المستخلص
أبو عمرو بن العلاء، قارئ قرآن بارز من القرن الثاني الهجري، وله شهرة واسعة أيضًا في مجال علم اللغة. يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة بين آراء أبي عمرو اللغوية ومنهجه في قراءة القرآن. تشير شواهد متعددة إلى أن هذا القارئ البصري قد تجنب الترادف عمدًا في تحديد معاني مفردات القرآن، وميّز بين الكلمات التي يعتبرها معظم أهل اللغة مترادفة. وقد أدت هذه الفروق الدقيقة إلى وجود اختلافات بين قراءة أبي عمرو لآيات من القرآن الكريم والقراءات المشهورة لدى سائر القراء. بالإضافة إلى ذلك، كان لأبي عمرو آراء خاصة حول شمول المفردات وسعتها الدلالية، مما أثر بشكل مباشر على منهجه في القراءة. ويبدو أن هذا النوع من الاجتهادات في القراءة لا ينسجم مع نظرية تواتر القراءات عن النبي (ص). ومع ذلك، تتوافق قراءة أبي عمرو في كثير من آيات القرآن مع آرائه اللغوية، وقد قدّم وجوهًا خاصة من القراءة بناءً على أصوله في علم اللغة.
المقدمة
أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ)، أحد أبرز علماء اللغة والنحو والقراءة في القرن الثاني الهجري. وقد خلّد اختيار أبي بكر بن مجاهد له في كتاب «السبعة في القراءات» كأحد القراء السبعة للقرآن، وكذلك اختياره من قبل أبي بكر بن مهران في «المبسوط في القراءات العشر» كأحد القراء العشرة، اسمه في تاريخ قراءة القرآن. وبحسب أهل الاختصاص، لم ينل أحد من القراء السبعة من تنوع وكثرة الشيوخ ما ناله أبو عمرو (الطرابلسي، 1431هـ: 1/137). ورغم شهرة أبي عمرو كقارئ البصرة، فإن من بين شيوخه عبد الله بن كثير، قارئ مكة (المصدر نفسه)، والاتفاقات المتكررة بينهما في مواضع الاختلاف القرائي دليل على تأثر قارئ البصرة بقراءة أهل مكة (تركاشوند، 1402هـ).
وقد أشار أهل الفن في تعريف مصادر قراءة أبي عمرو إلى «ما يختار العرب» (الذهبي، 1404هـ: 1/102)، مما يدل على دور الاجتهاد في تشكيل قراءته.
من جانب آخر، تثير شهرة أبي عمرو في علم اللغة هذا التساؤل: كيف أثرت آراؤه في هذا المجال على طريقة قراءته للقرآن؟ وفي أي أجزاء من القرآن يمكن ملاحظة هذا التأثير؟
منهج البحث في هذا المقال هو تحليل الروايات التاريخية، ويقوم الباحث للإجابة على السؤالين المذكورين بالبحث في المصادر القديمة وعرض نتائجه في عدة أقسام.
أ. مكانة أبي عمرو في معرفة معاني مفردات القرآن
قبل الدخول في الموضوع الرئيسي للبحث، من المناسب الإشارة إلى الدور البارز لأبي عمرو في تبيين معاني مفردات القرآن. فقد انعكست آراء أبي عمرو في شرح معاني المفردات القرآنية في تفسير العديد من الآيات. على سبيل المثال، في آية ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (الحجر: 15)، فسر أبو عمرو كلمة «سُكِّرَتْ» بمعنى «غُشِّيَتْ وغُطِّيَتْ» (الشوكاني، 1430هـ: 1/1172). وفي آية ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ (ص: 22)، بيّن أبو عمرو أن «الشطط» يعني «مجاوزة القدر في كل شيء» (المصدر نفسه، 2/648).
وكذلك في قوله تعالى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (الفتح: 25)، فُسِّرت كلمة «معكوفًا» على يد أبي عمرو بمعنى «مجموعًا» (المصدر نفسه، 2/846). وفي آية ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ (الدخان: 54)، فسر أبو عمرو كلمة «الحور» بالعيون التي يغطي سوادها كل العين، كعيون الظباء والبقر، وهذه الصفة لا توجد في البشر، وإنما يطلق هذا اللفظ على النساء على سبيل التشبيه بهذه الحيوانات (المصدر نفسه، 2/798). وفي آية ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ (القيامة: 7)، فسر أبو عمرو كلمة «برق» بمعنى تحيّر البصر وعدم قدرته على الرمش (المصدر نفسه، 2/1127).
وفي قوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ (النور: 32)، أشار أبو عمرو بالاتفاق مع أهل اللغة إلى أن كلمة «الأيم» في الأصل تعني المرأة التي لا زوج لها، سواء كانت بكرًا أم ثيبًا (المصدر نفسه، 2/258). وكذلك في آية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ…﴾ (البقرة: 228)، اعتبر أبو عمرو كلمة «قرء» بمعنى «وقت»، وأوضح أن بعض العرب يستخدمها بمعنى الحيض، والبعض الآخر بمعنى الطهر من الحيض، وفريق ثالث يجمع بين المعنيين ويطلق على كلتا الحالتين «قرء» (المصدر نفسه، 1/229).
تُظهر هذه الأمثلة الدور البارز لأبي عمرو في معرفة وتبيين معاني مفردات القرآن. والآن، من المناسب أن نتناول العلاقة بين معرفته اللغوية وتأثيرها على طريقة تلاوته للقرآن.
ب. اجتهاد أبي عمرو في عدم ترادف المفردات وأثره على قراءته
يتجنب أبو عمرو بشدة الترادف في تحديد معاني مفردات القرآن. هذه الميزة تظهر بوضوح أن لاجتهاداته اللغوية دورًا مهمًا في تشكيل قراءته. في الواقع، من بين قراءات القراء العشرة، لا نجد هذا القدر من تجنب الترادف إلا في قراءة أبي عمرو. يكشف هذا الميل لدى أبي عمرو إلى الابتعاد عن المعاني المترادفة عن أنه كان يتعامل مع اختيار المفردات بدقة وحساسية عاليتين، لدرجة أنه حاول حتى في قراءة القرآن أن يعبر عن المعنى الخاص بكل مفردة بشكل دقيق ومنفرد. (انظر: همتي، 1397هـ.ش)
هذا المنهج الفريد يبرز أهمية نظرته إلى الفروق الدقيقة في معاني المفردات، ويشير إلى التأثير العميق لمعرفته اللغوية على قراءاته القرآنية.
1. الامتناع عن الترادف في الأفعال
قراءة أبي عمرو في آية ﴿يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحشر: 2) هي «يُخَرِّبُونَ» بفتح الخاء وتشديد الراء، بينما قرأها سائر القراء العشرة «يُخْرِبُونَ» بسكون الخاء وتخفيف الراء (ابن مهران، د.ت: 433). وقد صرّح أبو عمرو بأنه اختار القراءة بالتشديد لأن «الإخراب» يعني ترك الشيء في حالة خراب، بينما هم قد هدموا بيوتهم بأنفسهم (الشوكاني، 1430هـ: 2/987). ويرى الشوكاني أن رأي أبي عمرو ليس قاطعًا، لأن أهل اللغة يعتبرون «الإخراب» و«التخريب» بمعنى واحد (المصدر نفسه). كما ينسب ابن أبي مريم (2009م: 771) الفرق بين «الإخراب» و«التخريب» إلى اختلاف اللهجات. ويرى ابن زنجلة (1418هـ: 705) أن القراءة بالتشديد تعني «الهدم»، بينما «الإخراب» يعني ترك مكان على حاله. ومع ذلك، يرى احتمال أن يكون لـ«الإخراب» و«التخريب» معنى واحد (المصدر نفسه). وعليه، يقول ابن زنجلة إن في القراءة بالتخفيف تفسيران محتملان: أحدهما ترك البيوت، والآخر هدمها (المصدر نفسه). على أي حال، أدى امتناع أبي عمرو عن الترادف في هذا الموضع إلى اختلاف قراءته عن سائر القراء العشرة.
مثال آخر على تجنب أبي عمرو للترادف في تمييز معاني الأفعال يظهر في آية ﴿يَا نِسَاء النَّبِي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ…﴾ (الأحزاب: 30). في هذه الآية، قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف هي «يُضَاعَفْ»، أما أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب فقد قرؤوها «يُضَعَّفْ» بالياء وفتح العين وتشديدها، وقرأها ابن كثير وابن عامر «نُضَعِّفْ» بالنون وكسر العين وتشديدها (ابن مهران، د.ت، 357). كلمة «العَذَابُ» منصوبة في القراءة الأخيرة، ومرفوعة في القراءتين الأوليين. يُفسّر نصب «العَذَابُ» بأنه مفعول به، ورفعه بأنه نائب فاعل. «يُضَاعَفْ» فعل مبني للمجهول من باب مفاعلة، و«يُضَعَّفْ» فعل مبني للمجهول من باب تفعيل، و«نُضَعِّفْ» فعل مبني للمعلوم من باب تفعيل.
بحسب أهل اللغة، فإن «الإضعاف» و«التضعيف» يعنيان زيادة الشيء على أصله وجعله ضعفين أو أكثر (ابن منظور، 2011م: 9/45). ويرى الأزهري (1/210) أيضًا أن معنى قراءتي «يُضَعَّفْ» و«يُضَاعَفْ» واحد. ويذهب الكسائي إلى أن «ضَعَّفَ» و«ضاعَفَ» لهما نفس المعنى (ابن زنجلة، 1418هـ: 139). أما أبو عمرو فيفرق بين معنى باب مفاعلة وباب تفعيل، ويعتقد أن «يُضَعَّفْ» تعني أن يصبح ضعفين، و«يُضَاعَفْ» تعني أن يصبح ثلاثة أضعاف (الطبري، د.ت، 21/178). ونُقل عن أبي عمرو أنه اختار «يُضَعَّفْ» في هذه الآية لوجود كلمة «ضعفين» التي هي مثنى (ابن زنجلة، 1418هـ: 575)، بينما قرأ هذا الفعل في مواضع أخرى من القرآن من باب مفاعلة. ويذكر الطبري (د.ت، 21/179) أنه لا يعرف أحدًا غير أبي عمرو وأبي عبيدة معمر بن المثنى يتبنى هذا التفريق، وبناءً على ذلك، لا يقبل بالفرق المعنوي بين «يُضَعَّفْ» و«يُضَاعَفْ»، ويعتبر «يُضَاعَفْ» هي القراءة الصحيحة في هذه الآية اعتمادًا على القراءة الشائعة بين قراء الأمصار (المصدر نفسه). ويعتقد ابن عاشور (21/237) أيضًا أن رأي أبي عمرو في هذا الموضع غير جدير بالاهتمام.
في المثالين المذكورين، لوحظ الخلاف حول الترادف أو عدمه في صيغتين من أبواب الثلاثي المزيد، لكن أحيانًا يُلاحظ هذا الخلاف بين صيغة الثلاثي المجرد وصيغة من الثلاثي المزيد. على سبيل المثال، في آية ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِنكُم مِن الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (النساء: 43)، قراءة حمزة والكسائي وخلف هي «لَمَسْتُم» من الثلاثي المجرد، وقراءة باقي القراء العشرة هي «لَامَسْتُم» من باب مفاعلة (ابن مهران، د.ت، 314). وهذا الاختلاف في القراءة يتكرر أيضًا في الآية السادسة من سورة المائدة التي لها نفس النص (المصدر نفسه). يدل باب مفاعلة على أن اللمس (التلامس الجسدي) يكون من طرفين، بينما تشير صيغة الثلاثي المجرد إلى الفعل من طرف واحد وهم الرجال. تدل الآية على وجوب الطهارة بعد «ملامسة» أو «لمس» الزوجة. وقد نُقل عن أبي عمرو أن «الملامسة» تعني الجماع، و«اللمس» يعني لمس سائر الجسد (ابن العربي، 1433هـ: 1/460). ويرى بعض فقهاء أهل السنة، كالشافعي، أن لمس الزوجة ينقض الوضوء (فخر الرازي، 1425هـ: 10/99؛ ابن عاشور، 1394هـ؛ انظر: اسكندرلو، 1400هـ). ويبدو أن أبا عمرو باختياره قراءة «لامستم» وتفسيرها بالجماع، قد ردّ القول بنقض الوضوء بمجرد اللمس الجسدي للنساء.
في مقابل رأي أبي عمرو، طُرح أيضًا القول بترادف معنى القراءتين. وبالطبع، فإن المعنى الواحد للقراءتين يُعتبر أحيانًا أي لمس جسدي، وأحيانًا الجماع. على سبيل المثال، ورد في رواية عن ابن عباس أن «اللمس» و«اللماس» و«الملامسة» كناية عن الجماع (ابن منظور، 2011م: 13/232). ونقل الشوكاني (1430هـ: 1/462) أن البعض يعتقد أن معنى كلتا القراءتين هو «الجماع». وفي المقابل، يذكر فخر الرازي (10/98) أن المعنى الحقيقي لأي من القراءتين ليس الجماع، بل إن معناهما الحقيقي هو اللمس باليد، والجماع هو معنى مجازي. ومن ثم، فإنه بتأكيده على وجوب حمل الكلام على معناه الحقيقي، يختار معنى اللمس الجسدي (المصدر نفسه).
2. الامتناع عن الترادف في المصادر
في قراءة القراء العشرة لآية ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (المؤمنون: 110)، يوجد خلاف بين قراءة «سُخْرِيًّا» و«سِخْرِيًّا». يروي ابن مهران (314) أن أبا جعفر ونافعًا وحمزة والكسائي وخلفًا قرؤوا بضم السين، بينما قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ويعقوب بكسر السين. تُعتبر كلتا القراءتين مصدرًا (القيسي، 1432هـ: 481؛ الصافي، 1383هـ.ش: 9/216). يفضل الفراء (1/563) القراءة بالضم، بينما يرجح القيسي (1432هـ: 481) القراءة بالكسر. ويعتبر الطبري (18/75) كلتا القراءتين صحيحتين ومشهورتين، دون قبول فرق في المعنى.
تكرر هذا الاختلاف في القراءة في آية ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ (ص: 63) بين القراء العشرة (ابن مهران، د.ت، 314). ولكن، في آية ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (الزخرف: 32)، اتفق القراء العشرة على ضم السين في «سُخْرِيًّا» (المصدر نفسه).
يُفهم من سياق الآيات أنه في سورتي المؤمنون وص، يُطرح موضوع سخرية الكفار من المؤمنين، بينما في سورة الزخرف، يُشار إلى تسخير الناس لخدمة بعضهم البعض. يذكر ابن أبي مريم أنه في مفهوم الاستهزاء، يمكن أن تأتي «سِخْرِيًّا» بالضم والكسر، لكن في مفهوم التسخير والخدمة، تأتي بضم السين فقط، ولذلك تم الاتفاق على ضم السين في سورة الزخرف (ابن أبي مريم، 554). ومع ذلك، فإن ابن محيصن وأبا رجاء – وهما خارج القراء العشرة – قد قرآ في سورة الزخرف بكسر السين أيضًا (ابن مهران، د.ت، 314). يعتقد عبد اللطيف الخطيب (1430هـ: 8/369) أن قراءة كسر السين في سورة الزخرف، مثلها مثل ضم السين، تشير إلى مفهوم التسخير والعبودية.
فرّق أبو عمرو بين معنى ضم وكسر السين في «سُخْرِيًّا» (النحاس، 2004م: 3/115). برأيه، يدل كسر السين على السخرية، وضم السين على التسخير والخدمة. بناءً على ذلك، قرأ بكسر السين في سورتي المؤمنون وص حيث كان المراد مفهوم السخرية، لكنه اختار ضم السين في سورة الزخرف التي تشير إلى مفهوم التسخير.
يذكر النحاس أن التفريق المعنوي الذي ذهب إليه أبو عمرو غير معروف لدى الخليل وسيبويه والكسائي والفراء (المصدر نفسه). ويؤكد محمد بن يزيد أيضًا على أن التفريق المعنوي يجب أن يؤخذ عن العرب، ولا ينبغي أن يتم بناءً على اجتهاد شخصي (المصدر نفسه). ويرى الكسائي، خلافًا لأبي عمرو، أن ضم وكسر السين في «سُخْرِيًّا» هما لهجتان مختلفتان بمعنى واحد. كما يعتبر العكبري هاتين القراءتين لهجتين مختلفتين بمعنى واحد.
مثال آخر على ميل أبي عمرو إلى تجنب الترادف في تمييز معنى المصادر يظهر في آية ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (محمد: 35). في هذه الآية، قرأ حمزة وخلف وعاصم في رواية أبي بكر «السِّلْمِ» بكسر السين، وقرأ سائر القراء العشرة «السَّلْمِ» بفتح السين (ابن مهران، د.ت، 409). أبو عمرو من بين القراء الذين يقرؤون بفتح السين، ويعتقد أن «السَّلْمَ» تعني الصلح، و«السِّلْمَ» تعني الإسلام (ابن زنجلة، 1418هـ: 670). وفي آية ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ…﴾ (الأنفال: 61)، قراءة أبي عمرو هي «السَّلْمِ» بفتح السين أيضًا (ابن مهران، د.ت، 145). أما في آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة: 208)، فقد قرأ «السِّلْمِ» بكسر السين بمعنى الإسلام. ويبدو أن القراء الذين لم يفعلوا مثل أبي عمرو قد اعتبروا هذا الاختلاف في القراءة اختلافًا في اللهجة. يذكر الشوكاني (1430هـ: 1/205) أن «السلم» – سواء بفتح السين أو كسرها – يستخدم بمعنى الإسلام وبمعنى الصلح.
مثال آخر على تجنب أبي عمرو للترادف بين مصدرين، يظهر في آيتي ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: 94) و ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (يس: 9).
في هاتين الآيتين، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وعاصم في رواية أبي بكر «سُدًّا» بضم السين، وقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم «سَدًّا» بفتح السين (ابن مهران، د.ت، 283). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو في سورة الكهف بفتح السين، وفي سورة يس بضم السين (المصدر نفسه). يعتبر ابن أبي مريم (2009م: 491) أن «السَّد» بفتح وضم السين لهجتان بمعنى واحد. أما أبو عمرو فيستخدم «السَّد» بفتح السين بمعنى الحاجز بين فرد وشيء، و«السُّد» بضم السين للحاجز على العين (ابن زنجلة، 1418هـ: 596). بناءً على ذلك، يفرق أبو عمرو بين «سَدًّا» في سورة الكهف و«سُدًّا» في سورة يس.
3. الامتناع عن الترادف في مفردات الجمع
في آية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِمَن فِي أَيْدِيكُم منَ الأَسْرَى﴾ (الأنفال: 70)، قراءة جميع القراء العشرة هي «أَسْرَى»، باستثناء أبي عمرو الذي قرأها «أُسَارَى» (ابن مهران، د.ت، 223-224). تشير هذه الآية إلى الخطاب الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم للأسارى الذين في أيدي المسلمين. في اللغة العربية، «الأَسْر» يعني «الحبس»، و«المأسور» يعني «المحبوس» (الطبري، د.ت، 10/50). و«الأسير» صيغة فعيل بمعنى مفعول، وكلتا الكلمتين «الأَسْرَى» و«الأُسَارَى» تستخدمان كجمع لـ«الأسير». يرى البعض أن هذين الوجهين هما لهجتان مختلفتان (ابن زنجلة، 1418هـ، 104)، لكن أبا عمرو يفرق بين «أُسَارَى» و«أَسْرَى» من حيث المعنى. وقد نُقل هذا التفريق المعنوي بأشكال مختلفة عن أبي عمرو.
بحسب الشوكاني (1430هـ: 1/849)، يعتقد أبو عمرو أن «أَسْرَى» تُقال للأشخاص الذين لم يقعوا في الأسر بعد، وبعد أن يقعوا في الأسر، يُطلق عليهم «أُسَارَى». كما نقل أبو الفتوح (1366هـ.ش: 2/42) أن «المفضل بن سلمة سأل أبا عمرو بن العلاء: هل هناك فرق بين «أَسْرَى» و«أُسَارَى»؟ فأجاب أبو عمرو: نعم، «أَسْرَى» تُقال لمن هم في يد العدو ولكنهم ليسوا مقيدين، أما «أُسَارَى» فتُقال لمن هم مقيدون». في هذه الروايات، يعتمد التمييز بين «أُسَارَى» و«أَسْرَى» على كون الأسير مقيدًا أم لا. وذكر الأخفش أيضًا أن «أَسْرَى» تُقال للأفراد غير المقيدين، و«أُسَارَى» تُقال للأفراد المقيدين (القيسي، 1432هـ: 350). من هنا، يُفهم لماذا اختار أبو عمرو، خلافًا لسائر القراء العشرة، قراءة «أُسَارَى» في الآية 70 من سورة الأنفال، لأن هذه الآية تشير إلى الأسرى الذين هم في الأسر وتحت سيطرة المسلمين.
في رواية أخرى عن أبي عمرو، يُقال إن «أَسْرَى» تُستخدم عندما تكون الحرب جارية والعدو يؤسر، ولكن بعد انتهاء الحرب وعندما يكون الأسرى في أيدي العدو، يُطلق عليهم «أُسَارَى» (ابن زنجلة، 1418هـ: 314). تتوافق هذه النظرية أيضًا مع قراءة أبي عمرو في الآية 70 من سورة الأنفال، لأن هذه الآية تشير إلى الأسرى الذين وقعوا في أيدي المسلمين بعد انتهاء الحرب.
حسب رواية أخرى عن أبي عمرو، تُطلق كلمة «أُسَارَى» فقط على من هم في السجن وفي أيدي العدو، أما من ليسوا في السجن، فيمكن إطلاق كلتا الكلمتين «أَسْرَى» و«أُسَارَى» عليهم (ابن زنجلة، 1418هـ: 314). بناءً على ذلك، يرى أبو عمرو أن كلمة «أَسْرَى» لا تُطلق على من هم في السجن وتحت سيطرة العدو. ونتيجة لذلك، في الآية 70 من سورة الأنفال، التي تشير إلى الأسرى تحت سيطرة المسلمين، لم يقرأ أبو عمرو «أَسْرَى» خلافًا لسائر القراء. كما ورد في رواية أخرى أن «أُسَارَى» تُقال لمن يقعون في أيدي العدو، و«أَسْرَى» لمن يسلمون أنفسهم (الشوكاني، 1430هـ: 1/107). وفي الرد على هذا الرأي لأبي عمرو، يُدّعى أن أهل اللغة لا يعرفون مثل هذا التمييز (المصدر نفسه). على أي حال، بالنظر إلى أن الآية 70 من سورة الأنفال تشير إلى الأفراد الذين هم في أيدي المسلمين وتحت سيطرتهم، فإن هذه النظرية تتوافق أيضًا مع قراءة أبي عمرو.
من ناحية أخرى، يُلاحظ اختلاف القراءة بين «أَسْرَى» و«أُسَارَى» في ثلاث آيات سابقة. في آية ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ (الأنفال: 67)، قرأ جميع القراء العشرة «أَسْرَى»، باستثناء أبي جعفر الذي قرأ «أُسَارَى» (ابن مهران، د.ت، 223-224). تبين هذه الآية أنه لا ينبغي للنبي أن يأسر قبل أن يكثر القتل في العدو. وبالتالي، تشير هذه الآية إلى الأسرى المفترضين، لا إلى الأسرى الذين تم أسرهم بالفعل وهم تحت سيطرة العدو. وعليه، يُفهم لماذا لم يقرأ أبو عمرو «أُسَارَى» في هذه الآية، لأنه برأيه، «أُسَارَى» تشير إلى الأفراد الذين تم أسرهم بعد انتهاء الحرب وهم تحت سيطرة العدو.
وقد حدث اختلاف في القراءة بين «أَسْرَى» و«أُسَارَى» في آية ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ (البقرة: 85) أيضًا. هنا، قرأ جميع القراء العشرة «أُسَارَى»، باستثناء حمزة الذي قرأ «أَسْرَى» (ابن مهران، د.ت، 132). قال أهل الفن إن حمزة كان يعتقد أنه إذا كانت صفة على وزن «فعيل» تدل على صاحب الصفة الذي يعاني من مشكلة، فإن جمعها يكون على وزن «فَعْلَى»؛ مثل «مريض»، «جريح»، «قتيل»، و«صريع»، التي جموعها «مرضى»، «جرحى»، «قتلى»، و«صرعى» (ابن زنجلة، 1418هـ: 104).
على أي حال، يبدو أن أبا عمرو قرأ «أُسَارَى» في هذه الآية لأن الآية تشير إلى أفراد هم في الأسر وتحت سيطرة العدو. حتى لو اعتبرنا المعيار هو قيام القتال أو انتهائه، فإن اختيار «أُسَارَى» من قبل أبي عمرو لا يزال مبررًا. ذلك أن هذه الآية تشير إلى فداء اليهود للأسرى، وليس إلى الأسرى في ساحة المعركة. كما يكتب أبو الفتوح (1366هـ.ش: 2/42): «الفدية هي مال يُعطى لاستخلاص الأسير». وبالتالي، تشير هذه الآية إلى الظروف التي يُطرح فيها موضوع تحرير الأسرى، وبناءً على ذلك، تكون الحرب أو القتال قد انتهى.
مثال آخر على منهج أبي عمرو في تفضيل معنى أسماء الجمع يظهر في آية ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (نوح: 25). في هذه الآية، قرأ جميع القراء العشرة «خَطِيئَاتِهِمْ»، باستثناء أبي عمرو الذي قرأ «خَطَايَاهُمْ» (ابن مهران، د.ت، 450). كلتا القراءتين جمع لـ«خطيئة»، لكن «خَطِيئَات» جمع مؤنث سالم، و«خَطَايَا» جمع تكسير. قيل إن أبا عمرو كان يعتبر الجمع بالألف والتاء في اللغة العربية مخصصًا للقلة، وكان يتساءل متعجبًا: هل قوم كفروا ألف عام لم يكن لهم إلا «خَطِيئَات» (خطايا قليلة)؟ (ابن زنجلة، 1418هـ: 726).
في مقابل رأي أبي عمرو، قال البعض إن الجمع بالألف والتاء يمكن استخدامه للكثرة والقلة على حد سواء؛ كما ورد في القرآن تعابير ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ﴾ (لقمان: 27) و ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سبأ: 37)، مع أن كلمات الله وغرفات أهل الجنة ليست قليلة (المصدر نفسه، 727). وقرأ أبو عمرو أيضًا في آية ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ (الأعراف: 161)، خلافًا للتسعة قراء الآخرين، «خَطَايَاكُمْ» (ابن مهران، د.ت، 215). في هذا الموضع، قرأ ابن عامر «خَطِيئَتَكُمْ» بصيغة المفرد، وسائر القراء «خَطِيئَاتِكُمْ» بصيغة جمع المؤنث السالم، مع فارق أنه في قراءة أبي جعفر ونافع ويعقوب، بسبب فعل «تُغْفَر» بالتاء المضمومة، رُفعت «خَطِيئَاتُكُمْ»، أما في قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، بسبب فعل «نَغْفِر» بالنون، فقد كُسرت التاء في «خَطِيئَاتِكُمْ» (المصدر نفسه). وهذا الفعل موضع خلاف في قراءة ابن عامر بالتاء المضمومة، وفي قراءة أبي عمرو، جاء بالنون (المصدر نفسه).
من ناحية أخرى، في آية ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (البقرة: 58)، لم يُروَ أي اختلاف في القراءة (ابن مهران، د.ت، 130). أي أن الجميع قرأ في هذا الموضع «خَطَايَاكُمْ». وبهذا، تكون قراءة أبي عمرو في المواضع الثلاثة هي «خطايا».
يبدو أن سبب عدول القراء العشرة في سورة البقرة عن قراءة «خَطِيئَات» واختيار «خَطَايَا» هو وجود سنّة واحدة لهذه الكلمة في رسم المصحف الرسمي. تشير روايات أهل الفن إلى أنه في رسم المصحف، في سورة البقرة، كُتبت «خَطَايَاكُمْ» بسنّة واحدة [خطـيكم]، أما في سورتي الأعراف ونوح، فقد جاءت هذه الكلمة بسنّتين [خطيتكم] (الداني، 1430هـ: 16). ومن المعلوم للجميع أن رسم المصحف كان خاليًا من الألفات الوسطية، ومن النقط والإعراب وعلامة الهمزة. وبهذا، فإن وجود سنّتين في الرسم يوفر قرينة لتأييد قراءة «خَطِيئَاتِكُمْ/خَطِيئَتَكُمْ» في سورة الأعراف و«خَطِيئَاتِهِمْ» في سورة نوح، ويبدو اختيار أبي عمرو في هذين الموضعين مخالفًا لرسم المصحف.
في مثال آخر، في آية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (الأعراف: 172)، يُلاحظ اختلاف بين «ذُرِّيَّتَهُمْ / ذُرِّيَّاتِهِمْ» بين القراء العشرة. في هذه الآية، قراءة أبي جعفر ونافع وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب هي «ذُرِّيَّاتِهِمْ»، أما قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف فهي «ذُرِّيَّتَهُمْ» (ابن مهران، د.ت، 216). ويُرى اختلاف مشابه في آية ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74) أيضًا. في هذه الآية، قراءة أبي جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وابن كثير وعاصم في رواية حفص هي «ذُرِّيَّاتِنَا»، أما قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية أبي بكر فهي «ذُرِّيَّتِنَا» (ابن مهران، د.ت، 216).
بناءً على ذلك، أبو عمرو هو القارئ الوحيد بين القراء العشرة الذي اختار «ذُرِّيَّاتِ» في سورة الأعراف و«ذُرِّيَّة» في سورة الفرقان. وقد فعل ابن كثير وعاصم في رواية حفص عكسه، بينما داوم باقي القراء على قراءة واحدة (إما «ذُرِّيَّة» أو «ذُرِّيَّات»).
يقول أهل اللغة إن «ذُرِّيَّة» اسم يشمل نسل الإنسان، ذكرًا كان أم أنثى (ابن منظور، 2011م: 6/25). لذا، فإن «ذُرِّيَّة» وإن كانت مفردة من حيث البنية، إلا أنها تدل على جماعة من الأفراد، فيمكن اعتبارها «اسم جمع» مثل كلمات «قوم» و«جيش».
نُقل عن أبي عمرو أن «ذُرِّيَّة» هي النسل الذي يتربى في بيت الإنسان وحضنه، أما «ذُرِّيَّات» فتشير إلى الأجيال المتعاقبة بعد ذلك (ابن زنجلة، 1418هـ: 301-302). كان أبو عمرو يعتقد أن عين الإنسان لا تقرّ بما يأتي بعده، ولذلك قرأ في سورة الفرقان «ذُرِّيَّتِنَا» (المصدر نفسه).
بعبارة أخرى، سورة الفرقان تصف دعاء المؤمنين الذين يطلبون من الله أزواجًا وأبناءً يكونون قرة أعين لهم. وقد اختار أبو عمرو في هذا الموضع «ذُرِّيَّتِنَا» للإشارة إلى النسل الموجود. أما في سورة الأعراف، فالحديث عن وقت أخذ الله الميثاق من بني آدم من ظهورهم، وشهدوا على وحدانيته. هذا الميثاق يشمل الجميع ويشير إلى الأجيال المتعاقبة. ولهذا، قرأ أبو عمرو في هذه الآية «ذُرِّيَّاتِهِمْ».
في مقابل رأي أبي عمرو، قال البعض إن «ذُرِّيَّة» تشمل النسل الذي يتربى في حضن الإنسان وكذلك الأجيال التي تأتي بعده (المصدر نفسه، 302).
4. الامتناع عن الترادف في اسم الفاعل والصفة المشبهة
في آية ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ (النازعات: 11)، يوجد خلاف بين القراء العشرة في قراءة «نَخِرَةً» و«نَاخِرَةً». بحسب ابن مهران (460)، قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص ويعقوب في رواية روح وزيد هي «نَخِرَةً»، أما حمزة وخلف وعاصم في رواية أبي بكر ويعقوب في رواية رويس فقد قرؤوا «نَاخِرَةً». وقد نُقل عن الكسائي كلا الوجهين (المصدر نفسه).
يعتبر ابن أبي مريم (2009م: 812) «نَخِرَة» بمعنى «بالية» و«نَاخِرَة» مرادفًا لها، كما أن «حَذِر» و«حَاذِر» مترادفان. ويرى القيسي (1432هـ: 667) أن القول بتطابق معنى «نَخِرَةً» و«نَاخِرَةً» هو رأي أكثر العلماء. [3]
في المقابل، طُرح رأي يقول إن في «نَاخِرَة»، وصف «البلى» لم يتحقق بعد ويُتوقع حدوثه في المستقبل، بينما في «نَخِرَة»، تحقق وصف «البلى» (ابن زنجلة، 1418هـ: 748). وبالتالي، يمكن ترجمة «نَخِرَة» بـ«التي بليت» و«نَاخِرَة» بـ«التي ستبلى».
في هذا السياق، نُقل عن أبي عمرو أن «نَاخِرَة» تعني العظم الذي لم يبلَ بعد (الشوكاني، 1430هـ: 2/1165). يمكن التكهن بأن القارئ البصري اختار «نَخِرَة» لهذا السبب، لأن الآية تشير إلى استبعاد إحياء العظام البالية، أي أن بلى العظام قد تحقق، ومن ثم، فإن إحياءها يُعد بعيدًا في نظر المنكرين. في هذا المثال، نشهد امتناع أبي عمرو عن الترادف بين كلمتين، إحداهما تُعرف باسم الفاعل والأخرى بالصفة المشبهة.
مثال آخر على هذا الامتناع عن الترادف يظهر في آية ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (الكهف: 74)، حيث قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ونافع وابن كثير ويعقوب هي «زَاكِيَةً»، بينما قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر «زَكِيَّةً» (ابن مهران، د.ت، 280). اعتبر الكسائي «زَاكِيَة» و«زَكِيَّة» لهجتين (الشوكاني، 1430هـ: 2/38)، وكونهما لهجتين يعني عدم وجود فرق في المعنى.
من ناحية أخرى، يعتقد أبو عمرو أن «زَاكِيَة» تشير إلى شخص لم يرتكب ذنبًا قط، بينما «زَكِيَّة» تشير إلى شخص أذنب ثم تاب (المصدر نفسه). إذا كان هذا التفريق المعنوي صحيحًا، فيجب تفضيل قراءة «زَاكِيَة»، لأن الآية تصف المقتول على يد الخضر بـ«غلام»، أي صبي، وهناك احتمال أنه لم يرتكب ذنبًا بعد. وبحسب النحاس (2004م: 2/485)، اعتبر أبو عمرو المقتول على يد الخضر طفلًا، وكان يرى أن معنى «زَاكِيَة» هو شخص لا ذنب له. يضيف النحاس أن أكثر العلماء يخالفون رأي أبي عمرو في التفريق المعنوي بين «زَاكِيَة» و«زَكِيَّة» (المصدر نفسه).
ج. اجتهاد أبي عمرو في مقومات معاني المفردات وأثره على قراءته
قرأ ابن كثير وأبو عمرو في آية ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ (الرحمن: 35) كلمة «نُحَاسٍ» بالجر، بينما قرأها سائر القراء العشرة بالرفع (ابن مهران، د.ت، 424).
بحسب أهل اللغة، «الشُّواظ» يعني لهب النار الخالي من الدخان (ابن منظور، 2011م: 8/162)، و«النُّحَاس» يعني الدخان الخالي من اللهب (المصدر نفسه، 14/210). بعبارة أخرى، «النُّحَاس» هو الدخان الذي يرتفع وتزداد حرارته وينفصل عن لهب النار (المصدر نفسه).
بناءً على هذه المعاني وعلى أساس القراءة بالرفع، تشير الآية إلى نوعين من العذاب: الأول نار خالصة من الدخان، والثاني دخان خالص من النار. وسبب القراءة بالرفع هو أن «الشُّواظ» (لهب النار) لا يتكون من «النُّحَاس» (الدخان) (القيسي، 1432هـ: 622). لذا، في هذه القراءة، لا يُعطف «نُحَاسٌ» على «نَارٍ»، بل يُعطف على «شُوَاظٌ» كعذاب مستقل ويأتي بموازاته.
في مقابل هذا الرأي، اعتقد أبو عمرو أن «الشُّواظ» لا يتكون إلا من اختلاط النار بشيء آخر (الفارسي، 4/404). بناءً على ذلك، اجتهد القارئ البصري في معاني كلمة «الشُّواظ»، ولهذا السبب عطف «نُحَاسٍ» على «نَارٍ» وقرأها بالجر. ويبدو أن أبا عمرو كان يقصد نوعًا من اللهب والحرارة في كلمة «الشُّواظ» ينتج عن احتراق شيء في النار.
كما أنه من الممكن أنه لم يوافق على أن يكون معنى «النُّحَاس» هو الدخان، لأن المعاني الأخرى التي ذكرها علماء اللغة لـ«النُّحَاس» تشمل «النحاس الأصفر» (الصفر) (ابن منظور، 2011م: 14/210). بناءً على هذا المعنى والقراءة بالجر، يمكن أن تعني ﴿شُوَاظٌ مِن نَارٍ وَنُحَاسٍ﴾ لهبًا وحرارة ناتجة عن صهر النحاس في النار. وبالتالي، فإن قراءة «نُحَاسٍ» بالجر بمعنى النحاس، تؤدي إلى تركيبه مع النار وذوبانه، بينما القراءة بالرفع تبقي النحاس في حالته الطبيعية الجامدة. تصور القراءة بالرفع «نُحَاسٌ» كتهديد مستقل، ولا تتصور أن النحاس في حالته الطبيعية الجامدة يُستخدم للعذاب، بل إذا استُخدم النحاس للعذاب، فيجب أن يكون مذابًا. في هذا السياق، تجمع القراءة بالجر النحاس مع النار وتذيبه، بينما في القراءة بالرفع، حيث يبدو النحاس الجامد غير معذب، يُعدل عن معنى النحاس لـ«نُحَاس» ويُطرح معنى الدخان. بناءً على هذا التحليل، تتناسب القراءة بالرفع مع كون «نُحَاس» بمعنى الدخان، والقراءة بالجر مع كونه بمعنى النحاس. بالإضافة إلى ذلك، كان لاختلاف آراء القراء حول معنى «الشُّواظ» وعناصره المكونة دور في نشوء الاختلاف في القراءة.
مثال آخر على اجتهاد القارئ البصري في مقومات ومدى دلالة مفردة ما، والذي انعكس مباشرة على طريقة قراءته، يمكن ملاحظته في آية ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ (الرعد: 4).
في هذه الآية، الكلمات الأربع «زَرْعٌ»، «نَخِيلٌ»، «صِنْوَانٌ»، و«غَيْرُ» في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وعاصم في رواية حفص مرفوعة، بينما قرأ باقي القراء العشرة هذه الكلمات بالجر (ابن مهران، د.ت، 251).
يعرّف ابن منظور (2011م: 7/26) «زَرَعَ الحبَّ» بمعنى بذر الحب، ويغلب استخدامه خاصة للقمح والشعير. في القراءة بالرفع، يُذكر «زَرْعٌ» (المزرعة) بشكل مستقل إلى جانب «جَنَّاتٌ» (البساتين) ويُعطف عليها. وبالتالي، تُطلق «جَنَّاتٌ» في الآية فقط على «أَعْنَابٍ» (العنب)، وتذكر الآية أنه يوجد في الأرض «زَرْعٌ»، كما يوجد «جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ».
يعتقد ابن خالويه (1427هـ: 188) أن القراءة بالرفع تستند إلى أن «جَنَّات» لا يمكن أن تكون من «زَرْع». وفي آية ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (الكهف: 32) أيضًا، الحديث عن بستانين من العنب (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ) يحيط بهما النخيل (نَخْلٍ) وبينهما مزرعة (زَرْعًا). أي أن «جَنَّات» في هذه الآية أيضًا لا تُطلق على المزرعة، وهاتان الكلمتان تأتيان جنبًا إلى جنب.
من ناحية أخرى، في القراءة بالجر، يُعطف «زَرْعٍ» على «أَعْنَابٍ». ظاهر هذا العطف يعني إطلاق «جَنَّات» على «زَرْع»، إلا إذا ادُّعي أن «زَرْعٍ» جُرّت على سبيل المجاورة، وإطلاق كلمة «جَنَّات» يصدق فقط على «أَعْنَابٍ» و«نَخِيل»، ولكن كما هو مشهور، جواز «الجر بالجوار» محل نزاع في علم النحو.
نُقل عن أبي عمرو أن «جَنَّاتٌ» (البساتين) لا يمكن أن تكون من «زَرْعٍ» (المزرعة) (النحاس، 2004م: 2/366). ولهذا السبب، اختار القارئ البصري القراءة بالرفع وعدل عن القراءة بالجر حتى لا تُطلق «جَنَّاتٌ» على «زَرْعٍ».
عملية قراءة أبي عمرو هنا عكس المثال السابق. في تحليل عبارة «شُوَاظٌ مِن نَارٍ وَنُحَاسِ»، اعتقد أبو عمرو أن «شُوَاظ» يتكون بالضرورة من «نُحَاس» ويشمله، لذا عطف «نُحَاس» على «نَار» واختار القراءة بالجر. أما في تحليل عبارة «جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ»، التي لها نفس البنية، يعتقد أبو عمرو أن «جَنَّات» لا تتكون من «زَرْعٍ» ولا يمكن أن تشمله، لذا لم يعطف «زَرْع» على «أَعْنَابٍ» واختار القراءة بالرفع. وجه الشبه بين هذين المثالين هو أنه في كليهما، كان لاجتهاد أبي عمرو في مقومات ومدى دلالة مفردة ما تأثير كبير على طريقة قراءته.
الخاتمة
تُظهر الشواهد المقدمة في هذا البحث أن قراءة أبي عمرو البصري في آيات متعددة من القرآن قد بُنيت على أساس اجتهاداته اللغوية. في هذا السياق، انعكست أحيانًا نظريات أبي عمرو حول المقومات الدلالية لمفردة ما في طريقة قراءته، وأحيانًا أخرى، ميّز القارئ البصري بين المفردات التي تُعتبر مترادفة، وأدت هذه الفروق إلى تشكيل قراءة خاصة به. غالبًا ما لا يعتقد سائر أهل اللغة بهذه التمييزات والامتناع عن الترادف الذي ذهب إليه أبو عمرو، حتى أنهم اتهموه أحيانًا بأنه بناءً على استنباطاته الخاصة، أوجد فروقًا بين المفردات المت同義، دون أن يكون قد سُمع فرق من أهل اللسان (العرب). (انظر: نجفي، 1401هـ.ش).
إن الدور الواسع للاجتهادات اللغوية في بناء قراءة القارئ البصري يضع النظرية القائلة بأن جميع القراءات السبع أو العشر مبنية على روايات متواترة عن النبي (ص) أمام تحدٍّ. لأنه لو كان أبو عمرو قد سمع قراءته بناءً على نقل متواتر وقطعي عن رسول الله (ص)، لما كانت هناك حاجة إلى استنتاجات لغوية – غالبًا ما تُعتبر ظنية. بالطبع، الاجتهاد في القراءة مقولة واسعة ومعقدة، وهذا البحث تناول هذه المقولة من زاوية خاصة فقط وعرض شواهدها.
الهوامش
[1] تاريخ الاستلام: 13/08/2023، تاريخ القبول: 09/11/2024.
[2] أستاذ مشارك في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة خوارزمي، طهران، إيران: r.najafi@khu.ac.ir.
[3] نسب ابن زنجلة (1418هـ: 748) القول بالترادف إلى أبي عمرو، وهو ما يخالف تمامًا ما نقله الشوكاني عنه، ويبدو أنه قد وقع خطأ في مخطوط ابن زنجلة.