الملخص
لتقديم ترجمة جيدة، يجب على المترجم أن يلتزم بالقواعد النحوية للغة المبدأ وأن يعادلها في لغة المقصد على أفضل وجه. أحد هذه الأصول هو الاهتمام بمعاني حرف الجر «الباء». يهدف هذا البحث إلى التعريف بأداء المترجمَين القرآنيين آيتي (ترجمة الجملة بالجملة) ومعزي (الترجمة الحرفية) في معادلة حرف «باء» السببية. وعليه، بالاستفادة من التفاسير ومصادر النحو في لغة المبدأ والمقصد وبمنهج استقرائي وتوصيفي تحليلي، تمّت دراسة ونقد ترجمتي آيتي ومعزي لمعنى سببية حرف الجر «الباء». تُظهر نتائج البحث أنه بسبب الالتزام بقواعد لغة المبدأ النحوية ومراعاة مبدأ الأمانة، تتجلى أفضل معادلة في ترجمة معزي، ولكن بما أن اللغة المعيارية المعاصرة هي المقياس في الترجمات الحالية، فإن ترجمة آيتي، بالإضافة إلى مراعاة قواعد لغة المبدأ، أقرب إلى لغة المقصد وأكثر التزامًا بقواعد النحو المعاصرة، وبالتالي هي ترجمة أكثر ألفة.
مقدمة
إحدى اللغات الأساسية التي كان وما زال هناك طلب ورغبة كبيرة في ترجمتها هي اللغة العربية، وذلك أيضًا بسبب استناد لغة القرآن إلى هذه اللغة. يعود تاريخ ترجمة القرآن إلى اللغة الفارسية إلى زمن النبي ﷺ نفسه؛ حيث سمح لسلمان بترجمة سورة الحمد إلى الفارسية ليتمكن الناطقون بها من قراءتها في الصلاة واعتيادها تدريجيًا (معرفت، 202). منذ ذلك الحين وحتى الآن، وبعد فن ترجمة القرآن، أبدع العديد من المترجمين في هذا المجال. على الرغم من أنه لا يمكن قبول جميعهم، إلا أن عملهم، أي نقل مفاهيم ومعاني القرآن، يستحق الثناء والتقدير، وهذا يأتي إلى جانب المعارضات التي كانت تواجه أمر ترجمة القرآن. تتم ترجمة القرآن ضمن أطر وأساليب متنوعة، وحول تكوينها يجب القول إن المترجمين قدموا ترجمات مختلفة في قوالب وأساليب متنوعة بناءً على عناصر مثل ترتيب الكلمات والجمل وهدف المترجم. على الرغم من تقديم تسميات مختلفة لأساليب ترجمة القرآن، إلا أن تقسيم أساليب الترجمة إلى ثلاث طرق: «كلمة بكلمة» (حرفية)، «جملة بجملة» (نواة بنواة)، و«حرة» (ترجمة تفسيرية) هو تقسيم منطقي ويتوافق مع الواقع الخارجي في الترجمات الموجودة (رضائي أصفهاني، 260). من بين أساليب الترجمة، يمكن اعتبار ترجمة المرحوم معزي ضمن الترجمات الحرفية، وترجمة المرحوم عبد المحمد آيتي ضمن ترجمات الجملة بالجملة. لا شك أن المسلمين غير العرب يمكنهم، من خلال الترجمة الصحيحة للقرآن، الوصول إلى فهم عميق لآيات هذا الكتاب الإلهي، ومن هنا فإن خطأ المترجم في ترجمة الآيات قد يؤدي إلى انزلاق القارئ نحو الخطأ والزلل، أو عدم قدرته على فهم معاني الآيات بشكل صحيح. وهذا الأمر يصدق حتى على أصغر وحدة في الكلمة، أي الحروف، وتتضح ضرورة هذا البحث من هذا الجانب، حيث يتناول المؤلفون في هذه المقالة بشكل محدد دراسة ترجمات الجملة بالجملة والترجمة الحرفية، وتحليلها ونقدها في نقل ومعادلة معنى سببية حرف «الباء» العربي، ليكون ذلك معيارًا لتشخيص صحة هذه الترجمات من عدمها فيما يتعلق بهذه المعادلة. كذلك، من خلال التأمل في الانتقادات الموجودة في مجال ترجمات القرآن، يمكن ملاحظة بعض المعارضات للترجمات الحرفية، وأحيانًا التحيز لترجمات الجملة بالجملة. من هنا، يهدف اختيار هذين الأسلوبين إلى دراسة وتحليل أحد جوانب ترجمة القرآن، أي معاني حرف الجر «الباء»، للوصول إلى مدى نجاح كل من هاتين الطريقتين في الترجمة، ولنتمكن من دراسة مدى صحة المعارضات أو التحيزات الموجودة. يستعرض هذا البحث، باستخدام المنهج الاستقرائي والاستعانة بعلمي الصرف والنحو والبلاغة، معنى سببية حرف الجر «الباء» ويتناول تحليل ودراسة المعادلة الدلالية للسببية في ترجمتين فارسيتين مختارتين للقرآن. ولهذا الغرض، يتم أولاً توضيح الآراء المختلفة حول حرف باء السببية، ثم يتم بيان المعادل الفارسي لـ«باء» السببية، وبالاستناد إلى تفاسير القرآن، يتم تحليل مدى تأثر ترجمات الجملة بالجملة والترجمة الحرفية بالتفاسير، وعند الحاجة، يُستفاد من الأسلوب الإحصائي لبيان النتائج من أجل الوصول إلى إجابة مناسبة لكل من الأسئلة التالية: 1- ما هو المنهج الذي يظهر فيه أكبر قدر من الانسجام والتطابق بين الترجمات المختارة والتفاسير والكتب الأدبية في مجال معنى سببية حرف الجر «الباء»؟ 2- في أي منهج تُلاحظ المعادلة الأفضل والأقرب؟ وتجدر الإشارة إلى أنه في أي من الكتب المذكورة، لم تُذكر الآيات المختارة كشواهد. كما أن الشواهد المتعلقة بمعنى سببية حرف الجر «الباء» في كلتا السورتين كثيرة، ولهذا السبب اخترنا وبيّنّا الشواهد التي تحمل أكبر قدر من الاختلاف من حيث المقارنة بين الترجمتين، والكتب التي استُخدمت كأساس للبحث تمتد في الفترة الزمنية من القرن الخامس الهجري حتى القرن الحالي. وإذا كانت هناك آية من القرآن ذات أدلة قليلة، فذلك لعدم العثور على دليل أو برهان لها في سائر الكتب المختارة. ومن ناحية أخرى، إذا ذُكر وجهان معنويان لآية ما، فقد أخذنا بالوجه الذي يحظى بأكبر قدر من الإجماع. أما الآيات التي استُخدم فيها معنى سببية حرف الجر «الباء»، فهي بحسب السور كالتالي: سورة البقرة، الآيات 10 (بما)، 22 (به)، 26 (به)، 50 (بكم)، 54 (باتخاذ)، 59 (بما)، 61 (بأنهم)، 76 (به)، 79 (بأيديهم)، 87 (بالرسل، بروح)، 88 (بكفرهم)، 93 (بكفرهم)، 95 (بما)، 102 (به)، 164 (به)، 166 (بهم)، 176 (بأن)، 188 (بالباطل، بالإثم، بها)، 196 (بالعمرة)، 206 (بالإثم)، 213 (بإذنه)، 233 (بولدها، بولده)، 251 (بإذن)، 255 (بإذنه)، 264 (بالمن)، 273 (بسيماهم)، 275 (بأنهم). سورة آل عمران، الآيات 11 (بذنوبهم)، 24 (بأنهم)، 75 (بأنهم)، 79 (بما)، 103 (بنعمة)، 106 (بما)، 112 (بما، بأنهم)، 119 (بغيظكم)، 120 (بها)، 126 (به)، 145 (بإذن)، 151 (بما)، 153 (بغم)، 155 (ببعض)، 159 (بما)، 166 (بإذن)، 170 (بما)، 182 (بما)، 188 (بما).
الدراسات السابقة
فيما يتعلق بتطبيق معاني حروف الجر العربية وحروف الإضافة الفارسية، خاصة في القرآن الكريم، لم يتم إجراء بحوث مهمة إلا في حالات محدودة في كتب فن الترجمة وبعض المقالات والأطروحات، ولكن الأعمال التي أُنجزت في هذا المجال هي كالتالي: أطروحة ماجستير بعنوان «تكافؤ المعنى بين العربية والفارسية في حرفي الباء و من ترجمتي آية الله مكارم و خرمشاهي نموذجاً» بقلم زهراء صادقي من جامعة الزهراء (مهر 1390). سعت الكاتبة في هذه الأطروحة إلى دراسة انعكاس آراء المفسرين حول معاني حرفي «الباء» و«من» من منظور زيادتهما في الترجمات الفارسية، وتحديد مدى تطابق الترجمات المختارة مع التفاسير المختارة في مجال الحروف المذكورة من حيث الزيادة. لم ترد في هذه الأطروحة أي إشارة إلى معنى سببية حرف الجر «الباء». مقالة «دراسة ترجمة حرفي الزيادة «الباء» و«من» في الترجمات القرآنية» لأنسية خزعلي، مينا جيگاره اي، وزهراء صادقي (حسنا، خريف 1393). تناول المؤلفون في هذا البحث دراسة آراء المفسرين حول حرفي الزيادة «الباء» و«من» في الترجمات الفارسية ولم يشيروا إلى معنى سببية حرف الجر «الباء». مقالة «استخدام الحروف في القرآن الكريم (بنظرة على ترجمة السيد خرمشاهي)» لمحمد هادي مؤذن جامي (وقف ميراث جاويدان، صيف 1376). قام في هذه المقالة، بالتدبر في تفسير الميزان وتفاسير أخرى مختارة، بمطابقة ونقد المعاني المقدمة من حروف «إلى، باء، على» مع الترجمة المقدمة من بهاء الدين خرمشاهي في بعض آيات القرآن. كما لوحظ، لم يتم إجراء أي بحث حول تأثير معاني حرف الجر «الباء» في ترجمتي السيدين معزي وآيتي، وبشكل عام يمكن القول إنه لا يوجد أي بحث حول دراسة جانب السببية لهذا الحرف في منهجي ترجمة الجملة بالجملة والترجمة الحرفية للقرآن. لذا، يتناول البحث الحالي دراسة انعكاس معنى التعليل لهذا الحرف في ترجمتي السيدين معزي وآيتي، كنموذجين لأساليب الترجمة الحرفية وترجمة الجملة بالجملة، ويقوم بتحليلهما.
معاني حرف الجر «الباء»
من بين الكتب التي كُتبت حتى الآن حول حروف الجر، لا يمكن العثور إلا على عدد قليل منها يتناول بشكل مستقل بحث معاني الحروف؛ لأن معظمها يخصص فقط جزءًا من فصول الكتاب لهذا المبحث، لكن بعض الكتب تناولت هذا المبحث بشكل مفصل ومستقل، وهي: «معاني حروف الجر» لعلي بن حسين الروماني، «الجنى الداني في حروف المعاني» لحسن بن قاسم المرادي، «رصف المباني في شرح المعاني» لأحمد بن عبد النور المالقي، «الأزهى في علم الحروف» لمحمد النحوي الهروي (محبي وعلوي، 82). حرف الجر «الباء» هو أحد أقسام حروف المعاني التي لا تحمل معنى مستقلاً بحد ذاتها، ويكتمل معناها بإضافتها إلى الاسم. ومن ناحية أخرى، لهذا الحرف نفسه معانٍ متعددة يُستعمل لها حسب السياق. وفيما يتعلق بعدد المعاني المستخدمة لهذا الحرف، قُدمت آراء ونظريات كثيرة من قبل النحويين. وقد قال ابن هشام عن معاني هذا الحرف: «لحرف «الباء» المفردة أربعة عشر معنى، وهي: الإلصاق، التعدية، الاستعانة، السببية، المصاحبة، الظرفية، البدل، المقابلة، المجاوزة، الاستعلاء، التبعيض، القسم، الغاية، التأكيد» (ابن هشام، 101/1). السببية، وهي أحد معاني حرف الجر «الباء»، تدخل على ما يكون وقوع الفعل بسببه، وهناك فرق بينها وبين «لام» السببية؛ لأن العلة المقترنة بـ«الباء» تقع في معظم الحالات قبل وقوع الفعل، والفعل يقع مقابلها، أما العلة المقترنة بـ«اللام» فنادرًا ما تقع قبل الفعل، ونادرًا ما يكون وقوعه مقصودًا (السامرائي، 246)؛ كما في هذه الآية من القرآن: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (العنكبوت/40)؛ أي أن «الذنب» هو سبب عذاب الطغاة، وعذابهم نزل بسبب طغيانهم. لقد عرّف ابن هشام معنى السببية كمعنى مستقل لحرف «الباء»، وفيما يتعلق بالتمييز بين هذا المعنى وبقية معاني «الباء»، يوجد تفاوت وتشابه بين رأي ابن هشام وآراء النحويين الآخرين؛ إذ فرّق ابن هشام، مثله مثل رضي الدين الاسترآبادي (الاسترآبادي، 281/7)، بين معنيي السببية والاستعانة؛ لأن ابن هشام اعتبر «باء» الاستعانة حرفًا يدخل على آلة الفعل، بخلاف «باء» السببية التي تفيد علة وقوع الفعل (ابن هشام، 103/1). ويتفق عباس حسن مع هذا الرأي ويفرق بين الاستعانة والسببية، ويعتقد أن «باء» السببية تدخل على سبب يؤدي إلى حصول المعنى الذي يسبقها، و«باء» الاستعانة تدخل على أداة الفعل والوسيلة التي تكون واسطة بين الفاعل والمفعول (حسن، 453/2). أما أمثال ناظر الجيش، فلا يجيزون بشكل عام معنى الاستعانة كأحد معاني حرف الجر «الباء»، وبدلاً من ذلك يختارون معنى السببية؛ لأنه يعتقد أن استعمال معنى الاستعانة في حق الذات الإلهية غير جائز (ناظر الجيش، 2940/6). وقد بيّن ابن مالك أيضًا في كتاب شرح التسهيل (ابن مالك، 20/3) والمرادي في كتاب الجنى الداني في حروف المعاني مثل هذا الرأي، ووضعا معنى الاستعانة ضمن معنى السببية (المرادي، 39). من ناحية أخرى، لم يعتبر السكاكي في مفتاح العلوم، السببية جزءًا من معاني حرف «الباء»، وبدلاً من ذلك، ذكر معنى الاستعانة (السكاكي، 155). وعلى عكس رأي ابن هشام الذي ذكر أربعة عشر معنى لحرف «الباء»، اقتصر سيبويه في الكتاب على معنى الإلصاق لهذا الحرف (سيبويه، 217/4)، وأشار السيوطي في كتابه إلى هذا الرأي لسيبويه (السيوطي، 266/2). يعتقد البعض، مثل ناظر الجيش، أن معنى السببية منفصل عن معنى التعليل؛ «باء السببية حرف يدخل على ما له صلاحية أن يستغنى به عن فاعل يتعدى إليه الفعل مجازًا، وباء التعليل حرف يقع غالبًا موقع لام التعليل» (ناظر الجيش، 2939/6). أما ابن هشام فقد أورد مفهومي التعليل والسببية تحت عنوان السببية، حتى إنه يعتبر «الباء» التجريدية من جملة «باء» السببية، ولتوضيح ذلك، يضرب مثالاً بجملة «لقيت بزيد الأسد» (ابن هشام، 103/1). والصبان أيضًا، مثل ابن هشام، اختار لفظ السببية بين لفظي التعليل والسببية (الصبان، 344/2). ومن ناحية أخرى، فرّق صاحب المغني بين معنى السببية والمقابلة، وفي شرحه واستنادًا إلى عبارة «لَن يُدخل أحدكم الجنَّةَ بِعَمَلِه» وفي معارضته لرأي المعتزلة، يقول: «ما نحن بخلاف المعتزلة وغيرهم نجعل حرف الجر «الباء» هنا بمعنى السببية؛ لأن الشيء في أغلب الأوقات يُعطى عوضًا بلا واسطة، أما في حالة «باء» السببية، فلا يوجد مسبب بلا سبب» (ابن هشام، 104/1). بعبارة أخرى، في المقابلة، هناك عوض بلا معوض، ولكن في السببية، لا يمكن وجود مسبب بلا سبب. على سبيل المثال، في هذه العبارة، قد يهب الله الجنة بلا عمل أيضًا. يبدو أن معنى السببية أو التعليل يُستخدم كمعنى مستقل، وللأسباب نفسها التي ذكرها ابن هشام، لا يمكن أبدًا أن يكون مرادفًا أو متطابقًا في المعنى مع معانٍ أخرى مثل الاستعانة والبدل، وفي الترجمة الفارسية أيضًا، لا يمكن لأي كلمة أخرى غير المرادف والمعادل المعنوي لها أن تنقل معناها.
المعادل الدلالي لباء السببية في اللغة الفارسية
إن استعمال الحروف في أي لغة يتبع مقتضيات تلك اللغة. ولهذا السبب، غالبًا ما لا تتطابق الحروف الفارسية والعربية مع بعضها البعض. وهذا التباين يجعل المترجم غير قادر على أداء الترجمة بشكل جيد (معروف، 234). أحد الحروف التي يجب معادلتها في الترجمة من العربية إلى الفارسية هو حرف «الباء» التعليلي أو السببي، وفي اللغة الفارسية أيضًا، يوجد لهذا الحرف معادل بعنوان التعليل، السببية، العلية، بيان العلة والسبب. تنقسم الحروف في اللغة الفارسية إلى ثلاث فئات: حروف الإضافة، حروف الربط، وحروف العلامة. من بينها، تظهر حروف الإضافة وحروف الربط التعليل والسبب، ولكن ظهور حروف الربط أكثر من حروف الإضافة. حروف الربط مثل «از آنجا که»، «از آن جهت که»، «از آنکه»، «بدان سبب که»، «به سبب اینکه»، «به خاطر آنکه»، «به خاطر اینکه»، «بدلیل اینکه»، «بدلیل آنکه»، «بدان که»، «برای آنکه»، «چرا که»، «زان روی که»، وكذلك مجموعات حروف الإضافة مثل «بـ (به)» وكسرة الإضافة، تعبر عن «الباء» التعليلية.
شواهد حرف «الباء» السببية في سورة البقرة
1- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة/10)
اعتبر مؤلف التحرير والتنوير هذا الحرف «باء» بمعنى السببية (ابن عاشور، 279/1)، ومن ناحية أخرى، في تفسير درج الدرر، قدّره بـ«بسبب كونهم كاذبين» (الجرجاني، 110/1) وفي أنوار التنزيل بتقدير «بسبب كذبهم» (البيضاوي، 45/1)، معتبرين إياه للسببية. وفيما يتعلق بحرف «ما» في تركيب «بما»، يجب القول إنه تم تقديم وجهين لهذا الحرف: أحدهما موصولي والآخر مصدري؛ كما أن كتب الكشف والبيان (الثعلبي، 154/1) والوجيز في تفسير الكتاب العزيز (الواحدي، 92/1) اعتبرته مصدرية؛ أي «بتكذيبهم»، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (الآلوسي، 152/1) أجاز كلا الوجهين. ترجمة معزي: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. ترجمة آيتي: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا، ولهم عقاب أليم بسبب كذبهم. استخدم معزي كلمة «بدانچه» (بما) للتعبير عن معنى السببية، وهو ما يتناسب مع عصره وأدبياته، ويعكس معنى السببية. أما في الترجمة الثانية، فقد استعان المترجم بكلمة «كيفر» (عقاب) للتعبير عن معنى سببية «الباء»، وهي معادلة لـ«جزاء» غير موجودة في الترجمة، ولم يترجم حرف «ما» أيضًا، مع الأخذ في الاعتبار كون حرف «ما» مصدريًا أو موصوليًا، يُقترح كلا شكلي الترجمة. لذلك، اهتم كلا المترجمين بمعنى سببية حرف «الباء» ولم يذكرا له معادلًا غير السببية، لكن آيتي استخدم في ترجمته كلمة «كيفر» التي لا وجود لها في النص الأصلي. الترجمة المقترحة: في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضًا آخر، ولهم عذاب أليم بسبب الكذب الذي كانوا يقولونه. وإذا كانت (ما) مصدرية، يكون المعنى: بسبب كذبهم.
2- ﴿وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة/93)
تفاسير الكشاف (الزمخشري، 166/1)، أنوار التنزيل (البيضاوي، 94/1)، التفسير الوسيط (طنطاوي، 207/1) وروح المعاني (الآلوسي، 326/1)، جميعها اعتبرته بمعنى السببية بتقدير «بسبب كفرهم»، لكن مؤلف تفسير البحر المحيط (الأندلسي، 495/1) نظر فيه من وجهين: الوجه الأول بمعنى «مع» فيكون للمعية، ومعنى العبارة يكون هكذا: «عبادة العجل مع كفرهم»، والوجه الثاني هو السببية، ومعنى العبارة يكون هكذا: «كفرهم السابق كان سببًا لعبادة العجل». لكن الوجه الثاني، أي السببية، يظهرونه بشكل أوضح. ترجمة معزي: وأُشربوا في قلوبهم العجل (حب العجل اختلط بقلوبهم) بكفرهم. ترجمة آيتي: بسبب كفرهم، استقر حب العجل في قلوبهم. أحد معاني حرف الإضافة «به» هو التعليل، وفي هذه الحالة يكون ما بعده سبب الحكم (قريب، 69/2). بالطبع، يجب الإشارة إلى أنه في الفارسية المعاصرة، من الأفضل أن يشكل هذا الحرف مع الاسم الذي يليه تركيبًا ولا يستخدم بمفرده، حيث يسمى «حرف إضافة ثانوي»؛ لأنه في النصوص الفارسية الدرية، يأتي حرف «به» أحيانًا لبيان العلة والسبب (ناتل خانلري، 394/3)، ومجموعات حروف الإضافة التي تُصاغ بـ«به»، مثل «به جهت، به حکم، به خاطر، به سبب، به علت، به منظور، به واسطه» تفيد أيضًا التعليل، واستخدامها في الفارسية الشائعة اليوم في معنى التعليل أكثر من حرف الإضافة «به» (ابن الرسول وكاظمي نجف آبادي، 41). لذلك، تُرجم حرف «الباء» في ترجمة معزي بنفس شكله، ويصعب فهم معنى السببية منه. لكن بالنظر إلى أدبيات العصر الذي عاش فيه المترجم، فإن هذه الترجمة خالية من الإشكال. في ترجمة آيتي أيضًا، تم بيان معنى سببية حرف «الباء» بمساعدة كلمة «أثر»، وكان من الأفضل استخدام كلمة «سبب» أو «خاطر» لجعل العبارة أكثر سلاسة. لذلك، بغض النظر عن قوة وضعف بيان معنى السببية في كلتا الترجمتين، فقد اهتم كلا المترجمين بجانب سببية حرف الجر «الباء» بإيراد كلمتي «به» و«أثر». الترجمة المقترحة: بسبب كفرهم، استقر [حب] العجل في قلوبهم.
3- ﴿وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (بقره/164)
البحر المحيط في التفسير (الأندلسي، 79/2) والتفسير الوسيط (طنطاوي، 332/1) استدلوا بوجهين معنويين لحرف «الباء»: يمكن افتراض احتمالين له: أحدهما إذا اعتبرنا «ما» موصولة، فيجب أن يكون حرف «الباء» بمعنى المصاحبة، وإذا اعتبرنا «ما» مصدرية، فيجب أن نعتبر معنى السببية لحرف «الباء». ترجمة معزي: والسفن التي تسير في البحر بما ينفع الناس. ترجمة آيتي: وفي السفن التي تجري في البحر وهي مصدر منفعة للناس. في الترجمة الأولى، استخدم المترجم عبارة «بدانچه» (بما) لبيان معنى السببية، لكن كلمة «الفلك» في هذه الآية، بقرينة «التي»، هي جمع تكسير، لكن المترجم ترجمها بصيغة المفرد. أما في الترجمة الثانية، فقد ترجم المترجم حرف «الباء» بمعنى «مایه» (مصدر) وأضاف حرف «و» الذي لم يُذكر في العبارة القرآنية إلى ترجمته. لذلك، كلتا الكلمتين «بدانچه» و«مایه» تعبران عن معنى سببية حرف «الباء» ولا تشيران إلى معنى آخر. ولكن على الرغم من أن الترجمة الثانية قد أوصلت معنى السببية، إلا أنه بما أن المترجم ترجم العبارة على شكل جملتين معطوفتين، يمكن الاعتراض على هذا الأمر، ومن الأفضل أن تترجم كجملة واحدة. الترجمة المقترحة: والسفن التي تجري في البحر لمنفعة الناس.
4- ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بوَلَدِهِ﴾ (بقره/233)
البيضاوي (البيضاوي، 144/1)، والمحلي (المحلي، 40)، والآلوسي (الآلوسي، 540/1)، وكذلك مؤلف تفسير المعين (الكاشاني، 115/1)، جميعهم اعتبروا كلا حرفي «الباء» بمعنى السببية، وقد ذكر البعض وجهين له؛ كما قال ابن عاشور في تفسيره إن الآخرين اعتبروا معنى الإلصاق، في حين أن حرف «الباء» هو لتعدية فعل «لا تضار»، ومدخول حرف «الباء»، أي «ولدها» و«ولده»، هو مفعول الفعل (ابن عاشور، 413/2). وقد ذكر الطبرسي أيضًا في مجمع البيان أن حرف «الباء» إما زائد أو بمعنى السببية (الطبرسي، 587/2). ترجمة معزي: لا تُضار والدة بولدها ولا مولود له (الأب) بولده. ترجمة آيتي: لا ينبغي لأي أم أن تتضرر بسبب ولدها، ولا لأي أب بسبب ولده. بالنظر إلى رأي معظم المفسرين، استُخدم حرف «الباء» في كلا جزأي هذه الآية بمعنى السببية، وقد ترجم المترجم الأول حرف «الباء» بنفس الصيغة «به»، والتي، بالنظر إلى التوضيحات المقدمة في قسم المعادل الدلالي لـ«باء» السببية في اللغة الفارسية وكذلك أدبيات تلك الفترة، فإن هذه الترجمة خالية من الإشكال. المترجم الثاني ترجم حرف «الباء» بتركيب حديث للغة المعيارية وبصيغة «به خاطر» (بسبب)، والكلمات المستخدمة في كلتا الترجمتين، باستثناء معنى السببية، لا تشير إلى أي معنى آخر. الترجمة المقترحة: لا ينبغي أن تتضرر أي أم أو أي أب بسبب ولده.
شواهد حرف «الباء» السببية في سورة آل عمران
1- ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران/11)
قال مؤلف مجمع البيان في تفسير هذه الآية: «عاقبهم الله بسبب ذنوبهم، وفعل العقاب يسمى «مؤاخذة»؛ لأن العقاب هو أخذ المجرم بسبب ذنبه.» (الطبرسي، 705/2). وفي تفسير روح المعاني، ورد أيضًا أنه للتأكيد، أُتي بكلمة «ذنوبهم» مع «باء» السببية بعد حرف «الفاء» قبل فعل «أخذهم» (الآلوسي، 91/2). ترجمة معزي: فأخذهم الله بذنوبهم. ترجمة آيتي: فعاقبهم الله على ذنوبهم. استعان مترجم معزي بحرف «به» لبيان معنى السببية، ورغم أنه لا مكان له في الأدب المعاصر، إلا أنه في أدب عصره لا يخلو من الإشكال. وقد استعان آيتي أيضًا بكلمة «كيفر» (عقاب) لإيصال معنى سببية حرف «الباء»، وهي غير موجودة في النص العربي. الترجمة المقترحة: فآخذهم الله بسبب ذنوبهم.
2- ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران/79)
ورد في تفسير روح المعاني أنه يجب عليكم أن تكونوا كذلك بسبب إصراركم على تعلم القرآن ومعرفته (الآلوسي، 200/2). وقد اعتبره مؤلف الكشاف للسببية؛ بهذا التفسير: يجب عليكم أن تتصفوا بصفة «الربانية» بسبب تعلمكم العلم، وهي قوة التمسك بطاعة الله الناتجة عن العلم والتعلم (الزمخشري، 378/1). بالإضافة إلى الحالات المذكورة التي أسمت جميعها حرف «الباء» بالسببية، ورد هذا المعنى أيضًا في ثلاثة تفاسير: الجلالين (المحلي، 56)، البحر المحيط في التفسير (الأندلسي، 232/3) وأنوار التنزيل وأسرار التأويل (البيضاوي، 25/2). ترجمة معزي: ولكن كونوا ربانيين (علماء الدين أو المربين) بما تعلمون الكتاب وبما تدرسون. ترجمة آيتي: كما تتعلمون من كتاب الله وتقرأون فيه، كونوا عابدين لله. في الترجمة الأولى، كلمة «بدانچه» (بما) تعبر عن معنى السببية، وبالنظر إلى رأي ابن هشام وغيره من المفسرين، فقد تُرجمت بشكل صحيح. أما بالنسبة لترجمة آيتي، فيجب أن نقول إن خانلري اعتبر «همچنان» (كما) أداة تشبيه ومن أدوات الشك والظن (ناتل خانلري، 252/3) ومعادلها في اللغة العربية هو «كاف» التشبيه. ورغم أنه أراد بهذا اللفظ إيصال معنى السببية، إلا أنه لا يمكن أن يعبر عن معنى السببية. لذلك، قدم آيتي الترجمة بغض النظر عن معنى السببية. كما أن الفعلين «كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ» و«كُنتُمْ تَدْرُسون» في ترجمة آيتي تُرجما بصيغة المضارع، وهو ما لا يتوافق مع النص الأصلي وزمنه، ويجب أن يترجم بصيغة الماضي المستمر؛ أي: كنتم تعلمون، كنتم تقرأون. الترجمة المقترحة: بسبب أنكم كنتم تعلمون كتاب [الله] وبسبب أنكم كنتم تقرأونه، كونوا ربانيين.
3- ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ (آل عمران/120)
في تفسير أبي السعود، فُسّر تركيب «بها» بـ«بسببها»، إذن، اعتبر حرف «الباء» للسببية (أبو السعود، 444/1). كما أن مؤلف تفسير حكيم في شرح هذه الآية فسر حرف «الباء» بمعنى «به سبب» (بسبب) (أنصاريان، 451/7)، وقال الطنطاوي أيضًا في تفسيره وفي شرح الآية وبيان ذروة حقد الكفار: «بسبب الفرح والسرور الذي نتج عن المصائب التي حلت بكم، طار عقلهم من رؤوسهم» (طنطاوي، 240/2). لذلك، أشار المفسر هنا أيضًا إلى السببية. ترجمة معزي: إن تصبكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. ترجمة آيتي: إن يصبكم خير يحزنوا، وإن تصبكم مصيبة يفرحوا. حاول معزي بإيراد كلمة «بدان» (بها) الإشارة إلى معنى سببية حرف «الباء»، لكن كلمة «بدان» تعني «بواسطتها» و«بسببها»؛ أي يمكن استنباط معنيي الاستعانة والسببية منها، وكان من الأفضل استخدام لفظ آخر بدلاً منها. في ترجمة آيتي، لم يُشر إطلاقًا إلى معنى سببية حرف «الباء». الترجمة المقترحة: إن يصبكم خير يحزنهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بسببها.
4- ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ (آل عمران/151)
قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: «إشراك شريك مع الله دليل على رعبهم وخوفهم؛ لأنهم استقبحوا الموت واختاروا الحياة» (الأندلسي، 377/3). ومن ناحية أخرى، ورد في تفسير الكاشف في شرحه وتفسيره: «معنى العبارة هو: أيها المسلمون، لا تخافوا من المشركين لأنهم هزموكم في أحد؛ لأن الله سيلقي قريبًا الرعب منكم في قلوبهم؛ لأنهم يشركون بالله شركاء بلا دليل ويعبدونهم تقليدًا» (مغنية، 176/2). بالإضافة إلى الحالات المذكورة، اعتبر الآلوسي (الآلوسي، 315/2) وعبد القاهر الجرجاني (الجرجاني، 441/1) والبيضاوي (البيضاوي، 42/2) حرف «الباء» في «بما» للسببية، لكن ابن عاشور اعتبره للعوض وحرف «الباء» للمقابلة (ابن عاشور، 248/3). أما في تركيب عبارة «بما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سلطاناً»، فكما ذُكر، «الباء» في «بما» حرف جر وبمعنى السببية، و«ما» حرف مصدري يؤول مع ما بعده إلى مصدر، وهو ما اعتبرته معظم التفاسير مثل التفسير الكبير (فخر الرازي، 385/9)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (البيضاوي، 43/2)، البحر المحيط في التفسير (الأندلسي، 377/3) وروح المعاني (الآلوسي، 301/2) بهذا المعنى المصدري وبتأويل «بسبب إشراكهم»، و«ما» في «ما لم ينزل» اسم موصول. وفيما يتعلق بالحرفين الآخرين «الباء»، أي في تركيب «بالله» و«به»، يجب القول إن في «بالله» معنى «مع» وهو للمصاحبة (الجرجاني، 441/1)، وفي «به» كما في الآية 81 من سورة الأنعام ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾، يمكن أن يكون بمعنى «مع» وللمصاحبة، ويمكن أن يكون لبيان معنى السببية (الطباطبائي، 199/7). ترجمة معزي: سنلقي قريبًا في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا. ترجمة آيتي: سنلقي الرعب في قلوب الكافرين، لأنهم أشركوا بالله شيئًا لم ينزل به من السماء حجة. كلمتا «بدانچه» (بما) و«زیرا» (لأن) تعبران عن معنى السببية، لذلك، راعى كلا المترجمين جانب سببية حرف «الباء» في كلتا اللغتين المصدر والهدف بناءً على القواعد النحوية. لكن يمكن القول إن كلمة «زیرا» يمكن أن توصل هذا المعنى بشكل أفضل؛ ورغم أن آيتي استخدم في بقية ترجمته تركيب «من السماء» وهو غير موجود في النص العربي. الترجمة المقترحة: سنلقي قريبًا الرعب في قلوب الكافرين، بسبب إشراكهم بالله شيئًا لم ينزل [الله] به [أو بسببه] أي سلطان.
5- ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ (آل عمران/153)
في تفسير الجلالين، ذُكر وجهان لهذا الحرف: السببية والاستعلاء. وفيما يتعلق بالسببية، قيل إن تركيب «بغم» يعني بسبب غمكم الناتج عن مخالفة النبي (المحلي، 72). وقدّم العلامة الطباطبائي وجهين له: البدل والسببية، لكنه رجّح الوجه الثاني، قائلاً: «ظهور السياق في تفريع جملة «فَأَثَابَكُم» على ما قبلها مع وجود «باء» السببية أكثر ملاءمة، وهو أن الغم عبارة عن نفس المعنى الذي تتضمنه جملة «إذ تَصعُدُونَ…» والمراد بكلمة «بغم» النتيجة التي حصلت من عصيان الرماة» (الطباطبائي، 54/4). وقد ذكر البيضاوي معنيين لحرف الجر «الباء»: المصاحبة والسببية، لكنه ذكر في ذيل شرح وتفسير الآية أن ضمير الفاعل في فعل «أثابكم» يعود إلى «رسول الله»؛ أي أنه جعلكم في حزن مساوٍ ومماثل، فكما أحزنتموه بتلك المصيبة التي ألحقتموه بها، أحزنكم أنتم أيضًا (البيضاوي، 43/2). إذن يمكن القول إن وجه السببية هو الأكثر استخدامًا هنا. ترجمة معزي: فأصابكم غم على غم. ترجمة آيتي: فجازاكم غمًا على غم. أحد معاني حرف الإضافة «بر» (على) هو فوق الشيء وأعلى الشيء (ناتل خانلري، 337/3)، وبالنظر إلى هذا المعنى، نستنتج أن أيًا من المترجمين لم يلتفت إلى معنى سببية حرف «الباء»، بل اعتبرا معنى «الاستعلاء»، وهو ما يخالف رأي المفسرين. الترجمة المقترحة: فجازاكم غمًا بسبب [لأجل] غم آخر.
6- ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران/159)
في صفوة التفاسير وفي ذيل هذه الآية ومعنى حرف «الباء» ورد: «يا أيها النبي! لقد لنت لهم برحمة من الله أودعها في قلبك، على الرغم من مخالفة أصحابك وعصيانهم» (الصابوني، 21/1). وقد اعتبره البقاعي في نظم الدرر بنفس الشرح والتفسير الذي مضى للسببية (البقاعي، 219/2). كما أشار الشيخ علوان في كتابه إلى سببيته (الشيخ علوان، 131/1). ترجمة معزي: فبرحمة من الله لنت لهم. ترجمة آيتي: فبسبب رحمة الله كنت معهم بهذه الأخلاق الحسنة واللطف. المعنى الأصلي لـ«با» هو بيان علاقة الارتباط والتعلق بين شيء أو شخص أو مفهوم بشخص أو شيء أو مفهوم آخر (ناتل خانلري، 324/3). كما سمى البعض هذا الحرف «باء» المعية (همايون فرخ، 708). ومن ناحية أخرى، من وجهة نظر بعض النحويين، استُخدم حرف «با» قديمًا بمعنى التعليل؛ بالطبع يبدو أن «با» يمكن أن يكون بمعنى المصاحبة أيضًا، وبالتالي فإن تعليل «با» قابل للنقد (ابن الرسول وكاظمي نجف آبادي، 38). بالنظر إلى الآراء المذكورة أعلاه، يمكن استنتاج أن حرف «با» في الترجمة الأولى استُخدم بمعنى الاستعانة. الترجمة المقترحة: فبسبب رحمة من الله لنت لهم.
7- ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (آل عمران/170)
في تفسيرها قيل إنهم فرحون بسبب الثواب والكرامة والإحسان والفضل والخير الذي أعطاهم الله في الجنة (الخازن، 320/1). في شرح ودلالة سببية حرف «الباء» وتصديق هذا التفسير، يمكن القول إن بعض الأعمال التي يقدمها الإنسان المسلم لآخرته هي سبب وصوله إلى الفرح والسعادة في الآخرة. ترجمة معزي: فرحين بما آتاهم الله من فضله. ترجمة آيتي: فرحين بالفضل الذي آتاهم الله. أحد معاني حرف «از» (من) هو التعليل، وفي حالة ما إذا كان «از» بمعنى «برای، بهر، به علت، به سبب، به جهت، در اثر» (لأجل، بسبب، نتيجة لـ)، فإنه يدل على التعليل، لكن هذا الحرف في الفارسية يعادل «من» و«عن» التعليلية في العربية (ابن الرسول وكاظمي نجف آبادي، 38). إذن في الترجمة الثانية، لم يترجم حرف الجر «الباء» إطلاقًا ولم يوضع له معادل، بل تُرجم فقط حرف الجر «من» في تركيب «من فضله». في الترجمة الأولى، كما في ترجمة العبارات السابقة، يمكن لكلمة «بدانچه» (بما) أن توصل معنى السببية. الترجمة المقترحة: هم فرحون بسبب ما آتاهم الله من فضله.
جدول جودة معادلة معنى سببية حرف «الباء» في ترجمتي معزي وآيتي
سورة البقرة:
الآية 10 (بما): ترجمة معزي: بدانچه (بما) – ترجمة آيتي: به کیفر (عقابًا لـ)
الآية 93 (بکفرهم): ترجمة معزي: به کفرشان (بكفرهم) – ترجمة آيتي: بر اثر کفرشان (نتيجة كفرهم)
الآية 164 (بما): ترجمة معزي: بدانچه (بما) – ترجمة آيتي: مایه (مصدر)
الآية 233 (بولدها): ترجمة معزي: به کودکش (بولدها) – ترجمة آيتي: به خاطر فرزندش (بسبب ولدها)
الآية 233 (بولده): ترجمة معزي: به فرزندش (بولده) – ترجمة آيتي: به خاطر فرزندش (بسبب ولده)
سورة آل عمران:
الآية 11 (بذنوبهم): ترجمة معزي: به گناهشان (بذنوبهم) – ترجمة آيتي: به کیفر گناهشان (عقابًا لذنوبهم)
الآية 79 (بما): ترجمة معزي: بدانچه (بما) – ترجمة آيتي: همچنان (كما)
الآية 120 (بها): ترجمة معزي: بدان (بها) – ترجمة آيتي: (محذوف)
الآية 151 (بما): ترجمة معزي: بدانچه (بما) – ترجمة آيتي: زیرا (لأن)
الآية 153 (بغم): ترجمة معزي: بر اندوهی (على حزن) – ترجمة آيتي: بر غم (على غم)
الآية 159 (فبما): ترجمة معزي: با (بـ) – ترجمة آيتي: به سبب (بسبب)
الآية 170 (بما): ترجمة معزي: بدانچه (بما) – ترجمة آيتي: از (من)
الرسوم البيانية
مستوى تطابق الترجمتين مع التفاسير: يُظهر الرسم البياني أن ترجمة معزي (الحرفية) أظهرت تطابقًا بنسبة 70% في سورة البقرة و80% في سورة آل عمران، لتصل إلى 100%. أما ترجمة آيتي (جملة بجملة) فأظهرت تطابقًا بنسبة 30% في البقرة و63% في آل عمران.
الحفاظ على الخصائص اللفظية والبنية النحوية للغة المصدر: في هذا المقياس، حققت ترجمة معزي (الحرفية) نسبة 75% في سورة البقرة و70% في سورة آل عمران. بينما حققت ترجمة آيتي (جملة بجملة) نسبة 40% في البقرة و75% في آل عمران.
أفضل معادلة مع اللغة المعيارية: حققت ترجمة معزي (الحرفية) نسبة 30% في سورة البقرة و50% في آل عمران. في المقابل، حققت ترجمة آيتي (جملة بجملة) نسبة 50% في البقرة و75% في آل عمران.
الخاتمة
بنظرة شاملة على تطابق ترجمات الجملة بالجملة والترجمة الحرفية مع التفاسير ومعادلتها في لغة المقصد، يمكن الإشارة إلى النتائج التالية:
1- من خلال دراسة الترجمتين الحرفية (معزي) والجملة بالجملة (آيتي)، يمكن استنتاج أن كلا المترجمين كانا موفقين إلى حد ما في تقديم معادلات لمعنى حرف «باء» السببية، وهذا الأمر يظهر بشكل أكبر في ترجمة معزي. ولكن من حيث الوصول إلى المعادلة، يجب القول في كلتا الترجمتين إنه على الرغم من محاولة آيتي تقليل عنصر التفسير في ترجمته إلى الحد الأدنى، إلا أنه في بعض الحالات أدخله في الترجمة. لكن هذا الأمر لا يُلاحظ في ترجمة معزي أو يُرى نادرًا؛ لأن المترجم، على عكس آيتي، استفاد من عنصر التفسير في أقل عدد من الحالات. وبشكل عام، يمكن القول إن ترجمة معزي، بسبب التزامها بمبدأ الأمانة في النقل، أقرب إلى النماذج البيانية والبنية النحوية للنص الأصلي، وتقدم معادلة أفضل في مجال معنى سببية حرف «باء»، لكنها بسبب الإفراط في هذا المبدأ، تبتعد عن اللغة المعيارية.
2- في مجال تطابق ترجمتي آيتي ومعزي مع التفاسير والكتب الأدبية المختارة، يمكن القول إن كلتا الترجمتين تظهران تطابقًا وتناغمًا كبيرًا مع تفاسير وكتب نحو لغة المبدأ، لكن تناغم الترجمة الحرفية (معزي) مع كتب لغة المبدأ يقع في درجة أعلى؛ لأنها نقلت جميع الهياكل الصرفية والنحوية واللغوية للغة المبدأ إلى لغة المقصد.
3- على الرغم من أن ترجمة آيتي أحدث من ترجمة معزي وهي ترجمة كُتبت في العصر الحاضر وتتوافق مع قواعد اللغة الفارسية المعاصرة ونماذجها، إلا أن ترجمة معزي لها أيضًا قيمة كبيرة في مكانها؛ لأن هذا النوع من الترجمة، بسبب أسلوبه الحرفي في ترجمة الآيات، يترجم جميع الكلمات قدر الإمكان، وبالتالي يمكن اعتباره أفضل مصدر للقراء المبتدئين الذين ليس لديهم معرفة كبيرة بفن الترجمة العربية.
الهوامش
1. باحث ماجستير من جامعة الخليج الفارسي.
2. أستاذ مساعد في جامعة الخليج الفارسي.
3. ولد عبد المحمد آيتي عام 1305 هـ.ش في مدينة بروجرد. كان له اهتمام كبير بالترجمة، ولذلك ترجم منذ البداية عدة كتب في مختلف مجالات الفلسفة والتاريخ والأدب الفارسي والعربي، واستمر في هذا العمل حتى نهاية حياته عام 1392 هـ.ش، ونشر العديد من المؤلفات. أهم أثر ترجمي له هو ترجمة القرآن الكريم التي كُتبت بأسلوب ترجمة الجملة بالجملة.
4. ولد الشيخ محمد كاظم معزي عام 1298 هـ.ش في مدينة دزفول وتوفي في طهران عام 1348 هـ.ش ودفن في مدينة قم. ترجمته التي طبعت لأول مرة عام 1336 هـ.ش هي على الطريقة الحرفية، وقد اعتبرها البعض خاتمة الترجمات الحرفية للقرآن إلى اللغة الفارسية، ولكن بعد ذلك قُدمت عدة ترجمات حرفية أخرى، منها على سبيل المثال ترجمة أبو الحسن الشعراني وترجمة عباس مصباح زاده.