الملخص
لم يشر آية الله النائیني في كتابه «وسيلة النجاة» – الذي يعدّ بمثابة رسالة عملية ويختلف اختلافاً كبيراً عن سائر الرسائل – بطبيعة الحال إلى مستندات الأحكام؛ في حين أن الأحكام الفقهية المذكورة في هذا الكتاب تستند في حقيقتها إما إلى الأحاديث أو إلى القرآن أو أنها مطابقة للعرف الذي أمضاه الشارع. المسألة الأساسية في هذا البحث هي: ما هي المستندات القرآنية للآراء الفقهية للمحقق النائیني في أحكام الوضوء؟ نهدف من خلال هذا التحقيق إلى الرد على كلام بعض المشككين والمنتقدين الذين لا يعتبرون فقه بعض الفقهاء مستنداً إلى القرآن، ويظنون أنهم من هذه الزاوية لا يختلفون عن الفكر الإخباري، كما نهدف إلى تبيين أن العديد من الفروع الفقهية في كتاب «وسيلة النجاة»، بالإضافة إلى المستندات الروائية، لها مستند قرآني أيضاً. منهجنا في هذا البحث هو أننا نختار فتاوى المحقق النائیني في مجال فقه الوضوء من كتاب «وسيلة النجاة»؛ ثم نتناول تحليلها التفسيري بالاستعانة بالآيات ذات الصلة، ونبين المستند القرآني للفتوى. ومن خلال الدراسات التي أجريناها، توصلنا إلى أن هذا الفقيه العظيم، بتمسكه بالثقلين، قد استنبط الأحكام الفقهية، ومنها الوضوء. إن هذا الفقيه الصمداني ليس من الإخباريين الذين يكتفون بالروايات في استنباط الأحكام الفقهية، وليس من القرآنيين الذين يكتفون بالاستنادات القرآنية انطلاقاً من فكر الاكتفاء بالقرآن؛ بل هو فقيه يولي اهتماماً لكلا الثقلين الأكبر والأصغر. ويُستفاد من مباحثه أنه يعتقد بأن الشارع في تشريع الأحكام، ومنها الآيات الفقهية، حيثما لم يكن في مقام تعليم خاص، قد أحال الأمر إلى العرف كدليل فرعي وقَبِلَه وأمضاه.
المقدمة
يعتمد تبيين المسائل الفقهية من قبل الفقهاء على واحد من المناهج الثلاثة في الاستنباط؛ بمعنى أن تبيين الأحكام الفقهية إما أن يستند فقط إلى الأخبار، كما هو دأب الإخباريين؛ أو أن يكون قرآنياً محضاً، وهو ما اختاره الفريق المسمى بالقرآنيين بفكر الاكتفاء بالقرآن. كلا الطريقين من جهة يعتمدان على مصدر واحد، ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من الاستنباطات ناقص في جوهره بسبب عدم شموليته، وإن صدق عليه مطلق الاجتهاد. في غضون ذلك، قام المجتهدون ذوو الاجتهاد المطلق بالغور والتعمق في جميع المصادر المؤهلة، وخاصة الثقلين العظيمين، واستنبطوا من مكنونها – وهي الأحكام الإلهية – ما استنبطوه، ومن هؤلاء المجتهدين الميرزا النائیني، هذا الفقيه الشيعي العظيم. وهو في كتابه «وسيلة النجاة» – الذي يُعد في الحقيقة رسالته العملية ويشتمل على عدة مباحث فقهية كالاحتياط والتقليد والطهارة والصلاة – لم يشر، بحكم طبيعة الكتاب، إلى مستندات الأحكام. ومن ناحية أخرى، هناك شبهة لدى بعض المنتقدين بأن فقه بعض الفقهاء لا يستند إلى القرآن، ومن هذه الزاوية لا يختلف كثيراً عن فكر الإخباريين. ولكننا نعتقد أن العديد من الفروع الفقهية المذكورة في «وسيلة النجاة»، بالإضافة إلى المستندات الروائية، لها مستند قرآني أيضاً. من هذا المنطلق، قررنا في هذا البحث، من خلال اختيار فقه الوضوء كنموذج، أن نتناول المستندات القرآنية للأحكام الفقهية للوضوء، لنبين مكانة الآيات الفقهية القرآنية في فقه المحقق النائیني إلى جانب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام). وبالطبع، هذا لا يعني بالضرورة أن المحقق النائیني قد تمسك بهذه الفقرات القرآنية أو قصد فرضها على آرائه؛ بل يعني أن هذه الفروع لها مستند قرآني أيضاً. على أي حال، تم تنظيم هذا البحث في أربعة مباحث: موجبات الوضوء؛ غايات الوضوء؛ أفعال الوضوء وشروط الوضوء. بالنسبة للبحث حول آراء فقه القرآن للمحقق النائیني في الوضوء، يمكن تصور ثلاثة أنواع من السوابق البحثية؛ بل هي متصورة فعلاً: أحدها سابقة عامة، ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى عشرات الكتب، وخاصة الكتب الأربعة في فقه القرآن، وهي: فقه القرآن، تأليف قطب الدين الراوندي (573 هـ)، كنز العرفان في فقه القرآن، تأليف فاضل مقداد (826 هـ)، زبدة البيان في أحكام القرآن، تأليف مقدس الأردبيلي (993 هـ) ومسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، تأليف فاضل جواد (أواسط القرن 11هـ) وعشرات الكتب الأخرى. النوع الثاني، سابقة خاصة تتعلق بأحكام وتفسير فقهي لآيات الوضوء. وقد ظهرت بعض هذه الأعمال في شكل مقالات علمية، مثل مقال «الوضوء في ضوء فقه القرآن الشيعي» لمحمد فاكر ميبدي، المنشور في مجلة «شيعه شناسي» العلمية البحثية، عام 1387، العدد 24؛ ومقال «الآية 6 من سورة المائدة حول تشريع الوضوء» المنشور في «فرهنگ نامه علوم قرآني» عام 1394 من قبل مكتب التبليغات الإسلامي؛ ومقال «دراسة أدبية دلالية لآية الوضوء ومدخل إلى الحكم الشرعي» لحيدر ياسر وحيدر وأحمد سعدي، المنشور في مجلة «پژوهش های فقهی» العلمية البحثية، عام 1395، العدد 3؛ ومقال «إعادة نظر فقهية أدبية في قراءات “أرجلكم” والحكم المستفاد من آية الوضوء» لسيد مصطفى طباطبائي وحسن عليدادي سليماني، المنشور في مجلة «جستارهای فقهی و اصولی» العلمية البحثية، عام 1400، العدد 25؛ ومقال «استكشاف علاقة اختلاف القراءة في تفاوت رؤية الفريقين في الآية السادسة من سورة المائدة» لبهزاد جلالوند وسيد عبدالرسول حسيني زاده وحسين علوي مهر، المنشور في مجلة «مطالعات قرائت قرآن» العلمية، عام 1401، العدد 18. النوع الثالث، سابقة أخص، وهي التي قد تكون كُتبت حول آراء المحقق النائیني الفقهية في ضوء آيات القرآن؛ ولكن الحقيقة أنه بعد التفحص، لم يُعثر على أي أثر في هذا المجال. بعبارة أخرى، هذا البحث يفتقر إلى سابقة أخص، وبهذا المعنى يُعد بحثاً جديداً. لقد قُسّم فقه الشيعة منذ القدم على أساس معايير اعتبرها الفقهاء إلى تقسيمات ثنائية، ثلاثية، رباعية، خماسية، سداسية وسباعية. والميرزا النائیني أيضاً في مقدمة هذا الكتاب، قسّم الأحكام الشرعية تقسيماً رباعياً وكتب: القسم الأول العبادات؛ وهي بحسب تعبير النائیني، لأداء رسم العبودية. الثاني العقود؛ وهي التي تنعقد في المعاملات بين الطرفين. الثالث الإيقاعات؛ وهي الأمور التي لا تحتاج في تحققها إلى قبول الطرف المقابل. الرابع الأحكام؛ وهي لإصلاح المعيشة وحفظ النظام. فقه الشيعة من الماضي، على أساس المعايير التي اعتبرها الفقهاء، تم تقسيمه إلى ثنائي، ثلاثي، رباعي، خماسي، سداسي وسباعي. الميرزا النائیني أيضاً في مقدمة هذا الكتاب، قسم الأحكام الشرعية إلى شكل رباعي ويكتب: القسم الأول العبادات؛ والتي بتعبير النائیني، هي لأداء رسم العبودية. الثاني العقود؛ والتي تنعقد في المعاملات بين الطرفين. الثالث الإيقاعات؛ أي الأمور التي لا تحتاج في تحققها إلى قبول الطرف المقابل. الرابع الأحكام؛ والتي هي لإصلاح المعيشة وحفظ النظام. (الغروي النائیني، 1439، ص 7). هذا التقسيم يتبع نجم الدين جعفر بن حسن الحلي (602 – 676 هـ) المعروف بالمحقق الحلي مؤلف «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام»، والذي على أساسه نُظمت أيضاً كتب مثل «غاية المرام» لمفلح بن حسن الصيمري البحراني (900 هـ)؛ «مسالك الأفهام» للشهيد الثاني (965 هـ)؛ «مدارك الأحكام» لمحمد بن علي الموسوي العاملي (964 – 1009 هـ) و«جواهر الكلام في شرائع الإسلام» لمحمد حسن النجفي (1202 – 1266 هـ). أساس هذا التقسيم في نظر الشهيد الثاني هو أن هدف ومقصد الأحكام الشرعية إما الآخرة والمعنوية، وهي العبادة، أو الدنيا والمادية. القسم الثاني، إما لا يحتاج إلى لفظ، وهي الأحكام، أو يحتاج إلى ألفاظ. وفي الحالة الثانية، إما أن يحتاج إلى تلفظ من طرفين، فيكون عقوداً، أو يحتاج إلى تلفظ من طرف واحد فقط، فيكون إيقاعاً (الجباعي العاملي، حاشية شرائع الإسلام، 1422، ص 20). يكتب النائیني في بداية بحث الطهارة من الحدث: «ينقسم [ما يوجب الطهارة عن الحدث] إلى ما يرفع الحدث الأصغر وهو الوضوء، أو الأكبر وهو الغسل، وما يقوم مقامهما جميعاً عند التعذر وهو التيمم» (الغروي النائیني، 1439، ص 42). مستند هذا التقسيم في الرؤية القرآنية هو هذه الآية الكريمة التي تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا … وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا … فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا» (المائدة: 6). الفقرة الأولى تبين الوضوء؛ والمراد من الفقرة الثانية هو الغسل؛ والمقصود من الفقرة الثالثة هو التيمم. وبالطبع، المستند القرآني لأحكام الطهارات الثلاث هو عدة آيات سيتم تناولها لاحقاً. على أي حال، وبناءً على هذا الأساس، سنشير في هذا البحث فقط إلى بحث الوضوء ومستنداته القرآنية. حول الوضوء توجد مسائل تناولها آية الله النائیني بشكل تحقيقي، وسنبحث فقط الحالات التي نرى أن لها مستنداً قرآنياً.
1. الوضوء وموجباته
1-1. تعريف الوضوء
الوضوء، بضم الواو والضاد، في اللغة مصدر وأصله بمعنى الحسن والنظافة، والوَضوء بفتح الواو وضم الضاد، هو الماء الذي يُتوضأ به (الفراهيدي؛ الفيومي؛ الجوهري؛ ابن فارس، كلمة وضأ). والفقهاء أيضاً على هذا الرأي، وهو أن الوُضوء بضم الواو اسم مصدر، ومصدره التوضؤ (الشهيد الثاني، ج1، ص 69). من الواضح جداً أنه في القرآن الكريم، لم يُستخدم تعبير الوضوء والتوضؤ، وإنما أُشير فقط إلى أداء أربعة أفعال، أي غسلتين ومسحتين، وهي التي سماها النبي (صلى الله عليه وآله) وضوءاً وقال: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ» (النسائي، ج1، ص 85). وربما بسبب المناسبة بين الوَضوء بالفتح، والوُضوء بالضم، أدت هذه التسمية إلى أن الشارع المقدس قد سمى الأفعال الأربعة من غسل ومسح، التي هي عامل للنظافة الظاهرية والباطنية، وضوءاً.
1-2. الأحداث الموجبة للوضوء
ذكر الميرزا النائیني ستة أشياء كموجبات للوضوء، وهي: البول، الغائط، خروج الريح من مخرج الغائط، النوم، زوال العقل، والاستحاضة القليلة. ويضيف قائلاً: «الأول والثاني: البول والغائط، والظاهر أن المدار في صدقهما على خروج ما تدفعه الطبيعة من الثفل [الرواسب] والفضول من دون فرق بين خروجه من المخرج الطبيعي أو العارضي ولو مع عدم انسداد الطبيعي مطلقاً على الأقوى، بل وإن لم يكن الخروج على حسب المتعارف أيضاً، كما إذا كان قبل استكمال مراتب الهضم» (الغروي النائیني، وسيلة النجاة، 1439، ص 42).
المستند القرآني
أشار القرآن الكريم في آية الوضوء إلى ثلاثة من هذه الموجبات الستة وقال: «أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ». كلمة «الغائط» في الأصل تعني المكان المنخفض في الأرض. ثم أُطلقت هذه الكلمة كناية عن خروج المستقذرات من الإنسان، لأنهم لم يرغبوا في ذكر اسم هذا الفعل، فاشتقوا له فعل «تغوط» (الفيومي، 1414، ج2، ص 457). إذن، من الناحية اللغوية، استخدام كلمة «غائط» هو كناية عن تخلّي الإنسان. وقد تبنى المفسرون هذا المعنى أيضاً. يكتب الطبرسي: كان الناس للتخلي يغيبون عن أعين الناس ويبرزون في مكان مطمئن. ثم زاد هذا الاستخدام حتى قيل للحدث «غائط» (الطبرسي، 1372، ج3، ص 79). ويكتب العلامة الطباطبائي أيضاً: استعمال كلمة غائط في المعنى المعروف اليوم هو استعمال جديد ومستحدث ومن قبيل الكنايات (الطباطبائي، 1390، ج5، ص 227). يجب ملاحظة أن كل استخدام كنائي يخرج مع مرور الزمن عن كونه كناية ويعود بعد فترة إلى معناه الحقيقي، مثل الكلمات الأخرى المستخدمة في هذا المجال، كـ«تواليت» التي كانت في الأصل بمعنى التزين ثم أصبحت كناية عن مكان الخلاء، وشيئاً فشيئاً أصبحت حقيقة في معنى مكان التخلي؛ بحيث يبدو أن استخدامها اليوم في التزين هو استخدام مجازي. يرى الميرزا النائیني أن الملاك في الغائطية هو الخروج من الأمعاء الغليظة أو، بتعبيره، الأمعاء السفلية، دون فرق بين المخرج الطبيعي وغير الطبيعي. بناءً على ذلك، إذا حدث خروج من المعدة، حتى لو لم يكن عن طريق الحلق أو حدث خروج من الأعلى، فإنه ليس ناقضاً؛ لأن الغائط لا يصدق عليه، والقرآن يقول: «أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ». على أي حال، فإن اقتصار القرآن الكريم على ذكر الغائط من بين موجبات الوضوء وعدم ذكر بقية الموجبات، هو لأن هذا المورد هو المصداق البارز للحدث. من ناحية أخرى، بما أن خروج الغائط يكون مصحوباً دائماً بخروج الريح والبول، بخلافهما، فإن المجيء من الغائط يشمل هذين الأمرين أيضاً.
2. غايات الوضوء
2-1. أفعال الوضوء أو التطهر
يكتب النائیني حول غايات الوضوء: «فيما يجب أو يستحب الوضوء له …». ثم يطرح مسائل:
2-1-1. الاستحباب الذاتي للوضوء
يقول: «الظاهر عدم الإشكال في استحباب الوضوء للمحدث بالأصغر لنفسه؛ سواء كان قاصداً لغاية أخرى أم لا، وإنما الإشكال في أن ما يستحب بنفسه هو نفس أفعاله والطهارة هي الغاية الموجبة لاستحبابه وأثر المترتب عليه بلاحاجة إلى قصده؟ أو أن المستحب بنفسه هو عنوان التطهر وهو عبارة عن الإتيان به بقصد الكون على الطهارة لا بنفسه، والأول وإن كان لا يخلو عن وجه قوى، لكن الأخير أحوط» (الغروي النائیني، 1439، ص 44).
المستند القرآني
يعتبر السيد النائیني أصل استحباب الوضوء للمحدث حدثاً أصغر أمراً مسلماً به؛ ولكنه يتردد في متعلق الاستحباب، هل نفس أداء الغسلتين والمسحتين هو المستحب، وفي حصول الطهارة لا حاجة إلى قصد زائد، أم أن عنوان التطهر هو المستحب؛ أي أداء أفعال الوضوء بقصد حصول الطهارة. ورغم أنه يرى الأول أقوى؛ إلا أنه يعتبر الثاني احتياطياً، وذلك لأن الشارع في التشريع القرآني للوضوء قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ…» (المائدة: 6). هذا البيان من الشارع يوضح عدة نقاط: أولاً، الصلاة بدون طهارة غير مطلوبة. ثانياً، الشارع يطلب الوضوء تبعاً للصلاة. ثالثاً، الشارع سكت عن الوضوء بدون صلاة؛ ولكنه في ذيل تشريع أحكام الطهارات الثلاث وبعد نفي العسر والحرج قال: «وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ». هذا يعني أن الغاية المعلومة للأفعال في هذه الأمور هي الطهارة؛ وليس مجرد الغسل والمسح والاغتسال وضرب اليد على التراب وما شابه؛ بناءً على ذلك، يمكن لنفس الطهارة أن تكون غاية للوضوء.
2-2. غايات الوضوء
يكتب: «ينقسم الوضوء باعتبار غاياته إلى ما يكون مطلوباً عن المحدث بالأصغر وأثره الطهارة عن الحدث، أو من المتطهر وأثره تجديد طهارته، أو من المحدث بالأكبر وأثره رفع الكراهة عما توضأ له» (الغروي النائیني، 1439، ص 44).
المستند القرآني
رسم المحقق النائیني ثلاث غايات للوضوء: أ) الطهارة من الحدث. ب) تجديد الطهارة، وفي الحقيقة تحصيل الطهارة في حال التطهر. ج) الطهارة لرفع الكراهة، في حال الحدث الأكبر. المستند القرآني للغايتين الأوليين هو أصل تشريع الوضوء للصلاة والأعمال المشروطة بالطهارة، حيث قال بخصوص الصلاة: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ…». بالطهارة الحاصلة من هذه الأفعال، وبمساعدة التبيين الروائي، يجوز كل عمل مشروط بالطهارة. بخصوص تجديد الوضوء للصلاة، اعتبره بعض المفسرين واجباً. (راجع: القرطبي، بدون تاريخ، ج6، ص 81؛ فاضل مقداد، 1373، ج1، ص 8). بالطبع، منكرو الوجوب لا ينكرون دلالة الآية؛ بل نفوا الوجوب بسبب الإجماع. على أي حال، إطلاق فقرة «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ…» يكفي لاستحباب تجديد الوضوء؛ لأنه كلما أراد الشخص الصلاة، توجه إليه خطاب «إِذَا قُمْتُمْ…»، ومع نفي الوجوب، يبقى جواز الاستحباب.
2-3. غايات الوضوء من الحدث
يكتب: «تنقسم غاياته في القسم الأول إلى ما تكون الطهارة شرطاً لصحته وتبطل بدونها، وهو ما عدا صلاة الأموات من الصلوات بأنواعها وما يتبعها من أجزائها المنسية، بل سجدتي السهو … وإلى ما يتوقف جوازه عليها ويحرم بدونها وهو مس كتابة القرآن …» وأيضاً «ويجب الوضوء لما وجب من الصلاة والطواف، بل المس أيضاً على الأقوى مضافاً إلى بطلان الأوليين وحرمة الثالث بدونه، من دون فرق في وجوبه بين أن يكون بالأصالة أو بنذر ونحوه» (الغروي النائیني، 1439، ص 45). يقسم الميرزا النائیني القسم الأول من غايات الوضوء، أي الطهارة من الحدث، إلى ثلاثة أقسام: أ) ما تكون الطهارة شرطاً لصحته، مثل جميع الصلوات – باستثناء صلاة الميت – وأجزاء الصلاة المنسية وسجود السهو. ب) ما تكون الطهارة شرطاً لجوازه، مثل مس كتابة القرآن. ج) أداء العمل، بطهارة منذورة.
المستند القرآني
القسم الأول هو نفس الفقرة الشريفة «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ…» (المائدة: 6)، التي تجعل الطهارة شرطاً للصلاة بشكل مطلق، وهذا الإطلاق يشمل الصلاة الواجبة والمستحبة، ولو لم يكن هناك دليل على استثناء صلاة الميت أو هويتها الدعائية، لشملها أيضاً.
مستند مس المشروط بالطهارة
المستند القرآني للقسم ب – اشتراط مس كتابة القرآن بالطهارة – هو الآية الكريمة «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» (الواقعة: 79)، التي نهت عن مس القرآن بدون طهارة من الحدث. الاستدلال بهذه الفقرة على المسألة مبني على ما يلي: أولاً، المراد من «لا يمسه» هو النهي، لا النفي. ثانياً، المراد من المس هو اللمس بالجارحة، لا إدراك الحقائق القرآنية. ثالثاً، المراد من الماس هم البشر المكلفون، لا الملائكة المقربون والمطهرون من الذنوب. رابعاً، المراد من الممسوس هو القرآن، لا الكتاب المكنون. نذكر هنا باختصار بعض النقاط ونحيل تفصيلها إلى الفقه: 1. في دور جملة «لا يمسه» في الدلالة على النهي عن مس كتابة القرآن، لا يلزم أن تكون الجملة نهيية وإنشائية؛ بل بكونها نافية يمكن أيضاً الاستدلال على النهي بعنوان «الإنشاء بلسان الإخبار»؛ كما في الآية الشريفة «فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا» (البقرة: 97). يصرح الشيخ الطوسي بأن فقرة «من دخله…» وإن كانت خبراً، إلا أن المقصود منها هو الأمر (الطوسي، بدون تاريخ، ج2، ص 537). 2. يعتقد بعض المفسرين أن مرجع الضمير في «لا يمسه» هو الكتاب؛ لأن الفقرة المستدل بها هي وصف للكتاب المكنون. العلامة الطباطبائي، مع إمكانية كون فقرة «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» وصفاً ثالثاً للقرآن، يرجح كونها وصفاً للكتاب المكنون. ويضيف أن نتيجة كلا الوصفين واحدة؛ لأن المعنى هو: الكتاب المكنون الذي فيه قرآن، أو القرآن الذي في الكتاب المكنون، لا يمسه إلا المطهرون (الطباطبائي، 1390، ج19، ص 137). يبدو أن الضمير في «لا يمسه» يعود إلى القرآن المذكور في الآيات السابقة: «فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ» (الواقعة: 76-79)؛ كما يرى بعض المفسرين الآخرين مثل الشيخ الطوسي – رغم قبوله بأن المراد من الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ – أن مرجع الضمير هو القرآن، ويصرح بهذا الأمر قائلاً: «وعندنا إن الضمير راجع إلى القرآن» (الطوسي، بدون تاريخ، ج9، ص 510). ويكتب الزمخشري أيضاً: لو اعتبرنا فقرة «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» وصفاً للقرآن – وهو يعتبرها وصفاً ثالثاً للقرآن – لكان المعنى «لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس». أي مس المكتوب من القرآن (الزمخشري، 1407، ج4، ص 469). سياق الآيات يؤيد هذا الادعاء؛ فبالإضافة إلى أن الفقرة المستدل بها هي وصف ثالث للقرآن في هذه السلسلة من الآيات، فإن الآية التي تليها والتي تقول: «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» هي دليل آخر على ذلك؛ لأن المراد من التنزيل هو القرآن الذي نزل؛ وليس ما هو في اللوح المحفوظ. 3. حسب رأي ابن عربي، الرأي الصحيح في تفسير فقرة المس هو أنه لا يتذوق طعم القرآن إلا المطهرون من الذنوب – وهم التائبون والعابدون (ابن عربي، بدون تاريخ، ج4، ص 1738). إدراك طعم القرآن، إذا كان بمعنى إدراك الحقائق، وهو المس العلمي. العلامة الطباطبائي أيضاً، بالنظر إلى ترجيح وصف الكتاب المكنون بـ«لا يمسه …» يكتب: المراد من مس القرآن هو العلم به الذي في الكتاب المكنون؛ كما تشير إليه آية «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ» (الزخرف: 4)، والمراد من المطهرين هم الذين طهرهم الله من رجس المعاصي وقذارات الذنوب، كما قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (الأحزاب: 33)؛ لا أن المراد هو الطهارة من الخبث أو الحدث (الطباطبائي، 1390، ج19، ص 137). وبالطبع يجب الانتباه إلى أن ما هو في مقام اللدنية وبوصف علي وحكيم، غير قابل للتعقل؛ ولهذا السبب، بالجعل الإلهي، أصبح قرآناً عربياً ليكون قابلاً للتعقل. 4. بالإضافة إلى نظرية الإدراك والمس العلمي، توجد عدة آراء أخرى: 1. المقصود أن «لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون». 2. المراد من المس هو التنزيل؛ أي «لا ينزل به إلا المطهرون، أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء». 3. المراد من المس هو القراءة؛ أي «لا يقرؤه إلا الموحدون». وبهذا البيان فإن اليهود والنصارى لا يحق لهم قراءة القرآن (القرطبي، بدون تاريخ، ج17، ص 226). 4. المقصود هو المس بمعنى القرب المعنوي من قبل المطهرين من الذنوب، أي الملائكة. 5. المراد هو المس بالجوارح من قبل المطهرين من الحدث (الطوسي، بدون تاريخ، ج9، ص 510؛ الزمخشري، 1407، ج4، ص 469). 6. يضيف الطبرسي: «عندنا أن الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مس كتابة القرآن» (الطبرسي، 1372، ج9، ص 341). 7. المراد من الماسين يختلف أيضاً باختلاف نوع المس. على سبيل المثال، فسره البعض بالموحدين (راجع: الطبرسي، 1372، ج9، ص 341). تفسير المطهرين بالموحدين قد يعني الطهارة من الشرك، وبالتالي، شرط فهم القرآن أو ملامسته هو نفي الشرك. ومن خلال الآراء السابقة، اتضح أيضاً أن الماس في الآية قد يكون الأئمة (عليهم السلام)، الملائكة، القراء، الصحابة، وعموم المكلفين. 8. المراد من الممسوح إما القرآن أو الكتاب المكنون. إذا كان المقصود القرآن، فسيكون المس بالجوارح، وإذا كان المقصود الكتاب المكنون، فسيكون المس علمياً وإدراكاً باطنياً. في المطالب السابقة، قيل إن فقرة «لا يمسه…» هي وصف ثالث للقرآن، والآية التالية دليل على ذلك؛ إذن، كون الممسوح هو القرآن متعين. في النتيجة، يبدو أنه من بين الأفعال الستة المتعلقة بالمس وفاعليها، أي إدراك طعم القرآن، تنزيل القرآن، قراءة القرآن، الوصول إلى اللوح المحفوظ، المس العلمي، المس الباطني والمس بالجوارح التي وردت في كلام المفسرين، فإن الحالات الثلاث الأولى ليس لها دليل؛ والرابعة ليس لها ثمرة علمية وعملية. بناءً على ذلك، فإن الحالتين الأخيرتين فقط هما المعتبرتان؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن استخدام هذه الكلمة في القرآن يعبر عن التماس الجوارح، لا الإدراك العلمي والفهم وتلقي الطعم. كما قال تعالى: «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ» (مريم: 20) وكذلك: «وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ» (البقرة: 237)، وهو بمعنى التلامس الجسدي. نعم، استُخدمت هذه المادة بمعنى إصابة الخير والشر والعذاب وما شابه ذلك، كما في قوله تعالى: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (الأنعام: 17)، وقوله: «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ» (آل عمران: 140). وكما استُخدمت بمعنى تلقي الوسوسة الشيطانية، كما في قوله: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا» (الأعراف: 201). بناءً على ذلك، لا يوجد شاهد قرآني على استخدام كلمة «مس» بمعنى الإدراك، العلم، الفهم وما شابه، وإذا استُفيد من دليل منفصل، فسيكون من باب المعنى الباطني أو التأويلي الذي هو معتبر في محله ولا يتنافى مع الحكم الظاهري. بناءً على ذلك، بالإضافة إلى أن المس بالجوارح يمكن فهمه بدون تكلف، فهو قابل للجمع مع المس الباطني؛ بمعنى أنه من جهة، يُستفاد من ظاهر الآية حكم اشتراط مس كتابة القرآن بالطهارة من الحدث، ويكون مستنداً للحكم الفقهي بمنع مس المحدث، ومن جهة أخرى، فإن المس العلمي والوصول إلى حقائق القرآن كمعنى باطني للآية هو من صلاحيات الأئمة (عليهم السلام).
2-4. الوضوء المنذور
يكتب المرحوم النائیني: «لو نذر الوضوء لغاية غير واجبة فإن نذرهما معاً أو نذر الوضوء لها منجزاً مطلقاً لزمه الإتيان بهما طبق نذره» (الغروي النائیني، 1439، ص 46).
المستند القرآني
إذا نذر شخص أن يتوضأ لأداء قراءة مستحبة، في هذه الحالة قد يكون الفعل المنذور هو الوضوء فقط أو كل من القراءة والوضوء، ويجب عليه أداء كلا الفعلين حسب نذره؛ لأنه مشمول بأدلة وجوب الوفاء بالنذر. المستند القرآني لهذا الحكم هو الآيات المتعلقة بالنذر؛ منها قوله تعالى: «وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ» (البقرة: 270)، وكذلك قوله: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا» (الدهر: 7). جملة (نذرتم) معطوفة على (أنفقتم)، وكلمة «ما» موصولة ومتضمنة معنى الشرط، ولهذا السبب دخلت الفاء على خبرها: «فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ» (فاضل مقداد، 1373، ج2، ص 115). تدل فقرتان من هذه الآية على وجوب أداء النذر: أ) فقرة «[مَا] نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ»، بمعنى أن كل ما تنذرونه من أداء الطاعات أو ترك المعاصي، وكذلك النذر بترك الطاعات أو ارتكاب المحرمات، فإن الله عليم به ويجازي عليه بالثواب أو العقاب. ب) التهديد في ذيل الآية: «وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ»، أي أن مخالفة أداء النذر ظلم وعليها عقاب، ولن يكون له ناصر يوم الجزاء. الآية الثانية التي نزلت في شأن علي (ع) وفاطمة (ع) وفضة (فخر الرازي، 1420، ج30، ص 746؛ القرطبي، 1364، ج19، ص 130؛ ابن الجزري، 1416، ج2، 437)، تدل أيضاً من جهتين على وجوب الوفاء بالنذر: الأولى من جهة المدح في الآية الذي يفيد رجحان الوفاء بالنذر. الثانية من جهة سياق الآية وعطف الوفاء بالنذر على موضوع الخوف من شر يوم القيامة؛ بمعنى أن الخوف من الشر المستطير، وهو واجب يقيناً، لا يمكن أن يُعطف على أمر مستحب تركه لا يوجب عذاباً (فاضل مقداد، 1373، ج2، ص 115).
2-5. مس كتابة القرآن
يكتب المرحوم النائیني: «المدار فيما يحرم من مس كتابة القرآن على المحدث على وصول شيء من أجزاء بدنه إلى شيء من الكلمات القرآنية من دون فرق فيه بين الإبتداء والإستدامة وكونه إصلاحاً أو محواً له وغير ذلك. ولا في الماس بين أن يكون من الأجزاء الظاهرة أو الباطنة، كاللسان والأسنان عدا الشعر على الأقوى. ولا في الممسوس بين أنواع الخطوط ولا في رسمه بين أن يكون مستقيماً أو مقلوباً، ولا بين أن يكون كتباً بالقلم، أو مداً أو تشديداً، بل وإن كان حركة على الأحوط» (الغروي النائیني، 1439، ص 46).
المستند القرآني
في كلام النائیني، تم بيان فروع على أصل حرمة مس القرآن؛ مثل عدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، عدم الفرق بين الإصلاح والمحو، عدم التفاوت بين أجزاء البدن الظاهرة والباطنة، عدم الفرق بين أنواع الخطوط، عدم التفاوت بين الرسم المستقيم والمقلوب، عدم الفرق بين المكتوب بالقلم، وبين المد والتشديد والحركة. المستند القرآني لكل هذه الأمور هو إطلاق فقرة «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ». نعم، قد يقال إن إطلاق القرآن على العلامات الدالة على الحركات والنقاط مشكل، خاصة أنها من الأمور المستحدثة؛ ولكن يجب القول إن المد والتشديد يعبران عن حرف من حروف القرآن، ورغم أن هذا الشكل ظاهرة جديدة، إلا أن حكم القرآن يشمله. أما العلامات التي تبين الحركات والسكون، فيصح سلب قرآنيتها؛ ولهذا السبب احتاط النائیني في هذه الأمور.
2-6. عدم اعتبار القصد في الكتابة
«إن ما كان متمحضاً في القرآنية فحرمة مسه لا تدور مدار نية الكاتب أصلاً، بل لو ارتسم من هبوب الرياح يلحقه حكمه. نعم، ما ليس بنفسه متمحضاً لها فالعبرة في قرآنيته بقصد الكاتب ولو شك فيه جاز مسه» (الغروي النائیني، 1439، ص 46).
المستند القرآني
أشار المحقق النائیني في هذا الفرع الفقهي إلى هذه النقطة الهامة، وهي أن الألفاظ الدالة على القرآن نوعان: بعضها قرآني محض، إما منفرداً أو مركباً، مثل فقرات «قل هو الله أحد»، «الله الواحد القهار» وما شابه، مما يكون قرآناً أياً كان كاتبه وكيفما كان. في هذه الحالات، لا تتوقف قرآنيته على نية الكاتب؛ بل بأي عامل كان، حتى لو كان بهبوب رياح مصحوبة بالغبار، أو بكتابة حروف عشوائية، إذا نُقشت كلمة من القرآن، فيجب مراعاة الطهارة من الأحداث بناءً على الآية الكريمة «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ». ولكن إذا لم يكن المخطوط والمكتوب قرآنياً محضاً، مثل «الذين»، «أنعمت عليهم»، «كتب عليكم» و«شهر رمضان»، والتي يمكن استخدامها في أي عبارة عربية، سواء كانت قرآناً، دعاء، كتاباً، مقالة وغيرها، فإن الأمر يعتمد على نية الكاتب؛ فإذا كانت للقرآن، وجبت مراعاة الطهارة بحكم «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»، وإلا، حتى في حالة الشك، فلا وظيفة عليه طبقاً لأصل البراءة.
2-7. استحباب الوضوء للنوافل
يكتب المحقق النائیني: «يستحب الوضوء للصلوات النوافل مطلقاً، مضافاً إلى اشتراط صحتها به ولغير الواجب من المس ايضاً مضافاً إلى توقف جوازه عليه» (الغروي النائیني، 1439، ص 46).
المستند القرآني
بعض العبادات وإن كانت مستحبة ذاتاً، مثل العمرة المفردة، الاعتكاف، نوافل اليومية وما شابه؛ إلا أن هذه العبادات نوعان: 1. نوع يجب بإتمامه عند الشروع فيه، مثل العمرة التي هي مستحبة قبل الإحرام؛ ولكن بعدها يجب إتمام الأعمال والخروج من الإحرام، ومثل الاعتكاف الذي بإتمام اليوم الأول والثاني، يصبح اليوم الثالث واجباً، وبإتمام اليوم الرابع والخامس، يصبح اليوم السادس واجباً. 2. نوع يكون فيه العمل الاستحبابي مستحباً ذاتاً؛ ولكنه يحتاج إلى شرط لتحققه وصحته؛ بحيث إذا لم يتوفر الشرط، لا يكون العمل صحيحاً. صلوات النافلة وشرط الطهارة من هذا النوع. مستند هذا الحكم هو إطلاق الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا…» (المائدة: 6) التي تشمل الصلوات الواجبة والنوافل. الفرع الآخر الذي طرحه الميرزا النائیني هنا هو استحباب الوضوء للأمور غير الواجبة في المس، مثل حمل المصحف، قراءة القرآن، إصلاحه وترميمه. مستند هذا الحكم هو مراعاة مقدمية لتحقيق «لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ».
2-8. تجديد الوضوء
يكتب الميرزا النائیني: «لا إشكال في استحباب الوضوء لتجديد الطهارة في الجملة والظاهر اختصاصه بالمتطهر من الأصغر دون الأكبر…. لكن الظاهر جوازه بعد دخول وقت آخر، بل عند تجدد غاية أخرى بعد الإتيان بما توضأ له مطلقاً» (الغروي النائیني، 1439، ص 47).
المستند القرآني
يرى النائیني أن استحباب تجديد الوضوء بشكل إجمالي لا إشكال فيه. مستند هذه الفتوى هو الآية الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا…»؛ لأنه كما قيل سابقاً، إطلاق «إذا قمتم» يشمل كلاً من المتطهر والمحدث، وإذا استطعنا رفع وجوب التطهر الجديد بالنسبة للمتوضئ، يبقى استحبابه؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن الوضوء الجديد هو تجديد أو تقوية لنفس الطهارة السابقة؛ لا غيرها. بناءً على ذلك، مع وجود الطهارة الكبرى، لا وجه للتطهر بالطهارة الصغرى؛ إلا إذا حان وقت جديد؛ مثل أن يكون قد اغتسل من الجنابة لصلاة الصبح وبقي بدون حدث حتى وقت صلاة الظهر، في هذه الحالة، يمكن تصور توجه خطاب «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا…» إليه، وكذلك إذا أراد تلاوة القرآن على فرض بقاء وضوء الصبح، فإنه كمخاطب بتحصيل الطهارة لعبادة مستقلة جديدة، سيقوم بذلك.
2-9. وضوء واحد لغايات متعددة
يكتب المحقق النائیني: «إذا كانت للوضوء غاية واحدة واجبة أو مستحبة فتوضأ لها أو للكون على الطهارة، كان على طهارة ما لم يحدث، وأجزأه عن الوضوء لكل غاية واجبة أو مستحبة، وإن استحب له تجديده».
المستند القرآني
عندما يتوضأ شخص لإحدى الغايات المشروطة بالطهارة، سواء كانت واجبة أو مستحبة، ويكون متطهراً بالطهارة المائية الصغرى، فطالما لم ينتقض وضوؤه، فإنه يكفي للغايات الأخرى؛ لأن التطهر اللازم حاصل. في الحقيقة، تتمة آية الوضوء التي تنفي العسر والحرج، قالت: «لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ». الطهارة الحاصلة التي كانت للغاية الأولى، تكفي في حالة بقائها؛ لأن الغرض هو وجود الطهارة.
3. أفعال الوضوء
يجب الانتباه إلى أنه خلافاً للعبادات الأخرى والعقود والإيقاعات وبعض الحدود، لم يذكر القرآن اسم الوضوء؛ بل اكتفى بذكر أربعة أفعال – غسلتين ومسحتين – كشرط لصحة الصلاة، وبعد ذلك وربما قبله – بالنظر إلى نزول سورة المائدة في أواخر البعثة – سُمّي في كلام النبي بالوضوء.
3-1. غسل الوجه
يكتب المحقق النائیني في أفعال الوضوء: «هي غسلتان ومسحتان، فالغسلتان للوجه واليدين». ثم يضيف: «الوجه هو ما بين قصاص الشعر وطرف الذقن طولاً وما اشتملت عليه الوسطى والإبهام عرضاً… والمرجع في تحديد ما يجب غسله في غير مستوى الخلقة… إلى مستوى الخلقة وأما في طول أصابعه أو قصرها فإلى ما يناسبه. ويجب البدأة بالأعلى تحقيقاً وكونه إلى الأسفل عرفاً، وأما كونه إلى الأسفل فالأسفل فيكفي فيه أن يكون على وجه لا يصدق النكس» (الغروي النائیني، 1439، ص 51).
المستند القرآني
يعتبر المحقق النائیني غسل الوجه في مستوى الخلقة من حيث الطول من منبت شعر الرأس إلى نهاية الذقن، ومن حيث العرض ما بين الإبهام والوسطى. ويرى أنه يجب البدء من الأعلى والانتهاء إلى الأسفل. المستند القرآني لأصل غسل الوجه هو الفقرة الشريفة «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» (المائدة: 6)؛ ولكن كميته وكيفيته، رغم أنه يجب الرجوع إلى الأحاديث كتفصيل للآيات، إلا أنه يمكن القول إن غسل الوجه، من حيث الكم والكيف، أمر عرفي لم يسع الشارع إلى تعليمه. لذلك، أحاله إلى العرف؛ بعبارة أخرى، يمكن استنباط حدود طول وعرض الوجه من الآية من منظور عرفي. الفرع الآخر الذي طرحه المرحوم النائیني هنا هو أن الغسل يجب أن يكون من الأعلى إلى الأسفل؛ بحيث يصدق عليه عرفاً أنه من الأعلى؛ ولكن إذا غسل الوجه قطعة قطعة من الأسفل، فإنه يصح إذا لم يصدق عليه النكس – أي الغسل من الأسفل إلى الأعلى. كما صرح النائیني نفسه، فإن المدار في هذا الحكم هو العرف؛ بمعنى أن هناك طريقة عرفية لغسل اليد والوجه، وقد اعتمد الشارع عليها. لذلك، ليس الشارع في مقام تعليم العرفيات، مثل غسل اليد والوجه؛ لأن بيان الأحكام في مثل هذه المسائل التي موضوعها اليد والوجه والغسل، سيكون على مدار العرف؛ ولهذا السبب، اكتفى ببيان الحكم بخطاب «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ».
3-2. غسل اليدين
يكتب المحقق النائیني: «فالغسلتان للوجه واليدين … فأما اليدان فالواجب غسلهما من المرفقين وهما مجمع عظمي الذراع والعضد، وسل شيء من فوق المجمع من العضد مقدمة وتجب البدأة بالأعلى حسب ما مر في الوجه. ومن قطع بعض يديه غسل ما بقى مبتدئاً من المرفق، ولو قطعت من المرفق بحيث لم يبق شيء سقط وجوب غسلها … ولو كانت له يد أخرى مستقلة فإن علمت زيادة إحداهما بعينها لم يجب غسلها وإلا وجب ومسح بهما» (الغروي النائیني، 1439، ص 52). تعريف المرحوم النائیني للمرفق يطابق رأي أهل اللغة الذين يقولون: المرفق والمِرفق، هو موضع اتصال الذراع بالعضد (ابن فارس، 1404؛ الجوهري، 1407 والفيومي، 1414: كلمة رفق).
المستند القرآني
يشتمل كلام المحقق النائیني على عدة فروع: 1. الغسل حتى المرفق. 2. وجوب البدء من المرفق. مستند ما قاله الميرزا النائیني، بغض النظر عن روايات الباب، هو الفقرة الكريمة «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ»؛ ولكن قد يقال إن الاستنباط من الآية هو العكس؛ لأن الآية تقول: «إلى المرافق» لا «من المرافق»! في الجواب يجب القول: لا شك أن كلمة «إلى» من أدوات الغاية، والمرفق هو غايتها، والغسل هو المغيّا بهذه الغاية؛ ولكن الحقيقة أن «إلى» هنا لا تدل على لزوم بدء الغسل من المرفق والانتهاء عند أطراف الأصابع؛ لأن الغسل مسألة عرفية، والشارع ليس في مقام تعليمها؛ بل في مقام تحديد حدودها، وفي الحقيقة تدل على غاية المغسول وهو المرفق؛ لا غاية الغسل التي هي تحديد الاتجاه. من هذا المنطلق، يكفي الرجوع إلى العرف لتحديد غاية الغسل، وواضح أنه في مثل هذه المغيّيات، فإن الفهم والاستيعاب العرفي هو نفس رأي الشيعة ومنهم آية الله النائیني؛ كما لو قيل لدهّان أو نقاش في العرف والمجتمع: يجب دهن هذا الجدار من الأسفل إلى الأعلى؛ فإنه لا يعني بالضرورة البدء من الأعلى. بالإضافة إلى ذلك، تكون أداة «إلى» مفيدة لتحديد الاتجاه عندما تكون مصحوبة بالمبدأ؛ بعبارة أخرى، يجب أن توجد «من» بجانب «إلى»، مثل «سرت من الكوفة إلى النجف»، وهو ما لا يوجد في الآية. 3. المقدمة العلمية: يعتقد جميع فقهاء الشيعة، ومنهم السيد النائیني، بوجوب غسل جزء يسير فوق المرفق؛ ولكن البحث يدور حول ما إذا كان هذا الأمر واجباً أصلياً أم واجباً مقدمياً. في كلتا الحالتين، لا يمكن استنباط هذا المطلب من الآية؛ لأن «إلى» بحد ذاتها لا تدل على دخول الغاية وما بعدها في المغيّا، بل تحتاج إلى قرينة؛ ففي مثل: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (الإسراء: 1)، الغاية داخلة في المغيّا، وفي مثل: «فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ» (البقرة: 280)، الغاية قطعاً ليست داخلة في المغيّا. في مورد البحث، لعدم وجود قرينة متصلة، يجب البحث عن قرينة منفصلة، والقول: يُستفاد من مجموع روايات الوضوء أن غسل المرفق لازم. نعم، يعتقد البعض أنه إذا كانت الغاية من جنس المغيّا، مثل المرفق الذي هو من جنس الذراع، فهي داخلة في المغيّا؛ إذن يجب غسلها. من ناحية أخرى، يعتقد البعض أن كلمة «إلى» هنا بمعنى «مع» (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، بدون تاريخ، ج6، ص 86)، كما في الآية الكريمة «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ» (النساء: 2)، بالإضافة إلى القرطبي، يرى الطبرسي أيضاً هذا الرأي (الطبرسي، مجمع البيان، 1372، ج3، ص 7). والآلوسي أيضاً بتعبير «لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم»، فسّر «إلى» بمعنى «مع» (الآلوسي، روح المعاني، 1415، ج2، ص 399). من هذه الجهة، وبدلالة الآية، يجب غسل المرفق نفسه. 4. قطع العضو: إذا قُطع جزء من يد شخص، مثل الأصابع، المعصم، أو وسط الساق، فيجب عليه غسل الجزء المتبقي، وإذا قُطع العضو بالكامل، فلا يلزم غسله. يبدو أن إطلاق «فَاغْسِلُوا… أَيْدِيَكُمْ» الذي هو أمر بغسل الأيدي، في الحالات الثلاث (كاملة، ناقصة، ومقطوعة) يتوجه إلى المكلف. ومن الطبيعي أن يُغسل ما هو موجود من المغسول. 5. غسل اليد الزائدة: أشار المحقق النائیني إلى فرع نادر. وهو أنه إذا كان لشخص، بالإضافة إلى يديه العاديتين، يد زائدة، فما حكمه؟ يرى أنه إذا علم المكلف أي عضو هو الزائد، فلا يجب غسله، وإذا لم يعلم، فيجب أن يغسله ويمسح به أيضاً. مستند هذا الحكم هو فقرة «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ» التي تأمر بغسل الأيدي. من الواضح أن القطعة المعلوم عدم كونها من الأصل خارجة عن الأمر؛ ولكن العضو المشكوك يجب غسله ليحصل القطع بغسل أعضاء الوضوء. 6. غسل العضو كاملاً: من الفروع التي أشار إليها المحقق النائیني؛ أنه لا ينبغي أن يبقى أي جزء من العضو، ولو بحجم رأس شعرة، غير مغسول، وإلا بطل الوضوء. المستند القرآني لهذا الفرع هو الفقرة الشريفة «فَاغْسِلُوا… أَيْدِيَكُمْ»، فعندما يطلب المولى غسل الأيدي، لا يكون مراده مطلق الغسل ليصدق على الغسل الناقص؛ بل أراد الغسل المطلق.
3-3. مسح الرأس
تناول آية الله النائیني في تتمة أحكام الوضوء وجوب مسح الرأس وكيفيته وكتب: «والمسحتان للرأس والقدمين…. فأولهما [مسح الرأس] مسح شيء من مقدم الرأس والأحوط عدم النكس وعدم الإجتزاء بما دون عرض إصبع، وأحوط منه أن لا يكون أقل من عرض ثلاث أصابع، والمرأة كالرجل، والمراد بمقدم الرأس ربعه مما يلي الجبهة. فلا يجزى المسح على غيره، ويكفى على شعره المختص به دون الخارج بمده عن حده. ويجب أن يكون المسح بما بقى من نداوة الوضوء، لا بماء جديد، وأن يكون بباطن الكف الأيمن وبالأصابع أولى» (الغروي النائیني، 1439، ص 52-53).
المستند القرآني
في كلام المحقق النائیني، توجد فروع: 1. أصل مسح الرأس: يستند هذا الحكم إلى الفقرة الكريمة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ… وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ» (المائدة: 6). هذه الفقرة الشريفة، بالإضافة إلى ذلك، تصرح بأصل المسح وتفيد حقيقة أن المسح يجب أن يكون على الرأس نفسه؛ لأن ظاهر وسياق جملة «امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ» يشمل مسح العمامة. السياق من حيث أن غسلتين ومسحتين عُطفتا على بعضهما البعض والفرق الوحيد بينهما هو في الغسل والمسح؛ لا في شيء آخر. من هنا اتضح أنه لا يمكن الادعاء بأنه بما أن المسح يأتي بمعنى الغسل أيضاً، فإن الغسل يجزئ عن المسح؛ لأنه حتى لو قبلنا بوجود استخدام للمسح بمعنى الغسل في اللغة (الفيومي، 1414، ج2، ص 576: كلمة مسح)؛ فإن عطف المسح على الغسل هنا دليل على التغاير. 2. مسح قسم من الرأس: تشير هذه الفقرة إلى مسح جزء من الرأس. لأنه يُستفاد من تعبير «برؤوسكم» أن مسح بعض الرأس كافٍ وليس من اللازم مسح الرأس كله. بعبارة أخرى، «الباء» هنا بمعنى البعض؛ أي من البداية قال: «امسحوا بعض رؤوسكم»، وهذه حقيقة بالإضافة إلى الروايات الشيعية، مثل خبر زرارة الذي يقول: سألت الإمام الصادق (ع) من أين علمت أن المسح على بعض الرأس والقدمين؟ فقال: «يا زرارة! قاله رسول الله (ص) ونزل به الكتاب من الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل قال: … وامسحوا برؤوسكم. فعرفنا حين قال: برؤوسكم، أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه؛ فقال: وأرجلكم إلى الكعبين، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما…» (الحر العاملي، 1409، ص 23، ح 1)، وبعض علماء السنة يعترفون بذلك أيضاً. 3. تفاصيل كيفية المسح: أشار المحقق النائیني إلى تفاصيل يبدو أن الآية لم تتحدث عنها، وبعبارة أخرى، سكتت عن تفاصيل كيفية المسح؛ مثل أن يكون المسح ربع مقدمة الرأس؛ وأن لا يكون أقل من عرض إصبع وأن يتم بباطن الكف اليمنى. الحقيقة أن هذه الأمور يمكن فهمها بمساعدة العرف الذي أمضاه الشارع؛ لأنه في غير هذه الحالة، يصدق المسح بصعوبة. إذن، القرآن وإن علم أصل المسح الذي لم يكن يعرفه العرف؛ إلا أن جر اليد على الرجل لا يحتاج إلى تعليم من الشارع. فأوكل ذلك إلى العرف. 4. المسح بالماء المتبقي في اليد: من فروع المسح أنه لا ينبغي أن يكون بماء إضافي؛ بل يجب أن يتم بالماء المتبقي في اليد. هذه المسألة، بالإضافة إلى أن لها مستنداً روائياً، مثل رواية بكير وزرارة عن الإمام الباقر (ع) حيث سُئل عن وضوء النبي (ص)، فقال: «… ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماءً» (الحر العاملي، 1409، ج10، ص 392). يمكن استنباط هذا المطلب أيضاً من سياق الآية «… إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»؛ لأنها عطفت مسح الرأس والقدمين على غسل الوجه واليدين بدون فاصل. 5. تساوي الرجل والمرأة: صرح المحقق النائیني بأن المرأة مثل الرجل. يجب الانتباه إلى أن جميع الأحكام الشرعية، طبقاً لقاعدة الاشتراك في التكليف، متساوية بين الرجل والمرأة. يكتب السيد البجنوردي في هذا المجال: «من جملة القواعد الفقهية، قاعدة «اشتراك المكلفين في الحكم رجالاً ونساءً إلى قيام يوم القيامة»؛ يعني اشتراك جميع المكلفين، رجالاً ونساءً، في التكاليف والأحكام» (بجنوردي، 1377، ج2، ص 53) إلا إذا كان هناك دليل تكويني أو تشريعي على الاختصاص بجنس واحد. في التكوين، مثل غسل الحيض، النفاس، وأحكام الحمل، وفي التشريع، مثل بعض المحرمات الخاصة بالرجال أو جوازها للنساء في حال الإحرام. ولكن غالبية الأحكام والتكاليف؛ في مجال العبادات، العقود، الإيقاعات، والحدود، مشتركة بين الرجل والمرأة. في هذا المجال، يمكن استنباط أصل الاشتراك من خطاب «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ» (المائدة: 6)؛ لأن التذكير في «الذين آمنوا»، «قمتم»، «امسحوا»… ليس دليلاً على كون الأحكام خاصة بالرجال؛ بل هو بسبب غلبة التذكير أو الاكتفاء بذكر أفعالهم في بيان الأحكام، طبقاً لأدبيات اللغة العربية.
3-4. مسح القدمين
الفعل الرابع في الوضوء هو مسح القدمين، وقد تناوله النائیني وكتب: «والمسحتان للرأس والقدمين» و«مسح القدمين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وهما قبتا القدمين، مدخلاً لهما في المسح، والأولى بل الأحوط أن ينتهى بالمسح إلى مفصل الساق، ويُجزى من العرض ما يتحقق به مسماه، وليقدم اليمنى باليد اليمنى ثم اليسرى باليسرى على الأحوط، وإن كان الأقوى جواز مسحهما معاً، … ولا يجزى هنا مسح الشعر عن البشرة فضلاً عن غيره، كالخف والجورب وشراك النعل ونحوها، إلا لتقية فيجوز المسح على الخفين كما يجوز العمل في سائر أفعال الوضوء على التقية» (الغروي النائیني، 1439، ص 52-53).
المستند القرآني
في كلام الميرزا النائیني، توجد فروع في مسح القدمين: 1. مسح القدمين: يكتب النائیني أن المسح يجب أن يكون من الأصابع حتى الكعبين. مستند أصل المسح هو فقرة «وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» التي بعطف «أرجلكم» على «رؤوسكم» أصبحت ذات حكم واحد. وبالطبع يجب الانتباه إلى أن عطف «أرجلكم»، سواء كان على محل «رؤوسكم» ومنصوباً، أو على ظاهرها ومجروراً، فإن نتيجة حكم المسح لا تختلف. 2. حدود مسح القدمين: يعتقد المحقق النائیني، بتفسيره للكعب بأنه قبة ظهر القدم، أن حدود مسح القدمين من رؤوس الأصابع إلى العظم البارز على ظهر القدم، وهذا يطابق الاستخدام اللغوي لهذه الكلمة عند بعض أهل اللغة مثل الجوهري وابن الأعرابي (الفراهيدي، 1409، ج1، ص 207؛ الجوهري، 1407؛ الفيومي، 1414، كلمة كعب)؛ لا العظمين بين المفصل والقدم، كما قال فقهاء أهل السنة (الجزيري، 1402، ج1، ص 81). وبالطبع، احتياط النائیني هو بسبب تفسير الكعب بأنه عظما المفصل من قبل بعض أهل اللغة الآخرين (ابن فارس، 1404، كلمة كعب). بناءً على الرأي الأول، فإن تثنية الكعبين تعود إلى وجود كعبين في كل إنسان، وبناءً على الرأي الثاني، تعود إلى وجود كعبين في كل قدم. 3. نهاية المسح: بالنظر إلى أن القرآن الكريم قد غيّا مسح القدمين بكلمة «إلى» وقال: «وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»، يطرح هنا بحثان: أحدهما، أين يبدأ المسح؟ الجواب هو أن الشارع هنا، خلافاً لـ«إلى المرافق»، في مقام التعليم؛ لأن مسح القدمين غير معروف في العرف. ومن هذا المنطلق، فإنه في الواقع أعلن أن بداية المسح من الأصابع ونهايته الكعبين. الثاني، هل الكعبان أنفسهما داخلان في حدود المسح أم لا؟ يعتبر المحقق النائیني الكعبين داخلين في المغيّا. هذا الإلحاق قد يكون مثل دخول المرفق في غسل اليد بسبب المقدمة العلمية، وقد يكون بسبب معنى «مع» في «إلى الكعبين». 4. عرض المسح: يكتب المحقق النائیني في هذا الشأن: مسمى المسح مجزئ. المستند القرآني لهذا الحكم هو إطلاق فقرة «امسحوا»؛ لأنه من أمر المولى بالدخول في تفاصيل الوضوء حتى تحديد اتجاه المسح، يُعلم أنه في مقام البيان، ولو أراد أكثر من ذلك، لبينه حتماً. 5. الترتيب الزمني أو التزامن في المسح: يرى الميرزا النائیني أن تزامن مسح القدمين أقوى، ويحتاط في تقديم مسح اليمنى على اليسرى. المستند القوي لحكم التزامن هو إطلاق «امسحوا» الذي يطلب مطلق المسح، سواء كان متزامناً أو مرتباً زمنياً. 6. المسح على البشرة: يعتقد المحقق النائیني، مثل سائر فقهاء الشيعة وخلافاً لرأي فقهاء أهل السنة، أن المسح يجب أن يكون على جلد وبشرة القدم، ومن هذا المنطلق، لا يجوز المسح على الحذاء والجوارب ورباط الحذاء. مستند هذا الحكم، بالإضافة إلى الروايات، مثل رواية الحلبي الذي يقول: «سألت أبا عبد الله (ع) عن المسح على الخفين؟ قال: لا تمسح» (وسائل الشيعة، أبواب الوضوء، باب 37، ح 1). ظهور جملة «امسحوا برؤوسكم وأرجلكم» في وجوب المسح على البشرة ونفي الأمور الأخرى. 7. جواز التقية في الوضوء: بالنظر إلى بعض الروايات، مثل رواية أبي عمر الأعجمي عن الإمام الصادق (ع) الذي قال: «التَّقِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي النَّبِيدِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ» (الكليني، الكافي، 1407، ج2، ص 217)، قد يقال إن التقية في المسح على الخفين غير جائزة؛ ولكن المحقق النائیني يرى أن التقية في المسح على الخفين جائزة مثل سائر أفعال الوضوء. من آيات التقية، الآية الشريفة «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» (النحل: 106) والآية الكريمة «…إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» (آل عمران: 28) مقدمة على مثل هذا الحديث. 8. المسح برطوبة الوضوء: يكتب المحقق النائیني حول أصل المسح، سواء مسح الرأس أو القدمين: يجب أن يكون المسح برطوبة ماء الوضوء، لا بماء جديد. المستند القرآني لهذا الحكم هو اقتران الأمر بالمسح بالأمر بالغسل كما قال: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ». بملاحظة الآية، يُعلم أن مراد المولى من هذين الأمرين هو أن تغسلوا وتمسحوا. من البديهي أنه لو كان المراد من المسح الغسل، لاحتاج إلى ماء جديد، مثل غسل الأعضاء الثلاثة الأخرى.
4. شروط الوضوء
من المباحث التي تناولها المحقق النائیني شروط الوضوء. وقد قسم الشروط إلى قسمين، داخلية وخارجية، وتناول تحت كل منهما أموراً.
4-1. سعة الوقت
يكتب المحقق النائیني عن الشروط الخارجية للوضوء: «سعة الوقت للوضوء وانتفاء سائر ما يوجب الانتقال إلى التيمم» (الغروي النائیني، 1439، ص 55).
المستند القرآني
من المسائل التي تطرح في بحث الطهارات الثلاث، التيمم الذي هو طهارة ترابية، بدلاً من الطهارة المائية. وقد تناول النائیني نفسه في مبحث التيمم مسوغاته وأشار إلى أمور مثل فقدان الماء، ضيق الوقت، عدم القدرة، والخوف من الضرر (الغروي النائیني، 1439، ص 112). يبدو أن مسوغات التيمم في الحقيقة هي حلقة الوصل بين الغسل والوضوء من جهة، والتيمم من جهة أخرى. أشار القرآن الكريم في آيتين إلى هذا الموضوع وقال: «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» (النساء: 43؛ المائدة: 6)، مع فارق أنه في سورة النساء، بعد طرح مسألة الشكران والجنابة، وفي سورة المائدة، بعد بيان أفعال الوضوء والغسل، تناول التيمم. المهم هنا هو تعبير عدم وجدان الماء الذي قال: «فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً»؛ ولكن هذا التعبير لا يعني فقط فقدان الماء؛ بل المراد مطلق عدم الوجدان؛ سواء كان بسبب عدم وجود الماء، أو عدم وجود وقت للوضوء، أو عدم القدرة على الوضوء، أو عدم سلامة العضو للوضوء… بناءً على ذلك، فإن مفاد الآية، بالنظر إلى عطف جملة «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» على «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا…» وفقرة «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا»، يفيد أن المؤمنين المكلفين بالوضوء ينقسمون إلى ثلاث فئات: أ) المحدث في الحضر والسلامة، مع فرض وجود الماء، ووظيفته الوضوء. ب) المحدث في حال المرض، الذي يكون في معظم الحالات عاجزاً عن استخدام الماء. ج) المحدث في السفر، الذي يواجه في معظم الحالات عدم وجود الماء. الحكم المستفاد من الآية في الحالتين الأخيرتين هو التيمم؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن قيد العجز عن الاستخدام وعدم وجود الماء في الآية هو قيد غالبي، وإلا فإن الوظيفة في الحضر والسلامة أيضاً، مع عدم وجود الماء، هي التيمم؛ لأنه يصدق عليه المرض وعدم الوجدان.
4-2. طهارة الأعضاء
يكتب الميرزا النائیني: «طهارة كل واحد من أعضاء الوضوء عند غسله ومسحه وإن كان الأولى طهارة الجميع عند الشروع فيه» (الغروي النائیني، 1439، ص 55).
المستند القرآني
يقول القرآن الكريم في آية الوضوء: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ». هذه الفقرات الشريفة التي تأمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، بما أن هذه الأفعال الأربعة تتم بماء قليل، وخاصة في عملية المسح، فلا يمكن عرفاً أن يكون موضع الغسل والمسح متنجساً، وإلا فإن الماء القليل الملاقي للموضع المتنجس يتنجس ويسري إلى الأجزاء الأخرى. بناءً على ذلك، بحكم العرف المعتبر والمقبول قرآنياً، يجب أن تكون مواضع الوضوء طاهرة.
4-3. صلاحية الماء للوضوء
يكتب المحقق النائیني: «صلاحية الماء للتطهر به بأن يكون مطلقاً طاهراً بل غير مستعمل في رفع الحدث الأكبر على الأحوط» (الغروي النائیني، 1439، ص 56).
المستند القرآني
فقرة «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ»، التي تأمر بالغسل، تنصرف إلى الماء الطاهر المطلق؛ لأن غسل الأعضاء بماء مضاف، حتى لو كان ماء ورد، ليس متعارفاً. من هذا المنطلق، فإن القرآن بسكوته قد أوكل هذه الأمور إلى العرف؛ لأن الشارع المقدس ليس في مقام تعليم العرفيات التي هم على علم بها.
4-4. مباشرة المتوضئ في الأعمال
يكتب المحقق النائیني: «مباشرة المتوضئ جميع أفعاله بأن يصدر عنه نفس غسل الأعضاء ومسحها بمباشرته واستقلاله فيه» (الغروي النائیني، 1439، ص 61).
المستند القرآني
فقرة «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» التي تأمر المكلفين بالغسل والمسح، تتوجه مباشرة إلى المأمور نفسه، والأصل الأولي هو أن المكلف يجب أن يؤدي الفعل مباشرة وبنفسه، إلا إذا كان هناك دليل على إمكانية الاستعانة به وجوازها.
4-5. ترتيب الأعمال
يكتب الميرزا النائیني: «الترتيب بتقديم غسل الوجه ثم اليد اليمنى ثم اليسرى، ثم مسح الرأس، ثم الرجلين، ولا ترتيب بينهما، وإن كان الأحوط رعايته» (الغروي النائیني، 1439، ص 61).
المستند القرآني
في مستند الترتيب الأصلي بين الغسلتين والمسحتين، يمكن التمسك بالترتيب الذي أورده الله تعالى في آية الوضوء، حيث يقول: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ». لقد أمر القرآن بالترتيب، أولاً بغسل الوجه، ثم غسل اليدين، وبعد ذلك مسح الرأس ثم مسح الرجلين. الآن، إذا لم يكن هناك دليل من داخل الآية أو خارجها على خلاف هذا الترتيب، يمكن الاستناد إلى الآية؛ ولكن في الترتيبين الفرعيين؛ أي تقديم غسل اليد اليمنى على اليسرى وتقديم مسح القدم اليمنى على اليسرى، ليس لدينا دليل؛ خاصة في مسح القدمين حيث يمكن التزامن؛ أما في غسل اليدين، فلأن التزامن غير ممكن ويجب تقديم إحداهما على الأخرى، فربما يمكن بمساعدة العرف تقديم اليد اليمنى. كذلك في مسح القدمين، فإن احتياط الميرزا النائیني مبني على هذا الأمر.
الاستنتاج
ما يُستنتج من هذه المقالة هو: 1. الميرزا النائیني، كفقيه ومجتهد شيعي كبير، قد أورد آراءه الفقهية العملية في كتاب «وسيلة النجاة» كرسالة عملية، وبطبيعة الحال، لم يشر إلى مستندات الأحكام. وبالطبع، هذا الكتاب يتجاوز بكثير الرسائل العملية المألوفة اليوم في مسائل الأحكام، والتي تكتفي ببيان تكاليف ووظائف عباد الله بترقيم المسائل؛ بل هو أثر علمي. 2. هذا الفقيه الصمداني ليس من الإخباريين الذين يكتفون بالروايات في استنباط الأحكام الفقهية، ولا من القرآنيين الذين يكتفون بالاستنادات القرآنية بفكر الاكتفاء بالقرآن؛ بل هو فقيه يولي اهتماماً لكلا الثقلين الأكبر والأصغر؛ ويستند إلى آيات القرآن وروايات المعصومين (ع) في رؤيته العميقة، ويتناول استنباط الفروع الفقهية بفكر ثقليني. 3. يُستفاد من مباحثه أنه في نظر آية الله النائیني، يُعتبر العرف دليلاً فرعياً مقبولاً وممضى من الشارع وله مكانة خاصة، وحيثما لم يكن الشارع في مقام تعليم خاص؛ فقد أحال الأمر إلى العرف المقبول. 4. في هذا البحث، لم يتم تناول استنادات قرآنية في الفروع الفقهية كفرض للرأي على المحقق النائیني؛ بل كُتب بهدف إظهار أن استنباطات النائیني الفقهية، التي نشأت من أدلة روائية راسخة، يمكن أن يكون لها مستند قرآني أيضاً، وإذا نظر الفقهاء من هذا القبيل بعمق في آيات القرآن إلى الفروع الفقهية، فسيقدمون فقهاً قرآنياً متيناً.
قائمة المصادر
القرآن الكريم.
1. الآلوسي، محمود بن عبد الله (1415)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق: عبد الباري عطية، بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون.
2. ابن العربي، محمد بن عبد الله بن أبي بكر (بدون تاريخ)، أحكام القرآن، بدون ناشر: بدون مكان.
3. ابن جزي، محمد بن أحمد (1416)، التسهيل لعلوم التنزيل، تحقيق: خالد عبد الله، بيروت: دار الأرقم بن أبي الأرقم.
4. ابن فارس، أحمد (1404)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
5. البجنوردي، السيد محمد حسن (1377)، القواعد الفقهية، تحقيق: محمد حسين درايتي ومهدي مهريزي، قم: نشر الهادي.
6. الجبعي العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين بن علي (1422)، حاشية شرائع الإسلام، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي.
7. الجزيري، عبد الرحمن (1402)، الفقه على المذاهب الأربعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
8. الجصاص، أحمد بن علي (1405)، أحكام القرآن، تحقيق: محمد صادق قمحاوي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
9. الجوهري، إسماعيل بن حماد (1407)، تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين.
10. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409)، وسائل الشيعة، محقق: مؤسسة آل البيت (ع)، قم: مؤسسة آل البيت (ع).
11. الزمخشري، محمود بن عمر (1407)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت: دار الكتاب العربي.
12. الصابوني، محمد علي (1993)، تفسير آيات الأحكام من القرآن، حلب: دار القلم العربي.
13. الطباطبائي، السيد محمد حسين (1390)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
14. الطبرسي، فضل بن حسن (1372)، مجمع البيان في تفسير القرآن، تصحيح: فضل الله يزدي الطباطبائي وسيد هاشم رسولي، طهران: انتشارات ناصر خسرو.
15. الطوسي (شيخ الطائفة)، محمد بن الحسن (بدون تاريخ)، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق: أحمد قصير العاملي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
16. العاملي (الشهيد الثاني)، محمد بن جمال الدين (بدون تاريخ)، اللمعة الدمشقية (شرح اللمعة)، بيروت: دار العالم الإسلامي.
17. الغروي النائیني، محمد حسين (1439)، وسيلة النجاة، تصحيح: جعفر غروي نایيني، بدون مكان: دار التفسير.
18. الفاضل المقداد، جمال الدين مقداد بن عبد الله (1373)، كنز العرفان في فقه القرآن، تصحيح: محمد باقر شريف زاده ومحمد باقر بهبودي، طهران: مرتضوي.
19. ______ (1419)، كنز العرفان في فقه القرآن، تحقيق: سيد محمد قاضي، قم: مجمع جهاني تقريب مذاهب إسلامي.
20. فخر الرازي، محمد بن عمر (1420)، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
21. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1409)، العين، قم: نشر هجرت.
22. الفيومي، أحمد بن محمد (1414)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم: مؤسسة دار الهجرة.
23. القرطبي، محمد بن أحمد (1364)، الجامع لأحكام القرآن، طهران: انتشارات ناصر خسرو.
24. الكليني، محمد بن يعقوب (1407)، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري ومحمد آخوندي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
25. النسائي، أحمد بن شعيب (بدون تاريخ)، سنن النسائي، شرح: جلال الدين السيوطي، بيروت: دار الكتاب العربي.
الهوامش
1. أستاذ قسم القرآن والحديث بجامعة المصطفى العالمية؛ fakermaybodi@gmail.com.