الملخص
من بين الكم الهائل من الروايات التي ورد فيها ذكر للتوراة أو الإنجيل، تبرز روايتان على وجه الخصوص تبدوان كأصرح الروايات الدالة على وقوع التحريف في الكتب المقدسة السابقة. إحداهما رواية «ويل» عن عثمان التي نقلها الطبري في تفسير الآية 78 من سورة البقرة، والأخرى رواية منقولة عن ابن عباس تنهى المسلمين عن الرجوع إلى أهل الكتاب. تسعى هذه المقالة، باستخدام منهج التحليل السندي-المتني وتحليل المصدر، إلى الإجابة عن سؤال: ما هو منشأ هاتين الروايتين وفي أي فترة من فترات إيمان المسلمين بالتحريف ظهرت؟ ويُظهر هذا البحث أن هاتين الروايتين، في أحسن الأحوال، قد وُضعتا أو حُرّفتا في القرن الثاني الهجري لتكتسبا مضموناً يتبنى فكرة التحريف.
1. طرح المسألة
إن الاعتقاد بتحريف الكتاب المقدس (البايبل) قد شاع وذاع في العالم الإسلامي لقرون طويلة، حتى قلّ من يشكك في أصالة هذا التصور. وبناءً عليه، تسود بين العلماء المسلمين (بل وحتى بين كثير من المستشرقين غير المسلمين) نظرة مفادها أن هذا التصور يجد جذوره في القرآن والسنة النبوية. ومع ذلك، أظهرت الأبحاث الحديثة أن نسبة هذا التصور إلى القرآن الكريم، على الأقل، ليست قابلة للدفاع عنها بقوة. على سبيل المثال، قام فارياب بدراسة ست فئات من الآيات المتعلقة بالتحريف، وخلص إلى أن فئة واحدة منها فقط، وهي الآية 41 من سورة المائدة، وبالاعتماد على روايات أسباب النزول، يمكن أن تدل على وقوع تحريف لفظي في التوراة (فارياب، 1388ش، 143). أما الأحمدي، ففي دراسة تفصيلية لهذا الموضوع، توصل إلى نتيجة مفادها أنه من بين المعاني الستة المذكورة للتحريف، فإن أكثرها قابلية للدفاع عنه من منظور القرآن هو «الكتمان المبني على السياق الأوسع للنص»، لا التحريف اللفظي للنص المكتوب (الأحمدي، 1393ش، 73-192).
وفي مقال موجز، وبعد دراسة الآيات التي يُستشهد بها عادة لإثبات تحريف التوراة والإنجيل، ومنها الآية 41 من سورة المائدة، استدل توفيقي بأن «أياً من الآيات المذكورة لا يدل على تحريف التوراة والإنجيل» (توفيقي، 1395ش، 134). كما أظهر مسعودي وصادق نيا في بحثهما الأخير أن آيات القرآن لا تحمل دلالة واضحة على التحريف اللفظي للكتاب المقدس (مسعودي وصادق نيا، 1396ش، 38)؛ ومن جهة أخرى، توصل سلامي وإيازي في بحث آخر إلى أن مراد القرآن بـ «التوراة والإنجيل» ليس كتباً غير موجودة على الإطلاق، بل إن هذين العنوانين استُخدما دائماً للإشارة إلى الكتب الرائجة بين أهل الكتاب في عصر النزول، والتي لا تزال موجودة حتى اليوم (راجع: سلامي وإيازي، 1397).
ومن بين باحثي القرآن الغربيين، كثر الذين توصلوا من خلال تحليل آيات القرآن إلى أن القرآن يتحدث في معظمه عن كتمان وتحريف معنوي للتوراة والإنجيل. ويمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى أبحاث وليم موير (Muir, 1850)[1]، وإجناسيو دي ماتيو (Di Matteo, 1922)، ومونتغمري وات (Watt, 1956)، وجون بيرتون (Burton, 1992)، وجوردون نيكل (Nickel, 2011)، وجبريل سعيد رينولدز (Reynolds, 2010) (للتفصيل انظر: طباطبائي، 1397ش، «السير التاريخي للأبحاث الغربية»).
وفي خطوة أبعد، أظهرت أحدث الأبحاث أن تشكّل تصور التحريف الكتابي بين المسلمين استغرق ما لا يقل عن قرنين إلى ثلاثة قرون، ومرّ خلال هذه الفترة بثلاث مراحل متميزة قبل أن يصل إلى مرحلة الثبات. هذه المراحل الثلاث هي: فترة الصمت (القرن الأول الهجري)، وفترة الهمس (القرن الثاني الهجري)، وفترة الجهر (القرن الثالث الهجري). ووفقاً لهذا التقسيم الزمني، نشهد في القرن الأول صمتاً مطبقاً في المصادر التاريخية حول تحريف التوراة والإنجيل؛ وفي القرن الثاني، تُسمع همسات متفرقة ومحدودة في هذا الصدد؛ ومع بداية القرن الثالث، تظهر أولى الأصوات الصريحة الدالة على تحريف التوراة والإنجيل. استمر هذا المسار في التطور تدريجياً على مدى القرنين التاليين، حتى ظهر في القرن الخامس ابن حزم الأندلسي الذي، بتأليفه كتاب «الفصل»، حوّل الاعتقاد بتحريف التوراة والإنجيل إلى عقيدة قطعية لا تقبل الشك بين المسلمين (انظر: طباطبائي ومهدوي راد، 1397ش؛ للتفصيل انظر: طباطبائي، 1396ش، 341-507).
بناءً على النتائج المذكورة أعلاه، يُطرح السؤال التالي: ما هو موقع الروايات الدالة على تحريف الكتاب المقدس في هذا السياق؟ وإلى أي فترة من فترات الاعتقاد بالتحريف يعود تشكلها؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب أبحاثاً لتأريخ هذه الأحاديث. ولدراسة هذا الموضوع، نتناول هنا روايتين من المصادر الروائية، واللتين تحملان الموقف الأكثر صراحة في تبني فكرة التحريف من بين جميع الروايات الشيعية والسنية، كنموذج للدراسة؛ وذلك من خلال استخدام الطرق الحديثة في تأريخ الحديث (أي التحليل السندي-المتني بالإضافة إلى تحليل المصدر)، لنقوم بتقدير التاريخ المحتمل لنشأة كل من هاتين الروايتين، حتى يتضح في أي نطاق من فترات الاعتقاد بالتحريف لدى المسلمين تقعان.
2. الروايات القائلة بالتحريف
إذا أردنا تصنيف مجموعة الأحاديث التي ترتبط بشكل أو بآخر بموضوع الكتب السابقة[2] بأعم صورة ممكنة، يمكننا وضع كل هذه الأحاديث في ثلاث فئات رئيسية:
- روايات مدلولها الصريح أو الضمني هو القول بالأصالة؛ أي يفهم منها أن الكتاب المقدس لم يُحرّف.
- روايات يُذكر فيها الكتب السابقة، ولكن لا تحمل أي دلالة على القول بالتحريف أو القول بالأصالة، وهي إلى حد ما محايدة ومتحفظة في هذا الموضوع.
- روايات تدل صراحةً أو ضمناً على وقوع نوع من التحريف في التوراة أو الإنجيل.
إن استعراض مجموعة الروايات المتفرقة في جميع المصادر الروائية، شيعية كانت أم سنية، يكشف بوضوح أن الغالبية العظمى من الروايات المتعلقة بالكتاب المقدس تندرج ضمن الفئة الأولى أو الثانية. بعبارة أخرى، من بين مئات الروايات التي ورد فيها ذكر للتوراة أو الإنجيل أو غيرها من الكتب السابقة (مثل الزبور)، فإن مجموع الأسر الحديثية التي يمكن ربطها بالقول بالتحريف لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وحتى لو قمنا بدراسة دقيقة لهذا العدد المحدود، سيتضح أن بعضها لا يدل أصلاً على التحريف اللفظي (للنقاش التفصيلي، انظر: طباطبائي، 1396ش، 401-456).
بناءً على ذلك، فإن الروايات التي تدل حقاً على وقوع التحريف اللفظي في التوراة قليلة جداً، وتشكل أقلية ضئيلة جداً، خاصة مقابل روايات الفئتين الأوليين. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: ما هو منشأ هذه الروايات؟ هنا، وبسبب محدودية مساحة المقال، من بين الروايات القليلة من الفئة الثالثة، سنقتصر على دراسة روايتين فقط تحملان أشد المواقف تبنياً للتحريف (لباقي الروايات، انظر: طباطبائي، 1396ش، 423-455).
في دراسة الروايات التالية، نسعى في كل حالة إلى تحديد أقدم مصدر روى الحديث، وبناءً على القرائن والشواهد الداخلية والخارجية، نصل إلى تأريخ تقريبي لذلك الحديث. ولهذا الغرض، نستعين بالدراسة السندية أو المتنية إن أمكن، وإذا لم نجد سبيلاً لتأريخ الرواية عبر هذه الطرق، نعتبر أقدم مصدر نقل الحديث هو المرجع الأساسي؛ فإذا كان حديث ما موجوداً في أحد مصادر القرن الرابع لأهل السنة، ولكن لا أثر له في المجاميع الحديثية الأقدم مثل «موطأ مالك» و«مسند أحمد» والصحاح الستة، التي تضم مجتمعة عشرات الآلاف من الروايات، فإننا نفترض مبدئياً أن تشكل تلك الرواية يعود إلى ما بعد فترة تشكل هذه المجاميع المتقدمة، وبالتالي نحكم بتأخرها، إلى أن يشهد شاهد داخلي أو خارجي على قِدَم تلك الرواية (حول هذا المنهج في التأريخ، انظر: موتسكي، 1390ش، 54-75).
1-2. رواية ويل عن عثمان
إن أشد الروايات تصريحاً بوقوع التحريف من نوع العبث بالنصوص بالزيادة والنقصان في الكتب السابقة، هي حديث رواه الطبري لأول مرة في تفسيره عن عثمان بن عفان: «حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله (ص): «فَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَت أيديهم وَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ»، الوَيلُ: جَبَلٌ فِي النّارِ، وَهُوَ الَّذي أُنزِلَ فِي اليَهود، لِأَنَّهُم حَرَّفُوا التَّوراة، وزادُوا فِيهَا مَا يُحِبّونَ، وَمَحَوا مِنهَا مَا يَكْرَهُونَ، وَمَحَوا اسمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوراةِ. فَلِذَلِكَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم، فَرَفَعَ بَعضَ التَّوراةِ، فَقَالَ: «فَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَت أيديهم وَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا يَكسِبونَ»» (الطبري، 1420ق، 2: 271).
نعتبر هذا الحديث أصرح حديث دال على التحريف لأنه أولاً، يصرح بوقوع التحريف في التوراة نفسها على يد اليهود، وثانياً، تم توضيح معنى كلمة «التحريف» فيه بشكل كامل: وهو العبث بالنص بالزيادة والنقصان؛ إضافة إلى أن فكرة التحريف في هذه الرواية قد رُبطت بشكل واضح بآية من القرآن.
لكن هذه الرواية، بقدر ما تحمل من لهجة حادة وصريحة، فإنها تحتوي أيضاً على سمات غريبة لا نكاد نجدها في أي من الروايات الأخرى القائلة بالتحريف. وأهم ملاحظة حول هذا الحديث هي أننا لا نجد هذه الرواية قبل الطبري في أي مصدر آخر، سواء كان حديثياً أم غيره، والأغرب من ذلك أنه حتى بعد الطبري، لم يبدِ أحد تقريباً أي رغبة في إعادة نقل هذا الخبر حتى عن الطبري نفسه[3]؛ رغم أننا نلاحظ بكثرة أن كل نقل صغير للطبري عن أسلافه يُعاد ذكره وتكراره مراراً وتكراراً في أعمال العلماء اللاحقين، خاصة في التفاسير. ولعل الانتباه إلى سمات أخرى لهذا الحديث قد يوضح إلى حد ما سبب هذا التجاهل من قبل العلماء المسلمين لهذه الرواية.
بناءً على ما سبق، وفيما يتعلق بالمصادر المكتوبة المتاحة، يجب أن نعتبر أول ظهور لهذه الرواية في أواخر القرن الثالث؛ أي في زمن كان فيه الاعتقاد بالتحريف قد انتشر إلى حد كبير في البيئة الفكرية للعالم الإسلامي (انظر: طباطبائي ومهدوي راد، 1397ش، 164 وما بعدها). وبناءً على هذه القرينة، وهي عدم وجود أي مصدر مكتوب نقل هذا الحديث حتى زمن الطبري، يمكن الافتراض بأن هذه الرواية صُنعت واختُلقت على يد دعاة التحريف في القرن الثالث. وكما ذكرنا، فإنه بعد الطبري أيضاً، لم ينقل أحد تقريباً هذه الرواية، والمصادر القليلة التي نقلتها، كان مصدرها هو تفسير الطبري نفسه. وعليه، لا يوجد أي شاهد على وجود هذه الرواية في المصادر المكتوبة قبل الطبري.
في هذا الوضع، يبدو أن دراسة سند هذه الرواية قد تسلط بعض الضوء على خلفيتها. فبقدر ما يتعلق بعلم الرجال السني، ليس لهذا الحديث سند يمكن الدفاع عنه بأي حال من الأحوال، ومن هنا يمكن التكهن بأن أحد الأسباب المهمة لإعراض العلماء المسلمين عن هذه الرواية هو ضعف سندها. أحمد محمد شاكر، محقق تفسير الطبري، يورد كلاماً مهماً حول سند الرواية رقم 1386، وهي أول نقل لهذه الرواية في تفسير الطبري ولكن بشكل ناقص (الطبري، 1420ق، 2: 268)، وحاصل كلامه هو:
- في أعلى طبقات السند، يوجد كنانة بن نعيم العدوي، راوي هذا الحديث عن عثمان بن عفان؛ ولكن بالنظر إلى الشيوخ الذين نُقل عنهم هذا الراوي، تبدو روايته عن عثمان غير محتملة.
- رواة الطبقات الوسطى معروفون وثقات؛ ولكن في أدنى طبقات السند، نشهد وجود ثلاثة رواة مجهولين. الراوي الأول للطبري هو شخص باسم المثنى، والذي بناءً على توضيحات شاكر (انظر: الطبري، 1420ق، 1: 176) اسمه الأصلي المثنى بن إبراهيم الآملي؛ ولكن المعلومة الوحيدة التي لدينا عنه هي أن الطبري قد نقل عنه روايات كثيرة؛ ومع ذلك، لم يرد ذكره في أي من مصادر الرجال أو حتى المصادر الأخرى، وبالتالي يجب اعتباره مجهولاً. الراويان الآخران، وهما إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري وعلي بن جرير، هما أيضاً مجهولان حسب تصريح شاكر، ولا يوجد أي خيط يدل على هويتهما. وقد سعى العديد من المحققين الآخرين للعثور على خيط للتعرف على هؤلاء الرواة ولم يصلوا إلى نتيجة. من بينهم فيصل بن عابد بن عباد اللحياني الذي يقول في رسالته للدكتوراه إنه بذل جهداً كبيراً للتعرف على الرواة الثلاثة الأوائل لهذه الرواية ولم يجد أدنى إشارة إليهم (انظر: اللحياني، 1423ق، 128). وبناءً على أن أول راوٍ معروف في هذا السند هو حماد بن سلمة (ت. 167هـ)، فمن المحتمل جداً أن هذا الحديث قد وُضع بعد منتصف القرن الثاني.
- شاكر لا يعتبر سند هذه الرواية موثوقاً فحسب، بل يشير أيضاً إلى تقييم ابن كثير الذي وصف هذه الرواية بأنها «غريبة جداً». كما يشير إلى أن ابن كثير والسيوطي، وهما المصدران المتأخران الوحيدان اللذان نقلا هذه الرواية، كان مصدرهما الوحيد هو تفسير الطبري نفسه، لا مصدر آخر يمكن أن يعزز من وثاقة هذا الحديث.
يبدو أن مجموع هذه الأسباب هو ما جعل حتى شهرة الطبري ووثاقته لا تقنع العلماء بعده بالاستناد إلى هذا الحديث، حتى في بحث جدلي ومهم كالاعتقاد بالتحريف. وعليه، فإن هذه الرواية من حيث معايير النقد الحديثي التقليدي لا تتمتع بأي اعتبار. ومن حيث تأريخ الحديث بناءً على أقدم مصدر ناقل للرواية، فإننا في أفضل الأحوال يمكننا أن نعتبرها نابعة من تفسير الطبري الذي يعود إلى أواخر القرن الثالث الهجري. إذاً، في أكثر التقديرات تفاؤلاً، يرتبط هذا الحديث بمنتصف القرن الثاني، وهذا يعني أن هذا الحديث قطعاً جاء بعد بداية فترة الهمس، وعلى الأرجح في فترة الجهر قد صُنع ودُبّر.
لكن بضم بعض القرائن الخارجية إلى القرائن الداخلية، يمكن استنتاج أن احتمال تأخر هذه الرواية (مثلاً إلى منتصف القرن الثالث وما بعده) أكبر؛ لأن فعل «حرفوا» في هذه الرواية استُخدم بمعنى «التغيير والتبديل» عبر الزيادة والنقصان، وهذا الاستخدام الخاص لم يكن له سابقة في الكلام العربي قبل القرن الثالث، وكان غير معروف للعرب (للتفصيل في البحث، انظر: طباطبائي، 1397ش، «تحليل لغوي-تاريخي لمعنى التحريف في القرآن»). وبالتالي، من المحتمل أن واضع الرواية كان يعيش في بيئة شاع فيها استخدام هذا الفعل بهذا المعنى الجديد. وبالنظر إلى مجموعة هذه القرائن، يبدو أنه لا يوجد سبيل لربط هذه الرواية بالقرنين الأولين الهجريين، ويجب اعتبارها من نتاج القرن الثالث.
2-2. رواية ابن عباس في مسألة سؤال أهل الكتاب
في طيف الروايات القائلة بالتحريف، تأتي الرواية الصريحة الثانية من ابن عباس، وهي على عكس الرواية السابقة، قد نُقلت بكثرة في جميع المصادر الإسلامية، وتُعتبر خاصة لدى القائلين بالتحريف واحدة من أهم المستندات النقلية؛ لدرجة أن جولد تسيهر يصفها بأنها «تُنقل في المحافل»[4] في المصادر الروائية، كما أولاها شراينر اهتماماً خاصاً (Nickel, 2011, 114, 176).
أقدم المصادر المكتوبة المتاحة التي نقلت هذه الرواية هي: الأم للشافعي [ت. 204هـ] (1410ق، 6: 155)، والمصنف لعبد الرزاق [ت. 211هـ] (الصنعاني، 1403ق، 6: 110)، والمصنف لابن أبي شيبة [ت. 235هـ] (1409ق، 5: 313)، والصحيح للبخاري [ت. 256هـ] (1422ق، 3: 181، 9: 111، 153)، وتفسير ابن أبي حاتم الرازي [ت. 327هـ] (الرازي، 1419ق، 1: 154)، وحديث أبي الفضل الزهري [ت. 381هـ] (الزهري، 1418ق، 132)، وفضائل القرآن للمستغفري [ت. 432هـ] (المستغفري، 2008م، 1: 278، 282).
من الأفضل أن نبدأ بدراسة الفروقات المتنية بين مختلف روايات هذا الحديث. إذا أردنا تصنيف متن هذه الرواية بناءً على الفروقات المتنية في النصوص المختلفة، فإننا نصل إلى ثلاث روايات متمايزة، ومن قبيل الصدفة، ظهرت هذه الفروقات الثلاثة في المصادر الثلاثة الأولى، والمصادر اللاحقة ما هي إلا ترديد لإحدى هذه الروايات الثلاث، ولكن غالباً الرواية الثالثة.
ولتسهيل المقارنة بين هذه النصوص الثلاثة المختلفة، نضعها جنباً إلى جنب في جدول، وفي الجدول نفسه نقسم الرواية الأطول إلى مقاطع أصغر لنتمكن من رؤية الفروقات بين المقاطع بوضوح أكبر:
رواية ابن أبي شيبة: تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، وَتَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ.
رواية عبد الرزاق: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَحْضٍ، وَلَمْ يُشَبْ؟ فَهُوَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ، وَقَدْ أَخْبَرَكُمُ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنَّهُمْ كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا، ثُمَّ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَبَدَّلُوهَا، وَحَرَّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا، أَفَمَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ.
رواية الشافعي وآخرين: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يَشِبَّ، أَلَمْ يُخْبِرُكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا كِتَابَ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَبَدَّلُوا وَكَتَبُوا الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ وَقَالُوا {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]، أَلَا يَنْهَاكُمُ الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَكُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ.
إذا أردنا أن نحلل الجدول أعلاه باستخدام منهج التحليل الشكلي[5] (حول تطبيق هذا المنهج في تأريخ الحديث، انظر: موتسكي، 1390ش، 59-60، 411-437)، فإن أول ظاهرة تلفت الانتباه هي أنه كلما تحركنا من يمين الجدول إلى يساره، أصبحت الرواية أكثر تفصيلاً وتطويلاً، وازدادت حدة لهجتها القائلة بالتحريف. وبما أن المؤلفين الثلاثة ينتمون تقريباً إلى طبقة واحدة، ومن قبيل الصدفة أن طرقهم في نقل الحديث مختلفة نسبياً، فإن هذا ينفي احتمال أن نقول إن كل مصنف في يسار الجدول قد أخذ الرواية من المصنف الذي على يمينه وفصّلها؛ بل الأرجح أن مسار التغييرات قد حدث في الطبقات السابقة. وسنناقش مسار تطور هذه الرواية بالتفصيل عند دراسة السند. ما يهم هنا هو هذه الملاحظة الدقيقة، وهي أنه في أقصر رواية، لا يوجد أي ذكر لـ«التغيير» أو «التبديل» أو «التحريف». فوفقاً لرواية ابن أبي شيبة، كان ابن عباس يلوم المسلمين فقط لأنهم كانوا يسألون أهل الكتاب عن أخبار ومعلومات، وكان أهل الكتاب بطبيعة الحال يقدمون إجاباتهم بناءً على «كتبهم». حجة ابن عباس هنا في نهي المسلمين عن هذا الفعل هي أن لديهم القرآن، وهو أحدث رسالة من الله، وهو «محض» و«غير مشوب» بشيء آخر. إن اعتماد ابن عباس في هذه الرواية يقتصر على إبراز نقاط قوة المسلمين، وإن كان هناك تعريض بـ«كتب» أهل الكتاب، فإنه يأتي مغلفاً ولا يُفهم إلا إذا انتبهنا إلى المفهوم المخالف لكلامه. فإذا كان كلام ابن عباس هنا يحمل مفهوماً مخالفاً بالفعل، فيمكننا أن نستنتج أن كتب أهل الكتاب، في نظر ابن عباس، قديمة، وغير خالصة، ومشوبة بأشياء أخرى. هذا القدر من النقد لأهل الكتاب، وبهذا الأسلوب الضمني والمبطن، يمكن أن يكون علامة جيدة على قدم هذه الرواية وانتمائها إلى الفترة الأولى من الاعتقاد بالتحريف، أي القرن الأول الهجري.
أما إذا دققنا في الرواية الثانية، أي رواية عبد الرزاق، نجد أنه قد حدث فيها تطوران جديدان. الأول هو استخدام مصطلحي «التبديل» و«التحريف» اللذين يمكن أن يدلا صراحةً على الاعتقاد بالتحريف في النص (بصيغة «بدلوها» و«حرفوها عن مواضعها»). والأمر الآخر والأهم هو أن فكرة التحريف المتعمد قد تم التعبير عنها باستخدام تراكيب قرآنية. فبغض النظر عن الفعلين المذكورين اللذين يذكران بآيات من القرآن، فإن عبارة «كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا، ثُمَّ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا» هي أيضاً اقتباس واضح من الآية 79 من سورة البقرة (حول هذه الآيات، انظر: طباطبائي، مسعودي ومهدوي راد، 1397ش).
مع وجود هذين التطورين، هناك ملاحظة دقيقة في هذه الرواية تميزها تماماً عن الرواية الثالثة؛ على الرغم من أن الروايتين تبدوان متشابهتين ظاهرياً. النقطة التي تميز الرواية الثانية عن الثالثة هي أن ترتيب الكلمات واستخدامها في رواية عبد الرزاق لا يُرى فيه أي تعريض بـ«التوراة» و«الإنجيل» نفسيهما؛ بل يبدو أن نقد المتكلم موجه إلى «كُتُبٍ» كتبها أهل الكتاب بأيديهم وادعوا أنها من عند الله «كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كُتُبًا، ثُمَّ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ثم قاموا بـ«تبديل» تلك الكتب المزيفة نفسها؛ «فَبَدَّلوها» و«تحريفها» عن معانيها الأصلية؛ «وَحَرّفوها عَن مَواضِعِها». إذا دققنا في بنية الكلمات في هذه الرواية، نرى أنه أولاً لا يوجد فيها أي ذكر لـ«كتاب الله»، على عكس الرواية الثالثة (رواية الشافعي)، وثانياً في قضية التبديل والتحريف، فإن الضمائر تعود إلى الكتب التي كتبها أهل الكتاب أنفسهم، لا إلى كتبهم المقدسة. وبالتالي، يمكن فهم رواية عبد الرزاق بأن نقد المتكلم موجه أساساً إلى كتب مثل التلمود والتفاسير اليهودية والمسيحية التي اكتسبت قداسة غير مستحقة لدى أهل الكتاب «ثُم قالــوا هَذَا مِن عِندِ اللهِ»، ومن قبيل الصدفة أن تلك الكتب نفسها تعرضت للتبديل والتحريف بمرور الزمن.
من هذا المنطلق، فإن وضع الرواية الثالثة، أي رواية الشافعي والآخرين، مختلف تماماً. ففي هذه الرواية، صُرح بأنهم «حرفوا» و«بدلوا» «كتاب الله» وكتبوه بأيديهم وقالوا إنه من عند الله. وبالتالي، يمكننا أن نفترض وجود «نموذج أولي» لهذه الرواية، حيث كانت الرواية الأولى نقلاً أميناً له تقريباً؛ وكانت الرواية الثانية نقلاً له في زمن بدأت فيه الانتقادات ضد أهل الكتاب تشتد، ولكنها لم تكن موجهة بعد إلى التوراة والإنجيل نفسيهما؛ وأخيراً، عندما امتدت هذه الانتقادات لتشمل الكتب السابقة نفسها، تغير شكل الرواية الثانية لتناسب العصر، فظهرت بالصورة التي نقلها الشافعي والآخرون، وهكذا نشأت الرواية الثالثة (لأمثلة مشابهة من التطورات التدريجية للأحاديث في مواضيع أخرى، انظر: شويلر، 1388ش، 163-218؛ ينبل، 1390ش، 305-353؛ إسبوزيتو، 1390ش، 411-437).
وتشهد على هذا التطور التدريجي شواهد داخلية أخرى. على سبيل المثال، في الرواية الأولى لا يُرى أي تلميح قرآني؛ وفي الرواية الثانية، اقتُبست المضامين القرآنية بتلميح وبشكل غير مباشر؛ أما في الرواية الثالثة، فقد نُقلت الآية 79 من سورة البقرة حرفياً. كما يوجد في الرواية الثانية إشارة قرآنية خاطئة تم تصحيحها في الرواية الثالثة: عبارة «أَفَمَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟» في رواية عبد الرزاق هي بوضوح كلام متسرع وخاطئ لا يبدو أن له أي شاهد من القرآن؛ لأنه لا يوجد في أي آية من «ما جاءكم من الله»، أي القرآن، نهي عن سؤال أهل الكتاب[6]؛ بل على العكس، هناك آيات تشجع المسلمين على سؤالهم. في الرواية الثالثة، تم تصحيح هذا الخطأ بإجراء تغيير طفيف: «أَلَا يَنْهَاكُمُ الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَكُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟». ورغم أنه لا يزال من غير الواضح ما هو هذا العلم الذي أُعطي للمسلمين والذي ينهاهم عن سؤال أهل الكتاب، إلا أنه على أي حال لم يعد يثير مشكلة كبيرة لأنه يمكن أن يكون أي شيء غير القرآن، والآن يمكن تبريره وتجاوزه (لرؤية أمثلة مشابهة من الاستشهادات المتأخرة بالقرآن، انظر: Ess, 1991, 1: 308).
بناءً على الملاحظات أعلاه، يمكننا حتى الآن أن نخمن أن رواية ابن أبي شيبة هي الأقرب إلى الحديث الأصلي؛ ولكن فيما بعد، مع تزايد نقل «الإسرائيليات»، ربما في أواخر القرن الأول، أُضيفت عبارات أخرى تنتقد هذا الوضع إلى الرواية الأولى، والتي كانت تنتقد فقط النقل من الكتب الثانوية لأهل الكتاب، لا التوراة والإنجيل نفسيهما[7]. من المحتمل جداً أن تكون هذه الانتقادات للكتب الثانوية لأهل الكتاب ناتجة عن نزاع العلماء المسلمين في تلك الفترة حول جواز أو منع كتابة الحديث؛ لأنه في ذلك الوقت كان معارضو كتابة الحديث، لتأييد موقفهم، يستدلون بتشبيه الحديث بالتقليد الشفهي لليهود، بأن تدوينه يسبب الضلال؛ كما ضل اليهود (انظر: شولر، 1393، 215 وما بعدها). ولكن مع حلول فترة الهمس، أي أوائل القرن الثاني، حدثت تغييرات في الرواية الثانية حتى تشمل انتقاداتها التوراة والإنجيل نفسيهما.
حان الآن الوقت لننتقل إلى دراسة الوضع السندي لهذه الرواية لنرى إلى أي مدى يمكن أن يكون السيناريو أعلاه متطابقاً مع الحقائق السندية. في هذا المجال، لا يقدم علم الرجال السني مساعدة كبيرة لنا؛ لأن جميع رواة هذه الرواية تقريباً، بناءً على مصادر الرجال لأهل السنة، يُعتبرون «ثقات»، وبالتالي فإن التفسير الوحيد الذي يمكن تقديمه لفروق الروايات هو «النقل بالمعنى» أو «السقط» أو ما شابه ذلك، وهي تفسيرات لا يمكن اعتبارها مقنعة إلا في إطار النموذج التقليدي.
للوصول إلى معلومات تتجاوز ذلك، نحن مضطرون للاستفادة من الأساليب الجديدة في تحليل الأسانيد، من خلال رسم شبكة عنكبوتية للرواة والعثور على الحلقة المشتركة وكشف خيوط الوضع والتغيير (للتعرف على هذا المنهج التحليلي، انظر: آقايي، 1385). إذا قمنا باستخراج جميع الأسانيد الموجودة في المصادر المتقدمة السبعة التي نقلت هذه الرواية بدقة ورسمناها في مخطط شبكي، فسنصل إلى المخطط رقم 1. مع التوضيح أننا في هذا المخطط، بدلاً من رسم الخطوط المائلة (التي تعطي مخططاً يشبه شبكة العنكبوت والتي يستخدمها أتباع شاخت وينبل عادة)، فضلنا استخدام الخطوط المستقيمة حتى يتمكن طول الخطوط العمودية من أن يدل بشكل معنوي على الفاصل الزمني بين راويين. فكلما كان طول الخط العمودي بين راويين أطول، قل احتمال أن يكونا قد التقيا مباشرة وبدون واسطة. بالإضافة إلى ذلك، تم رسم خط زمني تقريبي على يمين المخطط، حيث تم تنظيم الموقع العمودي للرواة في الصفحة وفقاً لتاريخ وفاتهم. وبالتالي، فإن ارتفاع وانخفاض الرواة بالنسبة لبعضهم البعض في هذا المخطط له دلالة، ويمكن ملاحظة الفاصل الزمني بينهم بناءً على الخط الزمني المرسوم في الهامش. كما أن كون الخطوط باهتة أو داكنة يرمز إلى كون الروايات أقصر أو أطول.
في المخطط أعلاه، تظهر الخطوط والمربعات الباهتة في الجزء العلوي الأيسر من الصورة رواية ابن أبي شيبة، والتي تشمل فقط الجملة الأولى من رواية ابن عباس. وكما يلاحظ، فإن البخاري أيضاً في إحدى رواياته الأربع قد أورد هذه الرواية بنفس سند ابن أبي شيبة. ووفقاً للمتوقع، فإن البخاري في هذه الرواية الخاصة ينقل فقط الجزء الأول من الرواية، ولكن في الروايات الثلاث الأخرى، التي تنتهي جميعها إلى الزهري، ينقل الرواية بأكملها، أي بنفس الشكل الذي نقله الشافعي. وبما أن سند رواية الشافعي ينتهي أيضاً إلى الزهري، يمكن اعتبار الزهري مسؤولاً عن جزء من التغييرات الموجودة بين هاتين الروايتين. ولكن في هذا السياق، إلى من تصل الرواية الثانية، أي رواية عبد الرزاق؟
يظهر لنا المخطط أن عبد الرزاق هو أيضاً في النهاية راوٍ بواسطة الزهري، ولكن واسطته الوحيدة في هذا السياق هو معمر بن راشد؛ وحيد، بمعنى أنه الواسطة الوحيدة بين عبد الرزاق والزهري، وبمعنى أنه لم ينقل أي راوٍ آخر غير عبد الرزاق هذه الرواية عنه، وعبد الرزاق هو الراوي الوحيد له. وبالتالي، من المحتمل أن يكون معمر نفسه هو المسؤول عن الفروق بين رواية عبد الرزاق ورواية الشافعي.
بناءً على ذلك، وصلنا حتى الآن إلى الاحتمال التالي: الجملة الأولى صدرت عن ابن عباس نفسه؛ لأن هذه الجملة وصلتنا بطريقين مختلفين تماماً (عكرمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة)، وفي هذا الجزء، يعتبر ابن عباس نفسه «حلقة مشتركة حقيقية»؛ وبالتالي، يمكننا أن نقول بثقة عالية إن الجملة الأولى صدرت عن ابن عباس نفسه. وقد نقل عكرمة تلك الجملة بأمانة إلى رواته حتى وصلت إلى ابن أبي شيبة والبخاري. وبالطبع، إذا أردنا أن ننظر إلى القضية بشكوكية شاخت وينبل، اللذين لا يعتقدان بوجود حلقة مشتركة حقيقية في طبقة الصحابة (آقايي، 1389ش، 29، 32)، فعلينا أن نحلل القضية على النحو التالي: ابن عباس هنا هو مجرد «حلقة مشتركة ظاهرية»، وفي الواقع، الراوي الأصلي أيوب السختياني ليس سوى محمد بن مسلم الزهري، وعكرمة هنا إما أن يكون قد طرحه أيوب للقفز من فوق الزهري (حول هذه الظاهرة، انظر: آقايي، 1389ش، 30)[8]، أو أن المسار بأكمله (حاتم – أيوب – عكرمة) قد صنعه المصنفون المتأخرون لـ«تكثير الأسانيد» (حول هذه الظاهرة، انظر: المرجع نفسه، 33-34). ومع ذلك، بالنظر إلى الانتقادات الموجهة إلى آراء شاخت وينبل الشكوكية حول قدم الروايات (انظر: المرجع نفسه، 42)، وبالنظر إلى الفرق المعنوي الكبير بين رواية عكرمة ورواية الزهري، فإننا نقبل هنا، باحتمال قوي جداً، أن أصل الرواية بالشكل الذي نقله عكرمة قد صدر عن لسان ابن عباس، وبالتالي فإن الحلقة المشتركة الأصلية في هذه الرواية هي ابن عباس نفسه.
أما في طريق عبيد الله، عندما تصل هذه الرواية إلى الزهري، فإنها تأخذ مصيراً آخر. بالنظر إلى أن الزهري هو «الحلقة المشتركة» الأصلية في هذا الطريق، يتعزز احتمال أن يكون هذا الراوي هو المسؤول عن إضافة الجمل اللاحقة. خاصة وأن فترة حياته (أوائل القرن الثاني الهجري) تقتضي أيضاً مثل هذا التغيير. وفي هذا السياق، هناك أربعة رواة (أحدهم هو المخبر المباشر للشافعي، وهو نفسه بالإضافة إلى راويين آخرين هم المخبرون بالواسطة للبخاري، والراوي الرابع هو المخبر بالواسطة لابن أبي حاتم) قد نقلوا الرواية وفقاً للرواية الثالثة؛ ولكن الراوي الخامس، أي معمر، قد نقلها وفقاً للرواية الثانية إلى علم عبد الرزاق. وبالتالي، في الوهلة الأولى، يبدو أن عبد الرزاق أو معمر يجب أن يكونا مسؤولين عن تغييرات الرواية الثانية مقارنة بالرواية الثالثة. وهكذا، يكون مسار التغييرات على النحو التالي:
ابن عباس (مسؤول عن الرواية الأولى) ← الزهري (مسؤول عن الرواية الثالثة) ← معمر أو عبد الرزاق (مسؤول عن الرواية الثانية).
بناءً على ذلك، إذا اعتمدنا فقط على سلسلة الإسناد وكيفية نقل الرواة عن بعضهم البعض، فإن الترتيب أعلاه يبدو هو الأكثر احتمالاً، والنتيجة هي أن ابن عباس في القرن الأول قد قال الجملة الأولى فقط؛ وفي أوائل القرن الثاني، أضاف الزهري الأجزاء اللاحقة إلى هذه الرواية، وسمع جميع الرواة تلك الإضافة من الزهري ونقلوها. ولكن من بين هؤلاء الرواة، أجرى معمر فقط (أو راويه عبد الرزاق) تغييرات طفيفة في متن الرواية يمكن أن تُعزى إلى خطأ سهو أو النقل بالمعنى.
لكن إذا لم نحصر أنفسنا في تحليل الأسانيد وسعينا إلى دمج التحليلات السندية مع التحليلات المتنية واستخدمنا اصطلاحاً منهج «isnad-cum-matn» (للاطلاع على هذا المنهج، انظر: نيل ساز، 1390)، فلا يمكننا قبول النتيجة أعلاه. لقد رأينا سابقاً في تحليل المتن أن هناك شواهد قوية على أن الرواية الثانية يجب أن تكون أقدم زمنياً من الرواية الثالثة. لا يبدو أن هناك أي سبب وجيه يفسر لماذا يجب على معمر أو عبد الرزاق بعد زمن الزهري أن يغيروا الرواية بطريقة تخفف من حدة الانتقادات المناهضة للكتاب المقدس، وفي نفس الوقت، بتغيير «الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَكُمْ» إلى «مَا جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ»، يوقعون متن الرواية في تعارض مع آيات القرآن ويضرون باعتبارها. وبالتالي، بقدر ما يتعلق بتحليل المتن، لا يوجد سبيل لقبول الترتيب «ابن عباس (الرواية الأولى) ← الزهري (الرواية الثالثة) ← معمر (الرواية الثانية)». ولكن هل يمكن من خلال تحليل الأسانيد إيجاد طريقة لتبرير الترتيب «الرواية الأولى ← الرواية الثانية ← الرواية الثالثة»؟
يبدو أن مفتاح حل هذا اللغز يكمن في يد إبراهيم بن سعد الزهري (من الآن فصاعداً: إبراهيم) (ت. 183هـ) الذي يقع في موقع مشكوك فيه للنقل المباشر عن ابن شهاب الزهري (من الآن فصاعداً: الزهري) (ت. 124هـ)؛ لأن تاريخ وفاة إبراهيم يبعد حوالي 60 عاماً عن تاريخ وفاة الزهري، وبناءً على القرائن، كان عمره عند وفاة الزهري بين 13 و 16 عاماً (انظر: الخطيب البغدادي، 1417هـ، 6: 82-83)؛ وبالتالي، من المستبعد جداً أن يُعتبر راوياً مباشراً لروايات الزهري، على الرغم من أن هذا ما ورد في معظم مصادر التراجم (مثلاً ابن سعد، 1408هـ، 456). ولكن إذا دققنا في رواياته المختلفة، فإنه عادة ما ينقل عن الزهري بواسطة صالح بن كيسان (40-140هـ) (مثلاً انظر: مسلم، بدون تاريخ، 1: 114، 133، 277، 295، 315، 411 و…).
بناءً على ذلك، في الحالات القليلة التي ينقل فيها مباشرة عن الزهري (مثلاً: مسلم، بدون تاريخ، 1: 88؛ 2: 762، 1402؛ 3: 1196)، يمكن أن يُحتمل أننا نواجه ظاهرة «القفز». إن ظهور هذه الظاهرة لتجاوز راوٍ عادي مثل صالح بن كيسان والوصول إلى محدث عظيم الشأن مثل الزهري أمر محتمل جداً هنا. وهذا الاحتمال ينسجم حتى مع ما ورد في المصادر التقليدية عند مقارنة روايات معمر وإبراهيم عن الزهري. في مصادر التراجم السنية، يُعتبر معمر أوثق رواة الزهري، وفي حالات اختلاف الروايات، تُرجح روايات معمر على أي راوٍ آخر؛ حتى إنهم يرجحونه على مالك وابن عيينة في النقل عن الزهري (الذهبي، 1412هـ، 38)[9]. من ناحية أخرى، منذ البداية، أُثيرت شكوك حول روايات إبراهيم المباشرة عن الزهري بسبب صغر سنه عند وفاة الزهري (انظر: الذهبي، 1427هـ، 7: 313)[10]، ورغم كل توثيقات علماء الرجال السنة الأوائل، فإن هذه الشكوك في روايات إبراهيم عن الزهري أصبحت جدية حتى لدى علماء الرجال السنة المعاصرين (انظر: الحويني، 1433هـ، 1: 114-115).
بناءً على ذلك، ليس من المستبعد أن يكون بعض رواة إبراهيم قد قفزوا من فوق إبراهيم نفسه لتجنب هذه الشبهة، تماماً كما قفز إبراهيم نفسه من فوق صالح. فإذا عدنا إلى مخطط الرواة، على الرغم من أن أشخاصاً مثل الشافعي وأبو عمران الوركاني وموسى بن إسماعيل التبوذكي قد نقلوا الرواية الثالثة مباشرة عن إبراهيم، يمكننا أن نخمن أن الراويين الآخرين، أي أبو اليمان والليث بن سعد، قد حاول كل منهما بطريقة ما تجاوز إبراهيم وتقديم رواة أكثر وثوقية وأقرب إلى عهد الزهري كمشايخ لهم في نقل هذه الرواية.
هذا التخمين بخصوص الليث بن سعد تؤكده الشواهد التاريخية. فكما صرح الذهبي (1427هـ، 7: 313) ويتضح في المخطط، فإن الليث أكبر من إبراهيم، وهذا وحده، كون إبراهيم أصغر سناً، يمكن أن يكون سبباً لعدم رغبة الليث في الرواية عنه، وربما لهذا السبب في بعض الحالات يضع راوياً آخر (مثل يزيد بن الهاد) بينه وبين إبراهيم كوسيط (انظر: الذهبي، 1427هـ، 7: 314). ولكن النقطة الأهم هي أن روايات إبراهيم في جميع هذه الحالات تصل إلى الزهري بواسطة صالح بن كيسان. وقد نقل الليث رواية واحدة فقط عن إبراهيم بدون واسطة إلى الزهري (انظر: النسائي، 1421هـ، 10: 255).
ولكن إحدى أكبر مشاكل روايات إبراهيم عن الزهري هي أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الاطمئنان إلى أن ما ينقله مباشرة عن الزهري قد سمعه منه حقاً. على سبيل المثال، يصر الذهبي في سير أعلام النبلاء على أن إبراهيم ثقة ويمكن الاعتماد عليه – ومن أسباب ذلك أن البخاري ومسلم رويا عنه – ولكنه في إحدى هذه الروايات المشتركة بين البخاري ومسلم يواجه اختلافاً يصف فيه الرواية بأنها «غريبة معللة»؛ ففي سند مسلم، يروي إبراهيم الحديث عن أبيه عن الزهري؛ أما في سند البخاري، فيروي إبراهيم نفس الحديث مباشرة عن الزهري، ومع هذا التعارض يقول الذهبي: «والله أعلم!» (الذهبي، 1427هـ، 7: 315). وكما نقل الذهبي عن ابن أحمد بن حنبل، يبدو أن أحمد أيضاً كان لديه شكوك حول وثاقة إبراهيم (المرجع نفسه). كما يذكر الجرجاني حالات من المخالفات والاعتراضات من «أصحاب الزهري» على روايات إبراهيم عن الزهري، مما يدل على أن إبراهيم، في نظر رواة الزهري، لم يكن أميناً فيما كان ينقله عن الزهري (انظر: الجرجاني، 1418هـ، 1: 401-403).
بمثل هذه الأوصاف، ليس من المستبعد أن يكون الليث بن سعد، بعد أن روى بضعة أحاديث عن إبراهيم بن سعد، قد توصل إلى نتيجة مفادها أنه من الأفضل، للحفاظ على مصداقية أحاديثه الأخرى، أن يروي تلك الروايات عن أحد رواة الزهري الموثوقين، ومن أفضل من يونس بن يزيد الأيلي في هذا المقام؟
قيل عن يونس إنه صاحب الزهري لمدة اثني عشر أو أربعة عشر عاماً، ولذلك يُعتبر من أصحاب الزهري الأقدر (الذهبي، 1427هـ، 6: 391)[11]؛ لدرجة أن يونس، في نظر ابن المبارك، هو الراوي الوحيد للزهري الذي يمكن مقارنته بمعمر (المرجع نفسه). بناءً على ذلك، يبدو أنه في جميع الحالات التي يروي فيها الليث بن سعد حديثاً عن يونس بن يزيد عن الزهري، ويروي رواة آخرون نفس الحديث عن إبراهيم عن الزهري، يمكننا أن نضع في اعتبارنا احتمال وجود مثل هذا التدليس من جانب الليث.
في هذه الحالة بالذات، ما يعزز هذا الاحتمال هو أننا في الجانب الآخر من المخطط (أقصى اليمين) نشهد أن مجموعة من الرواة من نفس بلد يونس بن يزيد (محمد بن يزيد عن سلامة بن روح، كلاهما من إيلة) يروون نفس الرواية ليس عن يونس بن يزيد، بل عن «رفيقه» (الذهبي، 1419هـ، 1: 122) عقيل بن خالد بن عقيل الأيلي. فلو كان يونس بن يزيد قد سمع مثل هذا الحديث من الزهري، فلماذا لم يسمعه أي شخص آخر، بمن فيهم أبناء بلده، منه، وفقط الليث بن سعد هو من سمعه منه؟ خاصة وأن المسافة الزمنية بين سلامة بن روح ويونس أقل من مسافته مع عقيل. في الواقع، مسافة سلامة من عقيل كبيرة لدرجة أن العديد من علماء التراجم أنكروا سماعه من عقيل، ولهذا السبب اعتبروا تفردات سلامة عن عقيل منكرة وضعيفة[12]. ونرى مسافة زمنية مماثلة بين سلامة وراويه محمد بن عزيز الأيلي، ولهذا السبب قيل إنه لم يسمع شيئاً من سلامة ولم يكن لديه كتاب عنه (الذهبي، 1382ش، 3: 648). وبالتالي، على الرغم من أن عقيلاً نفسه موثق جداً، فإن طريق الرواية الحالية عنه في غاية الضعف ولا يمكن الاعتماد عليه. يمكن الافتراض بأن محمد بن عزيز قد سمع هذه الرواية من أحد الرواة المباشرين أو غير المباشرين لإبراهيم ونسبها إلى عمه سلامة، وادعى أن عمه قد رواها عن عمه عقيل. وهذا الطابع العائلي للإسناد هو قرينة مؤكدة على وقوع مثل هذا التدليس[13].
بناءً على ذلك، توصلنا حتى الآن إلى نتيجة مفادها أن طريق الليث إلى الزهري وعقيل إلى الزهري، على الأرجح، هما صيغتان معدلتان لطرق هؤلاء الرواة إلى إبراهيم بن سعد عن الزهري. وفي هذا السياق، يبقى فقط سند البخاري الآخر المكون من أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري. إذا صرفنا النظر عن الفارق الزمني بين البخاري وأبي اليمان – حيث كان عمر البخاري 17 عاماً فقط عند وفاة أبي اليمان – واعتبرنا ذلك من خصوصيات البخاري في النقل عن طبقات تسبقه (انظر: پاكتچي، 1381ش، 456)، فلا يزال هناك الكثير من الجدل في المصادر القديمة حول منقولات أبي اليمان عن شعيب عن الزهري، مما يجعلنا نتأكد من أنه، رغم توثيقات مصادر الرجال، كان متورطاً في تدليس الأسانيد.
أول نقطة تحذيرية حول منقولات أبي اليمان عن شعيب ذكرها ابن حنبل بقوله إنه على الرغم من أن شعيباً كان شديد التحفظ في نقل الحديث وإجازة الرواية عنه، وكان يقول للآخرين لا ترووا عني حديثاً، فإن أبا اليمان كان متساهلاً جداً في هذا الأمر ويروي عن شعيب بحرية، وفي تبريره لذلك كان يقول إن شعيباً عند وفاته وضع كتبه تحت تصرفنا وقال لكم الحرية في أن ترووا هذه عني. وبسبب هذا التساهل، قال أحمد عنه: «هُوَ يَقُوْلُ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ وَاسْتَحَلَّ ذَلِكَ بِشَيْءٍ عَجِيبٍ» (الذهبي، 1427هـ، 8: 400).
لكن ما هو أهم لبحثنا هو أن هناك أمثلة واضحة على تدليسه في رواياته عن شعيب عن الزهري كانت معروفة حتى للعلماء المتقدمين. فقد روى حديثاً مرة عن طريق «شُعَيْبٍ عَنِ ابْن أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ أنس»، ثم رواه لاحقاً عن طريق «شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِي عَن أنس»، مما أوقع الرواة في حيرة. وعندما سئل أحمد بن حنبل عن ذلك، رفض الطريق الثاني بشكل قاطع، ولكي لا يوجه اتهاماً لأبي اليمان، برر هذا التناقض بأن «كتاب شعيب عن ابن أبي حسين كان ملحقاً بكتاب الزهري»، ولهذا السبب نسب أبو اليمان خطأً حديث ابن أبي حسين إلى الزهري. أبو زرعة، الذي سمع هذا الكلام من ابن حنبل، أدرك بوضوح أن ابن حنبل كان يحاول فقط تبرئة أبي اليمان من تهمة التدليس (الذهبي، 1427هـ، 8: 401).
ومع ذلك، فإن ما يجعل المحققين (بمن فيهم الذهبي نفسه) متأكدين من أن أبا اليمان كان متعمداً وفي الواقع يمارس التدليس، هو أنه عندما ووجه بهذا الاختلاف، اعتبر طريق ابن أبي حسين خطأ وأصر على أن الطريق الصحيح هو طريق الزهري. هذه علامة على أن أبا اليمان كان يصر على إعطاء روايته مصداقية أكبر باستبدال الزهري بابن أبي حسين. يقول الذهبي بعد نقل كل هذه التفاصيل: «قُلْتُ: تَعَيَّنَ أَنَّ الحَدِيثَ، وَهِمَ فِيْهِ أَبُو اليَمَانِ وَصَمَّمَ عَلَى الوَهْمِ؛ لأَنَّ الكِبَارَ حَكَمُوا بِأَنَّ الحَدِيثَ مَا هُوَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (نفسه).
بمثل هذا السجل السيئ في التدليس واستبدال الرواة الضعفاء بالزهري، وفيما يتعلق بالرواية التي نبحثها، يمكننا أيضاً، بناءً على القرائن والأدلة التي ذكرناها سابقاً، أن نكون على يقين من أنه لتقوية رواية من المحتمل أنه سمعها عن طريق راوٍ آخر عن إبراهيم (أو ربما مباشرة من إبراهيم) عن الزهري، فقد تجاوز ذلك الراوي وإبراهيم ونسب الرواية إلى شعيب عن الزهري. وبما أن شعيباً كان أحد الرواة الستة البارزين عن الزهري (إلى جانب معمر، يونس، عقيل، مالك، وابن عيينة)، وبالنظر إلى المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها شعيب في نقل الحديث (الذهبي، 1427هـ، 6: 593)، بينما لم يكن لإبراهيم (ولا حتى أبيه) مثل هذه المصداقية، فمن الطبيعي أن يفضل شخص مثل أبي اليمان تغيير سند رواية سمعها عن طريق «إبراهيم عن الزهري» ويدعي أنه سمعها عن طريق «شعيب عن الزهري». وهنا أيضاً، كما في تدليسات الرواة السابقين، فإن عدم سماع أي راوٍ آخر لمثل هذا الحديث من شعيب وروايته، هو دليل آخر على وقوع مثل هذا التدليس من جانب أبي اليمان.
الآن، بثقة عالية، يمكننا أن ندعي أنه بناءً على التحليل المتزامن للمتن والسند، يتضح أن الترتيب «الرواية الأولى ← الرواية الثالثة ← الرواية الثانية» الذي استُنتج من النظرة الأولى من تحليل الأسانيد فقط، غير مقبول، وأن «ما حدث بالفعل» هو نفس الترتيب الذي توصلنا إليه من خلال تحليل المتن: «الرواية الأولى ← الرواية الثانية ← الرواية الثالثة».
إذا أردنا شرح هذا الموضوع بناءً على ما حدث في سلسلة الرواة، فإن كل شيء يرتبط بـ«الحلقات المشتركة» الثلاث الموجودة في هذه الشبكة من الرواة ودور كل منها في هذه التحولات. الحلقة المشتركة الأولى لدينا (باصطلاح ينبل: الحلقة المشتركة الظاهرية) هي ابن عباس نفسه، الذي من المحتمل جداً أن تكون الرواية الأولى قد صدرت عنه. الحلقة المشتركة الثانية (باصطلاح ينبل: الحلقة المشتركة الأصلية) هي الزهري، الذي من المرجح أن تكون الرواية الثانية نتاج إضافاته على الرواية الأولى، وهذا ينسجم مع التطورات التي حدثت في أوائل القرن الثاني. وقد وصلت هذه الرواية الثانية من الزهري إلى معمر، ومن معمر إلى عبد الرزاق، وسُجلت في المصنف بنفس الشكل. أما الحلقة المشتركة الثالثة (باصطلاح ينبل: الحلقة المشتركة الفرعية) فهي إبراهيم بن سعد، الذي من المحتمل أنه سمع نفس الرواية الثانية بشكل غير مباشر (مثلاً من أبيه أو من صالح بن كيسان)، وبعد إجراء تعديلات وتغييرات فيها، أنتج الرواية الثالثة وادعى أنه سمعها مباشرة من الزهري. وقد قام عدد من رواة إبراهيم (مثل الشافعي، والوركاني، والتبوذكي) بنقل هذه الرواية الثالثة بنفس الطريق الذي ادعاه إبراهيم إلى الزهري ورووها؛ لكن بعض الرواة الآخرين (منهم الليث بن سعد، وأبو اليمان، وسلامة بن روح) لأنهم لم يروا رواية إبراهيم عن الزهري قوية وقابلة للدفاع عنها، أخفوا طريقهم الأصلي وقاموا بتدليسها ونقلوها عن أحد رواة الزهري الموثوقين (بالترتيب: يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وعقيل بن خالد). والنتيجة هي أن الشكل النهائي لهذه الرواية، الذي يدل صراحةً على وقوع التحريف في التوراة، يجب أن يُنسب إلى أواخر القرن الثاني، وهو ما لا يبدو بعيداً عن الواقع بالنظر إلى نتائج الفصل السابق. وهذه علامة على أنه قبل طرح تهمة التحريف في المجادلات بين الأديان في زمن المأمون (بداية القرن الثالث)، كانت همسات التحريف في الأوساط الدينية الداخلية للمسلمين في أواخر القرن الثاني تتحول إلى أصداء أعلى.
بهذه المعلومات، يجب علينا الآن إعادة رسم المخطط السابق بطريقة أقرب إلى الواقع، بحيث تكون النتيجة شيئاً شبيهاً بالمخطط رقم 2. في هذا المخطط، الخطوط المتقطعة هي مسارات القفز التي طُرحت في أسانيد الروايات، والخطوط المنقطة تظهر الطرق الحقيقية لهؤلاء الناقلين.
3. خاتمة
- عدد الروايات التي تدل على تحريف التوراة (أو الإنجيل) في المصادر الإسلامية قليل جداً، وبالكاد يصل إلى عدد أصابع اليدين؛ وفي المقابل، عدد الروايات التي تصحح على عدم تحريف تلك الكتب كبير جداً. ولكن حتى من بين تلك الروايات القليلة التي تدل على التحريف، فإن درجة دلالتها على هذا الموضوع ليست متساوية. في هذا المقال، تم تحليل روايتين تحتويان على أكبر قدر من الصراحة في تأييد فكرة التحريف، بهدف تأريخ هذه الأحاديث سندياً ومتنياً، وتم التوصل إلى نتائج تتوافق مع النتائج السابقة حول تاريخ فكرة التحريف في العالم الإسلامي؛ بمعنى أن التاريخ الذي تم التوصل إليه لمضامين هذه الروايات القائلة بالتحريف يتوافق مع تاريخ الاعتقاد بالتحريف في العالم الإسلامي.
- أول رواية قائلة بالتحريف تمت دراستها في هذا المقال كانت رواية «ويل» عن عثمان، والتي أظهرت الدراسات أنها لم تُنقل في أي مصدر قبل تفسير الطبري، وبسبب ضعف أسانيدها في المصادر اللاحقة للطبري، لم تحظَ أيضاً بقبول العلماء المسلمين. التاريخ المقترح في هذا المقال لتشكل رواية «ويل»، بناءً على نقد المصدر، هو منتصف إلى أواخر القرن الثالث الهجري؛ أي فترة تثبيت فكرة تحريف الكتاب المقدس في العالم الإسلامي.
- الرواية الثانية عن ابن عباس في النهي عن مراجعة أهل الكتاب، والتي على عكس الرواية السابقة نُقلت بكثرة في المصادر الإسلامية، قد نُقلت بثلاثة أشكال مختلفة ومن طرق متعددة في المصادر القديمة، وتظهر التحليلات السندية والمتنية أن أبسط أشكال هذه الرواية، الخالي من عبارات القول بالتحريف، يعود إلى القرن الأول؛ وفي بداية القرن الثاني، يُنقل شكل آخر منها مع تغييرات طفيفة بواسطة ابن شهاب الزهري، والذي لا يزال لا يحمل دلالة صريحة على تحريف الكتاب المقدس؛ ولكن في النهاية، في أواخر القرن الثاني، أضاف إبراهيم بن سعد الزهري بما يتناسب مع مقتضيات العصر مضامين قائلة بالتحريف إلى هذه الرواية، ومنذ ذلك الحين، نُقلت هذه الرواية بكثرة في المصادر الإسلامية. لقد حدثت التغييرات الأخيرة في فترة بدأت فيها أولى همسات الاعتقاد بالتحريف بين المسلمين. وبالتالي، فإن التأريخ المقترح يتوافق مع تاريخ التطورات الفكرية في العالم الإسلامي.
الهوامش
- يُستخدم في هذه المقالة مصطلح «البايبل» للإشارة إلى أي جزء من العهدين أو مجموعهما (بما في ذلك التوراة، وكتب الأنبياء، والمكتوبات، والأناجيل الأربعة، وأجزاء أخرى من العهد الجديد)، وهو مصطلح علمي له هذا الاستخدام الدقيق في الأدبيات العلمية (للمزيد من التفاصيل، انظر طباطبائي، 1397هـ، «الدراسات الدينية الإيرانية ومشكلة اختيار المعادل»)؛ أما في الحالات التي يُشار فيها إلى أحد الكتب المذكورة تحديدًا، كالتوراة مثلاً، فيُصرح باسمه.
- «الكراسة» مصطلح استُخدم قديمًا في اللغة الفارسية للإشارة إلى مفهوم «النص المقدس» أو «الكتاب السماوي» (دهخدا، تحت مدخل «كراسه»). لمزيد من الإيضاحات، انظر: طباطبائي، 1397، «الدراسات الدينية الإيرانية ومشكلة اختيار المعادل».
- من بين ما يقارب 7000 مصدر متوفر في برنامج المكتبة الشاملة، والتي تشمل المجاميع الروائية، والتفسيرية، والكلامية، والجدلية، والفقهية وغيرها، من القرن الثاني الهجري حتى الآن، لم يُعثر على هذا الحديث إلا في خمسة مصادر أخرى، وهي: تفسير ابن كثير (ابن كثير، 1419هـ، 1: 205)، والدر المنثور (السيوطي، د.ت، 1: 201)، وجامع الأحاديث (السيوطي، 1423هـ، 29: 183)، وكنز العمال (المتقي الهندي، 1410هـ، 2: 358)، ومنحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب (ابن معمر، 1419هـ، 1: 249).
- locus Classicus
- Form Analysis Method.
- في سنن الدارمي، وردت رواية بهذا المضمون عن أبي موسى: «أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَتَبُوا كِتَابًا، فَاتَّبَعُوهُ، وَتَرَكُوا التَّوْرَاةَ» (الدارمي، 1412هـ، 1: 427). تشير مثل هذه الروايات إلى أن خطأ اليهود كان في كتابة كتب غير التوراة واتباعها بدلاً من اتباع التوراة؛ وإلا فإن التوراة والإنجيل نفسيهما، باستثناء التحريف المعنوي، لم يلحقهما أي خلل. وفي رواية منسوبة إلى وهب بن منبه، يُصرح بهذه الفكرة بوضوح: «حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا، يَقُولُ: إِنَّ التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ كَمَا أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ لَمْ يُغَيَّرْ مِنْهُمَا حَرْفٌ، وَلَكِنَّهُمْ يُضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ، وَكُتُبٍ كَانُوا يَكْتُبُونَهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَقُولُونَ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَأَمَّا كُتُبُ اللَّهِ فَإِنَّهَا مَحْفُوظَةٌ لَا تُحَوَّلُ» (ابن المنذر، 1423هـ، 1: 266).
- أبو عبيد القاسم بن سلام [157-224] في فضائل القرآن (أبو عبيد، 1415هـ، 71) يروي بسند «إسماعيل بن عياش [108-181] عن عمرو بن قيس السكوني [40-140]» عن عبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى في النصف الثاني من القرن الأول، أنه قال إن من علامات آخر الزمان أن تُقرأ «المثناة» في الملأ ولا يُنكرها الناس. وعندما سُئل عن «المثناة»، قال: «ما استُكتب من غير كتاب الله». هذا القول يحمل بوضوح مضمونًا معاديًا لكتابة الحديث. ويستمر الحديث بسؤال الناس عن مصير أحاديث رسول الله، فيجيب بأن يأخذوا ما يصلهم من طريق موثوق… ولكن القرآن كافٍ للموعظة لمن يتدبر. لذا يبدو أن قائل هذا الكلام كان من معارضي التدوين. ونعلم أن إسماعيل كان من أهل كتابة الحديث وإملائه (انظر: الذهبي، 1427هـ، 7: 320). إذن، قائل الكلام إما عمرو بن قيس أو عبد الله بن عمرو نفسه. والاحتمال الثاني يُضعف لأننا نعلم أن عبد الله نفسه كان يكثر من النقل عن كتب أهل الكتاب. فالأرجح أن قائل الكلام هو عمرو بن قيس نفسه. والآن، بالنظر إلى أن المقصود بـ«المثناة» هو «المشناة» اليهودية، يمكن التكهن بأنه في النصف الثاني من القرن الأول أو أوائل القرن الثاني، كان النقل من مصادر مكتوبة «من غير كتاب الله» شائعًا لدرجة أثارت معارضة أمثال عمرو بن قيس بمثل هذه الأقوال. ولعل سبب نسبة هذا القول إلى عبد الله بن عمرو بن العاص هو أنه كان يُعد من القلائل المتخصصين في كتب أهل الكتاب. ومن المثير للاهتمام أن أبا عبيد في أوائل القرن الثالث لم يعد يعرف المعنى الدقيق لـ«المثناة» ولا يستطيع إلا أن يقول: «الْمَثْنَاةُ أَرَاهُ يَعْنِي كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ» (أبو عبيد، 1415هـ، 71). وفيما يتعلق بالنظرة السلبية لعلماء المسلمين للمشناة، فإن هذا القول المنسوب لابن زيد جدير بالاهتمام: «أَخْبَرَنَا أَبُو يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، ثنا أَصْبَعُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ} [الأعراف: 169]، قَالَ: هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَتَبُوا كِتَابًا ضَادُّوا بِهِ كِتَابَ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ: الْمَثْنَاةُ، الْمُحِقُّ فِيهَا مُبْطِلٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَالْمُبْطِلُ فِيهَا مُحِقٌّ فِي التَّوْرَاةِ» (الرازي، 1419هـ، 5: 1607).
- «القفز» (dive) من مصطلحات ينبل التي تُستخدم لوصف نوع خاص من تدليس الرواة؛ أي عندما يقوم الراوي بإخفاء ضعف مخبره الأصلي، ويستبدله بطريق أقوى، وبذلك «يتجاوزه». للتفصيل في البحث، انظر: Juynboll 2007, xxii-xxiii.
- «إنه لَيْسَ فِي الزُّهْرِيِّ كَمَالِكٍ وَلَا كَابْنِ عُيَيْنَةَ».
- «وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَزَرَةُ: سَمَاعُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِذَاكَ، لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا».
- ابن أبي حاتم الرازي نفسه، الذي يروي في «ما نحن فيه» الرواية الحاضرة عن محمد بن عزيز عن سلامة، يورد في «الجرح والتعديل» تحت ترجمة سلامة بن روح أقوالاً تضعفه، خاصة رواياته عن عقيل، دون أن يدافع عنه أو ينقل شيئًا إيجابيًا عنه (انظر: الرازي، 1271هـ، 4: 301). النقطة الأهم هنا هي أنه من خلال أوصافه، لا يبقى شك في أن سلامة لم يرَ عقيلاً قط. وبشكل عام، تُعتبر تفردات سلامة عن عقيل منكرة وضعيفة، ومنها رواية «أكثر أهل الجنة البله» (انظر: ابن عدي، 1418هـ، 4: 329). وقد أدرج ابن شاهين اسمه واسم ابن أخيه محمد بن عزيز في زمرة الضعفاء والكذابين (انظر: ابن شاهين، 1409هـ، 103، 170). كما أورد ابن الجوزي اسمه في «الضعفاء والمتروكين» (انظر: ابن الجوزي، 1406هـ، 2: 8).
- حول الشك في الأسانيد العائلية، انظر: Schacht, 1979, 170.
- هذا الإسناد نفسه نجده في رواية أخرى مرتبطة ببحث التحريف. فقد روت مصادر أهل السنة رواية (بإسناد يونس عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس) مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الأمور التي لم يكن لديه فيها أمر خاص من الله، يعمل بموافقة أهل الكتاب (انظر: الطحاوي، 1415هـ، 9: 267). وبعد أن يروي الطحاوي هذه الرواية، يروي بالإسناد العائلي لمحمد بن عزيز عن سلامة بن روح عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس، الرواية نفسها مع هذه الإضافة: فسأل سائل: «كيف تقبلون مثل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصفونه بمحبة اتباع أهل الكتاب، مع علمكم بأنهم بدلوا كتابهم وحرفوه عن مواضعه وباعوه بثمن قليل، وأنكم تروون عنه؟» (نفسه). هنا لا يتضح من هو المخاطب بهذا السؤال، وفي زمن أي راوٍ طُرح هذا السؤال. المهم أن هذه الرواية لم ترد بهذه الإضافة إلا بهذا الإسناد، وهذا يعني أن محمد بن عزيز أو سلامة بن روح كانا من دعاة التحريف المتحمسين، ومن المحتمل أن أحدهما أضاف هذا الإشكال إلى الرواية السابقة في صورة كلام سائل. (لمثال آخر على هذه الإشكالات المصطنعة، انظر روايات الراويين عن أهل الكتاب، انظر: نفسه، 9: 268).