إمكانية الاشتراك اللفظي ووقوعه في القرآن الكريم في فكر المحقق الخراساني

الملخص

في بحث الاشتراك اللفظي، يمكن تصور ثلاثة آراء رئيسية: أ. الاشتراك اللفظي محال. ب. الاشتراك اللفظي ضروري. ج. الاشتراك اللفظي ليس محالاً ولا ضرورياً، بل هو أمر ممكن. بالإضافة إلى هذه الآراء الثلاثة، يعتقد البعض أن الاشتراك اللفظي في القرآن غير ممكن، ولكنه ممكن في غيره. يعتقد المحقق الخراساني بإمكانية ووقوع الاشتراك اللفظي في مقام الوضع، وقد نقل ونقد أدلة ضرورته واستحالته، وأقام ثلاثة أدلة على إمكانه. في هذا البحث، سيتم دراسة أجوبته على الآخرين وأدلته على إثبات إمكانية الاشتراك اللفظي.

المقدمة

من المباحث الهامة في علم أصول الفقه قسم الألفاظ، الذي حظي بتحليل الأصوليين وتوسع في عصرنا مستفيداً من علوم اللسانيات كذلك. ومن بين العناوين البارزة في مباحث الألفاظ، يأتي الاشتراك اللفظي الذي كان دائماً محط اهتمام الأصوليين، ولم تكن آراؤهم فيه متطابقة. يُبحث الاشتراك اللفظي عمومًا من منظارين: «الوضع» و«الاستعمال». فمن منظور «الوضع»: هل يمكن وضع لفظ واحد لأكثر من معنى واحد؟ ومن منظور «الاستعمال»: هل يمكن استعمال اللفظ في زمان واحد، وبشكل مستقل في أكثر من معنى؟ لقد كان هذا البحث محل اهتمام الأصوليين منذ القدم، لأن مصدرين مهمين من مصادر المعارف الإسلامية، وهما القرآن والروايات، يعتمدان على مباحث اللغة. وفي مقام الوضع، يمكن تصور ثلاثة آراء رئيسية حول المشترك اللفظي: أ. الاشتراك اللفظي محال. ب. الاشتراك اللفظي ضروري. ج. الاشتراك اللفظي ليس بمحال ولا ضروري، بل هو أمر ممكن. بالإضافة إلى هذه الآراء الثلاثة، ذهب البعض إلى أن الاشتراك اللفظي في القرآن غير ممكن وفي غيره ممكن (البامياني ١٤٣٠: ١/ ١٤١). يرى المحقق الخراساني بإمكان ووقوع المشترك اللفظي في مقام الوضع، وقد نقل ونقد أدلة ضرورته واستحالته، وأقام ثلاثة أدلة لإثبات إمكانه، وفي هذا المقال سيتم بحث أدلته لإثبات إمكان المشترك اللفظي وردوده على الآخرين.

حقيقة الاشتراك اللفظي

إذا كان للفظ معنى واحد، سُمّي مختصًا. وإذا كان هناك لفظان لكل منهما معناه الخاص، سُمّيا متباينين. وإذا كان للفظين معنى واحد، سُمّيا مترادفين. أما إذا كان للفظ الواحد معنيان على الأقل، فعند مقارنة اللفظ بالمعنى، لا يخرج الأمر عن أربع حالات: إما أن يكون اللفظ موضوعًا لأحد المعاني ومستعملًا في الباقي مجازًا (حقيقة ومجاز)؛ أو أن يكون موضوعًا لمعنى واحد، ثم نُقل منه بمناسبة إلى معنى جديد استُعمل فيه، بحيث هُجر المعنى الأول (منقول)؛ أو أن يكون النقل بلا مناسبة (مرتجل)؛ أو أن تكون المعاني متعددة وفي عرض واحد وكلها حقيقية وبدون نقل، وهو ما يسمى بـ (المشترك اللفظي) (ابن الشهيد الثاني، بي‌تا: ٣٥). يجب الانتباه إلى أن الاشتراك ينقسم إلى قسمين: لفظي ومعنوي، وهذا الاصطلاح نفسه مشترك لفظي استُعمل في عدة معانٍ. وهذه الكلمة في الاصطلاح الأدبي والفلسفي والمنطقي لها معانٍ مختلفة. ففي اصطلاح الأديب، يتعلق الاشتراك اللفظي والاشتراك المعنوي بكيفية وضع اللفظ للمعنى. فإذا وُضع لفظ واحد بشكل منفصل لعدة معانٍ، فهو مشترك لفظي بين تلك المعاني، مثل لفظ «شير» في الفارسية. وفي المقابل، إذا وُضع لفظ واحد لمعنى كلي وجامع في مرة واحدة، فهو مشترك معنوي. وفي الفلسفة، يتعلق الاشتراك اللفظي والمعنوي بوحدة أو تعدد المفهوم والمعنى. أي إذا كان للفظ واحد مفاهيم ومعانٍ متعددة ومتباينة، بحيث يكون لكل معنى أثره الخاص، فهو مشترك لفظي، سواء وُضع اللفظ بشكل منفصل لكل من تلك المعاني، أو وُضع مرة واحدة لجامعها. وفي المقابل، إذا كان للفظ مفهوم ومعنى واحد، فهو مشترك معنوي يصدق على مصاديق متعددة، بحيث يكون لتلك المصاديق جامع واقعي وتنبع آثارها من ذلك الجامع الواقعي، سواء وُضع اللفظ لجامعها دفعة واحدة أو وُضع لكل منها على حدة.

الاشتراك في علم المنطق يكون في صناعة المغالطة. والمقصود بالاشتراك اللفظي في صناعة المغالطة (في المنطق) غير الاصطلاح الأدبي والفلسفي، بمعنى أن يُستعمل لفظ واحد في عدة معانٍ. الاشتراك اللفظي في هذا الاصطلاح، خلافًا للاصطلاح الفلسفي، هو صفة للفظ لا للمعنى، ولهذا السبب اعتبروا مغالطة الاشتراك اللفظي من أنواع المغالطات اللفظية لا المعنوية. كما أنه في الاشتراك اللفظي في صناعة المغالطة، خلافًا للاصطلاح الأدبي، يكفي مجرد استعمال اللفظ في عدة معانٍ، سواء كان موضوعًا لتلك المعاني أم لا. وفي المقابل، الاشتراك المعنوي هو لفظ لا يُستعمل إلا في معنى واحد. (فياضي، ١٣٩٥: ١/ ١٥٥-١٥٢). المقصود بالاشتراك اللفظي في هذا المقال هو معناه الأدبي.

الرأي الأول: استحالة الاشتراك اللفظي

يعتقد البعض أن الاشتراك اللفظي غير ممكن، وقد نُسب هذا الرأي إلى ثعلب والأبهري والبلخي (الطباطبائي المجاهد، ١٢٩٢: ٢٣). وقد ذُكرت أدلة لهذا الرأي سيتم بحثها.

الدليل الأول

الغرض من وضع الألفاظ للمعاني هو تسهيل الفهم والتفهيم. ولكن مع وجود المشترك اللفظي، يقع الإخلال بالغرض، لأن من يستعمل المشترك اللفظي يجب أن يأتي بقرينة، وغالبًا ما تكون القرائن خفية لا يلتفت إليها المخاطب، وبالتالي لا يفهم كلام المتكلم (الآخوند، ١٤٠٩: ٣٥).[1]

جواب المحقق الخراساني

أجاب المحقق الخراساني على هذا الدليل بجوابين: الجواب الأول: لا يوجد إخلال في الأمر، لأن المتكلم يعتمد على القرائن الواضحة ويفهم مقصوده. الجواب الثاني: أحيانًا تقتضي المصلحة أن يشير الإنسان إلى مراده فقط، لا أن يبينه بالكامل. بعبارة أخرى، أحيانًا يكون غرض المتكلم متعلقًا بالإجمال. وفي مثل هذه الحالات، لا مانع من أن يستعمل المشترك اللفظي ويبين غرضه إجمالًا (نفس المصدر: ٣٥).[2]

نقد جواب المحقق الخراساني

أولًا: الدليل المذكور وإشكال المحقق الخراساني ناظران إلى مقام الاستعمال، لأن مسألة حكمة الوضع وإيراد القرائن كلها مرتبطة باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، بينما بحثنا في مقام الوضع. ثانيًا: على فرض قبول الإخلال بالفهم والتفهيم، فإن الإخلال يكون عندما يكون الواضع شخصًا واحدًا، ولكن إذا كان الواضع أفرادًا متعددين من قبائل مختلفة، يرتفع الإشكال، لأنهم لم يكونوا على علم ببعضهم البعض ليُقال إنهم أخلوا بحكمة الوضع. وتوضيح ذلك أنه في بداية الخلق، عندما تكاثر البشر وتفرقوا في مناطق مختلفة، شرعوا في وضع الألفاظ حسب الحاجة، وكل قوم وضعوا لفظًا لكل معنى احتاجوا إليه، ولم تكن القبائل في ذلك الزمان على علم ببعضها البعض لعدم وجود وسائل الاتصال. وفيما بعد، عندما قام اللغويون – الذين كان عملهم جمع استعمالات الكلمة الواحدة – بالبحث عن كلمة ما، لاحظوا أن لها عدة معانٍ، أي أن كل قبيلة وضعتها لمعنى خاص بها. من هنا يثبت الاشتراك اللفظي بنحو الموجبة الجزئية ولا إخلال في الأمر.

الدليل الثاني

كتب المحقق العراقي في استحالة المشترك اللفظي: الوضع بما أنه عبارة عن اختصاص خاص بين اللفظ والمعنى، وذلك على نحو المرآتية وفناء اللفظ في المعنى ولو بصورة الأمارية، فإن جعل لفظ واحد مرآة وفانيًا في معنيين متباينين غير ممكن، فضلًا عن أكثر من معنيين متباينين (العراقي، ١٤١٧: ١/ ١٠٣).[3] أي أن بين اللفظ والمعنى علاقة المرآة والصورة في المرآة. فاللفظ يفنى في المعنى، بحيث لا يُلتفت إلى اللفظ وكل ما هنالك هو المعنى المراد، والمستمع عند سماع اللفظ يتجه كل انتباهه إلى المعنى. فعندما يفنى لفظ في معنى، لا يمكن أن يفنى مرة أخرى في معنى آخر، فلا يمكن لشيء واحد أن يفنى في مرآتين منفصلتين.

نقد الدليل الثاني

أشكل المحقق العراقي نفسه على هذا الدليل. بغض النظر عن الجواب المبني على رأيه في حقيقة الوضع، أولًا: للفظ اقتضاء أن يكون مرآة لمعنيين وأكثر، وهذه المرآتية ليست فعلية وتكوينية لتكون مستحيلة في أكثر من معنى، بل يمكن جعل لفظ واحد مرآة لمعنيين، وهذا ممكن في عالم الاعتبار. ثانيًا: المسألة في مقام الوضع لا الاستعمال، أي أن الواضع يجعل اللفظ مرآة لمعنى، وفي وقت آخر يجعل نفس اللفظ مرآة لمعنى ثانٍ، وهذا العمل بحد ذاته لا إشكال فيه. قد يرد هذا الإشكال في مقام الاستعمال، وهو هل يمكن للفظ واحد في زمان واحد أن يكون مرآة لمعنيين أم لا، وهو ما يجب تحقيقه في محله.

الدليل الثالث

بناءً على نقل النهاوندي، حقيقة الوضع هي أن الواضع يجعل ملازمة بين اللفظ والمعنى، وبواسطة جعل هذه الملازمة، لا يمكن جعل ذلك اللفظ لمعنيين، ولا يمكن أن يكون للفظ واحد ملازمة مع معنيين، لأن أيًا من المعاني، بسبب الملازمة، لا ينفصل عن اللفظ، واللفظ أيضًا لا ينفصل عن المعاني (النهاوندي، ١٣٢٠: ٤٧).[4]

نقد الدليل الثالث

بالإضافة إلى كون المبنى مخدوشًا، في مورد حقيقة الوضع، إذا كانت الملازمة حقيقية، فهي غير صحيحة في مورد الوضع، لأن اللفظ والمعنى من مقولتين متباينتين، إحداهما من مقولة اللفظ والأخرى من مقولة المعنى، وبين مقولتين متباينتين لا يمكن وجود ملازمة واقعية. وإذا كانت الملازمة اعتبارية، ففي الاشتراك اللفظي هذه الملازمة ممكنة، ويمكن إقامة ملازمة اعتبارية بين لفظ واحد ومعنيين، لأن الاعتبار سهل المؤونة.

النتيجة: لم يثبت أي من أدلة استحالة الاشتراك اللفظي المقصود، إذن فالاشتراك اللفظي في مقام الوضع ليس بمحال.

الرأي الثاني: ضرورة الاشتراك اللفظي

الرأي الآخر هو أن الاشتراك اللفظي ليس بمحال فحسب، بل هو لازم وضروري.

دليل ضرورة الاشتراك اللفظي

يعتقد البعض أن الاشتراك اللفظي ضروري، لأن الألفاظ المفردة والمركبة متناهية، وعلى عكسها، المعاني غير متناهية. ولأجل تفهيم وتفهم المعاني غير المحدودة، لا سبيل إلا بالاشتراك اللفظي، لأن الألفاظ المحدودة لا يمكنها إفادة معاني غير محدودة، لذا يجب أن تكون الألفاظ أيضًا غير محدودة، وهذا يتحقق بالاشتراك اللفظي، إذن فالاشتراك اللفظي ضروري (الآخوند، ١٤٠٩: ٣٥).[5]

الجواب الأول للمحقق الخراساني

الوضع تابع للمعنى، إذ يجب وضع لفظ لكل معنى، وبما أن المعاني غير متناهية، فالوضع أيضًا يكون غير متناهٍ. إذن، المعاني غير المتناهية تتطلب أوضاعًا غير متناهية، والأوضاع غير المتناهية غير ممكنة من البشر المتناهين، لأن البشر مهما كثروا فهم متناهون، ومن المتناهي لا يمكن أن يصدر عمل غير متناهٍ (نفس المصدر: ٣٥).[6]

نقد المحقق العراقي لجواب المحقق الخراساني

قدم المحقق العراقي ثلاثة أجوبة على كلام المحقق الخراساني، والجواب الثاني هو: الألفاظ بتركيب الحروف تصبح غير متناهية. أي عندما نركب الحروف بعضها ببعض، فإن حاصل ضربها يكون غير متناهٍ (العراقي، ١٤١٧: ١/ ١٠٣؛ المعصومي الشاهرودي، ١٤٢٤: ٤٤٢؛ التبريزي، ١٣٨٧: ١/ ١٧٥).[7]

نقد جواب المحقق الخراساني والمحقق العراقي

إشكال المحقق العراقي على المحقق الخراساني غير وارد، لأن كون «المعاني» غير متناهية هو أمر مقبول ظاهراً من الطرفين، وإشكال المحقق الخراساني ناظر إلى عدم تناهي المعاني، بينما جواب المحقق العراقي ناظر إلى عدم تناهي الألفاظ. في هذه الحالة، يصبح رأي المحقق الخراساني أكثر جدية، حيث إن الألفاظ غير متناهية والمعاني كذلك، وبالتالي يكون الوضع أيضاً غير متناهٍ. بناءً على عدم تناهي الألفاظ أو عدم تناهي كليهما، لا توجد ضرورة للاشتراك اللفظي، لأن هذا البحث لا يخرج عن أربع حالات:

الألفاظ: متناهية، المعاني: متناهية

الألفاظ: متناهية، المعاني: لا متناهية

الألفاظ: لا متناهية، المعاني: متناهية

الألفاظ: لا متناهية، المعاني: لا متناهية

القسم الأول في الجدول أعلاه، كان كلامنا فيه وقد مضى. القسم الثاني على فرض القبول، لا محل للنقاش فيه ولا حاجة للاشتراك اللفظي. أما القسم الثالث، لو قُبل فرضاً، فإن ضرورة الاشتراك اللفظي لا تثبت لعدة أسباب. وذلك ببيان أن الألفاظ (وإن كانت محدودة) إلا أنها كثيرة جداً وفي مقام «الوضع» تلبي حاجة الإنسان للمعاني. مثلاً، في مقام التصور، في اللغة العربية التي تتكون من تسعة وعشرين حرفاً، لو نظرنا فقط إلى الاسم، لوجدناه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ثلاثي، ورباعي، وخماسي، وكل منها مجرد ومزيد. الاسم الخماسي المزيد يتكون من سبعة أحرف، وكل حرف منه يمكن أن يكون واحداً من تسعة وعشرين حرفاً عربياً، لذا يضرب كل حرف بالحرف الذي يليه وهو ثمانية وعشرون. ننقص واحداً من التسعة والعشرين حتى لا يجتمع حرفان من نفس الجنس، ويصبح حاصل الضرب ثلاثة على الأقل؛ ويتكرر الضرب ثلاث مرات، بسبب حركات الفتحة والكسرة والضمة. ورغم أن السكون يجب أن يُحسب أيضاً، وبما أن الحرف الأول إذا كان ساكناً يكون متعذراً أو متعسراً، وكذلك لا يمكن التقاء ساكنين، فإننا لم نحسب علامة السكون بسبب هاتين المشكلتين، وإلا لكان حاصل الضرب أكبر. من كلمة سباعية واحدة في مقام التصور (٣٦٤٣٠٩٠٦٩٨٢٤) لفظاً قد نتج. فكم من الألفاظ يمكن تشكيلها من الكلمات بكل أقسامها في جميع اللغات مع كل تنوعاتها وتحولاتها؟ في هذه الحالة، تكون الألفاظ كثيرة جداً. من ناحية أخرى، ليس من الضروري وضع لفظ لكل معنى، لأنه لم تُكتشف كل المعاني ولم يُحتج إليها كلها. فبمقدار ما يُكتشف ويُحتاج إليه، يُوضع له لفظ وتُلبى الحاجة. بالإضافة إلى أن الوضع لا يقتصر على الوضع الخاص والموضوع له الخاص، بل يمكن أن يكون الوضع عاماً والموضوع له عاماً، أو الوضع عاماً والموضوع له خاصاً، ففي الوضع العام والموضوع له العام، تُتصور معانٍ كثيرة بشكل إجمالي ويوضع لفظ واحد عليها جميعاً. أما إذا لوحظ القسم الرابع في الجدول أعلاه (أي أن الألفاظ والمعاني كلاهما غير محدود)، فمع أن الوضع غير المتناهي غير ممكن للبشر المتناهين، ومن هذه الجهة كلام المحقق الخراساني صحيح، إلا أنه من جهة أخرى ليس دقيقاً، لأنه مع أن البشر محدودون، إلا أنهم كل يوم مع اكتشاف المعاني يضعون لها ألفاظاً، وكل فرد يمكنه أن يضع آلاف الألفاظ لآلاف المعاني، وبذلك تُرفع حاجة البشر ولا ضرورة للوضع غير المتناهي، لأن جميع المعاني غير المتناهية ليست محل حاجة بالفعل، وبالقوة فإن البشر مع مرور الزمن كثرٌ ليضعوا لها ألفاظاً.

جواب الشهيد الصدر ونقده

أورد السيد الصدر إشكالاً على فرض عدم تناهي الألفاظ، وهو أن المعاني تظل أكثر من الألفاظ. ببيان أن كل لفظ، مهما كان عدد حروفه، مثل لفظ «أب»، هو بنفسه أحد المعاني. فإذا كان مقصودنا بالمعاني كل ما يخطر بالذهن، ففي هذه الحالة كلما زادت الألفاظ والكلمات، زادت المعاني (عبد الساتر، ١٤١٧: ٣/ ٩٥).[8] لكن هذا الإشكال غير وارد، لأنه في بحث وضع الألفاظ للمعاني، ليست الألفاظ نفسها معاني، بل الألفاظ توضع مقابل المعاني ولأجل المعاني. وإذا اعتبر اللفظ نفسه معنى، فيجب وضع لفظ لتفهيم ذلك المعنى، بينما هذا اللفظ نفسه يعتبر معنى، ولتفهيم المعنى الثاني يجب أيضاً وضع لفظ، وهذه السلسلة لا نهاية لها وتؤدي إلى التسلسل المحال.

الجواب الثاني للمحقق الخراساني

هذا الجواب مبني على أن الواضع هو الله تعالى. بيانه: الألفاظ محدودة والمعاني غير محدودة. في وضع الألفاظ للمعاني غير المحدودة، يلزم وضع غير محدود. وهذا الأمر ممكن، والله تعالى يقوم به. ثم يقول المحقق الخراساني: هذا العمل وإن كان ممكناً من الله، إلا أنه غير مفيد، لأن هذا العمل ليس مفيداً إلا بالنسبة لمقدار متناهٍ من المعاني، لأن استعمال الألفاظ في المعاني هو من فعل البشر، والبشر بما أنهم متناهون، يحتاجون إلى معانٍ متناهية. لذا، يلزم أن يكون الوضع الزائد عن مواضع الحاجة لغواً، بينما الله الحكيم لا يفعل اللغو. إذن، بما أن البشر متناهون، فلا يمكنهم وضع إلا جزء من الألفاظ في جزء من المعاني، ولهذا السبب يلزم أن تكون سائر الأوضاع بلا فائدة (الخراساني، ١٤٠٩: ٣٥).[9]

نقد وبحث الجواب الثاني

أولاً: هذا المبنى القائل بأن الواضع هو الله غير صحيح. ثانياً: إذا كان الله هو الواضع وأراد أن يضع ألفاظاً محدودة على معانٍ غير محدودة، فإنه غير ممكن إلا إذا قلنا بالاشتراك اللفظي، لأن المعاني غير المحدودة تتطلب أوضاعاً غير محدودة، والأوضاع غير المحدودة إما أن تكون بألفاظ محدودة أو بألفاظ غير محدودة. فإذا كانت بألفاظ غير محدودة، فإن الألفاظ تصبح مثل المعاني غير محدودة، وفي هذه الحالة لا محل لضرورة الاشتراك اللفظي. وإذا كانت الألفاظ محدودة والمعاني غير محدودة، فهذا العمل إذا كان محالاً ذاتياً، فإنه لا يصدر من الله أيضاً، لأن المحدود لا يمكنه أبداً أن يشمل غير المحدود، ولا يمكن للمحدود أن يتسع لغير المحدود، إلا إذا قلنا بالاشتراك اللفظي والوضع العام والموضوع له العام، بينما جواب المحقق الخراساني كان لنفي ضرورة الاشتراك اللفظي.

الجواب الثالث للمحقق الخراساني

إذا أخذنا جميع المعاني في الاعتبار، فإنها تصبح غير متناهية، ولكن إذا أخذنا فقط الكليات والمعاني العامة في الاعتبار، فلا يمكن ادعاء عدم التناهي، بل المعاني العامة متناهية، وكل من واجب الوجود وممتنع الوجود وممكن الوجود هو أحد المعاني العامة ومن الكليات، والمعاني العامة مهما كثرت فهي متناهية. إذن، وضع الألفاظ على المعاني الكلية يغنينا عن الوضع على المعاني الجزئية (نفس المصدر: ٣٥).[10]

نقد وبحث الجواب الثالث

الجواب الثالث للمحقق الخراساني ليس كاملاً أيضاً، أولاً: لا حاجة لوضع ألفاظ للمعاني غير المتناهية، لأن جميع المعاني غير المتناهية بالفعل ليست محل حاجة في التفاهم. ثانياً: بقول بعض الأصوليين، المعاني الكلية أيضاً غير متناهية، لأن المعاني الكلية تكون بسيطة ومركبة، والمركب يكون حقيقياً واعتبارياً. فإذا كانت المعاني الكلية البسيطة والمركبة الحقيقية متناهية، فإن المعاني المركبة الاعتبارية غير متناهية (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣٣: ١/ ١١٣؛ الفياض، ١٤٣٠: ١/ ٢١٠).[11]

الجواب الرابع للمحقق الخراساني

على فرض قبول عدم تناهي المعاني، لا توجد ضرورة في وضع المشترك اللفظي، لأن للألفاظ معاني مجازية أيضاً، والاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، وباب المجاز واسع أيضاً، لذا فإن محدودية الألفاظ لا تشكل مشكلة (الخراساني، ١٤٠٩: ٣٥).[12] وإذا قيل إن استعمال لفظ على معانٍ مختلفة هو على نحو الحقيقة وليس المجاز، فالجواب هو أن «الاستعمال أعم من الحقيقة».

نقد وبحث الجواب الرابع

هذا الجواب غير صحيح، أولاً: المعنى المجازي ليس موضوعاً له، أي لا يوجد وضع في الأمر، وبحث المعنى المجازي يقع في مرحلة الاستعمال ولا علاقة له بمرحلة الوضع. ثانياً: إذا كانت المعاني في الواقع غير متناهية، حتى لو استُعملت الألفاظ في معانٍ مجازية، فإن المعاني ستظل كثيرة، لأنه عندما تصبح المعاني غير متناهية، فإن الألفاظ مهما كثرت، لن تكون كافية. ثالثاً: في علم البلاغة، استعمال الألفاظ على معانٍ مجازية لا يخرج عن حالتين: إما أن يكون مبنياً على رأي البعض بحاجة إلى ترخيص من الواضع، وعلى رأي آخر بحاجة إلى مناسبة يستحسنها الطبع، أو أنه لا يحتاج إلى ترخيص من الواضع أو مناسبة يستحسنها الطبع، بل يمكن استعمال أي لفظ في أي معنى مجازاً. إذا كانت الحالة الأولى هي الصحيحة، وهي كذلك، فالجواب هو أن المعاني المجازية ليست كثيرة، لأن طبع الإنسان لا يستحسن معاني كثيرة لكل لفظ. على الأقل، يمكن لكل لفظ أن يكون له عشرون أو خمسة وعشرون معنى مجازياً، واستعمال اللفظ في المعنى المجازي بما أنه يحتاج إلى قرينة «صارفة»، لتمييز المعنى الحقيقي عن المجازي، وكذلك يحتاج إلى قرينة «معيِّنة» لتشخيص المعاني المجازية عن بعضها البعض، فإنه لا يحل المشكلة فحسب، بل يزيدها تعقيداً، لأنه لكل معنى مجازي يجب إيراد قرينة، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى ألفاظ كثيرة. ومع أن القرينة لا تقتصر على القرينة اللفظية، إلا أن أكثر القرائن لفظية. وإذا قبلنا بالحالة الثانية، ففي هذه الحالة يعود إشكال عدم التناهي، لأن الفرض هو أن المعاني غير متناهية، لأنه بالنسبة للفظ واحد يوجد عدد لا نهائي من المعاني المجازية. لذا، فإن المعاني، سواء كانت حقيقية أو مجازية، تظل غير متناهية. أجاب بعض الأصوليين: إذا قلنا إن عدم تناهي المعاني يقتضي وضعاً غير متناهٍ، ففي هذه الحالة لا يمكن الاستغناء عن الاشتراك اللفظي بواسطة المجاز، لأنه في هذه الحالة يجب افتراض علاقات غير متناهية بين المعنى الحقيقي المتناهي والمعنى المجازي غير المتناهي. لأن كل معنى مجازي يحتاج إلى علاقة، وكل علاقة تخلق حيثية في المعنى الحقيقي، وفي هذه الحالة يصبح للمعنى الحقيقي حيثيات غير متناهية. وإذا افترضنا أن العلاقة واحدة ولكن لها حيثيات تختلف باختلاف المعاني المجازية، وكل حيثية تحتاج إلى لفظ يدل عليها، فيعود إشكال عدم تناهي المعاني. (الفياض، ١٤٣٠: ١/ ٢١٤).[13] ظاهراً هذا الجواب في القسم الثاني غير وارد، لأن علاقات المعنى الحقيقي والمجازي لا تحتاج إلى وضع ألفاظ لتستلزم وضع ألفاظ غير متناهية. إذا قيل: ليس من اللازم تفهيم جميع المعاني باللفظ لتنشأ الحاجة إلى الاشتراك اللفظي، بل يمكن تفهيم كثير من المعاني بالإشارة، وحيثما لا يوجد لفظ، يمكن التفهيم بالإشارة وإحضار الشيء الخارجي نفسه أو الكتابة ورسم صورة له، فالجواب هو: صحيح أننا نستخدم الإشارة وإحضار الشيء الخارجي والنقش والكتابة في التفهيم والتفهم، وهذا يسهل الأمر ويغني عن اللفظ إلى حد ما، ولكن هذا لا يكفي. أولاً: استخدام غير الألفاظ أقل، وفي كثير من الحالات صعب ومستصعب. ثانياً: إذا قبلنا بفرض عدم تناهي المعاني، فإن الإشارة والكتابة وإحضار الأشياء لا تكفي، وإذا أخذنا الحاجة بعين الاعتبار، فإن نفس الحروف كافية لتشكيل الألفاظ. النتيجة هي أنه من المباحث السابقة عُلم أن المشترك اللفظي في مقام «الوضع» لا ضرورة له، والأدلة على هذا الادعاء غير تامة.

الرأي الثالث: الإمكان الوقوعي للمشترك اللفظي

أورد المحقق الخراساني في كفاية الأصول لإثبات وقوع المشترك اللفظي ثلاثة أدلة يتم بحثها.

الدليل الأول: النقل

الدليل الأول للمحقق الخراساني هو «النقل». أي أن اللغويين قد عدوا لبعض الألفاظ معنيين على الأقل، مما يثبت الاشتراك اللفظي (الخراساني، ١٤٠٩: ٣٥).

نقد وبحث الدليل الأول

هذا الدليل لا يمكنه إثبات وقوع المشترك اللفظي، لأنه يخالف مبنى المحقق الخراساني نفسه في كفاية الأصول (نفس المصدر: ٢٨٧). فهو لا يعتبر قول اللغوي حجة، ولا يوجد إجماع يجعل قول اللغوي حجة. وعلى فرض وجود إجماع، يجب توفر شروط الشهادة من تعدد وعدالة. لا يوجد إجماع محصل في هذا المجال، والإجماع المنقول أيضاً غير مقبول، خاصة في مثل هذا الموضوع، وكلام اللغوي ليس مما يورث الاطمئنان. فاللغوي ليس خبيراً بوضع الألفاظ، بل هو فقط يجمع موارد الاستعمال، سواء كانت حقيقة أو مجازاً. وقاعدة «الأصل في الاستعمال الحقيقة» أيضاً لا تفيد هنا، لأن هذا الأصل يتعلق بتشخيص المراد، وليس له تطبيق في تشخيص الموضوع له.

الدليل الثاني: التبادر

من بعض الكلمات يتبادر إلى الذهن أكثر من معنى، وهذا دليل على كونها مشتركاً لفظياً (نفس المصدر: ٣٥، الحكيم، ١٤٠٨: / ٨٧). وعلامة ذلك أيضاً إيراد قيد «عند إرادة أحد معانيها»، لأنه إذا استُعمل بدون قيد وقرينة أصبح مجملاً، ولذا يحتاج إلى قرينة في مقام الاستعمال ليمتاز أحد المعاني. والتبادر من علامات الحقيقة.

نقد وبحث دليل التبادر

بغض النظر عن أن التبادر نفسه قابل للنقد والبحث ويجب بحثه في محله، فإن هذا الاستدلال عند تصور لفظ بمفرده يستحق الاهتمام، ولكن من جهة أخرى هذا الكلام لا يخلو من إشكال. توضيح ذلك: استدلالهم لا يخرج عن حالتين: إما أن المشترك اللفظي استُعمل بقرينة أو بدون قرينة. فإذا كان بقرينة، فلا مجال للتبادر هنا، لأن أكثر من معنى واحد لا يتبادر إلى الذهن، وهو نفس المعنى الذي دلت عليه القرينة. وإذا استُعمل بدون قرينة، فإنه لا يخرج عن حالتين: إما أن المتكلم استعمل المشترك اللفظي في أحد معانيه أو في جميع معانيه. فإذا استعمله في جميع معانيه، فهذا هو استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وهو محال في فكر المحقق الخراساني (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩: ٣٦). وإذا استعمله في أحد معانيه بدون قرينة، وتبادر إلى ذهن المخاطب عدة معانٍ في عرض واحد، ففي هذه الحالة يثبت المشترك اللفظي بالتبادر، ولكن إثبات التبادر نفسه مشكل.

الدليل الثالث: صحة الحمل وعدم صحة السلب

صحة حمل لفظ على عدة معانٍ وعدم صحة سلب لفظ عن تلك المعاني دليل على وقوع الاشتراك اللفظي. وصحة الحمل وعدم صحة السلب من علامات معرفة المعنى الحقيقي للألفاظ (نفس المصدر: ٣٥).

نقد وبحث الدليل الثالث

صحة هذه العلامة كإحدى علامات الحقيقة والمجاز محل نقد وبحث، وترد عليها إشكالات يتطلب تحقيقها مقالاً منفصلاً (الفياض، ١٤٣٠: ١/ ٢٧٩ – ٢٨١).

الحل الصحيح

أولاً: نفي استحالة وضع اللفظ في أكثر من معنى يكفي لإثبات إمكانه، ولا حاجة لإثبات الإمكان، وإن كان هذا الإمكان يشمل الضرورة أيضاً، لكن البحث في نفي استحالته. ثانياً: أفضل دليل على إمكان الاشتراك اللفظي هو وقوعه، أي أنه ليس ممكناً في مقام الوضع فحسب، بل وقع أيضاً في مقام الاستعمال. توجد موارد كثيرة استُعمل فيها المشترك اللفظي وأوردها علماء اللغة. مثلاً، عندما يجف ينبوع شخص وتؤلمه عينه، يقال له: «أصلح الله عينك». هنا من كلمة «عين» أُريد كلا المعنيين (النجفي، ١٤١٣: ٨٧؛ الموسوي الخميني، ١٣٨٢: ١/ ١٣١؛ السيستاني، ١٤١٤: ١٩١). قول الشاعر في مدح النبي الأكرم (ص) أيضاً هذا هو: المرتجي في الدجى والمبتلى بعمى والمشتكي ظمأ والمبتغي ديناً يأتون سدّته من كل ناحية ويستفيدون من نعمائه عيناً (السيستاني، ١٤١٤: ١٩١؛ الصالحي المازندراني، ١٢٩٦: ١/ ١٩٢؛ مكارم الشيرازي، ١٤٢٨: ١/ ١٥٠). لفظ «عين» في هذا الشعر استُعمل بأربعة معانٍ: الشمس، العين (الباصرة)، الينبوع، والذهب. بعض العلماء اعتبروا «الوضع العام، الموضوع له الخاص» من مصاديق الاشتراك اللفظي، أي أنهم يعتبرون اللفظ الذي وُضع بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص مشتركاً لفظياً. بغض النظر عن صحة هذا الرأي أو سقمه، فبناءً على قبوله، يثبت المشترك اللفظي (اللنكراني، ١٣٨١: ٢/ ٢٦٥).

الرأي الرابع: المشترك اللفظي في القرآن

تطرق المحقق الخراساني في تحليل هذا البحث إلى المشترك اللفظي في القرآن، وكتب بضع جمل قصيرة تم تقييمها في هذا المقال. لقد ذكر أدلة منكري المشترك اللفظي في القرآن، وبعد الرد عليها، طرح رأيه القائم على وجود المشترك اللفظي في القرآن الكريم.

أدلة مخالفي المشترك اللفظي في القرآن

دليلهم يتكون من قسمين:

١. إطناب بدون فائدة

المشترك اللفظي في القرآن إما أن يكون مع قرينة أو بدون قرينة. فإذا استُعمل مع قرينة، فإنه يسبب تطويلاً وإطناباً بدون فائدة، لأن مطلباً واحداً يُبيّن بشيئين، أحدهما اللفظ المشترك والآخر القرينة، وهذا بعيد عن حكمة الله وقبيح؛ خاصة في القرآن الذي هو في ذروة الفصاحة والبلاغة (الخراساني، ١٤٠٩: ٣٥).[14]

جواب المحقق الخراساني

القرينة ليست دائماً لفظية، بل قد تكون لفظية وأحياناً حالية ومقامية. فإذا استُعمل المشترك اللفظي مع قرينة حالية ومقامية، فلا يعود هناك لفظ إضافي يسبب التطويل (نفس المصدر: ٣٥).[15]

نقد وبحث

لا الإشكال صحيح ولا الجواب، لأن المحقق الخراساني في جوابه قد قبل الإشكال نوعاً ما، بينما الإشكال من أساسه غير صحيح. الإشكال ظاهراً ناظر إلى وجود قرينة «لفظية» تضاف إلى المشترك اللفظي فتصبح لفظين لإيصال معنى واحد، وهذا تطويل للكلام بلا فائدة وهو قبيح في القرآن الكريم. ولكن جواب المحقق الخراساني ناظر إلى قرينة «حالية» و«مقامیة» لا لفظية، ولكن دفع الإشكال يكمن في عدة نقاط: أولاً: في القرآن الكريم وردت بعض الكلمات المشتركة لفظياً، وأفضل دليل على شيء هو وقوعه، وهذا ما قد حصل. ثانياً: أحياناً تكون القرينة اللفظية ضرورية، إذا لم تكن هناك قرائن أخرى، لتوضيح معنى المشترك اللفظي، وهذا المقدار لا يسبب إطناباً، لأن الإطناب القبيح الذي يُبحث في علم البلاغة، لا يشمل القرينة وأمثالها. مثلاً، «عين باكية» أو «عين جارية» لا يقول أحد إنها إطناب. ثالثاً: لأن القرآن الكريم في ذروة الفصاحة والبلاغة، فإما أنه لم يكن هناك لفظ فصيح وجميل لمعنى ما، أو كانت هناك نكات وظرافات ولطائف، لذا استعمل الكريم المشترك اللفظي مع القرينة، وهذا المشترك اللفظي مع قرينته له جمال وفصاحة. رابعاً: القرينة ليست دائماً لتوضيح وتفسير ذي القرينة، أي أن فائدة القرينة لا تقتصر على شيء واحد، بل أحياناً تحقق القرينة هدفين. مثلاً، في آية «لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا» (الأعراف: ١٧٩)، قرينة «لا يبصرون بها» تحدد أن «عين» التي هي مشترك لفظي، المقصود بها «العين الباصرة»، وتقول أيضاً إنهم مع أن لهم عيوناً إلا أنهم لا يبصرون (اللنكراني، نفس المصدر: ٢/ ٢٨٥). أما أن المحقق الخراساني أجاب على الإشكال بالقرائن الحالية والمقامية، فليس صحيحاً، لأن القرآن كتاب خالد ودائم لجميع البشر حتى نهاية الدنيا، بينما القرينة الحالية تزول بزوال ذلك «الحال»، والقرينة المقامية تزول بانتهاء ذلك «المقام»، ولا تعود لها فائدة. أي أن القرائن الحالية والمقامية كانت نافعة لأهل زمان نزول القرآن، وذلك للبعض، وليست نافعة لغيرهم وفي الأزمنة اللاحقة.

٢. الإجمال والإبهام

المشترك اللفظي في القرآن إذا استُعمل بدون قرينة، يصبح مجملاً، والإجمال قبيح عند العقلاء، فكيف بالله تعالى الذي هو خالق الحكمة والقرآن في ذروة الحكمة والفصاحة.

جواب المحقق الخراساني

أحياناً يتعلق غرض المتكلم بالإجمال، وفي القرآن كذلك، وإلا لما استُعمل المتشابه في القرآن، بينما المتشابه موجود في القرآن الكريم، مثل آية «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ …» (آل عمران: ٧؛ الخراساني، ١٤٠٩: ٣٥).[16]

نقد وبحث

هذا الجواب غير صحيح في كلا قسميه، لأنه لا يوجد مجمل في كلام الله، ومن جهة أخرى المتشابه ليس بمعنى المجمل. لكي يتضح عدم صحة هذا الجواب، يجب بحث «المجمل» و«المتشابه» في الاصطلاح وموقعهما ليعرف الفرق بينهما.

المجمل والمتشابه

يُستعمل المجمل أحياناً في مقابل المفصل، وأحياناً في مقابل المبيّن، والمنظور من المجمل هنا هو مقابل المبيّن. لعلماء الأصول واللغة رأي واحد في معنى المجمل، ومراد الأصوليين من هذه الكلمة هو نفس المعنى اللغوي. مثلاً، كتب المحقق الخراساني نفسه في الكفاية: المراد من المبيّن على نحو الإطلاق إذا أُورد، هو الكلام الذي له ظاهر، وفي نظر العرف ظاهر في معنى، ولكن المجمل على خلافه، ليس له ظهور في معنى (الخراساني، ١٤٠٩: ٣٥).[17] يكتب المحقق المشكيني: المجمل هو اللفظ الذي ليس له ظهور بالفعل (المشكيني الأردبيلي، ١٣٧٤: ٢٣٢).[18] خلاصة القول أن المجمل هو كلمة ليس لها معنى واضح، وبالنظر إلى معنى المجمل، يتضح أنه في القرآن الكريم لا مجال للإجمال وتعلق الغرض بالإجمال، لأن كتاب الهداية والتبيان والبيان والنور والمبين… لا ينسجم مع الإجمال. أما العلماء فليس لهم اتفاق نظر في تعريف المتشابه. وقد عرض العلامة الطباطبائي في مورد المحكم والمتشابه ستة عشر رأياً نقلاً ونقداً (الطباطبائي، ١٤١٧: ٣/ ٣٢). البعض فسره بطريقة تجعله واحداً مع المجمل، وبحسب تفسير البعض الآخر يختلف. قد يقال إن المتشابه أعم من المجمل والمؤول، ولذا يشمل المجمل، لكن هذا الكلام ليس صحيحاً، بل المجمل والمتشابه متقابلان. ومن جهة أخرى، المتشابه ليس من أوصاف اللفظ، بينما المجمل من أوصاف اللفظ. المجمل أصلاً ليس له معنى محدد وواضح، أي لا ظهور له في معنى، ولكن المتشابه هو لفظ له ظهور في معنى، ولكن ظاهره ليس هو المراد وليس هو الحق.

آية الله جوادي آملي يكتب: «التشابه» ليس من أوصاف اللفظ، كالعموم أو الإطلاق أو الإجمال، لأن اللفظ المجمل لا ظهور له. نعم، قد يفسره شخص وفق رأيه، ولكن ليس له شأنية إثارة الفتنة، لأنه ليس له مفهوم واضح للجميع ليكون ذريعة للمرضى القلوب، كما أن العمل بالآية العامة أو المطلقة، دون اعتبار المخصص أو المقيد، مخالف، ولكنه ليس مثيراً للفتنة؛ ولكن المتشابه له ظهور في معناه، وإن كان ذلك المعنى الظاهر ليس حقاً، بل هو شبيه بالحق (آملي، ١٣٨٩: ١٣/ ١٢٠). مما سبق، عُلم أن المتشابه موجود في القرآن وحكيم، وأقل حكمة فيه هي الرجوع إلى «الراسخون في العلم» لنلزم أنفسنا بالارتباط بهم لفهم هذه الآيات ونستفيد من أنوار معارفهم. خلاصة القول: الإجمال الذي هو الإبهام والظلمة ولا ظهور له في معنى، إذا كان بدون قرينة، لا ينسجم مع قرآن هو كتاب هداية ونور وبيان وتبيان وبرهان وشفاء… ولكن إذا كان مقصود المحقق الخراساني من تعلق الغرض بالإجمال، هو الإجمال في مقابل التفصيل، فلا مشكلة.

النتيجة

بناءً على رأي مشهور الأصوليين، توجد ألفاظ مختصة، متباينة، ومترادفة. الكلام يدور حول المشترك اللفظي. كان البعض يعتقد أن المشترك اللفظي غير ممكن، وقد نُسب هذا الرأي إلى ثعلب والأبهري والبلخي. وكان هناك رأي آخر يقول إن المشترك اللفظي ليس بمحال فحسب، بل هو لازم وضروري. اعتقد معظم الأصوليين أن المشترك اللفظي ممكن، وقد وقع في اللغة العربية. نقل المحقق الخراساني أدلة استحالة المشترك اللفظي ورد عليها، لكن جوابه لم يكن صحيحاً. بعد ذلك، طرح ضرورة المشترك اللفظي، وفي نقد هذا الرأي، قدم أربعة أجوبة كانت فيها إشكالات، ولم يكن أي منها مقبولاً. كان سماحته قائلاً بإمكان وقوع المشترك اللفظي، ولإثبات رأيه أقام ثلاثة أدلة لم يُقبل أي منها في النقد والبحث. كما أشار إلى المشترك اللفظي في القرآن وقال بوجوده فيه. ونقد أيضاً أدلة من كانوا يعتقدون أن المشترك اللفظي غير ممكن في القرآن ورد عليها، لكن أجوبته لم تكن صحيحة. خلاصة القول أنه من وجهة نظر المحقق الخراساني، المشترك اللفظي في القرآن وغيره ممكن وواقع. ورغم أن أدلته في هذا المجال قد نُقدت، إلا أن أصل ادعائه مقبول.

الهوامش

  1. «وإن أحاله بعض لإخلاله بالتفهم المقصود من الوضع لخفاء القرائن».
  2. «لمنع الإخلال أولاً لإمكان الاتكال على القرائن الواضحة ومنع كونه مخلاً بالحكمة ثانياً لتعلق الغرض بالإجمال أحياناً».
  3. «نعم هنا وجه آخر للقول بالامتناع، وهو أن قضيّة الوضع حيثما كان عبارة عن نحو اختصاص خاص بين اللفظ والمعنى وكونه على نحو المرآتية والفناء لا مطلق الاختصاص ولو على نحو الأمارية، فلا جرم يلزمه امتناع اختصاص لفظ واحد بذلك الاختصاص الخاص بالمعنيين المتباينين أو أزيد بنحو كان اللفظ مرآة وفانياً فيهما».
  4. «اعلم أنه قد أشكل على بعض إمكان وقوع الاشتراك وهذا الإشكال بناء على ما توهّم غير واحد من كون الوضع هو جعل الملازمة الذهنية أولاً في محله لأن وضع اللفظ بإزاء المعنيين على سبيل الاشتراك يستلزم لتحقق الملازمتين الذهنيتين المستقلّتين وهذا محال».
  5. «وربما توهم وجوب وقوع الاشتراك في اللغات لأجل عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ المركبات فلا بد من الاشتراك فيها».
  6. «وهو فاسد لوضوح امتناع الاشتراك في هذه المعاني لاستدعائه الأوضاع الغير المتناهية».
  7. «كتب المحقق العراقي: على أن للمنع عن تناهي الألفاظ أيضاً كمال مجال، لما يرى بالوجدان من بلوغها إلى غير النهاية بتركيب الحروف بعضها مع بعض».
  8. «أن أي عدد نفرضه من الكلمات فهو بنفسه معنى من المعاني، فإن كلمة (أب) هي بنفسها معنى من المعاني فكلّما تكثرت الألفاظ والكلمات تكثرت المعاني، وعلى هذا لو قصدنا بالمعاني تمام ما يخطر على الذهن، إذن فالمعاني دائماً تبقى أكثر من الألفاظ، لأن كل كلمة هي بنفسها أيضاً معنى من المعاني مضافاً إلى سائر المعاني الأخرى».
  9. «ولو سلم لم يكد يجدي إلا في مقدار متناهٍ».
  10. «مضافاً إلى تناهي المعاني الكلية وجزئياتها وإن كانت غير متناهية إلا أن وضع الألفاظ بإزاء كلياتها يغني عن وضع لفظ بإزائها كما لا يخفى».
  11. «أنا لو أدخلنا في الحساب المعاني الاعتبارية فلا برهان على تناهي المعاني الكلية، بل البرهان على الخلاف، إذ المعاني منها ما يكون بسيطاً كمفهوم الوجود والعدم، ومنها ما يكون مركباً حقيقياً كمفهوم الإنسان، ومنها ما يكون مركباً اعتبارياً كمفهوم الدار والمدينة…».
  12. «مع أن المجاز باب واسع فافهم».
  13. «حينئذ لابد من افتراض علاقات غير متناهية بين المعنى الحقيقي المتناهي والمعنى المجازي غير المتناهي، وحيث إن كل علاقة تمثل حيثية في المعنى الحقيقي، فيؤدي ذلك إلى اشتمال المعنى الحقيقي على حيثيات غير متناهية، وإن فرض أن ذات العلاقة واحدة إلا أن حيثيتها تختلف باختلاف المعاني المجازية وكل هذه الحيثيات بحاجة إلى لفظ يدل عليها فيعود المحذور».
  14. «كما أن استعمال المشترك في القرآن ليس بمحال كما توهم لأجل لزوم التطويل بلا طائل مع الاتكال على القرائن والإجمال في المقال لولا الاتكال عليها».
  15. «وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى جل شأنه كما لا يخفى وذلك لعدم لزوم التطويل فيما كان الاتكال على حال أو مقال أتي به لغرض آخر».
  16. «ومنع كون الإجمال غير لائق بكلامه تعالى مع كونه مما يتعلق به الغرض وإلا لما وقع المشتبه في كلامه وقد أخبر في كتابه الكريم بوقوعه فيه».
  17. «والظاهر أن المراد من المبين في موارد إطلاقه الكلام الذي له ظاهر ويكون بحسب متفاهم العرف قالباً لخصوص معنى والمجمل بخلافه فما ليس له ظهور مجمل».
  18. «فهو اللفظ الذي ليس له ظهور بالفعل».

قائمة المصادر

  1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.
  2. ابن الشهيد الثاني، حسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين، قم، دفتر النشر الإسلامي، الطبعة التاسعة، د.ت.
  3. التبريزي، ميرزا جواد، دروس في مسائل علم الأصول، قم، دار الصديقة الشهيدة، الطبعة الثانية، ١٣٨٧ هـ.ش.
  4. جوادي آملي، عبد الله، تسنيم، مركز إسراء، الطبعة الثالثة، ١٣٨٩ هـ.ش.
  5. الحسيني السيستاني، سيد علي، الرافد في علم الأصول، قم، ليتوغرافيا حميد، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.
  6. الحكيم، محسن، حقائق الأصول، قم، مكتبة بصيرتي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٨ هـ.
  7. الصالحي المازندراني، إسماعيل، مفتاح الأصول، قم، صالحان، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.
  8. الطباطبائي المجاهد، محمد علي، مفاتيح الأصول، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى، ١٢٩٦ هـ.
  9. الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية، الطبعة الخامسة، ١٤١٧ هـ.
  10. عبد الساتر، حسن، بحوث في علم الأصول، بيروت، دار الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.
  11. العراقي، ضياء الدين، بدائع الأفكار في الأصول، النجف الأشرف، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، ١٣٧٠ هـ.
  12. العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، قم، دفتر النشر الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ.
  13. الفاضل الموحدي اللنكراني، محمد، أصول فقه الشيعة، قم، مركز فقهي أئمة أطهار (ع)، الطبعة الأولى، ١٣٨١ هـ.ش.
  14. الفياض، محمد إسحاق، المباحث الأصولية، د.م، دار الهادي، الطبعة الثانية، ١٤٣٠ هـ.
  15. المحمدي البامياني، غلام علي، دروس في الكفاية، بيروت، دار المصطفى لإحياء التراث، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.
  16. المشكيني الأردبيلي، علي، اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها، قم، الهادي، الطبعة السادسة، ١٣٧٤ هـ.ش.
  17. المعصومي الشاهرودي، علي أصغر، دراسات الأصول في أصول الفقه، قم، علي أصغر معصومي شاهرودي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.
  18. مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، الطبعة الثانية، ١٤٢٨ هـ.
  19. الموسوي الخميني، روح الله، تهذيب الأصول، قم، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٨٢ هـ.ش.
  20. نبويان، سيد محمد مهدي، أبحاث في الفلسفة الإسلامية، قم، انتشارات حكمت إسلامي، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ هـ.ش.
  21. النجفي الأصفهاني، محمد رضا، وقاية الأذهان، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.
  22. النهاوندي النجفي، علي بن فتح الله، تشريح الأصول، طهران، ميرزا محمد علي تاجر طهراني، الطبعة الأولى، ١٣٢٠ هـ.
  23. الهاشمي الشاهرودي، محمود، بحوث في علم الأصول، د.م، مؤسسة الفقه ومعارف أهل البيت (ع)، الطبعة الأولى، ١٤٣٣ هـ.
Scroll to Top