أنماط استنباطات السيد علي خان في مقام فهم نصوص الأدعية في رياض السالكين بالاستفادة من نماذج نقد النص

الملخص

يُعدّ شرح السيد علي خان – رياض السالكين – من الشروح الكاملة والجامعة للصحيفة السجادية، وهو مكتوب باللغة العربية. يتمتع مؤلف هذا الشرح بتبحر في مختلف العلوم، لذا فإن هذا الشرح يزخر بمباحث متنوعة أدبية، وبلاغية، وقرآنية، وروائية، وكلامية، وعرفانية. تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذا المقال حول دراسة أنماط استنباطات السيد علي خان في مقام فهم نصوص أدعية الصحيفة السجادية. وقد تم، بالاستفادة من نماذج نقد النص، دراسة أنماط استنباطات وفهوم صاحب رياض السالكين. تشير النتائج إلى أنه في مقام الاستنباط المبني على النص، قد استعان بعلوم اللغة لتحليل مضامين الأدعية بأفضل صورة ممكنة؛ كما تمكن باستخدام علوم البلاغة من إبراز الجماليات اللفظية للأدعية، وفي بعض الحالات وظفها توظيفًا دلاليًا؛ ومع ذلك، لم يدخل في المستوى الثقافي للاستنباط من النص. أما القسم الآخر من استنباطاته فيستند إلى ما وراء النص، حيث قام في هذه المرحلة صاحب الرياض، من خلال إقامة التناص بين نصوص الأدعية وآيات القرآن وروايات الأئمة المعصومين (ع)، خاصة نهج البلاغة، بشرح وتوسعة مضامين الأدعية. كما أن جزءًا كبيرًا من هذا الشرح هو نتاج ظاهرة التفسير في التفسير.

1. طرح الإشكالية

تُعدّ الصحيفة السجادية من أغنى كنوز المعارف ومن مفاخر التراث الدعائي، حتى أن كبار علماء الشيعة أطلقوا عليها أسماء مثل «أخت القرآن»، و«إنجيل أهل البيت»، و«زبور آل محمد (ع)» (ابن شهر آشوب، 1380هـ، 135). هذا التراث للإمام السجاد (ع) بمثابة دائرة معارف لأصول المعتقدات، والمعارف التوحيدية والعرفانية، والأخلاقيات، والمسائل الاجتماعية والسياسية. على مر القرون الإسلامية، سعى العلماء والفقهاء الشيعة جاهدين لشرح هذه الأدعية واستخراج المعارف من خلالها ووضعها في متناول طالبي معارف أهل البيت (ع). ذكر صاحب الذريعة ما يقرب من خمسين شرحًا – بخلاف الترجمات – للصحيفة السجادية (انظر: الطهراني، 1408هـ، 13: 345 وما بعدها)، ومنها «رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين» للسيد علي خان المدني (1052-1120هـ).

وقد طُبع رياض السالكين بتحقيق قيم من الأستاذ محسن حسني أميني بعنوان «رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين» في سبعة مجلدات. قسم شارح الصحيفة كتابه إلى 54 روضة، وتناول في كل روضة شرح دعاء واحد من أدعية الصحيفة السجادية، وأطلق على مجموعها اسم «رياض السالكين…». وقد وضع لكل روضة اسمًا يتناسب مع رقم الدعاء، مكتفيًا بالروضة الأولى، الثانية، الثالثة، وهكذا. في بداية كل روضة، يقدم صاحب رياض السالكين مقدمة موجزة في بضعة أسطر تتناسب مع جو الدعاء المعني، ثم يشرع في شرح الدعاء.

كتب السيد في مقدمته على الرياض عن دافعه لتأليف رياض السالكين: «إلى وقتنا الحاضر، لم أجد أحدًا، سوى بعض الأعمال المختصرة والمتفرقة، قد قام بشرح جامع وكامل للصحيفة» (المدني، 1409هـ، 1: 44). قرر السيد علي خان، لسد هذا الفراغ وأداء ما اعتبره واجبًا مفترضًا – وهو شرح الصحيفة السجادية – في عام 1094هـ، أن يؤلف شرحًا جامعًا وكاملًا، شرحًا يحل عقد الصحيفة، ويفصّل مجملها، ويُظهر كنوزها، ويكشف عن رموزها. وقد كتب في هذا الصدد: «هَذا شَرحٌ مُفيدٌ وصَرحٌ مَشِيدٌ عَلَّقتُه عَلَى الصَّحِيفَةِ الكَامِلَةِ… المنسوبةِ إلى سيدِ العَابِدِينَ… يَفْتَحُ مُقفَلَهَا، ويُفَصِّلُ مُجمَلَهَا، ويُظهِرُ كُنُوزَهَا، ويَحُلُّ رُمُوزَهَا». وقد أتم هذا الشرح في عام 1106هـ (المدني، 1409هـ، 7: 452) بعد اثني عشر عامًا في دار السرور برهان بور.

إن الخصائص الفريدة لرياض السالكين جعلته يُعد دائمًا من أفضل شروح الصحيفة، ومحط ثناء واهتمام علماء عصره ومن بعدهم. من بينهم ميرزا عبد الله أفندي الذي وصفه قائلاً: «وهو شرح كبيرٌ جِدًّا مِن أحسن الشروح وأطولها وقد أورد فيه فوائد غزيرة من كتب كثيرة غَريبَةٍ غَزِيرَةٍ» (أفندي، 1401هـ، 3: 366). كما قال السيد محسن الأمين: «ولَم يُؤلَّف فِي شُرُوحِهَا مِثلُه» (الأمين، 1406هـ، 8: 152). وقد أورد العلامة الأميني في الغدير في وصف هذا الكتاب: «العلم يفيض من كل جانب منه، والفضل يتجلى بين دفتيه. كلما ألقيت نظرة على هذا الكتاب، رأيت كنوز العلم والأدب تتفتح من كل صوب، وتشتمل على مطالب ونكات علمية مغلقة لم يصل إليها أي عالم كبير سوى مؤلفه الجليل» (الأميني، 1416هـ، 11: 457).

من خلال استقراء آثار السيد علي خان الأخرى وإلقاء نظرة سريعة، وإن كانت موجزة، على هذا الشرح، يتضح أن له إلمامًا وتبحرًا في مختلف العلوم والفنون، ولهذا السبب يزخر هذا الشرح بمباحث متنوعة أدبية، وبلاغية، وقرآنية، وروائية، وكلامية، وعرفانية، مما حول هذا الكتاب إلى دائرة معارف إسلامية.

ومع ذلك، لم يُنجز حتى الآن سوى عدد قليل من الأعمال المختصرة، اقتصرت على التعريف بالمؤلف ورياض السالكين، ولم يتم إجراء أي بحث يتناول هذا الأثر من الناحية المنهجية والمحتوائية. والأبحاث التي أُجريت حول هذا الشرح ومؤلفه هي:

1. بحث حول مؤلف رياض السالكين: يقتصر هذا المقال المكون من بضع صفحات على تعريف موجز بالمؤلف وآثاره (انظر: رضوي، 1391ش، 92-96).

2. گلشن أبرار: يتناول هذا الكتاب سيرة السيد علي خان بشكل جيد ومفصل في إطار مقال.

3. سه رياض در شرح صحيفه سجاديه: يعرّف هذا المقال بثلاثة شروح للصحيفة السجادية، أحدها رياض السالكين. يحاول المؤلف في هذا المقال تقديم تقرير موجز عن محتوى رياض السالكين (انظر: قرباني زرين، 1384ش، 116-129).

4. فهارس رياض السالكين: قدم صاحب كتاب «فهارس رياض السالكين» في محاولة جديرة بالتقدير، فهرسًا لمحتويات هذا الشرح.

2. الإطار النظري للبحث

إن شرح «رياض السالكين» هو نتاج آلاف المرات من النشاط العلمي للسيد علي خان. عندما نتعامل مع التفسير والشرح كنشاط علمي، تبرز أهمية الجانب الذهني منه. هذا النشاط الذهني يشبه نوعًا من التفكير الذي ينتقل فيه الذهن من سلسلة من المجهولات إلى المعلومات، ومن المعلومات إلى الأمر المجهول بهدف تحويل ذلك الأمر المجهول إلى أمر معلوم. في كل مرة يتم فيها نشاط ذهني كتفسير، يتم اتباع هذه العملية، وتتكرر هذه العملية عبر التاريخ مرات لا تحصى، وستستمر في التكرار، ولها مسار محدد. يبدأ الأمر بمواجهة مسألة، ثم جمع الأدوات والمعلومات لحلها، وفي النهاية، يُبذل الجهد لحل المسألة عبر تحليل المعلومات باستخدام تلك الأدوات.

هذه العملية تشبه إلى حد كبير عملية الترجمة؛ حيث يواجه المترجم أولاً النص المصدر ويحاول فهمه واستقبال رسائله، ثم في الخطوة التالية، يسعى إلى نقل الرسائل المفهومة إلى جمهوره بلغة أخرى، وأحيانًا بنفس اللغة. لذلك، في دراسات الترجمة، عندما يُطرح الحديث عن عملية الترجمة ونموذج الاتصال، يُشار دائمًا إلى نص أصلي بلغته الأصلية ونص تالٍ باللغة المترجمة، ويُبحث في علاقة المترجم بالنص الأصلي، أي الاستقبال، وعلاقته بالنص التالي، أي الإنتاج (پاكتچي، 1392ش، 48).1

بناءً على هذا، وبالنظر إلى تشابه شرح مضامين الأدعية مع العملية العامة للترجمة، يمكن القول، من خلال تطبيق النماذج المطروحة في نقد النص، وخاصة نقد الترجمة، على العملية المذكورة، أننا في عملية الشرح والتفسير نواجه ظاهرة مركبة ذات نموذج ثلاثي الأبعاد. في أحد طرفيها، يوجد المتكلم الأصلي الذي يُلقي الأدعية أو، بتسامح، نصوص الأدعية. وفي الوسط، المفسر/الشارح. وفي النهاية، المخاطب أو المخاطبون. في العلاقة التي تنشأ بين المتكلم الأصلي والمفسر/الشارح، تحدث عملية تُعرف بعملية الإدراك والفهم؛ أي العمل الذي يقوم به المفسر/الشارح في هذا الجزء كمخاطب للأدعية ومخاطب للمتكلم، وهو فهم واستقبال الرسائل المرسلة من قبل مُلقي نصوص الأدعية. وعندما يشعر بأنه توصل إلى فهم يمكنه طرحه ولديه ما يقوله ورسالة يحملها، يتواصل مع الناس ويصبح هو نفسه متكلمًا يخاطب جمهوره من المستمعين أو قراء التفسير. في هذه المرحلة التي يُطرح فيها المفسر كمتكلم ويخاطب جمهوره، نصل إلى مرحلة الإنتاج والعرض.2

فيما يتعلق برياض السالكين، عندما يواجه الشارح نصوص الأدعية، فإن نشاطه الرئيسي يتمثل في الإجابة عن سؤال: ماذا تريد نصوص الأدعية أن تقول؟ ولهذا السبب، فإن الجزء الرئيسي من عمله هو إنتاج نص حول النص الأصلي بوظيفة مرجعية3 وقيمة معلوماتية موسعة. بناءً على ذلك، فإن السؤال الأهم حول النص الثاني – وهو شرح رياض السالكين نفسه – هو: خلال الزيادة التي تحدث في كمية المعلومات، ما هو مصدر هذه المعلومات المضافة؟ بعبارة أخرى، على أي مصادر يعتمد الشارح في استنباطه من نصوص الأدعية؟ هل مصدر ذلك عملية تحليلية على النص الأصلي، أم أن هذا التوسع ناتج عن ربط مضامين الأدعية بمعلومات خارجية؟ إذا كانت هذه المعلومات المضافة ناتجة عن عملية تحليلية على النص، فهل يمكن تحديد مستويات لهذا التحليل وتصنيفها؟ وإذا كانت المعلومات المضافة ناتجة عن ربط محتوى الأدعية بمعلومات أخرى، يُطرح سؤال: هل يمكن تقديم تصنيف لتلك المعلومات الأخرى؟ في هذا المقال، تم السعي للإجابة على هذه الأسئلة بالاستفادة من نماذج نقد النص.4

3. أنماط استنباطات صاحب رياض السالكين

بشكل عام، توجد آليتان للفهم والاستنباط من النص: الأولى هي أنه عند مواجهة النص، يتم تحليل وتفكيك المعلومات الموجودة فيه بشكل مغلق، فتصبح أكثر انفتاحًا واتساعًا؛ على سبيل المثال، يتم تحليل معنى ما إلى مكوناته. والقسم الثاني هو أن المعلومات الموجودة نفسها لا تخضع للتحليل والتفكيك المباشر، بل يُقال عن النص ما ليس موجودًا فيه أصلاً، بالاستفادة من نصوص ومعلومات خارجية (انظر: پاكتچي، 1391ش، 51-54). يمكن تسمية القسم الأول بالفهم التحليلي والقسم الثاني بالفهم التوسعي. بناءً على ذلك، واعتمادًا على ما يعتمد عليه الشارح في فهمه لنصوص الأدعية، يمكن تقسيم استنباطاته إلى فئتين: أ. الاستنباط المبني على النص (الفهم التحليلي)، و ب. الاستنباط المبني على ما وراء النص (الفهم التوسعي). وفيما يلي، نوضح هاتين الفئتين.

1-3. الاستنباط المبني على النص (الفهم التحليلي)

في الاستنباط المبني على النص، يكون اعتماد المفسر الرئيسي على النص الذي يريد شرحه وتفسيره. وهو يسعى، باستخدام مدخراته السابقة – من أدوات وعلوم ومعارف – إلى توضيح النقاط الغامضة والزوايا الخفية في النص، واستنطاقه، وشرحه، من خلال التأمل والتدقيق في مضامينه وعباراته وكلماته.

تتضمن هذه المرحلة مستويات تعتمد على الأدوات والمعارف المستخدمة، وهي: أ. المستوى اللغوي، ب. المستوى الأدبي، ج. المستوى الثقافي. وقد طرح الدكتور برونو أوزيمو،5 المتخصص في دراسات الترجمة، هذه المستويات الثلاثة في كتابه الدراسي لدراسات الترجمة (انظر: /http://courses.logos.it). في المستوى الأول، تُستخدم علوم اللسانيات؛ وفي المستوى الثاني، الفنون الأدبية؛ وفي المستوى الثالث، العلوم المرتبطة بالثقافة بشكل ما، مثل الأنثروبولوجيا الثقافية.6 هذه المستويات الثلاثة متداخلة، تبدأ من المستوى الأكثر سطحية وبساطة وتنتهي عند المستوى الأعمق والأكثر جوهرية. بالطبع، قد يبدو الحديث عن المستويات، للوهلة الأولى، غير مناسب إلى حد ما؛ لأن كل ما يُلاحظ في متن الشرح هو سلسلة من العبارات الخطية، ويقدم المؤلف الجمل متتالية. من هذا المنظور، لا توجد مستويات في متن الشرح، ولكن يجب ملاحظة أن الحديث عن المستويات هو بحث نظري بحت، نستفيد منه لإظهار الأعمال المختلفة التي يقوم بها المفسر لتفعيل شرح وتفسير مضامين الأدعية واستنباطها، وفي مقام العمل داخل متن الشرح، لم يحدث فصل واضح بين هذه المستويات من قبل الشارح.

1-1-3. الاستنباط المبني على النص في المستوى اللغوي

كل نص يتكون من عناصر لسانية تجعله ذا معنى، ومن هنا، فإن مستوى الفهم اللغوي هو الفهم الذي يعتمد على المعارف اللغوية، من مفردات وقواعد لغوية، لتحليل وتفكيك هذه العناصر اللسانية.7 في هذا المستوى من الفهم، يكفي أن يكون المفسر على دراية بعلم المفردات والاشتقاق، وكذلك علمي الصرف والنحو. وبما أن السيد علي خان له كتاب متقن في مجال اللغة بعنوان «الطراز الأول» وكتب متعددة في الصرف والنحو، وهذا يدل على تخصصه في هذا المجال (انظر: شهرستاني، 1384ش، 1: 53 و 113 وما بعدها)، فقد تمكن السيد علي خان، بفضل مهارته في المعارف اللغوية، من التعامل مع هذا المستوى بشكل مناسب، وشرحه مشحون تمامًا بالمباحث اللغوية والصرفية والنحوية، بحيث يمكن القول إنه لم يترك حرفًا أو كلمة من فقرات الأدعية إلا وقدم توضيحات لسانية عنها. فهو في شرح كل جملة من الدعاء، يبدأ أولاً بمعنى كل مفردة على حدة، ويذكر معانيها من كتب لغوية متعددة. على سبيل المثال، يبحث في لفظ الجلالة «الله» في حوالي 3 صفحات، متناولاً أولاً لغته: هل هي عربية أم سريانية؟ وثانيًا: هل هو اسم أم وصف؟ وثالثًا: هل هو مشتق أم جامد؟ وإذا كان مشتقًا، فمن أي شيء اشتق؟ ورابعًا: هل هو عَلَم أم غير عَلَم؟ (المدني، 1409هـ، 1: 232-234). أو مثلاً في شرح عبارة «لَمْ يُثْنِهِمْ رَيْبٌ فِي بَصِيرَتِهِمْ وَلَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكٌّ فِي قَفْوِ آثَارِهِمْ، وَالِائْتِمَامِ بِهِدَايَةِ مَنَارِهِمْ.» (الصحيفة السجادية، جزء من الدعاء الرابع)، يقتصر فقط على معنى مفردات العبارة ولا يتعرض لمباحث أخرى للتوسع والتفسير (المدني، 1409هـ، 2: 113).

من بين المصادر اللغوية التي نقل عنها بكثرة، بناءً على ما أورده صاحب فهارس رياض السالكين، يمكن ذكر القاموس للفيروزآبادي، والنهاية لابن الأثير (انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 551-552)، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (المدني، 1409هـ، 1: 271، 302، 479، 485، 495، 501؛ لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 549)، والمصباح المنير للفيومي (المدني، 1409هـ، 1: 351 و 465؛ 2: 104، 149، 162، 193 و…؛ لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 349 و 550)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، ومفردات الراغب الأصفهاني (المدني، 1409هـ، 1: 125؛ 2: 431؛ 4: 74 و 163؛ لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 330-331)، والفائق والمفصل للزمخشري (المدني، 1409هـ، 1: 125؛ 2: 431؛ 4: 74 و 163؛ لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 333-334)، وصحاح اللغة للجوهري (المدني، 1409هـ، 1: 130 و 394؛ 2: 460 و 499؛ 3: 9، 52، 91، 156 و 189؛ لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 542)، وتهذيب الأسماء واللغة للنووي (المدني، 1409هـ، 1: 394، 418؛ 2: 91، 3: 60، 95 و 499)، وكتاب العين للخليل (انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 329)، والبارع في اللغة للقالي (المدني، 1409هـ، 1: 292، 349، 391؛ 3: 80 و 201؛ 4: 58).

أحد المؤشرات الهامة في دراسة المستوى اللغوي في مجال المفردات هو بحث الترادف. يُعبر عن الترادف في التراث الإسلامي بنفس المصطلح. إن الاعتقاد بوجود أو عدم وجود الترادف في اللغة له تأثير كبير. فإذا كان الشارح يعتقد بوجود ترادف في مفردات نصوص الأدعية، فإنه عند التفسير سيعتبر بعض الكلمات مرادفة لكلمات أخرى، ولن يرى ضرورة للتحليل والتدقيق في دلالاتها؛ أما الاعتقاد بعدم الترادف، فيدفعه إلى السعي لتبيين حكمة استخدام تلك الألفاظ والفرق بينها وبين الألفاظ المشابهة والمتقاربة في المعنى.

شارح الرياض لا يعتقد بالترادف ولكنه يقبل بتقارب المعاني بين الكلمات، ولهذا السبب فإن الاهتمام والتركيز على بحث الفروق اللغوية والفروق الدقيقة والدقيقة بين الكلمات المتشابهة والمتقاربة في المعنى بارز جدًا في هذا الشرح. على سبيل المثال، يمكن ذكر الفرق بين المعرفة والعلم (المدني، 1409هـ، 1: 304)، وبين الخلد والبقاء (المدني، 1409هـ، 4: 192-193)، وبين الإتمام والإكمال (المدني، 1409هـ، 3: 432، 5: 375، 6: 238 و 239)، وبين الإسراف والتبذير (المدني، 1409هـ، 4: 350)، وبين الند والمثل (المدني، 1409هـ، 5: 319، 6: 314)، وبين الود والحب (المدني، 1409هـ، 2: 109)، وبين الفرد والوتر (المدني، 1409هـ، 6: 284) وغيرها (لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 581-600). اهتمام السيد علي المدني في هذا المجال يميل إلى النقل أكثر منه إلى الحكم على ما ينقله. من أمثلة أحكامه الفرق بين «إخوة» و«إخوان». فبعد أن ينقل القول بأن «إخوة» تستعمل في النسب و«إخوان» في الصداقة، يقول إن هذا خطأ، لأن في آية «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ…» (الحجرات: 10)، لا تختص «إِخْوَةٌ» بالنسب ويمكن أن تشمل الصداقة أيضًا، كما أن «إخوان» في آية «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ… أَوْ إِخْوَانِهِنَّ…» (النور: 31) استُعملت في النسب (المدني، 1409هـ، 1: 137).

من المباحث الهامة الأخرى في المستوى اللغوي والمؤثرة في دلالات الألفاظ، بحث الاشتقاق أو علم أصول الكلمات.8 يولي الشارح اهتمامًا وحساسية خاصة لهذا البحث، وبخلاف الكلمات المشهورة جدًا، فإنه ينقل أصول معظم الكلمات إما عن كبار اللغويين أو يبحث فيها بنفسه. على سبيل المثال، في شرح كلمة «تحفة»، يقول إن أصلها «وحف» حيث أُبدلت الواو تاءً (المدني، 1409هـ، 7: 128؛ وأمثلة أخرى: 2: 117، 3: 394 و 522، 4: 287 و 286 و 23، 6: 10). وفي هذا العمل، يلتفت أيضًا إلى الدقائق المعنوية. على سبيل المثال، في شرح كلمة «ضعف» في عبارة «فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحًا بِعَوْنِكَ، وَمُتَقَوِّيًا عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ» من الدعاء الثاني، يكتب: إذا قُرئت كلمة «ضعف» بفتح الضاد، فإنها تعني الضعف في العمل والرأي، وإذا قُرئت بضم الضاد (ضُعف)، فإنها تعني الضعف في الجسم (المدني، 1409هـ، 1: 484؛ وأمثلة أخرى: 4: 29، 6: 352).

إن الاهتمام بالكلمات الغريبة هو من مؤشرات المستوى اللغوي في مجال المفردات. الكلمات قليلة الاستخدام، والكلمات غير اليومية (پاكتچي، 1392ش، 83-89)، والكلمات القديمة، والكلمات متعددة المعاني يمكن أن تكون من ضمن الكلمات الغريبة (طيب حسيني، 1393ش، 23-25). يميل صاحب رياض السالكين في هذا المجال إلى النقل من المصادر المتقدمة (انظر: المدني، 1409هـ، 2: 222، 3: 290 و 484، 5: 279، 6: 195، 7: 148 و 342).

السيد علي الشيرازي، بالإضافة إلى علم اللغة، استفاد بشكل كامل من علمي الصرف والنحو لاستخراج كنوز أدعية الصحيفة السجادية، بحيث يمكن وصف توجه شرحه من هذا المنظور بأنه توجه أدبي. فهو يكمل مباحثه اللغوية ويجتهد في المواضع التي يوجد فيها اختلاف في الآراء بالاستعانة بعلمي الصرف والنحو. على سبيل المثال، في كلمة «جمعة»، بعد نقل لهجات القبائل المختلفة لهذه الكلمة، يميز معنويًا بين قراءتها بضم الميم أو فتحها أو سكونها باستخدام علم الصرف، ويشرح العبارة فعليًا بمعنيين (المدني، 1409هـ، 6: 204). وفي كثير من الحالات، يطرح آراء الأدباء المختلفة ويحكم بينها (لمثال: انظر المدني، 1409هـ، 2: 119-120؛ 4: 440-442)، أو يخالف بعض المباحث النحوية استنادًا إلى نص الصحيفة السجادية وآيات القرآن (لمثال: انظر المدني، 1409هـ، 1: 391، 426-427).

2-1-3. الاستنباط المبني على النص في المستوى الأدبي

أبعد وأعمق من المستوى اللغوي يقع المستوى الأدبي. من منظور علم اللغة، يمكن أن يكون للنص الواحد وظائف لغوية متعددة.9 فوظيفة الإعلام ونقل المعلومات إلى المخاطب هي مجرد واحدة من وظائف اللغة،10 وهناك وظائف أخرى متصورة للغة أيضًا. من بين الوظائف الأخرى للغة، هناك الوظيفة الشعرية أو القيمة الجمالية والفنية للغة11 (/http://courses.logos.it/FA/1_12.html) التي يُطلق عليها في العلوم الإسلامية المستوى الأدبي – بالمعنى الأخص – أي أن النص قادر على نقل المعلومات وفي نفس الوقت يكون له تأثير فني وجمالي.12 ولكن عادةً ما تكون إحدى الوظائف هي الوجه الغالب للكلام. المستوى اللغوي هو المسؤول عن تبيين الوظيفة الإعلامية للغة، والمستوى الأدبي غالبًا ما يكون مسؤولاً عن تبيين الوظيفة الشعرية.

النقطة المهمة فيما يتعلق بالمستوى الأدبي هي أنه لا ينبغي تصور أن المتكلم أو الكاتب، بعد أن يكمل أساس كلامه، يضيف في خطوة لاحقة زخارف ليزيد من جمال كلامه، بل إن جمال النص ومعناه متداخلان لدرجة أن فهم المعنى دون ملاحظة الجماليات لا يمكن أن يؤدي إلى فهم كامل لمعنى النص. في أدعية الصحيفة السجادية أيضًا، استُخدمت سلسلة من القواعد والعناصر الأدبية التي، بالإضافة إلى جمال النص، تؤثر في معناه، وإذا لم تُفهم هذه العناصر والقواعد بشكل صحيح، فهذا يعني أن جزءًا من المعنى لم يُفهم. بناءً على هذا، فإن شرح مضامين الأدعية يعتمد أيضًا على جمالياتها، وإذا اكتفى شارح بمباحث لغوية لعبارات وآيات القرآن الكريم ولم يلتفت إلى العناصر الأدبية، فإنه في مقام الاستنباط لم يحصل على استنباط كامل من عبارات الدعاء.

في المستوى الأدبي، يُبحث في الشكل والصورة الأدبية: فالشكل يُطرح في الجانب المادي واللفظي للكلام، وفي الجانب المعنوي أيضًا، أي حيث يقوم الأديب بتركيب الألفاظ وخلق الجمال، وأحيانًا يحدث هذا بترتيب وتنظيم المعاني.

في الدراسة الأدبية لنص ما، من المهم أن نرى في أي مستوى من النص استُخدمت هذه الأشكال اللفظية والمعنوية. أحيانًا تُطرح هذه الأشكال على المستوى الجزئي، أي على مستوى عبارة أو عدة عبارات وجمل، وأحيانًا على المستوى الكلي. ذلك الجزء من البحث في المستوى الأدبي الذي يتعلق بالترتيبات الجزئية، أي الترتيبات التي تحدث في مسافات قصيرة وأغلبها على مستوى الجملة وليس على مستوى النص، قد تم تناول هذا النوع من المواضيع في كتب المعاني والبيان بشكل مفصل. الأشكال اللفظية على مستوى الجملة، غالبًا ما تُبحث في مباحث البديع؛ والأشكال المعنوية على المستوى الجزئي، غالبًا ما تُبحث في مباحث علمي المعاني والبيان. أما الأجزاء المتعلقة بالنظام الكلي الحاكم على النص، فمن حيث اللفظ، فإن قسمها الأكبر هو العروض والقافية، وقد تم تناولها بجدية في مباحث العروض والقافية بشكل تقليدي. أما الأشكال المعنوية على المستوى الكلي – الأسلوبية13 وعلم السرد14 – فقد تم تناولها بشكل ضئيل جدًا، لدرجة أنه يمكن القول إنها كانت مهملة حتى العصر الحديث. وفي العصر الحديث، نشهد ظهور توجهات نحو الاهتمام بهذا المستوى في الدراسات النصية (لمزيد من المعلومات، انظر: محمد فام، 1396ش، 121).

من خلال استعراض شرح رياض السالكين، يتضح أن السيد علي خان قد غطى بعض مباحث هذا المستوى بشكل جيد وسعى لإبراز الجماليات الفنية والبلاغية للأدعية. إن صاحب الرياض، وهو نفسه أديب من الطراز الأول، قد تناول المباحث المعنوية الجزئية المطروحة في علم البيان وسعى لإظهار تجلياتها في فقرات أدعية الإمام السجاد (ع). وقد أشار إلى أمثلة مثل: 1. التشبيه (المدني، 1409هـ، 1: 167؛ 2: 146؛ 3: 122؛ 4: 77؛ 5: 260، 666؛ للاطلاع على أمثلة أخرى انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 4) وأنواعه مثل التشبيه البليغ (المدني، 1409هـ، 1: 35، 2: 159، 5: 69، 350، 6: 387)؛ 2. الاستعارة وأنواعها المتعددة مثل الاستعارة التبعية (نفسه، 1: 244، 2: 198، 244، 437 و…)، والاستعارة البليغة (نفسه، 7: 352)، والاستعارة المرشحة (نفسه، 1: 167؛ 2: 50)، والاستعارة المكنية (نفسه، 1: 328، 2: 195 و 317، 3: 122؛ 5: 366 و…)؛ 3. المجاز (نفسه، 1: 183، 3: 450، 4: 265 و…) وأنواعه مثل المجاز العقلي (نفسه، 2: 230، 397، 3: 122، 245، 246، 249، 4: 10، 126، 290، 331 و…)، والمجاز الحكمي (المدني، 1409هـ، 7: 77)، والمجاز اللغوي (نفسه، 4: 9؛ 6: 129)، والمجاز المرسل (نفسه، 4: 215، 250 و 467، 5: 180، 202، 206، 303، 304 و…)؛ 4. الكناية (نفسه، 1: 57، 114، 474، 2: 38، 231 و…)؛ 5. الاحتراس (نفسه، 2: 101، 3: 241، 7: 67).

كما أولى السيد علي الشيرازي اهتمامًا بمباحث الصناعات المعنوية الجزئية المطروحة في علم المعاني. ومن بينها يمكن ذكر الإيجاز والإطناب (نفسه، 1: 121، 2: 225، 6: 272 و 354، 7: 10، 66)، والقصر وأنواعه مثل قصر المسند على المسند إليه (نفسه، 1: 390).

تتجلى جماليات الكلام في علم البديع، وبالطبع تشمل هذه الجوانب المعنى بالإضافة إلى اللفظ. وقد أشار السيد علي المدني إلى محاسن الكلام المطروحة في علم البديع في مواضع متعددة. ومن بينها يمكن ذكر: 1. أنواع الجناس مثل جناس التصحيف (المدني، 1409هـ، 5: 153 و 244) وجناس التصريف (نفسه، 4: 459)؛ 2. اللف والنشر (المعكوس الترتيب) (نفسه، 5: 295)؛ 3. التورية (نفسه، 1: 103؛ 4: 165)؛ 4. الطباق (نفسه، 5: 153)؛ 5. أسلوب الحكيم (نفسه، 4: 165)؛ 6. التقديم والتأخير، أسباب التقديم (نفسه: 407 و 421)، فوائد التقديم (نفسه، 1: 396؛ 4: 127؛ 6: 409؛ 7: 319 و 345 و 390)؛ 7. الاستخدام (نفسه، 1: 261، 4: 105 و 379؛ 5: 533)؛ التخييل (نفسه، 3: 122؛ 5: 318، 366، 418، 455 و…)؛ 9. الترشيح (نفسه، 1: 167، 2: 102، 103 و 317 و…)؛ 10. الإدماج (نفسه، 3: 193)؛ 11. الاحتباك (نفسه، 4: 57)؛ 12. الإرداف (نفسه، 5: 152)؛ 13. الالتفات (نفسه، 1: 331؛ 2: 207؛ 3: 381 و…).

النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا الصدد هي أن مباحث علم البديع ليست مجرد مباحث جمالية بحتة تؤدي إلى الاعتقاد بأن المستوى الأدبي لا يسعى للتفسير بل يبحث فقط عن الجماليات. بل إن المستوى الأدبي يتجاوز مباحث الجماليات، وتُعد مباحث الجماليات جزءًا صغيرًا من المستوى الأدبي. في المستوى الأدبي، يتجاوز المفسر التركيب الأولي للعناصر اللغوية والعلامات، ويدخل أكثر في مجال الإبداع الأدبي. كلما تمكنا من خلق قيمة مضافة تتجاوز القيمة اللغوية والنحوية لمجموعة من الكلمات والقواعد اللغوية، فإننا نواجه إبداعًا أدبيًا، أي أن تلك القيمة المضافة هي القيمة الأدبية.

يمكن أن تكون القيمة الأدبية في مجال المحتوى وفي مجال اللفظ على حد سواء؛ على سبيل المثال، يشير في شرح عبارة «… وَاجْعَلْنَا مِنْ أَرْضَى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَزْكَى مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ…» من الدعاء الثالث والأربعين – دعاء رؤية الهلال – إلى حدوث الالتفات واستخدامه استخدامًا معنويًا، ويقول: بشأن الهلال، يدل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة على أنه عندما يكون الله تعالى هو المخاطب، فإن كل شيء آخر في حضرة الله تعالى (المحبوب) يُنحى جانبًا ويغيب، ولا يكون غيره محل اهتمام وعناية أبدًا (نفسه، 5: 533).

لم يسفر البحث عن الصناعات الأدبية المطروحة على المستوى الكلي في هذا الشرح عن أي نتيجة، لذا يمكن القول إن نظرة صاحب الرياض في هذا الشرح لم تتجاوز الجملة، ولم يلتفت إلى الصناعات الأدبية اللفظية والمعنوية المطروحة بين عدة جمل وفي كامل هيكل الأدعية وبنيتها. بعبارة أخرى، كانت نظرته جزئية ودقيقة.

الصحيفة السجادية في أصلها كلام شفوي وليس مكتوبًا. لذا، مثل كل النصوص الشفوية، كان حضرة زين العابدين (ع) في مقام إلقاء الأدعية يلتفت إلى سياق وقرائن محيطه وذهن مخاطبيه ويعتمد عليها. ولهذا السبب، فإن فهم مضامين الأدعية، وشرحها الأصيل والجامع، دون الالتفات إلى ذلك السياق والقرائن، سيكون ناقصًا وأحيانًا غير صحيح. السطور السوداء ونص الأدعية ملتزمة بنقل عبارات الإمام (ع) إلى مخاطبيه، ولكنها ليست ملتزمة بنقل السياق أيضًا. ولهذا السبب، يجب على الشارح، لكي يتمكن من فهم نص ما، أن يتجاوز مستوى اللغة والأدب ويدخل في بحث السياق الثقافي ويقدم صورة عن السياق الثقافي الذي قيل فيه النص. في هذه المرحلة، يدخل الشرح إلى مستوى أعمق، وهو ما يسمى بالاستنباط المبني على النص بالاعتماد على الفهم الثقافي.

بالطبع، الفهم والاستنباط الثقافي هو في الواقع متمم ومكمل للفهم اللغوي والأدبي، أي في تفسير بعض فقرات الأدعية التي لا يكفي فيها الفهم اللغوي والأدبي، من الضروري أن يدخل الشارح إلى المستوى الثقافي أيضًا. ولكن للأسف، شرح رياض السالكين، بكل قيمته وأهميته، لم يتناول المستوى الثقافي، في حين أن العالم الإسلامي في زمن حياة الإمام (ع) كان يعاني من أزمات سياسية واجتماعية داخلية، وكان الأمويون يروجون لأفكار وخطابات متعددة منها الجبرية وعدم محبة أهل البيت (ع)، وكان المجتمع الشيعي يعاني من التفرق و… وكان الإمام السجاد (ع) في خضم مثل هذا الفضاء، وفي رد فعل على الخطابات السائدة في ذلك العصر، مثل خطاب معاداة النبي (ص)، والابتعاد عن السنة، والاكتفاء بالقرآن، يُلقي نصوص الأدعية (انظر: نصراوي، 1394ش، 80 وما بعدها). ولهذا السبب، فإن الفهم الجامع والكامل للأدعية يتطلب الدخول في مثل هذه المباحث.

2-3. الاستنباط المبني على ما وراء النص

في الفئة السابقة، كان الشارح يعتمد على النص الأصلي، أي نصوص الأدعية، ولكن في هذه الفئة، يخطو الشارح إلى ما وراء النص ولا يعود يعتمد على النص الأصلي. في هذه الخطوة، يتخلى الشارح عن الاعتماد على النص الأصلي ويعتمد على نصوص أخرى. بعبارة أفضل، ينتقل الشارح من نص إلى نص آخر، لا أنه يترك النص الأصلي مطلقًا. بالطبع، المقصود بالنص هنا بالمعنى الأخص، أي النصوص النقلية. والسؤال الآن هو: ما هي هذه النصوص النقلية الأخرى؟

في تفسير رياض السالكين، يمكن ملاحظة نصين نقليين آخرين اعتمد عليهما السيد علي خان وأكد عليهما كثيرًا، وهما: 1. آيات القرآن الكريم، 2. كلام النبي الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع).

1-2-3. الاستنباط من وراء النص بالاعتماد على آيات القرآن الكريم

سعى صاحب رياض السالكين مرارًا إلى جعل آيات القرآن الكريم أساسًا لفهمه وتفسيره لفقرات أدعية الصحيفة السجادية. وهو، من خلال إقامة صلة بين فقرات الأدعية وآيات القرآن الكريم، يسعى إلى نقل الفهم الذي توحيه آيات القرآن إلى ساحة تفسير مقاطع وجمل الأدعية. إن دور آيات القرآن الكريم في تشكيل شرح رياض السالكين بارز جدًا. بناءً على الفهرس الموجود في كتاب «فهارس رياض السالكين»، تم طرح أكثر من 1500 آية قرآنية – حوالي ربع القرآن – في هذا الشرح (انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 7-103). ولهذا السبب، يمكن من هذا الجانب اعتبار شرح رياض السالكين شرحًا قرآنيًا للصحيفة السجادية. ومن جهة أخرى، فإن توضيحاته الأدبية في ذيل الآيات قد أضفت على هذا الشرح صبغة تفسير أدبي لآيات القرآن.

في مقام القراءة وترجيح نسخة على أخرى، وكذلك في مقام ترجيح المعاني، فإن الاستشهاد بآيات القرآن الكريم هو أحد معايير السيد علي خان بالإضافة إلى المباحث الفنية الأدبية. على سبيل المثال، في ذيل عبارة «قَدْ أَوْقَفْتُ نَفْسِي مَوْقِفَ الْأَذِلَّاءِ الْمُذْنِبِينَ» من الدعاء الثالث والخمسين، بعد المباحث الفنية الأدبية حول ما إذا كان «أوقفتُ» أفصح من حيث العربية أم «وقفتُ»، فإنه في النهاية، بقرينة آية «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» (الصافات: 24)، يرجح نقل «وقفتُ» (المدني، 1409هـ، 7: 401؛ أمثلة أخرى: 1: 275 و 392؛ 2: 100 و 114 و 437؛ 3: 325؛ 6: 238، 7: 284).

بما أن القرآن الكريم وحي إلهي ونص متعالٍ ومحل اتفاق الجميع، يمكن من خلال منهج التناص وعرض أدعية الصحيفة السجادية على القرآن الكريم واستخراج التلميحات، إظهار القيمة المعنوية للصحيفة السجادية. التلميح في اصطلاح علم البديع هو الإشارة إلى آية أو حديث أو شعر أو قصة مشهورة في أثناء الكلام (همائي، 1364ش، 2: 328). وجه الفرق بين التلميح والاقتباس والتضمين هو أنه في هذه الصناعات – الاقتباس والتضمين – يُنقل الآية أو الحديث أو المثل أو الشعر أو جزء منها بشكل كامل، ولكن في التلميح، تكون الإشارة دون تصريح وبأقل الكلمات، بحيث يتضح مقصود المتكلم من خلال تداعي المعاني (أحمد نجاد، 1383ش، 8: 135). قيمة التلميح تعتمد على درجة التداعي التي يحدثها. كلما كانت الأساطير والقصص المشار إليها أكثر لطفًا، كان التلميح أبلغ.

تحتوي الصحيفة السجادية على تلميحات كثيرة من القرآن. في بحث أُجري في هذا المجال، تم الإبلاغ عن 218 تلميحًا قرآنيًا في 47 دعاءً من الصحيفة، ولم يُذكر أي تلميح في الأدعية 15، 18، 26، 28، 29، 36، و 39 (غلامعلي، 1389ش، 129). أشار صاحب رياض السالكين إلى 69 تلميحًا في 24 دعاءً (المدني، 1409هـ، 1: 348 و 378؛ 2: 111؛ 3: 514؛ 4: 98، 143، 217 و 390؛ 5: 84، 116، 406 و 410 و…). يمكن استخراج هذه الحالات بالبحث عن عبارة «وفيه تلميح إلى قوله تعالى» في المصادر الإلكترونية للكتاب. وبالطبع، يجب إضافة 28 حالة أخرى لم يذكر فيها السيد علي خان لفظ «تلميح»، بل استخدم عبارة «إشارة إلى قوله تعالى» (المدني، 1409هـ، 1: 358، 447 و 457؛ 2: 19، 194 و 415؛ 3: 120 و 159؛ 4: 61، 111 و 124 و…).

من خلال دراسة التلميحات التي صرح بها السيد علي خان، يمكن القول إن السيد قد استخدم بحث التلميح كأحد أدوات الشرح والتفسير. بهذا التوضيح، فهو من خلال ربط فقرة من الدعاء بآيات القرآن، يسعى لبيان تفسيره لتلك الفقرة من خلال آيات القرآن. يؤيد هذا الاستنتاج الفرق الواضح بين التلميحات القرآنية المستخرجة في الأبحاث الأخرى – 218 حالة – والتلميحات التي أشار إليها صاحب الرياض – 69 + 28 حالة. هذا الاختلاف يظهر أن السيد علي خان قد أشار فقط إلى الحالات التي رأى فيها آية القرآن متوافقة مع فهمه واستنباطه من فقرة الدعاء، وقال إن هذه العبارة من الإمام تلميح إلى تلك الآية من القرآن، وفي الحالات الأخرى لم يشر إليها. على سبيل المثال، بما أنه يرجع «التنافس» و«المشاحة» إلى معنى ومرجع واحد، يقول في عبارة «… وَالْمُشَاحَةَ فِيهَا عَلَى مَا أَرَدْتَ…» إنها تلميح إلى آية «…وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ» (المطففين: 26) (المدني، 1409هـ، 7: 58).

كما أنه، باستخدام التلميح إلى آيات القرآن، أقام صلة بين تفسير القرآن والأدعية، وسعى إلى نقل الأقوال المطروحة في ذيل تفسير الآيات ذات الصلة إلى ساحة تفسير أدعية الصحيفة السجادية. على سبيل المثال، أقام السيد علي خان صلة بين فقرة من الدعاء الثاني والعشرين للصحيفة «وَهَبْ لِي نُورًا أَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، وَأَهْتَدِي بِهِ فِي الظُّلُمَاتِ…» وآية «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا…» (الأنعام: 122)، واستفاد من الأقوال الواردة في تفاسير القرآن لبيان المراد من «النور» و«يمشي به في الناس» لشرح وتفسير «نورًا» و«أمشي به في الناس» الواردة في دعاء الصحيفة (المدني، 1409هـ، 3: 514).

2-2-3. الاستنباط من وراء النص بناءً على الروايات

من النصوص الأخرى التي سعى شارح الصحيفة، بالاعتماد عليها، إلى فهم أدعية الصحيفة السجادية، الروايات المنقولة عن النبي الأكرم (ص) وسائر الأئمة الأطهار (ع). فهو يستفيد من الرواية لتوضيح معنى الكلمات، ولتوضيح العبارات والجمل أيضًا. على سبيل المثال، في شرح كلمتي «قوت» و«رزق» في فقرة «جَعَلَ لِكُلِّ رُوحٍ مِنْهُمْ قُوتًا مَعْلُومًا مَقْسُومًا مِنْ رِزْقِهِ» من الدعاء الأول، يقول إن المقصود بـ«قوت» و«رزق» في الدعاء أعم من الغذاء الجسماني والروحاني، ويستدل على هذا المعنى بالاستعمال الشائع له في روايات النبي والأئمة ويورد شواهد من هذه الروايات (المدني، 1409هـ، 1: 280). وفي توضيح معنى «توبة نصوح»، يعتمد على رواية عن الإمام الصادق (ع) (نفسه، 6: 125؛ أمثلة أخرى: 2: 90 و 388، 6: 31). ولتوضيح عبارة من الدعاء الأول: «وَعَجَزَتْ عَنْ نَعْتِهِ أَوْهَامُ الْوَاصِفِينَ»، استعان بروايتين عن الرسول (ص)، وبناءً عليهما بيّن مراد العبارة المذكورة (نفسه، 1: 257). أورد كتاب فهارس رياض السالكين قائمة طويلة (حوالي 80 صفحة) من هذه الروايات. كما أنه، وفقًا لإحصاءات هذا الكتاب، نقل السيد علي خان معظم رواياته من كتب الكافي للكليني، وبصائر الدرجات للصفار، ومن لا يحضره الفقيه، والتوحيد، والخصال، وعلل الشرائع للشيخ الصدوق، ومكارم الأخلاق للطبرسي، وأربعين الشيخ البهائي (مظفر، 1419هـ، 1: 156-300). كما نقل شارح الصحيفة من مصادر الرواية لأهل السنة أيضًا. ومنها: صحيح البخاري (المدني، 1409هـ، 1: 383؛ 2: 411؛ 5: 128، 130؛ 6: 143؛ 7: 206)، وصحيح مسلم (المدني، 1409هـ، 1: 184، 503؛ 2: 411؛ 3: 499؛ 4: 275؛ 6: 53 و 143)، وشرح صحيح مسلم للنووي (نفسه، 3: 499؛ 4: 153؛ 5: 179 و 330؛ 6: 53 و 143)، وهمع الهوامع في شرح جمع الجوامع والدر المنثور للسيوطي (نفسه، 5: 95؛ 6: 240، 233؛ 7: 30، 321).

أحد الجهود الجديرة بالثناء للسيد علي خان في رياض السالكين هو أنه في مواضع متعددة سعى، من خلال المقارنة وإقامة صلة بين كلام أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة وأدعية الإمام السجاد (ع)، إلى شرح وتفسير بعض الفقرات. هذا العمل منه يدل أولاً على إلمامه وإشرافه على نهج البلاغة، وثانيًا، يكشف عن التقارب المعنوي بين هذين الكتابين العظيمين، وعمله هذا يوفر أرضية للمقارنة المعنوية بين هذين الكتابين القيمين، والتي ينبغي أن يطورها محققو علوم ومعارف أهل البيت (ع). نقل صاحب الرياض في شرحه أكثر من مائة مورد من نهج البلاغة، وقد استخرج محقق ومصحح الرياض حوالي 50 موردًا في 25 دعاءً وذكرها تحت عنوان «الفهرس المقارن بين نهج البلاغة والصحيفة السجادية». على سبيل المثال، في شرح فقرة «وَتُهَوِّنَ عَلَيْهِمْ كُلَّ كَرْبٍ يَحُلُّ بِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِ الْأَنْفُسِ مِنْ أَبْدَانِهَا»، في توضيح عبارة «كل كرب»، يقول إن المقصود هو سكرات ومصاعب الاحتضار التي لا يمكن وصفها (المدني، 1409هـ، 2: 129). كما قال أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: «(على كل حال) للموت مصاعب تغرق الإنسان فيها، مشكلات أهول من أن توصف بالألفاظ أو تدركها عقول أهل الدنيا»؛ «وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا» (السيد الرضي، 1414هـ، 31؛ لأمثلة أخرى انظر: المدني، 1409هـ، 1: 404؛ 3: 140، 7: 326). كما أنه في بعض المواضع تعرض للتعارض الظاهري بين كلام أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة وكلام الإمام زين العابدين (ع) في الصحيفة وسعى لرفعه. على سبيل المثال: يقول السيد علي خان قد يقول قائل كيف يمكن أن يكون الحمد عونًا للإنسان على أداء حقوق الله وواجباته كما قال الإمام السجاد (ع): «وَعَوْنًا عَلَى تَأْدِيَةِ حَقِّهِ وَوَظَائِفِهِ» (فيض الإسلام، 1376ش، 33)، في حين ورد في كلام أمير المؤمنين (ع) أن: «…وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ» (السيد الرضي، 1414هـ، 39)؛ أي أن المجتهدين والساعين لا يؤدون حقه وإن أتعبوا أنفسهم. ثم يقول في معرض الإجابة على هذا التعارض الظاهري: مراد نفي سعي الساعين عن أداء حق الله تعالى في كلام أمير المؤمنين (ع) هو نفي أداء حق نعمة الله تعالى وشكر تلك النعم، ومراد أداء حق الله تعالى في دعاء الإمام السجاد هو القيام بأداء التكاليف الإلهية (المدني، 1409هـ، 1: 404-405).

3-3. الاستنباط من خلال نقل التفسير في التفسير

بناءً على مبدأ التناص الأساسي، لا يوجد نص بدون نص سابق، والنصوص دائمًا تُبنى على نصوص سابقة (نامور مطلق، 1390ش، 27). بعبارة أخرى، عندما يُحرر نص، فإن كل محتواه ليس من تأليف وإنشاء المؤلف نفسه، بل توجد أنواع من العلاقات بين ذلك الكتاب والكتب السابقة التي كُتبت في ذلك المجال. خاصة في العالم الإسلامي، من الأعمال الشائعة بين العلماء في مختلف العلوم الإسلامية، وخاصة الشارحين والمفسرين للنصوص الدينية، هو أنهم لتفسير نص ما، يراجعون التفاسير والشروح الأخرى التي كُتبت في ذلك المجال سابقًا. يمكن أن تنعكس نتيجة هذه المراجعة وإقامة الصلة في التفسير الجديد بعدة أشكال وحالات، وهي: أ. نقل عين المادة من الكتب السابقة، ب. تضمين ومزج مواد الكتب السابقة في الشرح الجديد، ج. زيادة أو تقليل عمق مستوى مواد الكتب السابقة في الشرح الجديد (لمزيد من المعلومات انظر: محمد فام، 1396ش، 177).

في رياض السالكين، يمكن ملاحظة مرارًا أن السيد علي خان ينقل عين المادة من مصادر لغوية، وكتب شعر، ونصوص تاريخية، ومصادر كلامية، وتفاسير قرآنية، ومصادر فقهية، وكلامية، وأخلاقية، وكتب سابقة، ويوجه القارئ إلى استنتاج أن جزءًا كبيرًا من رياض السالكين يتكون من النقل عن المتقدمين. على سبيل المثال، في تحديد مصاديق ضمير «هم» في عبارة «وَاشْكُرْهُمْ عَلَى هَجْرِهِمْ فِيكَ دِيَارَ قَوْمِهِمْ» من الدعاء الرابع عن المؤمنين بالرسل، أورد عبارة طويلة من شرح ابن أبي الحديد (المدني، 1409هـ، 2: 109؛ أمثلة أخرى: 1: 328؛ 7: 145؛ 4: 190؛ 5: 457 و 483).

لقد كان شخصًا متتبعًا، ومن كثرة النقولات في هذا الكتاب يمكن إدراك أنه كان يمتلك مكتبة ضخمة. من آلاف محاسن عمله في هذا الشرح هو أن طريقة نقله تتبع معيارًا محددًا. في معظم الحالات، عند نقل مادة، يذكر أولاً مصدرها – سواء اسم الكتاب أو صاحب الكتاب – ثم يورد المادة، وفي النهاية بعبارة «انتهى كلامه» أو «انتهى» يحدد نهاية النقل. لذا، ببحث بسيط في المصادر الإلكترونية مثل برنامج جامع الأحاديث، يمكن الوصول إلى حوالي ألف مورد من المواد التي نقلها السيد علي خان بهذه الطريقة (نفسه، 1: 223، 228، 239، 253، 298، 499؛ 2: 107، 183، 189، 233، 358، 375، 409، 474؛ 3: 130، 288، 312، 453؛ 4: 47، 385؛ 5: 17، 96، 127، 139، 140، 442، 515؛ 6: 160، 122، 226، 416؛ 7: 48، 214؛ لمزيد من الأمثلة انظر: مظفر، 1419هـ، 1: 301-363).

يكتب ميرزا عبد الله أفندي عن شروح الصحيفة التي استخدمها صاحب الرياض: نقل السيد علي خان أقوال الشارحين ولكنه انحاز أكثر لأقوال الشيخ البهائي (أفندي، 1401هـ، 3: 366). وقد نقل أكثر من 50 موردًا من الشيخ البهائي (المدني، 1409هـ، 1: 45؛ 2: 257؛ 5: 510، 520، 527، 532، 533). كما كتب صاحب فهارس رياض السالكين في هذا المجال أن السيد علي الشيرازي بين القواميس كان يتعرض أكثر لأقوال القاموس المحيط للفيروزآبادي، ولتوضيح المعاني كان اعتماده على مفردات الراغب الأصفهاني، وبين تفاسير القرآن كان يعتمد على تفسير غرائب القرآن للنيسابوري وتفسير البيضاوي، ونقل منهما مواد في مواضع متعددة. كما كان له اعتماد كبير على آثار الزمخشري، ونقل بكثرة من كتبه مثل الكشاف والفائق، وفي بعض المواضع رجح أقوال الزمخشري على الجوهري (للاطلاع على شاهد انظر: المدني، 1409هـ، 1: 288؛ 6: 91) (مظفر، 1419هـ، 2: 718-723).

من النقاط الجديرة بالاهتمام فيما يتعلق بشرح رياض السالكين هو أن أسلوب وروح الشارح في نقل المواد يشبه إلى حد كبير أسلوب وروح الطبرسي في مجمع البيان. شارح الصحيفة، بالإضافة إلى أنه نقل كثيرًا من مجمع البيان (المدني، 1409هـ، 2: 189، 233، 289، 409، 412، 506 و 511؛ 4: 86، 472؛ 5: 439، 440، 503؛ 6: 58، 171، 270، 336، 383؛ 7: 7، 136، 307، 311، 423)، سعى إلى اتخاذ منهجه نموذجًا له في نقل المواد. لقد علم أن الطبرسي في نقل الأقوال لم يكن يظهر تعصبًا، وكان ينظر إلى جميع الطوائف والفرق بنظرة واحدة، وينقل ما يراه صحيحًا ومعقولًا من أي شخص كان، سواء مخالفًا أو موافقًا، ولم يكن له غرض خاص في تقديم وتأخير أسمائهم. هذه هي الطريقة التي يمكن ملاحظتها في رياض السالكين أيضًا.

4. النتائج

في الإجابة على السؤال الرئيسي للمقالة حول مصدر المعلومات المضافة في شرح رياض السالكين، يمكن بيان التصنيف التالي:

1. جزء كبير من استنباطات وفهوم السيد علي خان في رياض السالكين مبني على نصوص الأدعية نفسها. لقد تمكن، بالاستفادة من علوم اللسانيات، من تحليل وتفكيك مضامين الأدعية بشكل جيد، ومن خلال هذه العملية التحليلية، أضاف معلومات إلى شرحه. تصنيف هذه المعلومات المضافة هو:

أ. الاستنباط المبني على النص في المستوى اللغوي: من خلال تميزه الخاص في علوم اللغة والاشتقاق، تناول معنى كل مفردة من مفردات الأدعية، وذكر وجوه معانيها المختلفة من كتب لغوية متعددة. تظهر دراسة أدائه أنه لم يكن يعتقد بالترادف التام للكلمات، ولذلك سعى إلى تبيين الدقائق المعنوية للكلمات المتقاربة في المعنى. الاهتمام بأصول الألفاظ وكذلك الدراسة الدقيقة للكلمات الغريبة من الخصائص الأخرى له في المستوى اللغوي. في الخطوة التالية، استعان صاحب الرياض بعلمي الصرف والنحو لإكمال مباحثه اللغوية، وأظهر فنه في الاجتهاد.

ب. الاستنباط المبني على النص في المستوى الأدبي: في الاستنباط المبني على النص في المستوى الأدبي، تناول، بالاستفادة من علوم البلاغة، الصناعات الأدبية اللفظية والمعنوية على مستوى الكلمة والجملة، ولكنه لم يلتفت إلى الصناعات الأدبية التي تتجاوز جملة واحدة. كما أن غنى مباحث المستوى اللغوي في مقام المقارنة يفوق بكثير مباحث المستوى الأدبي.

2. جزء آخر من المعلومات المضافة في رياض السالكين ليس نتاج تحليل وتفكيك نصوص الأدعية، بل هو حاصل ربط محتوى الأدعية بنصوص نقلية أخرى، وتصنيفها هو:

أ. الاستنباط المبني على ما وراء النص بالاعتماد على آيات القرآن الكريم: توصل صاحب الرياض، من خلال إقامة تناص بين فقرات الأدعية وآيات القرآن الكريم، إلى معلومات مضافة. وفي مواضع متعددة، استند إلى آيات القرآن في ترجيح معنى أو قول. كما أنه، بما يتناسب مع محتوى الأدعية، طرح الآيات القرآنية المرتبطة وقام بتفسيرها، وهذا ما جعل هذا الشرح مصدرًا لتفسير آيات القرآن أيضًا.

ب. الاستنباط المبني على ما وراء النص بالاعتماد على الروايات المنقولة عن النبي الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع): قام السيد علي خان بشرح روائي من خلال إقامة تناص بين مضامين الأدعية والروايات. على الرغم من أن معظم الروايات التي استخدمها هي من مصادر شيعية، إلا أنه في مواضع متعددة استفاد أيضًا من الروايات المنقولة عن النبي الأكرم (ص) في مصادر أهل السنة. في هذا السياق، يبرز بشكل خاص إقامة الصلة بين مضامين الأدعية وأقوال أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة في الشرح.

كان لشارح الصحيفة وصول إلى أساتذة ومصادر غنية، واستخدمها في كتابة رياض السالكين، وجزء كبير من هذا الشرح منقول عن مصادر متنوعة. ومن هنا، يمكن العثور في رياض السالكين على مواد كلامية، وتفسيرية، وعرفانية، وروائية بوفرة. وبالطبع، لم يكتفِ بالنقل، وفي مواضع متعددة، حكم بين الأقوال وسعى من خلال مباحث اجتهادية إلى ترجيح أو تقوية رأي ما.

الهوامش

1. Perception

2. Production

3. Referential function

4. Textual Criticism

5. Bruno Osimo.

6. Cultural Anthropology

7. Literal Interpretation

8. Etymology

9. Informative function.

10. Language functions.

11. Poetic function.

12. يعدد ياكبسون ست وظائف للغة: الوظيفة المرجعية، العاطفية، التأثيرية، الشعرية، وظيفة ضبط قناة الاتصال، والوظيفة ما وراء اللغوية (لمزيد من المعلومات انظر: فاطمة الطبال بركة، النظرية الألسنية عند رومان جاكبسون).

13. stylistic؛ تسمى الأسلوبية في اللغة الإنجليزية “style” وفي العربية “أسلوب”، وتُترجم دراسة الأسلوب عادةً في اللغة العربية بـ “علم الأساليب”.

14. علم السرد (Narratology) وظيفته دراسة الأشكال السردية وتحليل وبحث القصص ومختلف صور الحكاية وأنواع الرواة المختلفين.

Scroll to Top