اختلاف القراءات في تفسير أطيب البيان

الملخص

تُعدّ مسألة «اختلاف القراءات» من المباحث المهمة في علوم القرآن، وقد قدم علماء علوم القرآن والمفسرون آراءً مختلفة حول أنواعها وكيفية اختيار القراءة الصحيحة. وقد قام كل مفسر بتفسير آيات القرآن الكريم بناءً على أصوله الخاصة واختياره للقراءة الصحيحة المقبولة لديه. يُعتبر المرحوم السيد الطيب من مفسري الشيعة المعاصرين الذين عرضوا آراءهم في مجال اختلاف القراءات في تفسيره «أطيب البيان». يهدف هذا البحث إلى تبيين رؤية هذا المفسر تجاه مسألة اختلاف القراءات، ويسعى، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، إلى الكشف عن رؤيته ومنهجه المتبع في اختيار القراءة الصحيحة. تُظهر نتائج البحث أن المرحوم الطيب قد أشار في تفسيره إلى اختلافات في القراءات مثل الاختلاف في الإعراب، والاختلاف في الحروف، والاختلاف في الأسماء، والاختلاف في الزيادة والنقصان، ويرى أن القراءة الصحيحة هي القراءة الموافقة لسواد المصحف، وهي نفسها قراءة حفص عن عاصم. ويستدل على رأيه هذا بكون هذه القراءة متواترة، ووجود الإجماع على القراءة الموافقة لسواد المصحف، وكذلك عدم وجود دليل على صحة قراءات القُرّاء الآخرين. وقد عمد، بالاستعانة بآيات القرآن، والاهتمام بظاهر القرآن، والاستفادة من معاني المفردات في الآية، وكذلك استخدام القواعد النحوية، إلى إثبات صحة القراءة الموافقة لسواد المصحف وردّ القراءات الأخرى.

المقدمة

من المباحث المهمة المتعلقة بالقرآن الكريم موضوع اختلاف القراءات، الذي يعود تاريخه إلى صدر الإسلام. في بداية نزول القرآن، كان النبي (ص) يعلّم أصحابه القرآن بقراءة واحدة، ولكن في الفترات اللاحقة، أخذ كل قارئ يعلّم الناس في منطقته قراءة القرآن وفق مصحفه الخاص، مما مهّد الطريق لاختلاف القراءات. وقد ذكر علماء الإسلام عوامل مختلفة لنشوء هذا الاختلاف، منها: بدائية الخط (المعرفة، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/17؛ معرفت، تاريخ قرآن، 1386: 41؛ معارف، درآمدى بر تاريخ قرآن، 1383: 184)، واختلاف اللهجات (راميار، تاريخ قرآن، 1369: 348؛ أحمدي، پژوهشى در علوم قرآن، 1381: 119)، وآراء واجتهادات القراء الشخصية والسعي للشهرة (طاهري، درسهايى از علوم قرآنى، 1377: 1/448). وفي القرن الثالث الهجري، سعى ابن مجاهد لوضع حد لاختلاف القراءات، فحصرها في سبع قراءات معتمدة (أبو عبد الله نافع بن أبي نعيم المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الكوفي، وأبو الحسن الكسائي الكوفي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وابن عامر الدمشقي). وبعده، في القرن الثامن، أضاف ابن الجزري ثلاث قراءات أخرى (خلف بن هشام بن طالب، ويعقوب بن إسحاق، وأبو جعفر يزيد بن قعقاع) لتوفر شروط الصحة فيها من وجهة نظره، فزاد عدد القراءات المعتمدة (ابن الجزري، محمد، النشر في القراءات العشر، بيتا). وفي القرن الحادي عشر، أضاف المياطي أربع قراءات على القراءات العشر (قراءة الحسن البصري، وابن محيصن، ويحيى بن مبارك اليزيدي، وأبو الفرج الشنبوذ)، وبذلك تحولت قراءة القرآن الواحدة إلى أربع عشرة قراءة (معرفت، تاريخ قرآن، 1386: 134). وحيث إن الاهتمام باختلاف القراءات يُعد من العلوم التي لها دور أساسي في تفسير آيات القرآن، فإنه من الضروري لكل مفسر أن يبين منهجه في اختيار القراءة الصحيحة قبل الشروع في التفسير. ولهذا، قام المفسرون على مر التاريخ بتفسير القرآن وفقًا للقراءة أو القراءات التي اعتبروها معتمدة وصحيحة بناءً على أصولهم الخاصة. ويُعد تفسير «أطيب البيان» من التفاسير الشيعية المعاصرة التي اهتمت، كغيرها من التفاسير، ببحث القراءات، وقد بيّن مؤلفه رأيه حول القراءة الصحيحة في مقدمة تفسيره وفي ثنايا تفسير الآيات، مما يتيح للقارئ فهمًا أفضل للقرآن الكريم ومعرفة التفسير الصحيح للآيات. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاهتمام بقراءة القرآن الكريم وكيفية أدائها ضروري لتقديم تفسير صحيح له، إذ إنه في بعض الأحيان، وبسبب اختلاف القراءات للآية الواحدة، يتم ترجيح بعض الوجوه والمعاني المحتملة على غيرها (متولي، أضواء على مناهج بعض المفسرين من زوايا علوم القرآن، 1420: 41). ومن هنا، تبرز ضرورة إجراء بحث في هذا المجال، وعليه، لا بد من استخراج المواضع المتعلقة بقراءات القرآن من هذا التفسير ودراستها من وجهة نظر المؤلف وتبيينها. وتجدر الإشارة إلى أن هناك دراسات عديدة سابقة قد أُنجزت في مجال القراءات في تفاسير مختلفة، منها: «منهجية العلامة الطباطبائي في اختلاف القراءات» لمحمد إيرواني ومرتضى نجفي (دراسات قرآنية، العدد 70، صيف 1391)؛ «رسالة ماجستير حول القراءات في تفسير الطبري» (تأليف محمد جواد حيطاوي بإشراف محمد كاظم شاكر، عام 1387)؛ «رسالة ماجستير حول دراسة مقارنة لمنهج وأصول تفسيري الصافي والكشاف في مجال القراءات» (تأليف غوخان تاغال بإشراف محمد أميني، عام 1397). تُظهر الدراسات أنه لم يُجرَ حتى الآن بحث حول اختلاف القراءات في تفسير أطيب البيان. لذا، يهدف هذا البحث، من خلال منهج وصفي تحليلي، إلى تبيين رأي هذا المفسر حول اختلاف قراءات القرآن. وفي هذا السياق، سيتم استعراض أنواع اختلاف القراءات المطروحة في تفسير أطيب البيان، وكذلك منهج المرحوم الطيب في بيان اختلاف القراءات.

دراسة المفهوم

1. مفهوم مصطلح «القراءة»

كلمة «القراءة» مشتقة من الجذر (ق ر أ)، وتعني في اللغة الجمع والضم (الراغب، المفردات، 1412: 668؛ القريشي، قاموس قرآن، 1367: 193)، والتلاوة (الفراهيدي، العين، 1409: 5/205). وقد قُدمت تعريفات متعددة للمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة. يعرفها القسطلاني بأنها علم يُعرف به اتفاق ناقلي كتاب الله واختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل وغير ذلك، من حيث اللغة والإعراب وغيرها مما يُنقل بالمشافهة (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1392: 1/67). وفي تعريف آخر، القراءة هي «علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوّاً لناقله»؛ أي أن يكون الأداء منسوبًا إلى الراوي والناقل، بمعنى أن تُعرف كيفية أداء الكلمات ونسبتها إلى قارئها (الفضلي، تاريخ قراءات قرآن كريم، 1388: 163). كما يعرفها الزركشي والزرقاني بأنها كيفية أداء كلمات القرآن والاختلافات المتعلقة بها (الزركشي، البرهان، بيتا: 1/465؛ الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 465). ويعرفها الدمياطي بأنها «علم يُعرف به اتفاق ناقلي كتاب الله أو اختلافهم في الحذف والإثبات، والتحريك والتسكين، والفصل والوصل، وأمثال ذلك من كيفية النطق والإبدال وغيرها من الوجوه التي تُتلقى سماعًا» (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، 1117: 5).

2. مفهوم سواد المصحف

يرى المرحوم الطيب أن القراءة الصحيحة هي القراءة الموافقة لسواد المصحف. ويتضح من كلامه في التفسير أن مقصوده بسواد المصحف هو الشكل الكتابي المتداول والمعهود للقرآن (القرآن الحالي) الذي وصل إلينا بالتواتر منذ زمن النبي (ص) إلى يومنا هذا. وفي هذا الصدد يكتب: «كان المسلمون يسجلون القرآن المجيد ما نزل منه بكمال الجد وتمام الرغبة، ويقرؤونه مرارًا على بعضهم ويصححونه، وكان عدد كبير منهم يحفظون القرآن كاملاً ويقرؤونه على رسول الله (ص)، ومنذ زمن النبي (ص) فصاعدًا، كُتبت آلاف النسخ من القرآن وحفظها آلاف الناس، وكان حفظة القرآن رقيبًا على المصاحف، فلو كُتب مصحف بخلاف السواد لصححوه، وكانت المصاحف رقيبًا على الحفاظ، فلو قرأ شخص بخلاف السواد لَعُدّ خطأ، وحتى الذين كانوا يريدون مراعاة قراءات القُرّاء كانوا يكتبونها في حواشي القرآن بخط أحمر، ومن هنا عُرف سواد المصحف بالسواد أو سواد القرآن» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/31). يُستفاد من هذا القول أن المرحوم الطيب يعتقد أن الحروف مع علاماتها وإعرابها قد كُتبت باللون الأسود في المصحف الشريف.

3. المرحوم الطيب وتفسير «أطيب البيان»

وُلد السيد عبد الحسين الطيب، ابن السيد محمد تقي الطيب الأصفهاني، في عام 1277 هـ.ش في أصفهان، وأتم دروس السطوح في مدرسة «چهارباغ». ثم توجه إلى قم والنجف. وبعد عودته من النجف، رجع إلى أصفهان ودرّس في مدرسة «صدر» (إيازي، المفسرون حياتهم ومنهجهم، 1373: 143؛ الطيب، مصاحبة مع فصلنامه حوزه، العدد 33، عام 1368). بدأ في كتابة تفسير أطيب البيان في عام 1341 هـ.ش وأتمه في عام 1359 هـ.ش. وقد ذكر دافعه لكتابة التفسير في مقدمة الكتاب قائلاً: «منذ زمن بعيد، كان يخطر ببالي أن أؤلف كتابًا في تفسير القرآن، وقد أسست الحوزات التفسيرية على هذه الفكرة وحررت كراريس متفرقة في هذا الشأن، ولكن من جهة قصور الباع وقلة الاستعداد والاشتغالات الدراسية والعوائق والمشاغل الدنيوية، كانت تمنعني من الإقدام على هذا الأمر بل تيأسني. حتى في ليلة الثلاثاء، الخامس من جمادى الثانية عام 1380 هـ.ق، الموافق 22 آبان 1339 هـ.ش، في محضر بعض العلماء الأعلام، وفقت لحضور مجلس عزاء السيدة الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، وفي أثناء التوسل، وجدت في نفسي حالة من الوجد، ومن هناك عدت إلى المنزل، وفي عالم الرؤيا تشرفت بخدمة ثامن الحجج (عليه السلام) وولي العصر (عجل الله فرجه)، وبعد محادثات جرت بين هذين العظيمين حول الزوار، أمرني بقية الله (عجل الله فرجه) بعد عنايات وترضية خاطر تجاه هذا الحقير ومروجي الدين، بكتابة تفسير ووعدني بالنصر. وبعد أن استيقظت من النوم، ظهر صدق رؤياي وتحقق وعد حضرته، فشرعت في كتابة وتأليف هذا الكتاب بعون رب الأرباب وتأييدات الحجة (عجل الله فرجه) بكل جهد واهتمام، وأسأل الله المتعال أن يوفقني لإتمامه، وأن يمن على هذا العبد الضعيف، وأن ينصرني ويؤيدني أكثر فأكثر في ترويج الدين المبين ونشر أحكام سيد المرسلين (ص). ولأنني استفدت في تفسير آيات القرآن من أحاديث وبيانات آل النبوة ومعادن العلم والحكمة، وحقًا إن بياناتهم هي أفضل وأنقى البيانات في تفسير القرآن، وهذا الثوب لا يليق إلا بقامتهم، لذا سميت هذا الكتاب «أطيب البيان في تفسير القرآن» وأقدم هذه الهدية المتواضعة لحضرة ولي العصر (عجل الله فرجه)» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/3). هذا التفسير مكتوب باللغة الفارسية وطبع في أربعة عشر مجلدًا (شهيدي صالحي، تفسير وتفاسير شيعه، 1381: 338). توفي المرحوم الطيب عن عمر يناهز 101 عامًا ودُفن في باحة مسجد كاظم بيك في أصفهان.

4. المرحوم الطيب واختلاف القراءات

يشير المرحوم الطيب في مقدمة تفسيره إلى آراء العلماء حول القراءة الصحيحة، حيث يرى البعض صحة قراءة أحد القراء العشرة (عمرو بن العلاء البصري، عبد الله بن كثير المكي، نافع بن عاصم المدني، عبد الله بن عامر الشامي، عاصم وحمزة والكسائي الكوفيون، ابن قعقاع المدني، يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وخلف ابن هشام)، بينما يرى آخرون أن مجرد الصحة العربية كافٍ في القراءة. ثم يواصل ببيان رأيه الخاص في هذا الصدد. ويشير إلى رأي أستاذه العلامة البلاغي، الذي يعتقد أن القراءة الصحيحة الوحيدة هي القراءة الموافقة لسواد المصحف. ومن وجهة نظره، فإن الرأي الصحيح هو هذا الرأي الأخير. وينتقد رأي المجموعة الأولى مشيرًا إلى أدلتهم وناقدًا إياها. الدليل الأول هو تواتر قراءة كل من القراء السبعة من زمنهم إلى يومنا هذا. وهو يرى هذا الادعاء مشوبًا بالخلل، لأن قراءة كل منهم، أولاً، تنتهي إليه عن طريق راويين، وهما يختلفان في كثير من المواضع في الرواية عنه، وهذا الاختلاف نفسه يؤدي إلى عدم ثبوت قراءة كل من القراء. وعلى فرض ثبوت قراءة كل منهم، فإن كل واحد منهم شخص واحد لم تثبت عدالته ووثاقته، وقد روى عن شخص آخر حاله في الغالب كحاله في الرواية، وحتى أسانيد أي من هذه القراءات ليست صحيحة ومعتبرة عند أهل السنة، فما بالك بالشيعة الإمامية. والعجيب أن البعض يعتبر قراءات القراء السبعة متواترة عن النبي (ص)، في حين أن سند كل منهم مضبوط، وبالإضافة إلى أن حال رواتهم معلوم وغالبًا غير معتبرين ومخدوشين، فإنها لا تتجاوز حد الآحاد، فما بالك بأن تكون متواترة. وثانيًا، من خلال استدلال كل منهم على صحة قراءته ووجوه ترجيحها على سائر القراءات، يتضح أن قراءتهم كانت عن اجتهاد وليست مستندة إلى رواية، مثل الاستدلالات التي يقدمونها في ترجيح كلمة «مَلِك» على «مالك» والعكس. وثالثًا، نفس اختلاف القراء وتعارضهم يسقطها جميعًا عن الاعتبار، لأن كل واحد منهم يبطل قراءة الآخر. الدليل الثاني هو الاستناد إلى حديث «إن القرآن نزل على سبعة أحرف» الذي روي عن طريق العامة عن النبي (ص)، واستدلوا بأن المقصود بسبعة أحرف هو سبع قراءات. وهو يرى هذا الاستدلال أيضًا مخدوشًا، أولاً لأن سند هذه الأخبار حتى في رجال العامة يُعد ضعيفًا، وثانيًا لأنه معارض بأخبار أخرى نقلت: «إن القرآن على أربعة أحرف»، وثالثًا هناك خلاف في معنى «سبعة أحرف». ورابعًا، هو معارض بأخبار أخرى نُقلت عن طريق العامة، مثل الخبر الذي ينقله ابن الأنباري عن عبد الرحمن السلمي أنه قال: «كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة». وخامسًا، هذه الأخبار مردودة بالأخبار التي وردت عن أئمة الهدى (ع) عن طريق الشيعة، مثل الحديث الذي رواه الكليني مسندًا عن الإمام الباقر (ع) والصدوق في عقائده عن الإمام الصادق (ع): «إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من الرواة». وسادسًا، من الواضح بالوجدان أن جبريل لم ينزل القرآن على النبي سبع مرات، وكل مرة طبقًا لقراءة أحد القراء؛ فهذا الادعاء أيضًا لا دليل عليه وباطل، لأن الظاهر من عموم المسلمين من العامة والخاصة أنهم يقرؤون القرآن مطابقًا لسواد المصحف، وفقط بعض القراء الذين يريدون إظهار فضلهم يقرؤون طبقًا لقراءات القراء السبعة، لذا فإن هذا الخبر دليل على مدعانا لا على مدعاهم (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/30). إن الأدلة التي قدمها المرحوم الطيب في رد الصحة القطعية للقراءات السبع متينة، ولا يوجد أي دليل على صحة هذه القراءات وتواترها. وتجدر الإشارة إلى أنه، حسب رأيه، لا مانع من الاعتماد على القراء والرجوع إليهم في تشخيص مخارج الحروف ومراعاة المد اللازم والإدغام والقلب والإخفاء والإظهار والتفخيم والترقيق والإمالة والإشمام والوقف والوصل وأمثالها، إذا لم يخرج عن عرف العرب وتوفرت فيهم شروط الخبرة، بل قد يكون ذلك لازمًا (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/31).

5. المرحوم الطيب والقراءة الصحيحة

كما ذُكر، لا يقبل مؤلف تفسير أطيب البيان أي قراءة في تفسير الآيات، ويعتقد فقط بصحة القراءة الموافقة لسواد المصحف. وقد أشار في مواضع متعددة من تفسيره إلى هذا المطلب، وفيما يتعلق بارتباط القراءة الموافقة لسواد المصحف بقراءة حفص عن عاصم، يؤكد أن سواد المصحف ليس مطابقًا لقراءة حفص عن عاصم، بل يجب القول إن قراءة حفص عن عاصم مطابقة لسواد المصحف (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 7/165). ويبدو أنه أراد أن يوضح أن معيار صحة القراءة هو مطابقتها لسواد المصحف الكريم، وليس استناد القراءة إلى قراءة حفص عن عاصم، بل لأن قراءة حفص عن عاصم مطابقة للسواد، فهي مقبولة. وأدلته على صحة القراءة الموافقة لسواد المصحف هي:

1. تواتر القراءة الموافقة لسواد المصحف

طرح المرحوم الطيب في مواضع مختلفة من تفسيره، عند بحث القراءة المعتبرة، تواتر القراءة الموافقة لسواد المصحف كمعيار. وبحسب كتاباته، «هذا السواد وصل إلينا بالتواتر، بل فوق التواتر، من زمن النبي (ص) يدًا بيد، وهو غير قابل لأي خدش» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/31).

2. وجود الإجماع على القراءة الموافقة لسواد المصحف

بحسب المرحوم الطيب في تفسير أطيب البيان، فإن دليل صحة القراءة الموافقة لسواد المصحف هو وجود إجماع في هذا الصدد. وقد قال في هذا الشأن: «ثانيًا، إن قراءة سواد المصحف صحيحة بإجماع المسلمين، بل بضرورة الدين، ولم يشكل أحد في صحتها، ولكن غير السواد، إن لم يكن باطلاً، فهو موضع شبهة وإشكال، لذا لا ينبغي ترك الأمر القطعي اليقيني والعمل بالمشكوك فيه» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/32).

3. عدم وجود دليل على صحة قراءة القراء

في بعض الأحيان، يعتبر المرحوم الطيب خلال تفسيره للآيات أن دليله على اختيار القراءة الموافقة لسواد المصحف هو عدم وجود دليل على صحة قراءات القراء. على سبيل المثال، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد/18)، يقول: «﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ أعم من الصدقات الواجبة مثل الزكاة والكفارات والنذور والفطرة، والصرف لإعلاء كلمة الإسلام، والمستحبة مثل مساعدة الفقراء والضعفاء والسائلين. وقد قرأ بعض القراء بدون تشديد، بمعنى المصدقين، وهو مرادف للإيمان، ولكن كما قلنا مرارًا، المعتبر هو سواد المصحف نفسه، وهو المتواتر، وليس لدينا دليل على صحة قراءة القراء بخلافه» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 12/432). أو في بيان اختلاف قراءة «مَيْتًا» في آية ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام/122)، اعتبر عدم وجود دليل روائي على قراءة غير السواد دليلاً على رد تلك القراءة، قائلاً: «سواد المصحف هو (مَيْتًا) بالتخفيف، وقد قُرئت بالتشديد أيضًا، ولكن كما قلنا مرارًا، المعتبر هو السواد نفسه، وقراءة ما يخالف السواد هي من اجتهاد القراء، وليس لها دليل روائي» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 5/192).

4. كون القراءات الأخرى اجتهادًا في مقابل النص

في ذيل تفسير آية ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام/23)، التي أشار فيها إلى اختلاف قراءة كلمة «فتنتهم»، اعتبر القراءة المخالفة للسواد اجتهادًا في مقابل النص وردها (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 5/34).

دراسة ونقد

على الرغم من أن تحليل المرحوم الطيب بشأن اهتمام المسلمين بحفظ وضبط آيات القرآن الكريم بشكل صحيح لا يمكن إنكاره، وأن المسلمين أبدوا اهتمامًا خاصًا بحفظ القرآن الكريم وتعليمه بناءً على أوامر النبي (ص) وتوصياته المؤكدة، إلا أن هذا الدليل لا يمكنه إلا أن يثبت تواتر القرآن. وهذا الأمر لا يمكن اعتباره دليلاً مقبولاً على صحة القراءة الموافقة لسواد المصحف إلا إذا كان تواتر الإعراب الحالي للقرآن الكريم والقراءة الموافقة له في كل كلمة وحرف من القرآن قطعيًا، بينما على الأقل في قراءة بعض حروف وكلمات القرآن، وردت قراءات مشهورة أخرى، ولم يُرَ مثل هذا التواتر. كذلك، فإن تصور سواد المصحف في إعراب كلمات القرآن الذي استند إليه المرحوم الطيب في اختيار الإعراب الصحيح محل تأمل؛ لأنه وفقًا للروايات التاريخية، لا يمكن تصور سواد المصحف إلا في حروف القرآن التي كانت تُكتب باللون الأسود، بينما كانت العلامات تُكتب باللون الأحمر فوق حروف القرآن التي كانت باللون الأسود (راميار، تاريخ القرآن، 1369: 535). كان اختلاف لون الإعراب والنقاط عن لون حروف القرآن الأسود بهدف عدم الاشتباه بالأصل القرآني وعدم اعتباره جزءًا من القرآن، وحتى القرن الخامس الهجري، كان البعض يعارض أصل التنقيط في القرآن ويعتبره بدعة (راميار، تاريخ القرآن، 1369: 545). لذا، فإن تصور مثل هذه القراءة بهذه الخصائص باللون الأسود ليس له مستند تاريخي. وكما يُستفاد من بيانات المرحوم الطيب، فإنه يعتبر إعراب القرآن مكتوبًا في المصاحف منذ زمن النبي (ص) وعبر عنه بالسواد. على سبيل المثال، عند بيان اختلاف القراءات في إعراب الكلمات، يختار قراءة واحدة ويعتبرها مطابقة لسواد المصحف (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 10/104، 5/510، و14/367). هذا الرأي، بالنظر إلى الأدلة التاريخية، هو تصور خاطئ، لأن الأدلة التاريخية تُظهر أن إعراب القرآن الكريم تم في زمن أبي الأسود الدؤلي وبواسطته في زمن ولاية زياد بن سمية على الكوفة بين عامي 50 و53 هـ (الزنجاني، 1360: 135). بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن بيانات بعض الباحثين القرآنيين المعاصرين، التي تشير إلى أن إعراب القرآن الحالي كان بتقرير من الأئمة (ع)، يمكن أن تُعتبر تأييدًا لهذا الرأي: «بما أن القرآن في عصر حضور الأئمة المعصومين (ع) قد نُقط وأُعرب، ولم يصدر عن هؤلاء العظماء اعتراض على التنقيط والإعراب، يتضح أن تنقيط وإعراب الآيات كان مورد تأييد وتقرير منهم. وبالنظر إلى أنه بعد عصر الحضور، لم يُسجل أي تغيير في الإعراب الرسمي للمصاحف المعروفة والمشهورة بين المسلمين، فإن إعراب القرآن الحالي هو نفس الإعراب الذي كان بتقرير من عصر المعصومين (ع)، وستكون سائر القراءات المخالفة لهذا الإعراب فاقدة للاعتبار» (بابايي، قواعد تفسير قرآن، 1394: 57). ولكن النظر في الروايات التاريخية يُظهر أنه بعد إتمام إعراب وإعجام القرآن، كان الناس يعربون مصاحفهم وفقًا لأي قراءة يفضلونها (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 78). لذا، بالنظر إلى عدم وجود إعراب واحد للقرآن على مر التاريخ، يجب تحديد أي إعراب كان بتقرير من الأئمة (ع). كذلك، لو كان تصور المرحوم الطيب في هذا الصدد صحيحًا، لما كان هناك أي وجه لاختلاف القراءات على مر التاريخ، ولكان جميع المسلمين قد واجهوا اختلاف القراءات بشدة؛ في حين أن مثل هذا الأمر لم يحدث. وبناءً على الروايات التاريخية، كان اختلاف القراءات في القرن الثالث قد بلغ حدًا كبيرًا دفع ابن مجاهد إلى حصر القراءات في سبع قراءات. ووفقًا لنقل ابن الجزري، في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وصل اختلاف القراءات في مختلف بلاد الإسلام إلى حد دفع أئمة القراءة إلى تقليص نطاق الاختلافات عن طريق اختيار القراءات، وفي هذا الصدد، أُلفت كتب عديدة منذ أوائل القرن الثالث، واستمر هذا العمل حتى القرن الرابع وحتى بعد ابن مجاهد (ابن الجزري، النشر في القراءات، بيتا: 1/34). كما صرح في موضع آخر بأن القراءات السبع أو العشر أو الثلاث عشرة الحالية هي قليل من كثير وقطرة من بحر مقارنة بالقراءات التي كانت موجودة في العصور السابقة (نفس المصدر، 33/1). وفيما يتعلق بالإجماع على صحة القراءة الموافقة لسواد المصحف، يجب القول إن هناك شكًا في إجماع عموم المسلمين في هذا الشأن. وكما ذُكر، كان هناك اختلاف نظر جدي بين أئمة القراءات حول القراءة الصحيحة لبعض كلمات القرآن على مر التاريخ. كما أنه من المثير للتأمل أنه إذا كان المرحوم الطيب يعتبر المعيار هو القراءة الموافقة لسواد المصحف، فلماذا في تفسير آيات مثل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الحمد/4)، خالف كتابة كلمة «ملك» وفسرها على أنها «مالك»؟ (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 1/104). ربما يمكن الإجابة بأن إعراب هذه الكلمة، حسب رأيه، كان محددًا بوضع ألف لينة فوق حرف الميم، وهذا الحرف، بالنظر إلى الأدلة المذكورة، لا يتوافق مع المستندات التاريخية، وتسجيل إعراب الكلمات لم يتم في زمن النبي (ص)، وهو ليس متواترًا منذ زمن النبي (ص). وإذا قيل إن المرحوم الطيب اختار هذه القراءة لمطابقتها لقراءة حفص عن عاصم، وأن قراءة حفص عن عاصم هي القراءة الصحيحة بسبب شيوعها وشهرتها بين المسلمين، فيجب القول إنه لم يكن هناك في كل مكان اتفاق على قراءة واحدة بناءً على شيوع وشهرة قراءة حفص عن عاصم، وفي عدد كبير من الدول الإسلامية، كانت قراءة غير قراءة حفص عن عاصم هي المتداولة والشائعة بين المسلمين. فمثلاً، في السودان والصومال ونيجيريا، تشيع قراءة الدوري عن أبي عمرو، وفي دول المغرب الإسلامي، تشيع قراءة ورش عن نافع، وفي اليمن، تشيع قراءة قالون عن نافع (الحسيني الجلالي، دراسة حول القرآن الكريم، 1422: 342). وإذا قيل إن المرحوم الطيب اختار هذه القراءة التي تطابق قراءة حفص عن عاصم لأنها مطابقة لسواد المصحف، وأن حفصًا اختار هذه القراءة لمطابقتها لسواد المصحف، فإن ذلك يحتاج إلى دليل ومستندات تاريخية غير موجودة.

منهج المرحوم الطيب في إثبات القراءة الصحيحة وردّ القراءات الأخرى

لم يستخدم المرحوم الطيب منهجًا واحدًا في ذكر اختلاف القراءات، ففي بعض الأحيان، بعد ذكر الاختلاف، يسعى لإثبات القراءة الموافقة لسواد المصحف، وفي أحيان أخرى يرد القراءات الأخرى بدليل. في هذا القسم، سيتم استعراض هذه الأدلة.

1. الاستعانة بالآيات القرآنية الأخرى

استعان المرحوم الطيب بآيات أخرى لإثبات صحة القراءة الموافقة لسواد المصحف. من ذلك، في إثبات صحة قراءة «بُشْرًا» في آية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف/57)، وردّ القراءات التي تقرأ «نَشْرًا»، استعان بآية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الروم/46) (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 9/631 و5/345). وفي رد القراءة الشاذة، استعان بآيات قرآنية. على سبيل المثال، في رد قراءة «غيرِ المغضوب عليهم وغيرِ الضالين» يكتب: «أحد أهل الضلال في تحريفه لسورة الحمد قرأها هكذا: غيرَ المغضوب عليهم وغيرَ الضالين، وهذه الجملة ترد عليه جيدًا، حيث إن الله عطف على ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ قوله ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، ولم يقل: (غيرَ متخذاتِ أخدان)» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 4/56).

2. الاستعانة بالقواعد النحوية في إثبات صحة القراءة

منهج آخر للمرحوم الطيب في إثبات صحة القراءة التي يرتئيها هو الاستعانة بالقواعد النحوية. فمثلاً، في آية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة/72)، يقول: «في ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ خلاف كبير بين المفسرين حول موضع عطف هذه الجملة. أولاً، في سواد المصحف، كلمة (إِنَّ) مكسورة الهمزة، ولكن بعض المفسرين قرؤوها بالفتح. وبناءً على الفتح، قال بعضهم إنها معطوفة على جملة ﴿أَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ﴾ وهي من كلام عيسى (ع). وقال بعضهم إنها معطوفة على جملة ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾، أي: «وقضى أن الله ربي وربكم». وقال بعضهم إنها جملة مستأنفة. وقال بعضهم إنها متعلقة بـ«فاعبدوه»، أي فاعبدوه لأن الله ربي وربكم. لكن بما أن المعتبر هو سواد المصحف، وهذه الجملة معطوفة على جملة ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾، وهي ليست من كلام عيسى (ع)، بل هي أمر إلهي للنبي الأكرم (ص) بأن يقول لهؤلاء الكفار والمشركين واليهود والنصارى إن الله لم يتخذ ولدًا، وحقًا هو ربي وربكم» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 8/440). وكذلك في إثبات القراءة الصحيحة «مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا» في آية ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (هود/41)، استند إلى كون الكلمتين اسمي زمان (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 7/54). وقد استخدم نفس المنهج في قراءة «يُصْرَفْ عَنْهُ»: «(يصرف) في قراءة السواد فعل مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على العذاب المذكور في الآية السابقة، والصارف هو الله تعالى. وفي بعض القراءات، قُرئ الفعل مبنيًا للمعلوم بفتح التاء وكسر الراء، وفاعله ضمير مستتر يعود على كلمة (ربي) في (إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي). وهذا، بصرف النظر عن كونه مخالفًا لسواد المصحف ولا اعتبار له، فهو مخالف للظاهر أيضًا، لأن مفعوله لم يُذكر، والضمير العائد على العذاب أيضًا غير مذكور، ويجب تقديره، والتقدير خلاف الظاهر» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 5/25).

3. الاستعانة بالتفسير في إثبات صحة القراءة

يُلاحظ في هذا التفسير أيضًا الاستفادة من التفسير لإثبات صحة القراءة الموافقة للسواد ورد القراءات الأخرى. على سبيل المثال، في تفسير ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة/118)، يثبت رأيه بالاستفادة من معنى كلمة «خُلِّفُوا» (القراءة حسب سواد المصحف) و«خَالَفُوا» (حسب قراءة القراء)، فيقول: «في بعض الأخبار، قُرئت (خالفوا) واستدلوا بأن معنى (خلفوا) هو التخلف عن غزوة تبوك، وهذا ليس ذنبًا يستوجب التوبة. أما (خالفوا) فمعناها المخالفة وهي معصية، ثم تابوا فقبل الله توبتهم. وهذه الأخبار تدل على التحريف، ولكن كما قلنا مرارًا، إذا كانت هذه الأخبار معتبرة، فهي تفسير بالمعنى، أي أن معنى التخلف هو المخالفة، لأن التخلف والتأخر يكون تارة عن قصور وعدم تمكن، وتارة عن مسامحة وتقصير، فمعنى التخلف بقرينة التوبة وقبولها هو بمعنى المخالفة، والخبر يشير إلى هذه النكتة» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 6/328). شاهد آخر هو آية ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف/38). بالنظر إلى أن قراءة «ضَعْفًا» في ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ في السواد بالفتح، وقرأها البعض بالضم، وكما قلنا مرارًا، المعتبر هو السواد، وهو الأنسب من حيث المعنى، لأن (ضُعْف) بالضم يعني وهن البدن وقلة القوة البدنية. لذا في آية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ (الروم/54)، في المواضع الثلاثة مضموم، وهو مطابق لمصاحف الشيعة خلافًا لمصاحف العامة التي قرأتها بالفتح. وكذلك في حديث الكساء الشريف «إني لأجد في بدني ضعفًا» بالضم. أما في هذه الآية فهو بالفتح، ويعني ضعف الإيمان والروح الإيمانية. والحكم من عشرة أضعاف إلى ضعف واحد «فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ» صابرة، «يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ»، لأن ضعيف الإيمان أقوى من فاقد الإيمان. لذا قال الحكماء: وجود الضعيف خير من العدم الصرف. وفي باب الصدقة، ورد خبر عن أمير المؤمنين (ع) أن الصدقة القليلة خير من الترك (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 6/157). وفي إثبات القراءة الموافقة لسواد المصحف لكلمة «خَاتَم» في آية ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب/40)، استند أيضًا إلى المعنى: «(وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) في سواد المصحف، وهو مطابق لقراءة عاصم، والمعتبر عندنا هو قراءة حفص عن عاصم، كما بينا في مقدمات هذا التفسير وقلنا إن قراءة حفص عن عاصم مطابقة لسواد المصحف، لا أن السواد مطابق لقراءته. (خاتَم) بفتح التاء، وبمعنى ختم و إمضاء دفتر النبوة، وله عدة دلالات: إحداها أن آخر الدفتر يُختم ويُمضى، وهذا دليل على أنه إذا كُتب شيء بعده، فهو لا يتعلق بصاحب الختم والإمضاء، وهو دليل على ختم النبوة، وأن شريعته باقية إلى يوم القيامة. والثانية أن ما قبل الختم والإمضاء مستند إلى صاحب الختم، ووجوده المقدس يثبت نبوة جميع الأنبياء السلف، فلولا قرآنه المجيد وأقواله، لما كان لدينا دليل على إثبات الأنبياء السلف، لا عن طريق اليهود ولا النصارى ولا غيرهم، كما بُيّن بالتفصيل والشرح في المجلد الأول من (كلم الطيب). والثالثة أنه يدل على أفضليته في جميع الكمالات على سائر الأنبياء. أما إذا كانت بكسر التاء، فهي دليل على خاتميته فقط» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 10/510). وكذلك في آية ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ (طه/77)، بعد بيان نقشها ومعناها في الجملة، أثبت رأيه بأن القراءة هي «لَا تَخَافُ»: «(دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) قرأ بعض القراء (لا تخفْ)، وهي جزاء لجملة (واضرب)، ولكن (لا تخافُ) هي نتيجة وفائدة وثمرة للجملة السابقة، أي بما أن الضرب في البحر قد وقع والطريق اليابس قد وُجد، فلم تعد تخشى من أن يدرككم الفراعنة ويصلوا إليكم» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 9/70).

مقاربات المرحوم الطيب في بيان اختلاف القراءات

أشار المرحوم الطيب في مواضع متعددة من تفسير آيات القرآن إلى اختلاف القراءات دون ذكر اسم القارئ، وفي النهاية فسر آيات القرآن بالقراءة الموافقة لسواد المصحف. على سبيل المثال، في قراءة كلمة «هَيْتَ» قال: «في قراءة (هيت) اختلاف كبير بين القراء، ولكن بالنظر إلى أننا لا نعتبر أي قراءة سوى سواد المصحف، وهي بفتح الهاء والتاء وسكون الياء، و(هيت) اسم فعل بمعنى هلمّ أي أقبل، وكلمة (لك) أي لنفعك، فإن فعلت ذلك، ستكونين عندي عزيزة جدًا، وسأوصي بك عند العزيز والملك، وستستفيدين مني استفادة كاملة» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 7/177). وفي بعض المواضع، يكتفي بذكر وجود اختلاف في القراءات دون طرح نوع الاختلاف. على سبيل المثال، في تفسير آية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة/124)، يقول: «وفي هذه الكلمة (إِذِ) اختلاف بين القراء، وقيل فيها أربع لغات، بل قرئت الآية بهذه اللغات المختلفة، ولكن بناءً على مسلكنا في التفسير، فإن قراءة السواد هي المعتبرة، و(إبراهيم) مفعول لـ(ابتلى)، وفاعله (ربه)» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 2/179). مقاربة أخرى له في ذكر اختلاف القراءات هي بيان نوع الاختلاف. على سبيل المثال، في تفسير آية ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (يوسف/12)، يشير إلى وجود اختلاف في القراءة في كلمتي «يَرْتَعْ» و«يَلْعَبْ»، وبعد ذكر نوع اختلاف القراءة، الذي يتعلق بكون ضمير الأفعال بالياء أو النون، يعتبر القراءة المعتبرة هي قراءة سواد المصحف فقط (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 7/165). أو في تفسير آية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم/54)، يتبع نفس المقاربة: «في قراءة عاصم وحمزة، قُرئت (ضعف) بالضم، وقراءة حفص عن عاصم مطابقة لسواد المصحف، وبقية القراء قرؤوها بالفتح. وقد بينا في مقدمة هذا التفسير أن كل ما يخالف سواد المصحف لا اعتبار له» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 10/405). وفي بعض الحالات، يفسر المرحوم الطيب الآية بكلتا القراءتين بعد ذكر اختلاف القراءات. ففي تفسير آية ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة/100)، يشير إلى القراءة الموافقة لسواد المصحف، وبعد تفسير الآية طبقًا لهذه القراءة، يشير أيضًا إلى القراءة المخالفة للسواد ويفسرها دون نقد: «(الأنصار) مطابقة لسواد المصحف بكسر الراء، وهي معطوفة على (المهاجرين)، أي السابقون من الأنصار هم الذين هاجروا من المدينة إلى مكة وآمنوا ودعوا النبي (ص) إلى المدينة واستقبلوه استقبالًا حافلاً عند الهجرة وآووا النبي (ص) والمهاجرين في منازلهم. أما إذا كانت مخالفة لقراءة السواد غير المشهورة، فهي معطوفة على (السابقون) ومرفوعة، والسابقون خاصون بالمهاجرين» (الطيب، أطيب البيان، 1374: 6/301). في تفسير آية ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾، يُلاحظ هذا المنهج أيضًا: «سواد المصحف (نقص) بالصاد غير المنقوطة. وقد قرأها البعض (نقض) بالضاد المنقوطة. و(نقص) يعني التقليل في شروط المعاهدة، أي لم يصدر منهم أي عمل، جزئيًا أو كليًا، يخالف المعاهدة. وهذا المعنى أعم وأنسب، فلو أقدموا على خطوة تخالف المعاهدة، لخرجوا من مورد الآية، بخلاف (نقض) المنقوطة، التي ظاهرها أنهم نقضوا المعاهدة بالكامل» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 6/177).

المرحوم الطيب وأنواع اختلاف القراءات

تختلف آراء علماء الإسلام حول أنواع اختلاف القراءات. يرى البعض، مثل الأستاذ معرفت، أن أنواع اختلاف القراءات أكثر من أن تُحصى (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1415: 2/107). ويرى آخرون أنها محصورة في سبعة أنواع (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، بيتا: 1/334؛ الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1385: 1/143). بعض أنواع اختلاف القراءات التي طرحها علماء الإسلام هي كالتالي: الاختلاف في أصل الكلمة مع تغيير في شكل الكتابة (عمر، معجم القراءات القرآنية، 1991: 8/221)، الاختلاف في الكلمة مع تغيير في شكل الكتابة ومعناها (الخوئي، البيان، 1382: 242؛ جوان آراسته، درسنامه علوم قرآنى، 1380: 268)، الاختلاف في حروف الكلمة دون تغيير في الإعراب والشكل (ابن الجزري، بيتا: 2/231)، الاختلاف في الحركة والسكون (الداني، التيسير في قراءات السبع، 1362: 199)، الاختلاف في المد والقصر (نفس المصدر، 87)، الاختلاف في الزيادة والنقصان (نفس المصدر، 197؛ جوان آراسته، درسنامه علوم قرآنى، 1380: 269)، الاختلاف في إعراب الكلمات (نفس المصدر؛ العوا، بررسى زبان‌شناختى وجوه ونظاير در قرآن، 1382: 1/204)، الاختلاف في التقديم والتأخير (البيلي، بيتا: 405؛ عظيم‌زاده، نگرشى نوين بر تاريخ و علوم قرآنى، 1380: 93؛ طاهري، درسهايى از علوم قرآنى، 1377: 1/401). أنواع الاختلافات المطروحة في تفسير أطيب البيان هي:

1. الاختلاف في تصريف الأفعال

من اختلاف القراءات المطروحة في تفسير أطيب البيان، الاختلاف في الإفراد والجمع في كلمة «يَحْشُرُهُمْ» في آية ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام/128)؛ حيث إن القراءة بالياء، لكونها مطابقة لسواد المصحف، قد قبلها المرحوم الطيب (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 5/201).

2. الاختلاف في الإعراب

الاختلاف في إعراب الكلمات هو من أكثر الاختلافات تكرارًا في هذا التفسير (الطيب، أطيب البيان في علوم القرآن، 1374: 2/390، 4/412، 5/445، 8/144، 10/485، 14/267). على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى اختلاف القراءات في «مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا» في آية ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (هود/41) (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 7/54).

3. الاختلاف في الزيادة والنقصان

للاختلاف في الزيادة والنقصان، يمكن الاستشهاد بالأمثلة التالية: الاختلاف في قراءة كلمة «لا تخافُ» في آية ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ (طه/77)، حيث إن بعض القراء، حسبما كتب المرحوم الطيب، قرؤوها بصيغة «لا تخفْ» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 9/70). والمورد الثاني في قراءة كلمة «ذَوَا» في آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (المائدة/106) التي قُرئت في بعض الأخبار «ذُو عدل منكم» (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 4/487).

4. الاختلاف في الحروف

الاختلاف في الحروف هو أيضًا من نماذج اختلاف القراءات المطروحة في هذا التفسير. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى قراءة «الْمُصَيْطِرُونَ» في آية ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (الطور/37)، حيث أشار المرحوم الطيب إلى أن «سطر» في الأصل بالسين، ولكن لأن بعدها طاء، يجوز إبدالها صادًا. وفي الآيات الشريفة، غالبًا ما تُقرأ بالسين مثل ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم/1)، و«أَسَاطِيرُ» في تسعة مواضع، و«مَسْطُورٍ» و«مَسْطُورًا» في ثلاثة مواضع، و«مُسْتَطَرٌ» (القمر/53). ولكن في موضعين، ضبطها بعض المصاحف بالصاد، وبعضها بالسين، وبعضها بالاختلاف. أحدهما في هذا الموضع، والآخر في سورة الغاشية ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ آية 22، والأكثر مدون بالصاد (الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، 1374: 12/311). وكذلك في قراءة «بُشْرًا»، يوجد اختلاف في القراءات حيث قرأها البعض بالنون بصيغة «نَشْرًا» (الطيب، أطيب البيان في علوم القرآن، 1374: 9/631)، ويمكن الإشارة أيضًا إلى كلمة «هُزُوًا» التي قرأها البعض «هُزْءً» بالهمزة مع سكون الزاي وضمها، وقرأها البعض بالواو (الطيب، أطيب البيان في علوم القرآن، 1374: 4/407).

5. الاختلاف في الوقف

أشار المرحوم الطيب إلى اختلاف القراءات في الوقف أو عدم الوقف في أقسام مختلفة من الآية. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الاختلاف في الوقف على كلمة «وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ» في آية ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ…﴾ (الفتح/29)، حيث أشار إلى أنه طبقًا لكتابة هذا المفسر، قُرئت بطريقتين: بدون وقف، فيكون نفس المثل المذكور في التوراة موجودًا في الإنجيل أيضًا، ومع الوقف، يكون المثل المذكور في الإنجيل جملة تالية (الطيب، أطيب البيان في علوم القرآن، 1374: 12/221).

6. الاختلاف في التخفيف والتشديد

الاختلاف في التخفيف والتشديد هو مورد آخر طرحه المرحوم الطيب في تفسيره كنوع من اختلاف القراءات (الطيب، أطيب البيان في علوم القرآن، 1374: 5/192، 4/457، 3/267). كشاهد، يمكن الإشارة إلى آية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ…﴾ (المائدة/89)، حيث أشار إلى أن قراءة «عَقَدتُّمُ» قُرئت أيضًا بصيغة «عَقَدْتُمُ» بالتخفيف.

الخاتمة

يرى المرحوم الطيب في جميع حالات اختلاف القراءات أن الأساس هو القراءة الموافقة لسواد المصحف، وهي نفسها قراءة حفص عن عاصم. الاختلاف في الأسماء، والاختلاف في الإعراب، والاختلاف في الزيادة والنقصان، والاختلاف في الحروف، والاختلاف في الوقف، والاختلاف في التخفيف والتشديد هي من أنواع اختلاف القراءات التي طُرحت في هذا التفسير. وقد اتخذ المرحوم الطيب مقاربات مختلفة تجاه اختلاف القراءات: لم تُحدد مصادر القراءات في هذا التفسير. في حالات متعددة، اكتفى بذكر اختلاف القراءة في الآية دون ذكر اسم القارئ. في بعض الحالات، اكتفى بذكر وجود اختلاف القراءات دون طرح نوع الاختلاف. وفي حالات أخرى، بعد ذكر اختلاف القراءات، فسر الآية بكلتا القراءتين. وقد استعان المرحوم الطيب في إثبات القراءة الصحيحة وردّ القراءات الأخرى بأساليب مثل مطابقة القراءة مع ظاهر آيات القرآن، واستخدام القواعد النحوية في إثبات صحة القراءة، واستخدام تفسير المفردات في إثبات صحة القراءة.

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم، ترجمة محمد مهدي فولادوند، طهران: دار القرآن الكريم (دفتر مطالعات التاريخ والمعارف الإسلامية)، 1415هـ.

2. ابن الجزري، محمد بن محمود، النشر في القراءات العشر، بيروت: انتشارات دار الكتب العلمية، بلا تاريخ.

3. ابن مجاهد، أحمد بن موسى بن عباس، السبعة في القراءات، تحقيق شوقي ضيف، القاهرة: المعارف، 1400هـ.

4. أحمدي، حبيب الله، پژوهشي در علوم قرآن، قم: نشر فاطيما، 1381ش.

5. إيازي، سيد محمد علي، المفسرون حياتهم و منهجهم، طهران: وزارة الإرشاد، 1373ش.

6. بابائي، علي أكبر، قواعد تفسير قرآن، قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1394ش.

7. البيلي، أحمد، اختلاف القراءات، بيروت: دار الجيل، بلا تاريخ.

8. جوان آراسته، حسين، درسنامه علوم قرآنى، قم: بوستان كتاب، 1380ش.

9. حسيني جلالي، محمد حسين، دراسة حول القرآن الكريم، بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1422هـ.

10. خوئي، أبو القاسم، البيان في علوم القرآن، طهران: وزارة الإرشاد، 1382ش.

11. داني، أبو عمرو عثمان، التيسير في قراءات السبع، تبريز: كتابفروشي جعفري تبريزي، 1362ش.

12. دمياطي، أحمد بن محمد، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، تحقيق علي محمد الضباع، بيروت: دار الندوة، 1117هـ.

13. راغب اصفهاني، حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق عدنان داودي، بيروت: دار العلم الدار الشامية، 1412هـ.

14. راميار، محمود، تاريخ قرآن، طهران: نشر أمير كبير، 1369ش.

15. زرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1385ش.

16. زركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، بيروت: مكتبة دار التراث، بلا تاريخ.

17. شهيدي صالحي، عبد الحسين، تفسير وتفاسير شيعه، قزوين: حديث امروز، 1381ش.

18. طاهري، حبيب الله، درسهايى از علوم قرآنى، نشر أسوة، 1377ش.

19. طريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، تحقيق سيد أحمد حسيني، طهران: كتاب فروشي مرتضوي، الطبعة الخامسة، 1375ش.

20. طيب، عبد الحسين، أطيب البيان في تفسير القرآن، طهران: انتشارات إسلام، الطبعة الثانية، 1374ش.

21. طيب، عبد الحسين، فصلنامه حوزه، مقابلة، العدد 33، 1368ش.

22. عظيم زاده، فائزه؛ رضي، بي بي سادات؛ بويان زاده، أعظم، نگرشى نوين بر تاريخ و علوم قرآنى، طهران: بنياد قرآن، 1380ش.

23. عمر، أحمد مختار؛ مكرم عبد العال سالم، معجم القراءات القرآنية، طهران: انتشارات أسوة، 1997م.

24. العوا، سلوا، ترجمة سيد حسين سيدي، بررسي زبان شناختي وجوه و نظاير در قرآن، مشهد: به نشر، 1382ش.

25. فراهيدي، خليل بن أحمد، العين، بدون مكان: دار المكتبة الهلال، 1409هـ.

26. فضلي، عبد الهادي، تاريخ قراءات قرآن كريم، انتشارات أسوة، الطبعة الرابعة، 1388ش.

27. قرشي، سيد علي أكبر، قاموس قرآن، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة العاشرة، 1367ش.

28. قسطلاني، أحمد بن محمد، لطائف الإشارات لفنون القراءات، إحياء تراث الإسلام، 1392هـ.

29. متولي، عبد الحميد محمود، أضواء على مناهج بعض المفسرين من زوايا علوم القرآن، بيروت: إسلامية، 1420هـ.

30. معارف، مجيد، درآمدى بر تاريخ قرآن، طهران: نبأ، 1383ش.

31. معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه، 1415هـ.

32. معرفت، محمد هادي، تاريخ قرآن، طهران: انتشارات سمت، 1386ش.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 1398/07/09؛ تاريخ القبول: 1398/09/12.

2. أستاذ مساعد، قسم المعارف الإسلامية، جامعة آزاد الإسلامية، فرع سلماس. البريد الإلكتروني: rsh.khoy@yahoo.com

Scroll to Top