد ذكر نوح: ١- داود، سليمان، أيوب، يوسف، موسى وهارون؛ ٢- زكريا، يحيى، عيسى وإلياس؛ ٣- إسماعيل، اليسع، يونس ولوط (انظر: رشيد رضا، 1414هـ: 7/ 587؛ المراغي، د.ت: 7/ 181؛ الجعفري، 1376: 3/ 487؛ الطباطبائي، 1417هـ: 7/ 244؛ الصابوني، 1421هـ: 1/ 374). بناءً على ما بيّناه، هناك زوايا متعددة يمكن على أساسها ترتيب الأنبياء المذكورين في الآيات 83 إلى 86 من سورة الأنعام. قسم منها على طريقة الاطراد والترتيب التاريخي، وقسم آخر بسبب التناسب والترابط الخاص بين أفراد تلك المجموعة. وبالطبع، في جميع هذه المواضع، تتمتع الآيات بترابط داخلي دقيق وترتيب حكيم. وفي الضمير “وَمِن ذُرِّيَّتِهِ”، هناك اختلاف في الرأي حول ما إذا كان يعود إلى نوح أم إبراهيم. يرى البعض أنه يعود إلى نوح؛ لأنه المرجع الأقرب، وكذلك لأن من بين الأنبياء الذين سيأتون لاحقًا، يوجد لوط وإلياس اللذان ليسا من نسل إبراهيم. ويرى آخرون أن الضمير يعود إلى إبراهيم (الطبرسي، 1372: 4/ 510). من وجهة نظر كاتب المقال، القول الثاني أرجح؛ لأن إبراهيم عليه السلام هو محور البحث في الآيات السابقة، ونوح ذُكر بشكل ضمني وبقيد “مِن قَبْلُ”. وتعبير “وَوَهَبْنَا لَهُ” الذي ورد قبله هو قرينة مهمة أخرى على أن المقصود بالضمير هو إبراهيم. وفي الرد على عدم وجود بعض الأفراد في ذرية إبراهيم، يمكن الإجابة من باب تغليب الأكثر. وهناك إجابة أخرى وهي أن المقصود بـ”وَمِن ذُرِّيَّتِهِ” هو المجموعة الرابعة فقط التي تنتهي عند “وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ” (نفسه، 4/ 511). ومن بين الأنبياء الذين عُرّفوا في هذه الآيات بأنهم من ذرية إبراهيم، هو عيسى. لم يكن له أب، ونسبه إلى إبراهيم من جهة أمه مريم. من هنا يتضح أن أبناء البنت يُسمون ذرية أيضًا، وبالتالي فإن أئمة أهل البيت عليهم السلام هم ذرية النبي الإسلام ﷺ. الشعراوي، من مفسري أهل السنة، بعد أن بيّن أن العنصر البشري في عيسى هو أمه، وأنه من جهة أمه يُحسب من ذرية الأنبياء، يستشهد باحتجاج الإمام الباقر عليه السلام ويذكر أن الحجاج قال لأبي جعفر محمد الباقر عليه السلام: تزعمون أنكم من آل رسول الله، ورسول الله لم يكن له ذرية! فقال له الإمام الباقر عليه السلام: ألا تقرأ القرآن؟ قال: أي شيء في القرآن؟ فأجاب الإمام: اقرأ “وَمِن ذُرِّيَّتِهِ” حتى تصل إلى “وَعِيسَى”. فهل عيسى من ذرية نوح من جهة الأب أم من جهة الأم؟ قال: من جهة الأم. فقال الإمام: ونحن كذلك من ذرية محمد ﷺ (الشعراوي، 1991: 6/ 3771). وفي آيتين بعد الآيات المذكورة جاء أيضًا: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الأنعام: 89). وهنا أيضًا توجد مراعاة للنظير بين الكتاب والحكم والنبوة، وكلها من فئة واحدة.
5. عدّ أسماء الأنبياء في القرآن وفن الجمع
فن “الجمع” هو أن يجمع القائل شيئين أو أكثر في صفة وحكم واحد مشترك. ويمكن اعتبار الجمع نوعًا من التشبيه والتماثل، حيث إن البنية التحتية للكثير من مواضعه هي التشبيه؛ وإن لم يظهر كتشبيه في الظاهر (السيوطي، 2/ 172؛ التفتازاني، د.ت: 2/ 156؛ شمისა، 1386: 97). ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (التحريم: 10). في هذه الآية الكريمة، جُمع بين زوجتي النبيين الإلهيين، نوح ولوط، في هذا الوجه المشترك، وهو أنهما رغم حياتهما إلى جانب عبد صالح لله، لم تكونا على وفاق فكري ومسيرة واحدة معهما. ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132). جُمع بين النبيين الإلهيين، إبراهيم ويعقوب، في هذه الصفة، وهي أن كليهما يوصي أبناءه بالتسليم للحق وألا يموتوا إلا على الإسلام. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنبياء: 85). الآية تذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، بأنهم جميعًا من الشاكرين ومشتركون في صفة الصبر.
6. عدّ أسماء الأنبياء في القرآن وتتابع المفردات
من الفنون البلاغية الأخرى التي تتمتع بجمال النظم والموسيقى اللفظية والمعنوية، وترتبط بـ”عدّ الأسماء” النبوية، هو إيراد الكلمات بشكل متتابع وفق نظام خاص، ويشمل فنونًا بديعية بأسماء مثل “الأعداد”، “التعديد”، “سياقة الأعداد”، “التنسيق”، “تنسيق الصفات” وما شابهها. “التعديد” أو “الأعداد” أو “سياقة الأعداد” هو أن تُذكر عدة أسماء في النظم أو النثر على سياق واحد متتابعة. ويزداد هذا الفن حسنًا وقبولًا عندما يقترن بفنون أخرى كالجناس والتضاد أو غيرها من الفنون البلاغية (ابن قيم الجوزية، 1998: 245 و285؛ مطلوب، 2000: 148 و378). ويعرّف السيوطي هذا النوع باسم “التعديد” تعريفًا عامًا يشمل الصفات أيضًا، ويكتب: “التعديد هو أن تُذكر ألفاظ مفردة على سياق واحد، وأكثر ما يوجد في الصفات” (السيوطي، 2001: 2/ 168). و”التنسيق” عُرّف أيضًا بأن يذكر الكاتب أو الشاعر عددًا من الأسماء أو الصفات متتابعة. و”تنسيق الصفات” هو أن يُؤتى لاسم واحد بعدة صفات (ابن قيم، 1998: 285؛ مطلوب، 2000: 425). وقد سمى البعض “تنسيق الصفات” بـ”صفة-شمار” (عدّ الصفات) و”سياقة الأعداد” بـ”نام شمار” (عدّ الأسماء) (الكزازي، 1373: 3/ 96). ومن هذه الفنون أيضًا “حسن النسق” أو حسن الترتيب، وهو أن يأتي المتكلم بكلمات النثر وأبيات الشعر متتابعة بانسجام سليم ومستحسن، لا معيب ولا مستهجن. ومن نماذج حسن النسق آية 44 من سورة هود (انظر: ابن أبي الأصبع، 1368: 245؛ السيوطي، 2001: 2/ 174). من هذا القبيل من الفنون التي هي مصداق للتكرار النحوي، توجد نماذج كثيرة ومنقطعة النظير في القرآن (انظر: خرقاني، 1392: 302)؛ مثل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (الحشر: 23). إن تتابع أسماء الأنبياء في القرآن يشكل نماذج جميلة من “سياقة الأعداد” و”التنسيق” و”حسن النسق”، حيث رُتبت بنظم دقيق، ومع فنون أخرى كمراعاة النظير والاطراد وتناسب الفواصل، أصبحت أكثر عذوبة وجمالًا. وقد ذُكرت نماذجها في جميع أنحاء المقال، وهنا، ليكون المثال ماثلًا أمامنا، نشير إلى مقطع: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۖ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 84-86). إن النظم الدقيق والحكيم، والنغم الإيقاعي الجميل والسلس، قد أضفى على تتابع أسماء الأنبياء في الآية الكريمة بلاغة سامية وخارقة للعادة. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ (ص: 12-13). في هذه الآيات التي سبق توضيح كيفية ترتيبها، يتمتع تتابع الأسماء بنظام صوتي باهر.
7. عدّ أسماء الأنبياء ومسألة الإعجاز
في بداية المقال، طُرح ظن مفاده أن عدّ الأسماء أمر يسير، وأن القرآن أحيانًا يسرد أسماء متتابعة لا يُذكر فيها سوى أسماء أشخاص، وهي لا تتمتع بدرجة عالية من البلاغة وليست بعمل خارق للعادة، فلا يمكن إذن اعتبار إعجاز القرآن في بلاغته. الآن، بعد تحليل مواضع عدّ أسماء الأنبياء في القرآن، حان الوقت لمراجعة هذا الرأي وفحص مدى صحته. أحد محاور الإعجاز البياني للقرآن الكريم هو جمال وشكوه أسلوبه البياني، ولهذا الجمال تأثير كبير في الفنون البديعية؛ لدرجة أنه يمكن اعتبارها أحد جوانب الإعجاز البياني للقرآن، أو على الأقل أحد عناصر إعجازه (انظر: السيوطي، 1998: 283-318؛ خرقاني، 1392: 78-80). يقول آية الله معرفت في رده على ابن حزم الذي تصور أن عدّ الأسماء ليس عملًا خارقًا للعادة، إنه في الرد على هذا القول يكفي أن “الاطراد” يُعد من الفنون البديعية؛ بمعنى أن يأتي الشاعر أو القائل في نظمه ونثره بأسماء بشكل سلس ومنظم. وهذا الأمر من علامات قدرة الشاعر وتمرسه، وله نماذج كثيرة في الأدب. وقد تكلف فيه الشعراء الفصحاء (معرفت، 1386: 4/ 162). إضافة إلى ذلك، وكما تبين، فإن في مواضع عدّ هذه الأسماء، تكمن فنون بلاغية مختلفة تظهر بلاغة القرآن السامية في هذا المجال. قد يُتصور أننا نستطيع بسهولة أن نذكر أسماء أشخاص نريدهم ونأتي بها بترتيب منطقي، بينما لو أردنا، على سبيل المثال، أن نذكر أسماء خمسة علماء، فإن الترتيب التاريخي يتطلب معرفة بتاريخ وفاة كل منهم. وكذلك الترتيب حسب الشرف يتطلب معرفة بعلم وقيمة كل فرد. وإلى جانب هذه الأمور، فإن حضور الذهن والانتباه إلى مكانة الأفراد ضروري أيضًا. وفي الوقت نفسه، فإن مراعاة فضاء الكلام وجرسه الصوتي عمل شاق. القرآن الكريم يذكر أسماء الأنبياء في مواضع كثيرة، ولا يخطئ في أي موضع، بل يأتي بها بترتيب حسن ودقة وبراعة، وأحيانًا يكون لهذا الترتيب عمق كبير؛ مثل الآيات 83 إلى 86 من سورة الأنعام، حيث ذُكر اسم ثمانية عشر نبيًا بترتيب معقد، وفي كل زاوية منه توجد فنون كالاطراد ومراعاة النظير. وهذه المواضع تدل على بلاغة القرآن الخارقة للعادة التي تشكل جانبًا من إعجازه البياني. ويكتب ابن أبي الأصبع عن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (يوسف: 38): “فتأمل ما تحقق من أنواع البلاغة في هذه الكلمات الست، لتعرف قدر القرآن العزيز كما ينبغي، وتفرق في هذا الباب بين القرآن وأشعار فصحاء العرب. وبيان ذلك أن في هذه الألفاظ الستة، وهي جزء من آية، قد تحققت ثمانية أنواع من فنون البديع: أولها ‘الاحتراس’؛ وهو التحرز من توجه إشكال إلى معنى الكلام. فقد يقول قائل: ‘لو اكتفى يوسف بقوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ لكان كافيًا’. ونجيب: لو اكتفى بتلك الجملة، لاختل صحة المعنى؛ لأن ‘الآباء’ دون قيد، يشمل من أقرب أب أوجد الإنسان، إلى آدم عليه السلام. وبين آباء يوسف عليه السلام يوجد من لا يلزم اتباعه في دينه؛ ولذلك، فإنه ببيان ‘البدل’، تلافى الإشكال الذي يرد على ‘المبدل منه’، ولرفع ذلك الإشكال المتوجه إلى الكلام، صرح بأسماء الآباء”. ثم يوضح ابن أبي الأصبع الفنون الأخرى المستخدمة في هذه الآية، وهي: التفسير، والإدماج، وحسن النسق، والتنكيت، والمساواة، وحسن البيان، والإبداع (ابن أبي الأصبع، 1368: 227). النقطة الأخيرة هي أن حد التحدي في القرآن هو السورة، لا الآية (السيوطي، 2001: 2/ 252؛ صادقي، 1401: 133)، وإعجاز القرآن هو في السورة بأكملها التي تشتمل على عدّ أسماء الأنبياء، وينبغي تقييم إعجازها في قلب السورة وفي سياق غرضها مع آياتها الأخرى.
الخاتمة
1- إيراد أسماء الأنبياء متتابعة في القرآن ينطوي على فنون أدبية مختلفة، مما يدل على بلاغة القرآن السامية ومظهر من مظاهر إعجائه البياني، وأن الشبهة القائلة بأن سرد الأسماء أمر يسير لا بلاغة عالية فيه، لا محل لها. 2- في بعض مواضع عدّ الأسماء، يُلحظ فن “الاطراد”، وهو ذكر أسماء الآباء؛ مع فارق أنه في القرآن الكريم، ليس الاطراد من الأب صعودًا إلى الأجداد؛ ففي اطراد الشعراء، يكون المقصود هو وصف الممدوح والتعريف به، ويُذكر آباؤه في ظله، أما في القرآن، فلكل فرد استقلاله، وللمسار التاريخي لبعثة الأنبياء دور حاسم في هذا الترتيب، كما أن السبق في الشريعة والأبوة، مع نكات أخرى خفية، يقتضي تقديم الآباء على الأبناء. 3- من وجوه تقديم الأنبياء بعضهم على بعض، الشرف والميزة التي يتمتع بها بعضهم على بعض. كما أن العامل الأكثر استخدامًا في ترتيب أسماء الأنبياء هو السبق الزماني وترتيب بعثتهم. وفي بعض مواضع عدّ الأسماء، كانت المناسبة مع سياق الآيات ومقصد السورة مؤثرة. 4- نظم الكلام وتناغم الفواصل من الأسباب التي عُدّت في مواضع قليلة من أسماء الأنبياء عاملًا للتقديم والتأخير، وغالبًا ما يُلحظ إلى جانبه البعد المعنوي أيضًا. 5- جميع مواضع عدّ أسماء الأنبياء هي مصداق لـ”مراعاة النظير”، وبالنظر إلى الاشتراك في النبوة والهداية الإلهية والسلسلة النسبية التي تربط بينهم، فإن بينهم تناسبًا معنويًا، وستكون لها وجوه أدبية وجمالية لمراعاة النظير، كإيجاد التناسب والانسجام بين أجزاء النص، وجعل الكلام جميلًا وممتعًا، والتصوير، وتداعي المعاني. 6- مواضع عدّ أسماء الأنبياء هي مصاديق لفن “الجمع”، حيث يجتمع فيه عدة أنبياء في صفة وحكم مشترك، ويتضمن النظم والتشبيه. 7- تتابع أسماء الأنبياء في القرآن يشكل نماذج جميلة من “سياقة الأعداد” و”التنسيق” و”حسن النسق”، حيث رُتبت بنظم دقيق، وتتمتع بموسيقى لفظية ومعنوية، واقترانها بفنون أخرى جعلها أكثر عذوبة وجمالًا.
الهوامش
1. أستاذ في جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، مشهد، إيران.
2. عُزير هو الذي يسميه اليهود عزرا، وقد تغيرت هذه الكلمة عند التعريب؛ كما أن لفظة “يسوع” تحولت بتعريبها إلى “عيسى”، ولفظة “يوحنا” إلى “يحيى”. (الطباطبائي، 1417هـ: 9/ 243).
3. لمصطلح “الاطراد” عند الأصوليين تعريف آخر، ويعني شيوع استعمال اللفظ في معنى خاص، دون اختصاصه بشرائط أو مصاديق معينة. ويعد هذا الشيوع من علامات تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي. (مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، 1389: 223؛ هلال، 1424هـ: 36). كما أن مصطلح “الاستطراد” يختلف عن الاطراد، ويعني أن يُذكر في أثناء الكلام كلام أجنبي لمناسبة ما، ثم يُرجع إلى الكلام الأول. (العلوي اليمني، 1415هـ: 404).