ملخص
تعد مسألة اختلاف القراءات منذ القدم قضية مهمة في مباحث علوم القرآن، وقد تصدى لها المفكرون والمفسرون المسلمون. لا يُعَدّ اختلاف القراءات عند العلماء المسلمين قضية معقدة؛ إلا أنها في العصر المتأخر، تجلّت هذه المسألة بشكل كبير في نظر المستشرقين وخُصصت لها أبحاث كثيرة في الغرب. ومن المناهج الحديثة التي اتبعها المستشرقون لتمييز القراءة الصحيحة، توظيف مفردات من لغات غير عربية، مثل العبرية والسريانية والنبطية وغيرها. كما استخدم علماء العهد الجديد منهج استبدال المفردات الدخيلة، وطُرحت معايير من قبيل معيار اللغة اليونانية وسياقها، ومعيار الظاهرة اللغوية السامية (الآرامية)، أو خصائص البيئة الفلسطينية. يتناول هذا البحث بأسلوب وصفي-تحليلي تبيين هذا المنهج في القرآن والعهد الجديد، ويقوم بتقويم ونقد تطبيقه في مسألة اختلاف القراءات القرآنية. تظهر نتائج هذا البحث أنه على الرغم من عدم إغفال أهمية هذا المنهج ونجاحه في الدراسات النقدية للعهد الجديد، فإن تطبيقه في موارد اختلاف القراءات القرآنية يواجه إشكاليات مثل التعميم غير الصائب، والانقطاع عن الفهم الموضوعي والتاريخي، وتوهم المؤامرة الجماعية، وكونه أكثر غموضًا وإبهامًا من القراءة الرسمية للقرآن، وعدم اعتبار سند القراءات.
مقدمة
تعد مسألة اختلاف القراءات من القضايا المطروحة منذ القدم في مباحث علوم القرآن، وقد تناولها المفكرون والمفسرون المسلمون. ولا يُعد اختلاف القراءات عند العلماء المسلمين قضية شائكة. فقد اعتبر كثير منهم مسألة اختلاف القراءات أمرًا طبيعيًا ولم يبذلوا جهدًا كبيرًا في سبيل تمييز القراءة الأصيلة. على سبيل المثال، يمكن ذكر الطبرسي الذي يذكر بعد إيراد القراءات المختلفة حجية كل منها ويعمد إلى توجيهها. وفي تفسير مجمع البيان، لا نجد إلا موارد قليلة حاول فيها ترجيح قراءة على أخرى (مهدوي راد؛ حاجي أكبري، بررسي ترجيح قرائات در تفسير مجمع البيان، ١٣٩٦ ش: ٩٩). وقد عمدوا أحيانًا إلى ترجيح بعض القراءات على غيرها وقدموا معايير لذلك، وهي في الغالب: الشهرة، والانسجام مع السياق، وقوة المعنى، والفصاحة والبلاغة، والمطابقة الأكثر مع سائر موارد النزول (نفس المصدر: ١٠٤-١١١)؛ وموافقة القواعد العربية، والموافقة -ولو احتمالًا- مع أحد المصاحف العثمانية، وصحة السند (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: ١/٩). هذه المعايير التي حظيت بقبول كثير من محققي علوم القرآن، واعتبروا فقدان أحد هذه الشروط علامة على شذوذ القراءة ومخالفتها للقاعدة، وبالتالي فإن مثل هذه القراءة، وإن كانت من القراءات السبع، لا اعتبار لها (معرفت، علوم قرآنى، ١٣٨٩ش: ٢/١١٩). وبالطبع، لم ير بعض الباحثين القرآنيين هذه المعايير خالية من الإشكال في تمييز القراءة الصحيحة، واعتبروا قراءة حفص عن عاصم أكثر القراءات اعتبارًا لموافقتها القراءة المشهورة (رجبي، روششناسى تفسير قرآن، ١٣٩٢ ش: ٧٦-٨١).
في العصر المتأخر، تجلّت هذه المسألة في نظر المستشرقين بشكل كبير، وخُصصت لها أبحاث كثيرة في الغرب. ويبدو أن دافعهم الأولي كان إنكار تفوق القرآن الكريم على سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء، والتي لطالما وُجدت منها نسخة واحدة بين أتباعها ولم تتعرض للتغيير والتحريف. يقول غولدتسيهر في كتابه «المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن»: «ليس في العالم كتاب مقدس ديني يعتبره أتباعه وحيًا منزلًا أصليًا. كل هذا الاضطراب [في النسخ] وعدم استقرار متن القرآن موجود فيها أيضًا.» (غولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ١٩٥٥م: ٢). وقد اعتبر هو ونولدكه اختلاف القراءات دليلًا على تحريف القرآن وغياب نص واحد عنه (نفس المصدر: ٤؛ نولدكه، تاريخ القرآن، ١٩٣٨: ٣/٥٧٤).
من المناهج الحديثة التي اتبعها المستشرقون لتمييز القراءة الأصيلة لمفردة قرآنية، هو توظيف كلمة مشابهة من لغات غير عربية، كالعبرية والآرامية والنبطية وغيرها. وتتضح أهمية هذا المنهج في الحالات التي تكون فيها جميع القراءات المذكورة في كتب التفسير والقراءات – على زعمهم على الأقل – مصحوبة بمشكلات (انظر: دوبلوا، نقدي بر كتاب قرائت آرامي-سرياني ق، ۱۳۸۲ش: ۱۲؛ Rippin, 1979: p.45-52).
إن تطبيق منهج استبدال المفردات الدخيلة من قبل علماء العهد الجديد أقدم من الدراسات الاستشراقية حول القرآن الكريم. وقد طُرح هذا المنهج في دراسات العهد الجديد كمعايير مثل معيار اللغة اليونانية وسياقها ومعيار الظاهرة اللغوية السامية (الآرامية) أو خصائص البيئة الفلسطينية (Porter, 2000: pp. 128-163; 89-110). في ما يلي، سنتناول تبيين هذا المنهج في القرآن الكريم والعهد الجديد، ثم نقوم بنقد ودراسة تطبيقه في موارد اختلاف القراءات القرآنية.
منهج استبدال المفردات الدخيلة في القرآن الكريم
المفردات «الدخيلة» هي ألفاظ أصلها غير عربي، وقد غير العرب حروفها على طريقة لغتهم واستعملوها. وتسمى أيضًا بالمفردات «المُعرّبة» (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ۱۳۸۲: ١ / ٢٦٩). ومن مجمل الآثار المؤلفة في هذا المجال، يُستشف أن لغة هذه المفردات هي في الغالب: العبرية، والآرامية، والسريانية، والنبطية، والقبطية، والحبشية، والفارسية، والرومية، والهندية، والتركية، والبربرية، والزنجية. إن تمييز المفردات المعربة ليس بالأمر الهين؛ ومع ذلك، حاول العلماء تقديم معايير لذلك، وهي كالتالي:
– ألا يكون لها جذر ثلاثي أو رباعي؛
– في الكلمة العربية، لا يجتمع حرفا «ج» و «ق» معًا؛
– في الكلمة العربية، لا يجتمع حرفا «س» و «ج»؛
– الاسم الذي فيه «ن» وبعدها حرف «ر» ليس له بناء عربي؛
– الكلمة المبنية من «ب» و «س» و «ت» ليست عربية؛
– حرف «ز» لا يأتي بعد أحد الحروف «د»، «ب»، «س» و «ت» (جفري، واژه هاى دخيل در قرآن، ١٣٧٢: ٤٥).
لقد اعتبر معظم القدماء، كالشافعي وابن جرير وأبي عبيد والقاضي أبي بكر وابن فارس، القرآن خاليًا من المفردات الدخيلة (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ۱۳۸۲: ١ / ٤٧١). ومن أدلتهم على ذلك: منافاته لكون القرآن عربيًا، وعدم انسجامه مع قدم القرآن، وكونه سببًا في نقص وانحطاط اللغة العربية، وتوقيفية مفردات القرآن. وفي هذا السياق، طرح فخر الرازي نظرية شاذة أخرى، قائلًا: «لا نقبل أن تكون كلمات مثل مشكاة، وقسطاس، واستبرق، وسجيل غير عربية، بل إن الكلمة العربية فيها تطابقت مع كلمة في لغة أخرى؛ لأن توافق اللغات يقع أحيانًا» (نفس المصدر: ١ / ٢٦٧). ومن الواضح أنه لا يوجد دليل لإثبات هذا الادعاء، وهو أشبه بأمر خارق للعادة منه بنظرية علمية.
إن قبول وجود هذه الظاهرة تحول تدريجيًا إلى أمر إجماعي بين علماء القرآن، وإن كان النزاع حول عدد المفردات المعربة في القرآن يبدو غير منتهٍ (انظر: صالح، دراسات في فقه اللغة، ١٩٧٠ م: ١٧٨). وتُظهر أبحاث علم اللغة الحديثة أيضًا وجود عدد كبير من المفردات غير العربية في القرآن الكريم وسائر النصوص العربية، وهي نتاج التفاعلات الثقافية بين شعوب المنطقة المختلفة بسبب التجارة والهجرة والحروب وتقارب بعض هذه اللغات من العربية وسيطرة الساسانيين والبيزنطيين على العرب وغيرها (انظر: جفري، واژه هاى دخيل در قرآن، ١٣٧٢ ش: ١٢-١٣؛ آذرنوش، راههاى نفوذ فارسى در فرهنگ و زبان تازى، ١٣٥٤ ش: ١١١). ويمكن الإشارة إلى عامل آخر في فكر آرثر جفري: «بما أن القرآن هو خلاصة كل التعاليم الإلهية السابقة والوحي المتقدم ومكمل لها، فلا بد من توقع أن ترد فيه المصطلحات والعبارات الفنية العبرية والسريانية واللغات الأخرى التي استخدمت في الوحي السابق. علاوة على ذلك، بما أن القرآن أرسل لهداية البشر كافة، فلا ينبغي التعجب من وجود شيء من لغات أخرى فيه. ومن الواضح بالطبع أن ليست كل مفردات كل اللغات موجودة في القرآن، بل إن أعذبها وأجملها وقعًا وأنسبها هي التي وردت فيه» (جفري، واژه هاى دخيل در قرآن، ١٣٧٢ ش: ٦٥).
من بين اللغات المتعددة التي ذُكرت كمصدر للمفردات غير العربية في القرآن، أولى المستشرقون اهتمامًا خاصًا باللغة السريانية. يكتب جفري: «اللغة السريانية، بلا شك، هي أغنى مصدر للكلمات المقترضة في القرآن. هذه اللغة… كانت في ذلك العصر لغة التخاطب في المجتمعات التي كان للعرب أكبر احتكاك بها… ولا شك أن الجزء الأكبر من تأثير اللغة السريانية في اللغة العربية كان نتيجة استخدام هذه اللغة في القسم المسيحي من مملكة الحيرة والمناطق المحيطة بها. وكان بلاط الحيرة ملتقى الشعراء والأدباء في ذلك العصر، وكثير من شعراء ما قبل الإسلام، مثل امرئ القيس والمتلمس وعدي بن زيد، كانوا مسيحيين. وهنا أيضًا، كانت طرق التجارة معابر تدخل منها المفردات السريانية إلى العربية. على سبيل المثال، كانت تجارة النبيذ في الغالب في أيدي المسيحيين، ولهذا نرى أن معظم المصطلحات العربية القديمة المتعلقة بهذه التجارة ذات أصل وجذر سرياني.» (نفس المصدر: ٧٦-٧٨).
تتجلى ذروة هذه النظرة في الأثر المثير للجدل لكريستوف لوكسنبرغ – المستشرق واللغوي الألماني. يكتب في كتابه «القراءة الآرامية-السريانية للقرآن؛ محاولة في توضيح لغة القرآن»: «القرآن لم يكتب باللغة العربية، بل لغة القرآن هي لغة خليط من العربية والآرامية كانت شائعة في مكة في زمن النبي ﷺ. مكة في الأصل كانت منطقة آرامية، ويؤيد ذلك أن اسم مكة في الأصل هو «ماتا» الذي يعني في الآرامية المنخفض والأسفل. هذه اللغة المختلطة، كُتبت في البداية بخط ناقص – بدون إعجام وتنقيط – ونظام التنقيط ابتُدع لاحقًا للتمييز بين الباء والتاء والنون والياء وما شابه ذلك (Luxenberg, 2000: p. 299). ومن وجهة نظر جفري، فإن نظام العلامات هذا قد شاع في العربية تقليدًا للنظام النسطوري القديم (جفري، واژه هاى دخيل در قرآن، ١٣٧٢: ٧٦).
من أهم مجالات تطبيق نظرية وجود المفردات غير العربية في القرآن الكريم من قبل المستشرقين، هي موارد اختلاف القراءات. ويزداد هذا الأمر تواترًا خاصة عندما تواجه القراءات المتعددة الموجودة لكلمة واحدة جميعها صعوبات تفسيرية. وقد أشار تشارلز توري (١٨٦٣-١٩٥٦) في مقالة بعنوان «ثلاث مسائل إشكالية في القرآن»، وغونتر لولينغ في كتابه بعنوان «عن أصل القرآن» (١٩٧٤)، وجيمس بيلامي في عدة مقالات له في التسعينيات من القرن الماضي، إلى حالات من هذه التغييرات وقدموا اقتراحات. كما قدم بعض مترجمي القرآن الآخرين، مثل ريتشارد بيل (١٨٧٦-١٩٥٢) وريجي بلاشير (١٩٠٠-١٩٧٣)، في ترجماتهم الإنجليزية والفرنسية للقرآن، اقتراحات أحيانًا في تغيير إعراب الآيات ومفهومها (كريمي نيا، مسئله تأثير زبانهاى آرامى و سريانى در زبان قرآن، ١٣٨٢: ٥٦).
مراحل تطبيق المنهج
تتمثل مراحل تطبيق منهج استبدال المفردات غير العربية في موارد اختلاف القراءات القرآنية فيما يلي:
١. استخراج اختلاف القراءات المنقول في مختلف كتب التفسير وعلوم القرآن؛
٢. مراجعة التفاسير القديمة كتفسير الطبري الذي يحتوي على مواد لم يلتفت إليها المترجمون الغربيون؛
٣. مراجعة المعاجم الغنية والكبيرة مثل لسان العرب، بهدف إيجاد شرح وتبيين مناسب؛
٤. السعي لإيجاد تلك المفردة أو العبارة العربية في اللغة السريانية، أو العبرية، أو غيرها؛
٥. إحداث تغييرات في المفردة العربية المذكورة في القرآن، مثل تغيير مواضع النقاط، بناءً على الاعتقاد بأنه بسبب عدم اكتمال الخط العربي الأولي، من الممكن أن يكون التنقيط قد تم في القرنين الثاني والثالث الهجريين دون الالتفات إلى المعنى الدقيق للآية؛
٦. فإذا لم يتم التوصل إلى حل مناسب من هذه المرحلة أيضًا، يُسعَى هذه المرة، من خلال تغيير مواضع النقاط في تلك المفردة العربية، إلى إيجاد مقابل مناسب لها يزيل إبهام الآية، في اللغة السريانية أو غيرها؛
٧. في المرحلة الأخيرة، إذا لم يُعثر على أي معادل أو مشابه سرياني، وكانت عربية المفردة قطعية، وفي الوقت نفسه بقي معنى الآية مبهمًا، يُخمن أن ذلك التعبير القرآني هو «كلمة مستنسخة» (calque) أو اقتراض ترجمي نشأ من ترجمة حرفية لمفردة غير عربية (انظر: كريمي نيا، مسئله تأثير زبانهاى آرامى و سريانى در زبان قرآن، ١٣٨٢: ٥٠). وفيما يلي، عُرضت نماذج من تطبيق هذا المنهج.
النموذج الأول
من موارد تطبيق منهج استبدال المفردات غير العربية في مسائل اختلاف القراءات، آية ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنبياء / ٥٩). الإشكال الذي يتبادر إلى الذهن في هذه الآية أولًا هو أن معنى المقطع الأول من الآية، أي «حرام على كل قرية أهلكناها»، لا يتناسب مع معنى المقطع الثاني، أي «أنهم لا يرجعون»، وفي الواقع ينبغي أن يكون المعنى «أنهم يرجعون». يقدم أندرو ريبين حلًا يكمن في اعتبار «لا» زائدة (Rippin, 1979: p. 45). والحل الآخر هو اقتراح الزمخشري باستبدال قراءة «إنّهم» محل «أنّهم»، وتحويل المقطعين إلى جملتين مستقلتين؛ وبناءً عليه، تكون كلمة «حرام» مبتدأ لخبر مقدر يُفهم من الآية السابقة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾: أي حصول مزايا العمل والسعي الصالح حرام على هذه المدينة؛ ولكن المشكلة هي أن هذه القراءة البديلة تفتقر إلى الدليل والسند.
الحل النهائي الذي يقدمه ريبين هو إيجاد بديل مناسب للكلمة الإشكالية في هذه الآية، أي كلمة «حرام». وبعد دراسة الصور الأخرى لقراءة هذه الكلمة وهي: «حَرَمٌ»، «حِرْمٌ»، «حَرُمَ»، ويستنتج أن هذه القراءات أيضًا لا تحل الإشكال المعنوي المذكور في الآية. وحدها قراءة «حَرَّمَ» تغير المسألة؛ لأن ابن عباس فسرها بمعنى «عَزَمَ» (Ibid: 48-52). يلجأ ريبين لإيجاد القراءة الأصلية لهذه الكلمة إلى قاموس اللغات التوراتية ويقترح كلمة «حِيرِم» التي تعني «منع» أو «وقف الله». يمكن أن تشير هذه الكلمة إلى جانب إيجابي في العلاقة المتبادلة بين الله والإنسان؛ وبناءً عليه، باستبدال هذه الكلمة، يرتفع إشكال ترجمة هذه الآية: «مدينة أهلكناها، كانت وقفًا لله، ونتيجة لذلك لن يرجعوا» (Ibid: 52).
النموذج الثاني
يمكن ملاحظة نموذج آخر لهذا المنهج في آية ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ (الأنعام / ١٦١). يكتب الطبرسي في ذيل اختلاف القراءات في هذه الآية: «قرأ ابن عامر والكوفيون «قِيَمًا» بكسر القاف وفتح الياء، والآخرون بفتح القاف وكسر الياء المشددة. بناءً على القراءة الأولى، الكلمة مصدر وأصلها واوي، وبناءً على القراءة الأولى، هي صفة وبمعنى مستقيم» (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ١٣٦٠: ٩/٣٤).
يكتب لوكسنبرغ في دراسة هذه الكلمة: «إذا كانت (دِينًا قِيَمًا) في الواقع تمييزًا، فيجب أن نترجم الجملة هكذا: (إن ربي هداني إلى صراط مستقيم، من حيث هو دين قويم)؛ ولكن إذا افترضنا أن بنية الجملة مركبة ومختلطة (لأن الفعل (هدى) يتعدى أولًا بحرف (إلى) ثم يأخذ مفعولين)، ففي هذه الحالة يكون معنى الآية: (إن ربي هداني إلى صراط مستقيم، إلى دين قويم).» وهو يعتقد أن الصورة الأصلية لهذه الكلمة كانت «دِينًا قِيَامًا» باللغة السريانية، وتعني «عقيدة راسخة»؛ ولكنه ينسى في جميع هذه المراحل أن كلمة «دِينًا» في اللغة الآرامية لا تعطي معنى الدين والاعتقاد كما في العربية، بل تعني فقط القضاء والحكم. كلمة «دين» في العربية بمعنى المذهب والاعتقاد لم تؤخذ من الآرامية، بل هي مأخوذة من «دين» في الفارسية الوسطى (الأفستية: دَئِنَا) (دوبلوا، نقدي بر كتاب قرائت آرامي – سرياني ق، ١٣٨٢ ش: ١٢٤).
منهج استبدال المفردات الدخيلة في العهد الجديد
لقد اعتبر المسيحيون عبر القرون العهد الجديد (The New Testament) – وهو مجموعة من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائل بعض الحواريين، وخاصة بولس – مرجعًا كاملًا ودقيقًا لمعرفة سيرة السيد المسيح وتاريخ الكنيسة الأولى. ومع اتساع الدراسات النقدية-التاريخية (Critical-Historical Research) في القرنين التاسع عشر والعشرين، كنتيجة لشكوكية عصر التنوير، تحولت النظرة التقليدية للعهد الجديد (Theissen; Winter, 2002: p. 5). إن الهدف من الدراسات النقدية-التاريخية هو الوصول إلى العالم الذي يقف خلف النصوص القديمة، والذي تتألف أجزاؤه من:
– اكتشاف المعنى الأصلي للنص في سياقه التاريخي؛
– إعادة بناء الموقع التاريخي للكاتب ومخاطبيه؛
– وربما إعادة بناء التاريخ بشكل واقعي (Soulen, 2001: p. 78-79).
كان التأثير الأهم للدراسات النقدية-التاريخية في العهد الجديد هو تشكل تيار البحث عن يسوع التاريخي (Quest for the Historical Jesus). وكانت نتيجة هذه الأبحاث ابتكار وتطوير أساليب وتقنيات خاصة لإثبات صحة نتائجها (Ibid: 100-120)، والتي يمكن وضعها جميعًا تحت أحد هذه العناوين الثلاثة:
– دراسة نقد المصادر (Source Criticism)؛
– دراسة نقد الشكل (Form Criticism)؛
– دراسة نقد التحرير (Redaction Criticism) (Ibid: p. 79).
مع مرور الزمن، قوضت دراسة نقد الشكل والتحرير (Form and Redaction Criticism) المصداقية التاريخية للأناجيل، وأجبرت علماء العهد الجديد على تقديم معايير دقيقة ومنهجية لتقييم مصداقية الروايات التاريخية (Criteria of Authenticity) عن حياة السيد المسيح (Holmén, 2008: p. 43-54). حتى الآن، قدم مفكرون مثل إي. بي. ساندرز (E.P. Sanders)، وجون ماير (John Meier)، وغيرد تايسن (Gerd Theissen)، وتوم رايت (Tom Wright)، وألبرت شفايتزر (Albert Schweitzer)، ورودولف بولتمان (Rudolf Bultmann) ما لا يقل عن ٢٨ معيارًا[1]، أهمها:
– معيار عدم التشابه (عدم التشابه المزدوج)؛[2]
– معيار التأييد المتعدد أو منهج المقطع العرضي؛[3]
– معيار الانسجام أو الاتساق؛[4]
– معيار الإحراج؛[5]
– معيار الرفض وإعدام السيد المسيح؛[6]
– معيار السياق اليهودي والفلسطيني؛[7]
– معيار اللغة والسياق اليوناني؛[8]
– معيار خصائص الخطاب.[9] (Porter, 2011: p. 708; Porter, 2000: p. 22).
من خلال استعراض المعايير المذكورة أعلاه، يمكن ملاحظة مناهج مشابهة لمنهج استبدال المفردات الدخيلة في القرآن الكريم، والتي سيتم توضيحها فيما يلي.
1. معيار اللغة اليونانية وسياقها
أبرز نموذج لمنهج استبدال المفردات الدخيلة في العهد الجديد هو معيار اللغة اليونانية وسياقها (The Criterion of Greek Language and its Context). هذا المعيار، الذي قدمه بورتر أولًا، يسعى إلى العثور على الحالات المحتملة لاستخدام السيد المسيح للغة اليونانية والكشف عن الكلمات الأصيلة التي استخدمها (Porter, 2000: pp. 128-163). ويوضح أن هناك أدلة كثيرة تشير إلى أن الكنيسة الأولى كانت كنيسة ناطقة باليونانية، وبالتالي، فإن لغة تدوين العهد الجديد كانت اليونانية أيضًا، وجميع آباء الكنيسة الأوائل كتبوا بهذه اللغة (مثل Didache، رسالة برنابا، راعي هرماس، Clement، Ignatius، Epistle to Diognetus، Polycarp) (Porter, 2000: p. 128). في فلسطين، تحت الحكم الروماني، كان المسيح وكثير من أتباعه المقربين الذين أتوا معه من الجليل، على الأرجح متعددي اللغات. من المؤكد أنه كان يتحدث بالآرامية، وعلى الأرجح باليونانية، وربما بالعبرية (لا توجد أدلة معتبرة على قدرته على التحدث باللاتينية التي كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية). هل كان المسيح يتحدث باللغة اليونانية؟ والأهم من ذلك، هل كانت لغة تخاطبه مع أتباعه يونانية؟ للإجابة على هذا السؤال، من الضروري دراسة لغة مخاطبي المسيح. يقدر مارتن هنغل أن اللغة الأولى لـ ١٠ إلى ١٥ في المئة من يهود أورشليم كانت اليونانية؛ وبالتالي، فإن احتمال تحدثه معهم باليونانية ضئيل؛ ولكن فيما يتعلق باليهود الذين أتوا من خارج أورشليم، فإن الأمر معكوس؛ لأن اللغة الشائعة بينهم كانت اليونانية. من أمثلة هذه الحالات يمكن أن تكون فقرات مرقس ١٢: ١٣-١٧ = متى ٢٢: ١٦-٢٢ = لوقا ٢٠: ٢٠-٢٦ حيث يتحدث المسيح مع الفريسيين وجنود هيرودس في أورشليم. كما كان المسؤولون الرومان تقريبًا غرباء عن اللغة الآرامية، وبالتالي كان يجب أن يكون أي حديث معهم باليونانية.
من أمثلة هذه الحالات:
– محادثة المسيح مع قائد المئة في الجيش الروماني في كفرناحوم بالجليل حول خادم مريض (متى ٨: ٥-١٣)؛
– اللقاء مع شيوخ اليهود (لوقا ٧: ٣)؛
– الحديث في قانا الجليل مع موظف الدولة الذي كان ابنه مريضًا في كفرناحوم (يوحنا ٤: ٤٦)؛
– حديث المسيح مع المسؤول الروماني في المحكمة (مرقس ١٥: ٢-٥ = متى ٢٧: ١١-١٤ = لوقا ٢٣: ٢-٤ = يوحنا ١٨: ٢٩-٣٨).
بعض تلاميذ المسيح ولدوا في مناطق ناطقة باليونانية، وبعضهم يحمل أسماء يونانية؛ لذا من المحتمل أن تكون محادثة المسيح معهم في قيصرية فيلبي (Caesarea Philippi) أو ضواحيها (مرقس ٨: ٢٧-٣٠ = متى ١٦: ١٣-٢٠ = لوقا ٩: ١٨-٢١)، باعتبارها واحدة من أقدم المدن ذات الطابع اليوناني الشديد في الشمال، قد تمت باليونانية. كما أن كون الكثير منهم صيادين يستلزم بطبيعة الحال التعامل مع الناطقين باليونانية لبيع أسماكهم. حديث المسيح مع المرأة السامرية (يوحنا ٤: ٤-٢٦) هو مثال آخر. أصبحت منطقة السامرة متعددة اللغات منذ ثلاثة قرون قبل الميلاد؛ لأن اللغة اليونانية أصبحت رسمية في الشؤون الإدارية والاقتصادية – وليس الدينية.
يعتقد بورتر أنه مع أخذ جميع الأدلة في الاعتبار، يمكن الادعاء بأن السيد المسيح قد تحدث باليونانية في ثماني حالات من الأحداث المسجلة في الأناجيل (Ibid: pp. 145-154). الخطوة التالية هي دراسة مدى توافق سياق ومضمون هذه المحادثات مع استخدام اللغة اليونانية. على سبيل المثال، ضعف اللغة الآرامية في التعبير عن المسائل القانونية واللاهوتية يستلزم عدم استخدامها في المجادلات من هذا النوع (Ibid: pp. 155-156). والخطوة الثالثة هي تحديد كلمات المسيح (Ibid: pp. 156-163).
2. معيار الظاهرة اللغوية السامية (الآرامية) وخصائص البيئة الفلسطينية
نموذج آخر يمكن الإشارة إليه فيما يتعلق بمنهج استبدال المفردات الدخيلة في العهد الجديد، هو معيار الظاهرة اللغوية السامية (الآرامية) وخصائص البيئة الفلسطينية (Criterion of Semitic (Aramaic) Language Phenomena and/or Palestinian Environmental Features)، والذي يعد من أقدم المعايير التي طُرحت في دراسات العهد الجديد. يشير القسم الأول من هذا المعيار إلى الخصائص النحوية الخاصة في لغة العهد الجديد اليونانية، والتي يمكن تتبع أثرها في الأصل السامي، وعلى الأرجح الآرامي. أما القسم الثاني فيشير إلى خصائص البيئة الفلسطينية التي ذُكرت بشكل غير مقصود في الأناجيل، وتُظهر الأصل الفلسطيني للرواية. يمكن أن تشمل هذه الخصائص البيئية إشارات إلى عادات وتقاليد مختلفة، وخصائص جغرافية، أو معتقدات يُعتقد أنها من سمات فلسطين في القرن الأول الميلادي. الفرضية الأساسية لهذا المعيار هي أنه بما أن المسيح كان يتحدث الآرامية (وربما العبرية) وعاش في فلسطين، فإن وجود الخصائص المذكورة أعلاه في روايات العهد الجديد يدل على أصالتها ومصداقيتها (Porter, 2000: p. 89).
استُخدم هذا المعيار من قبل باحثي العهد الجديد منذ القرن السابع عشر؛ ولكن ربما كان سي. إف. بيرني أول من استخدم هذا المعيار على نطاق واسع لتقييم مصداقية الأقوال المنسوبة إلى المسيح. في القرن العشرين، تركزت معظم المناقشات حول هذا المعيار على الصعوبات والنقاط الغريبة التي لوحظت في لغة العهد الجديد اليونانية، والتي كانت تُعتبر من أخطاء الترجمة من اللغة الأصلية للعهد الجديد إلى اللغة اليونانية (Porter, 2000: pp. 90-93). وعلى الرغم من أن أشخاصًا مثل سي. سي. توري اعتبروا هذه الحالات ليست أخطاء ترجمة، بل محاولة من المترجمين للحفاظ على معاني ومقاصد النص الأصلي (Torrey, 1912: pp. 269-317)، إلا أنه في كلتا الحالتين، سواء اعتبرنا هذه الحالات أخطاء ترجمة أم لا، فإن وجودها يدل على وجود أصل آرامي لهذه الفقرات.
كانت إحدى مراحل تقدم هذا المعيار هي الاستفادة من نصوص مخطوطات البحر الميت الآرامية. استدل كيسي (Casey) بأن اللغة الآرامية المستخدمة في هذه المخطوطات يمكن أن توفر أدلة كافية لتمييز نوع اللغة الآرامية المستخدمة في بعض فقرات إنجيل مرقس (١: ٩-١١؛ ٢: ١٣-٢٣؛ ٣: ٦-٣٣؛ ٥: ١٠-٣٥؛ ١٤: ١٢-٢٦) (Casey, 1998: pp. 93-106). وكانت طريقة عمله على النحو التالي:
١. اختيار الفقرات التي تحمل علامات الترجمة الحرفية. وأول علامة هي هذه الأخطاء المزعومة في لغة العهد الجديد اليونانية.
٢. إعادة بناء طبقة لغوية آرامية تحتية (Aramaic substratum) قدر الإمكان، باستخدام نصوص مخطوطات البحر الميت الآرامية.
٣. إعادة بناء النص الآرامي للفقرات المختارة.
٤. تنقيح هذا النص الآرامي من وجهات النظر اليهودية في القرن الأول الميلادي (Ibid: p. 107-110).
نقد وتقويم منهج استبدال المفردات الدخيلة في موارد اختلاف القراءات القرآنية
على الرغم من أن منهج استبدال المفردات غير العربية في موارد اختلاف القراءات ينبع من أساس فكري خاطئ يتمثل في اقتباس القرآن من مصادر مسيحية وغيرها، إلا أن هذا الأمر لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن مزايا وإمكانيات هذا المنهج. إن الاهتمام الخاص والمنهجي بالثقافات واللغات التي كان لها حضور فعال في مكان وزمان نزول القرآن هو بلا شك أمر ضروري في الدراسة الأدبية للقرآن الكريم. وهذا الأمر يكتسب أهمية مضاعفة، خاصة في الحالات التي يكون فيها مخاطب القرآن فردًا أو جماعة غير عربية، أو لديهم ثقافة وفكر مختلف. ربما لم تظهر حتى الآن نماذج من النجاحات الباهرة لهذا المنهج في تفسير القرآن الكريم؛ ولكن هذه النماذج ليست قليلة في الدراسات النقدية للعهد الجديد. والمثال البارز على ذلك هو معيار اللغة اليونانية وسياقها (The Criterion of Greek Language and its Context) الذي تم توضيحه سابقًا.
إلى جانب هذه الأهمية، لا ينبغي إغفال الإشكاليات الكبيرة التي يعاني منها أساس هذا المنهج. وأهم هذه الإشكاليات هي:
١. التعميم غير الصائب: كما ذُكر، لا يمكن إنكار حقيقة أن اللغة العربية، ككل اللغات الحية والديناميكية في العالم، كانت دائمًا في تفاعل مع اللغات الأخرى واقترضت منها مفردات (انظر: جفري، واژه هاى دخيل در قرآن، ١٣٧٢ ش: ١٢-١٣؛ آذرنوش، راههاى نفوذ فارسى در فرهنگ و زبان تازى، ١٣٥٤ ش: ١١١)؛ ولكن الادعاء بأن جزءًا كبيرًا من القرآن له أصل آرامي أو غير عربي، وبالتالي في حالات اختلاف القراءات، يكون الأصل الأول هو البحث عن كلمة غير عربية، هو ادعاء لا دليل عليه.
لقد انتبه باحثو العهد الجديد إلى هذا الإشكال، ونتيجة لذلك، في النموذج المماثل لهذا المنهج في الدراسات النقدية للعهد الجديد، تحت عنوان معيار اللغة اليونانية وسياقها، يُلاحظ عدم وجود مثل هذا التعميم. فقد سعوا من خلال دراسة دقيقة للخصائص الجغرافية والزمنية لحياة السيد المسيح، إلى الاستفادة من هذا المعيار فقط في الحالات التي يوجد فيها على الأقل إمكانية تاريخية لتطبيق لغة أخرى من قبله (Porter, 2000: pp. 128-163)؛ لذا، يُوصى بأن تؤخذ هذه الدقة في الاعتبار عند تطبيق هذا المنهج في موارد اختلاف القراءات القرآنية من قبل الباحثين.
٢. الانقطاع عن الفهم الموضوعي والتاريخي: الإشكال الآخر في هذا المنهج هو أنه يتجاهل الفهم الموضوعي والتاريخي للمسلمين في القرون الماضية. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن معنى مفردات القرآن والمفاهيم الأخرى للثقافة والحضارة الإسلامية لا يمكن البحث عنه واستخراجه من بين النقوش والآثار القديمة للغات الأخرى واعتباره قطعيًا. لقد فهم المسلمون هذا المعنى على مر التاريخ، ليس بأدوات علم اللغة المقارن، بل بملكتهم الذهنية واللغوية، داخل الثقافة الإسلامية العربية. فهم في جميع المناطق الجغرافية للعالم الإسلامي، منذ بداية القرون الإسلامية، كانوا يفهمون ويفسرون القرآن عمومًا بالنظر إلى الفضاء الإسلامي-العربي الخاص بهم، لا أن يلجؤوا إلى لغة بدو أطراف شبه الجزيرة العربية أو المسيحيين السريان في بلاد ما بين النهرين. ومن هنا، لا يمكن تجاهل الاستمرارية التاريخية لمفاهيم القرآن التي وصلت إلينا اليوم بهذه السهولة، وخلق معنى جديد فجأة لا صلة له بالعلوم الإسلامية (من أدب، وفقه، وتفسير، وحديث، وكلام) (كريمي نيا، مسئله تأثير زبانهاى آرامى و سريانى در زبان قرآن، ١٣٨٢: ٥٦)؛ ولكن لا ينبغي اعتبار هذا الإشكال عائقًا أمام جميع تطبيقات هذا المنهج. ويبدو أن هذا الإشكال، مثله مثل الإشكال السابق، قابل للحل، بمعنى أن هناك احتمالًا لاقتراح مفردات غير عربية في موارد اختلاف القراءات لا تتعارض مع الفضاء الإسلامي-العربي.
٣. توهم المؤامرة الجماعية: يستلزم هذا المنهج الإيمان بمؤامرة شاملة ومنسقة ومشاركة من المسلمين في عصور متتالية لتغيير الصورة الأولية والأصلية للقرآن. وهذه المؤامرة بعيدة عن الإمكانية التاريخية لدرجة أنه لا يمكن وصفها إلا بالوهم. ولهذا السبب، يعتقد بعض الباحثين: «كيف يمكن قبول أن الجميع قبل الإسلام وفي بداية نزول القرآن كانوا يفهمون القرآن بشكل صحيح، وفجأة نتيجة مؤامرة أو خطأ من العلماء والأمة الإسلامية في جميع أنحاء الممالك الإسلامية (من شمال أفريقيا إلى إيران وما وراء النهر) في غضون سنوات قليلة، قاموا بصياغته بشكل مختلف؟» (نفس المصدر).
٤. كونه أكثر إبهامًا وغموضًا من القراءة الرسمية للقرآن: كان الهدف من هذا المنهج، كما أُشير سابقًا، هو في الغالب في حالات اختلاف القراءات التي كانت تواجه صعوبات تفسيرية؛ ولكن في الواقع لم يتحقق هذا الهدف. كتب فرانسوا دوبلوا في نقد كتاب لوكسنبرغ: «من الواضح أن تجريد القرآن من النقط والإعراب يجعله نصًا مبهمًا وغامضًا للغاية، وإعادة تنقيطه بهدف إعادة قراءته باللغة العربية أو أي لغة أخرى، يحقق نجاحًا ضئيلًا جدًا. … هذه (القراءة الجديدة) عمليًا ليست أكثر عقلانية ومناسبة من القراءة العربية المباشرة لنفس النص الرسمي للقرآن.» (دوبلوا، نقدي بر كتاب قرائت آرامي – سرياني ق، ١٣٨٢ ش: ١٢٨).
في المثالين اللذين قُدما سابقًا، تظهر هذه المشكلة بوضوح. في آية ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنبياء / ٥٩)؛ فإن استبدال كلمة «حِيرِم» لا يتعارض فقط مع فصاحة اللغة العربية للقرآن، بل يخل أيضًا بالإيقاع الجذاب ووزن الآية. وفي آية ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ (الأنعام / ١٦١) أيضًا، لا تملك الكلمة البديلة «قِيَامًا» فصاحة القراءتين المشهورتين الأخريين؛ وهاتان القراءتان هما: «قِيَمًا» بكسر القاف وفتح الياء، و«قَيِّمًا» بفتح القاف وكسر الياء المشددة؛ حيث إن الكلمة في القراءة الأولى مصدر وأصلها واوي، وفي القراءة الأولى صفة وبمعنى مستقيم (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ١٣٦٠ ش: ٩/٣٤).
٥. عدم اعتبار سند القراءات: الإشكال الأخير الذي يمكن الإشارة إليه في هذا المقال بشأن هذا المنهج، هو تجاهل معايير العلماء المسلمين في ترجيح القراءات، وأهمها صحة سند القراءة. هذا المعيار الذي يكاد يكون معيارًا إجماعيًا بين المسلمين، يمكن تطبيقه على الأقل في حالة قراءة عاصم (انظر: رجبي، روششناسى تفسير قرآن، ١٣٩٢، ص ٧٩-٨١). وقد وُصفت قراءة عاصم بأنها «قراءة العامة»، و«قراءة الجمهور»، و«قراءة الناس»، مما يشير إلى قراءة جمهور الناس، والتي بناءً على المستندات الموجودة في كتب القرن الثاني الهجري، كانت قراءة عامة متزامنة مع فترة ظهور وتكون القراءات السبع، وفي مكانة أسمى، وقد اتخذها البعض مثل الكسائي معيارًا لهم في بعض الحالات أو اعتبروها القراءة الأفضل (حسيني؛ إيرواني، بررسى تاريخى (قرائة العامة) وارتباط آن با روايت حفص از عاصم، ١٣٩٤ ش: ٢٥). وفي غاية النهاية ورد: «رواية حفص عن عاصم هي القراءة المشهورة التي كانت قراءة جميع الصحابة، وكانت دائمًا في زمن النبي ﷺ وبعد وفاته تُعرف كنص للقرآن، وتُقاس بها القراءات المختلفة.» (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، د.ت: ٢٥٤).
بناءً على ذلك، يجب أن يكون تطبيق هذا المنهج مقرونًا بهذه النقطة، وأن يُبذل على الأقل جهد لكي لا تكون المفردات غير العربية المقترحة بعيدة جدًا عن قراءة عاصم.
الخاتمة
على الرغم من أن اختلاف القراءات لا يُعد مشكلة معقدة لدى العلماء المسلمين، إلا أن هذه المسألة في العصور المتأخرة قد برزت بشكل كبير في نظر المستشرقين، وخُصصت لها العديد من الأبحاث في الغرب. يمكن البحث عن جذور هذا الأمر في مجالين: ١- نظرية اقتباس القرآن من مصادر غير عربية وأفكار معاصرة، ٢- الدراسات النقدية للكتاب المقدس.
أحد المناهج الحديثة للمستشرقين لتمييز القراءة الصحيحة هو استخدام مفردات من لغات غير عربية مثل العبرية، السريانية، النبطية وغيرها. يبرز هذا المنهج بشكل خاص عندما تواجه القراءات المنقولة صعوبات تفسيرية. في هذا البحث، تم شرح وتقييم هذه النظرية وبعض حالات تطبيقها. مراحل تطبيق منهج استبدال المفردات غير العربية في موارد اختلاف القراءات القرآنية هي كالتالي:
١. استخراج اختلاف القراءات المنقول في مختلف كتب التفسير وعلوم القرآن؛
٢. مراجعة التفاسير القديمة مثل تفسير الطبري الذي يحتوي على مواد لم يلتفت إليها المترجمون الغربيون؛
٣. مراجعة المعاجم الغنية والكبيرة مثل لسان العرب، بهدف إيجاد توضيح وتبيين مناسب؛
٤. السعي لإيجاد تلك المفردة أو العبارة العربية في اللغة السريانية، العبرية وغيرها؛
٥. إحداث تغييرات في المفردة العربية المذكورة في القرآن، مثل تغيير مواضع النقاط، بناءً على الاعتقاد بأنه بسبب عدم اكتمال الخط العربي الأولي، من الممكن أن يكون التنقيط قد تم في القرنين الثاني والثالث الهجريين دون الالتفات إلى المعنى الدقيق للآية؛
٦. فإذا لم يتم التوصل إلى حل مناسب من هذه المرحلة أيضًا، يُسعَى هذه المرة، من خلال تغيير مواضع النقاط في تلك المفردة العربية، إلى إيجاد مقابل مناسب لها يزيل إبهام الآية في اللغة السريانية وغيرها؛
٧. في المرحلة الأخيرة، إذا لم يُعثر على أي معادل أو مشابه سرياني، وكانت عربية المفردة قطعية، وفي الوقت نفسه بقي معنى الآية مبهمًا، يُخمن أن ذلك التعبير القرآني هو «كلمة مستنسخة» (calque) أو اقتراض ترجمي نشأ من ترجمة حرفية لمفردة غير عربية.
الإشكاليات الرئيسية التي يعاني منها هذا المنهج هي: التعميم غير الصائب لحقيقة وجود بعض المفردات الدخيلة في القرآن إلى حجم كبير من هذا الكتاب، الانقطاع عن الفهم الموضوعي والتاريخي للمسلمين وتجاهله، توهم وجود مؤامرة جماعية من المسلمين لصياغة القرآن الكريم بشكل مغاير لأصله، كونه أكثر إبهامًا وغموضًا من القراءة الرسمية للقرآن، بحيث لا تكون هذه القراءة الجديدة عمليًا أكثر عقلانية ومناسبة من القراءة العربية المباشرة لنفس النص الرسمي للقرآن، وعدم اعتبار سند قراءات القرآن الكريم.
مع كل هذا، ورغم أن جذوره تكمن في أساس فكري خاطئ وهو اقتباس القرآن من مصادر مسيحية وغيرها، إلا أن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن مزايا وقدرات هذا المنهج. إن الاهتمام الخاص والمنهجي بالثقافات واللغات التي كان لها حضور فعال في مكان وزمان نزول القرآن هو بلا شك أمر ضروري في الدراسة الأدبية للقرآن الكريم. وهذا الأمر يكتسب أهمية مضاعفة، خاصة في الحالات التي يكون فيها مخاطب القرآن فردًا أو جماعة غير عربية، أو لديهم ثقافة وفكر مختلف. ربما لم تظهر حتى الآن نماذج من النجاحات الباهرة لهذا المنهج في تفسير القرآن الكريم؛ ولكن هذه النماذج ليست قليلة في الدراسات النقدية للعهد الجديد. والمثال البارز هو معيار اللغة اليونانية وسياقها (The Criterion of Greek Language and its Context) الذي يسعى إلى العثور على الحالات المحتملة لاستخدام السيد المسيح للغة اليونانية والكشف عن الكلمات الأصيلة التي استخدمها.
الهوامش
1. بالطبع، يكمن الفرق بين بعض هذه المعايير في الاسم الذي أطلقه عليها الباحثون المختلفون فقط (Porter, 2000: p. 70).
2. Criterion of Dissimilarity (or Double Dissimilarity).
3. Criterion of Multiple Attestation or Cross-Section Method.
4. Criterion of Coherence or Consistency.
5. Criterion of Embarrassment.
6. Criterion of Jesus’s Rejection and Execution.
7. Criterion of Semitisms and Palestinian Context.
8. Criterion of Greek language and Its Context.
9. Criterion of Discourse Features.