مؤشرات «هندسة التلاوة» في رؤية آية الله الخامنئي

الملخص

«هندسة التلاوة» مصطلح محوري أوصى به سماحة آية الله الخامنئي قراء القرآن الكريم في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك عام 1401 هـ.ش (2022 م)، وذلك في محفل الأنس بالقرآن الكريم. تهدف هذه المقالة إلى تبيين مفهوم ومؤشرات «هندسة التلاوة» من منظور سماحته، وذلك باستخدام منهج «التحليل الموضوعي». حيث قامت أولاً، من خلال دراسة دقيقة لبياناته في 70 لقاءً قرآنياً خلال الأعوام 1368 إلى 1401 هـ.ش (1989-2022 م)، باستخلاص وتصنيف المضامين المرتبطة بتلاوة القرآن. وتُظهر النتائج المستخلصة أن تلاوة القرآن من منظور آية الله الخامنئي تشتمل على فئتين من الآداب: باطنية وظاهرية. تشمل الآداب الباطنية تأثر القارئ المسبق بمضامين الآيات؛ أما الآداب الظاهرية فتتضمن: 1. اختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء؛ 2. النبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها؛ 3. مراعاة موازين الصوت واللحن. ويؤدي الالتزام بمجموع هذه الآداب إلى: 1. توجيه عامة الناس نحو القرآن؛ 2. إلقاء المعاني الصحيحة على السامعين؛ 3. تحقيق النمو الروحي والفكري والعملي على مستوى الفرد والمجتمع. ويبدو أن تطبيق مصطلح «هندسة التلاوة» في بيان آية الله الخامنئي يُعنى بمراعاة الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن، أي الاهتمام بالوقف والابتداء، والنبر والتكرار، والصوت واللحن، وهو ما سيتم تبيينه في هذه المقالة.

المقدمة

من منظور آية الله الخامنئي، يتمثل هدف نظام الجمهورية الإسلامية في إيران في إقامة حضارة إسلامية جديدة (راجع: الخامنئي، بيانات في لقاء رئيس وأعضاء مجلس خبراء القيادة، 14/06/1392 هـ.ش)، وسبيل تحقيق ذلك هو الألفة مع القرآن الكريم واتباعه. وكما أن تجارب المسلمين الحضارية السابقة قامت ببركة القرآن: «كان مسلمو صدر الإسلام مجموعة من الأقوام الضعيفة، الذليلة، المقهورة، والمحرومة من كل شيء؛ لكن القرآن أوصلهم إلى مكانة جعلتهم صانعي تاريخ البشر. لقد أوجد المسلمون أعظم الحضارات ببركة القرآن، وببركة القرآن، تقدموا في العلم والفلسفة والأخلاق وجميع المعارف البشرية تقريبًا. اليوم أيضًا، إذا تألفتم مع القرآن، يمكنكم متابعة تلك المسيرة وتجديدها. إذا أنس المسلمون بالقرآن، سيمسكون بزمام سيادة الدنيا، ولن يأتي هؤلاء الغاصبون، وهذه القوى المستكبرة، وهذه الحيوانات التي ترتدي ربطات العنق في ظاهرها البشري وباطنها الوحشي، ليدّعوا هداية البشر وقيادة العالم» (الخامنئي، بيانات في الجلسة الختامية لمسابقات قراءة القرآن، 05/11/1371 هـ.ش).

بناءً على ذلك، يمكن القول إن إقامة حضارة إسلامية جديدة من منظور آية الله الخامنئي مرهونة بعزم المسلمين على نشر الثقافة القرآنية وجعلها حاكمة على رؤاهم ومواقفهم وسلوكياتهم الفردية والاجتماعية.

وفي الإجابة عن سؤال «كيف يمكن أن تتحقق حاكمية الثقافة القرآنية في المجتمع؟»، قام الكاتب في أبحاث أخرى (راجع: زرنوشه فراهاني، 1401: 31-97؛ زرنوشه فراهاني وعليبور، 1400: 157-189)، بتقديم نموذج للأنس بالقرآن مبني على فكر آية الله الخامنئي في سبعة محاور: الأهداف، الآثار، العمليات، الدوافع، وآليات الأنس بالقرآن، واجبات القراء ودور الحكومات. ووفقًا للنموذج المستخلص، فإن تلاوة القرآن هي من دوافع الأنس بالقرآن.

تسعى المقالة الحالية للإجابة عن هذه الأسئلة: ما معنى «هندسة التلاوة» من منظور آية الله الخامنئي، وما هي مكوناتها ومؤشراتها؟ وما هو تأثير الاهتمام بهذه المكونات والمؤشرات على تلاوة القرآن؟ تحقيقًا لهذه الغاية، تمت دراسة بيانات سماحته في 70 لقاءً قرآنياً بدقة، واستُخرجت المضامين المتعلقة بتلاوة القرآن، وخضعت للتحليل الكمي والكيفي.

ألف. شبكة المضامين لتلاوة القرآن من منظور آية الله الخامنئي

1. التعريف بمنهج التحليل الموضوعي

إن الحصول على نتائج مفيدة وذات معنى في الأبحاث الكيفية يستلزم استخدام أساليب قادرة على تسجيل حجم البيانات الهائل بشكل منهجي وتحليلها بدقة. ومن بين أساليب التحليل الكيفي التي يمكن من خلالها الوصول إلى فهم عميق وشامل للبيانات المدروسة، يأتي منهج التحليل الموضوعي.4

التحليل الموضوعي هو منهجية لتحديد وتحليل وتقديم تقارير عن الأنماط الموجودة في البيانات الكيفية. هذه المنهجية هي عملية لتحليل البيانات النصية وتحويل البيانات المتناثرة والمتنوعة إلى بيانات غنية ومفصلة (Braun & Clarke, 2006: 80). بعبارة أخرى، التحليل الموضوعي هو استراتيجية لتقليل وتحليل البيانات، يتم من خلالها تقسيم البيانات الكيفية وتصنيفها وتلخيصها وإعادة بنائها (Given, 2008: 867).

في التحليل الموضوعي، يبحث الباحث عن أنماط تكرارية ذات معنى، والتي يتم الحصول عليها عن طريق قياس تواتر الكلمات. تعتمد هذه المنهجية على إجراء محدد ومن خلال ثلاثة مستويات، تقوم بتنظيم المضامين وهي: أ) المضامين الأساسية: وتشمل الرموز والنقاط الرئيسية في النص. ب) المضامين المنظِّمة: والتي يتم الحصول عليها من خلال تجميع وتلخيص المضامين الأساسية. ج) المضامين الشاملة: وهي المضامين العليا التي تشمل المبادئ الحاكمة للنص ككل. من خلال تحليل المضامين، يتم إنشاء شبكة من المضامين، وفي النهاية يتم استخلاص المفاهيم الرئيسية ونمذجتها من خلال تحليلها (Attride-Stirling, 2001: 389).

2. التحليل الموضوعي لبيانات آية الله الخامنئي حول تلاوة القرآن

المرحلة الأولى: تجزئة النص واستخراج المضامين الأساسية. لتنفيذ منهج التحليل الموضوعي، من الضروري في المرحلة الأولى تجزئة النص وتقسيم الجمل وفقًا لمعيار موحد ومحدد في جدول ذي صلة. تشمل هذه المرحلة أربع خطوات: التعرف على النص، وإنشاء الرموز الأولية، وتحديد المضامين، ورسم الشبكة الأولية للمضامين. من خلال الدراسة الدقيقة والمتكررة لبيانات سماحة قائد الثورة في 70 لقاءً، تم الحصول على 42 مقطعًا مرتبطًا بتلاوة القرآن، ومن كل مقطع تم استخراج مضمون أساسي ومهم. وبناءً على ذلك، تم الحصول على 42 مضمونًا أساسيًا.

تجدر الإشارة إلى أن تحديد المضمون هو من أهم مراحل التحليل الموضوعي، حيث إن المراحل اللاحقة تتم بناءً عليه، كما تؤثر توجهات الباحث وأسئلة البحث وقيمه وخبرته حول مسألة البحث في كيفية تحديد المضمون. كما يجب الانتباه إلى أن اختيار المضمون لا يتبع بالضرورة معايير كمية؛ بل يعتمد على مدى أهمية النقطة التي يثيرها حول أسئلة البحث. في الواقع، كمية البيانات المطلوبة للإجابة عن مسألة البحث ثابتة ومحددة بالنظر إلى الطبيعة الكيفية لمنهج التحليل الموضوعي.

المرحلة الثانية: شرح النص وتحديد المضامين المنظِّمة. في المرحلة الثانية من البحث، من الضروري شرح النص وتحديد المضامين المنظِّمة. ولكن قبل البدء بهذه المرحلة، يجب أولاً إثبات وتأكيد «الثبات»5 و«الموثوقية»6 للبحث. ولهذا الغرض، يجب اتخاذ إجراءين ضروريين: أ) تأكيد ثبات البحث من قبل الباحث نفسه، ب) تأكيد موثوقية البحث من قبل متخصصين آخرين. لذلك، قبل البدء بالمرحلة الثانية، سعى الباحث أولاً في فترة زمنية لاحقة إلى إعادة تحليل جميع البيانات وترميزها ومقارنة نتائج الجدولين معًا. وقد أظهر التطابق العالي نسبيًا لنتائج الترميز «ثبات» البحث المنجز. وفي الإجراء الثاني، طُلب من زميلين متخصصين في مجال منهج التحليل الموضوعي تحليل نص البيانات. وقد أكد التطابق العالي لنتائج هذا الجزء أيضًا مسألة «موثوقية» البحث وأثبتها.

بعد تأكيد ثبات وموثوقية النتائج الأولية للبحث، تم في المرحلة الثانية من عملية تنفيذ منهج التحليل الموضوعي شرح النص وتحديد المضامين المنظمة. وقد أظهرت التصنيفات المحددة والمنطقية المأخوذة من المضامين الأساسية أن هذه المجموعة من المضامين يمكن تقسيمها وتفصيلها في إطار 5 مضامين منظِّمة. هذه المضامين المنظِّمة هي المحور الرئيسي للمضامين الأساسية، وهي: الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن (بتكرار 13)، والنمو الروحي والفكري والعملي للفرد والمجتمع (بتكرار 10)، والآداب الباطنية لتلاوة القرآن (بتكرار 9)، وتوجيه عامة الناس إلى القرآن (بتكرار 6)، وإلقاء المعاني الصحيحة على المخاطب (بتكرار 4).

المرحلة الثالثة: تركيب النص وتحليل المضامين الشاملة. المرحلة الثالثة من عملية تنفيذ منهج التحليل الموضوعي هي تركيب النص من خلال تصنيف المضامين المنظِّمة والوصول إلى مقولات يُشار إليها بالمضامين الشاملة. وقد أظهرت الدراسات الدقيقة التي أجراها المؤلفون وجهودهم لتصنيف المضامين المنظِّمة لبيانات سماحة قائد الثورة بدقة أنه يمكن في النهاية تصنيف هذه المضامين تحت مضمونين شاملين بعنوان «آداب تلاوة القرآن» و«آثار تلاوة القرآن». وقد أظهرت هذه النتائج أن بيانات سماحة قائد الثورة حول تلاوة القرآن كانت منظمة ومنطقية تمامًا، وسعى سماحته من خلال هذه الكلمات إلى رسم المنظومة المرغوبة لتلاوة القرآن. وبناءً على ذلك، فإن الدراسة الدقيقة لبياناته واستخراج المنظومة الحاكمة عليها تكتسب ضرورة مضاعفة، وهو ما سيتم التطرق إليه في تتمة البحث بهدف التحليل الكيفي لنتائج البحث وتقديم المنظومة المطروحة في بياناته، ثم يتم رسم المنظومة المقدمة في النص على شكل مخطط شجري.

ب. نتائج البحث ومنظومة تلاوة القرآن في فكر آية الله الخامنئي

1. آداب تلاوة القرآن

كما أُشير، بعد دراسة بيانات قائد الثورة واستخراج 42 مضمونًا أساسيًا وتصنيفها في 5 مضامين منظِّمة، تم تصنيف مجموع هذه المضامين تحت مضمونين شاملين. المضمون الشامل الأول هو «آداب تلاوة القرآن»، والذي يندرج تحته مضمونان منظِّمان. تُظهر هذه المضامين أن لتلاوة القرآن آدابًا باطنية وظاهرية، إذا تم الالتفات إليها، ستتحقق آثار تلاوة القرآن:

أولاً: الآداب الباطنية لتلاوة القرآن. أول أدب بيّنه قائد الثورة لتلاوة القرآن، وأكد عليه دائمًا من أولى لقاءاته حتى آخرها، هو فهم معاني القرآن من قبل القارئ وتأثره بتلك المعاني ليتمكن من تقديم تلاوة مؤثرة. يقول سماحته: «الأدب الأول هو أن يقرأ قارئ القرآن وتاليه، بإذعان للقرآن وإيمان بمفاهيمه، وإيمان بتلك المفاهيم التي يتلوها. إذا لم نكن نعلم ما نقرأ، ولم ندرك المفهوم، ولم يؤثر في أعماق أرواحنا، [حينها] سيكون تأثير تلاوتنا على الآخرين وعلى أنفسنا قليلًا» (الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 28/3/1394 هـ.ش).

من منظور سماحته، فإن فهم معاني القرآن والتأثر به من الآداب الباطنية لتلاوة القرآن: «التلاوة ليست مجرد صوت، بل لها فنون وأساليب مختلفة؛ سواء الأساليب المتعلقة بظاهر العمل وهي نفس الأنغام وألحان التلاوة، أو الأساليب العميقة للقرآن التي هي مرحلة باطنية أكثر من المرحلة السابقة، وهي الألفة بمفاهيم الآيات» (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 6/8/1382 هـ.ش).

ويعزو سماحته سبب عدم تأثير الكثير من التلاوات إلى عدم اهتمام القارئ بمضامين الآيات وعدم تأثره بمعاني القرآن: «سبب أن الكثير من التلاوات، مع أن ألحانها وأنغامها مختلفة جدًا، لا تترك الأثر اللازم في القلوب ولا تحركها، هو أن القارئ لا يتحدث مع المخاطب من قلبه وباطن روحه بعبارات القرآن» (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 6/8/1382 هـ.ش)، وفي المقابل، يرجع سبب تأثير تلاوة قراء مثل مصطفى إسماعيل إلى تأثره بمعاني الآيات: «أنكم ترون أن تلاوة مصطفى إسماعيل مؤثرة، فذلك لنفس السبب؛ لأنه هو نفسه يتأثر بالآيات التي يقرؤها. لكن بعض القراء الآخرين، لا، إنهم يؤدون صناعة فقط ويريدون إخراج عمل فني جميل. أنتم الذين تقرؤون القرآن، حاولوا أن تلتفتوا أنتم أنفسكم إلى معاني الآيات» (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 17/12/1371 هـ.ش).

من منظور سماحته، فإن تأثر القارئ بمضامين الآيات يؤدي إلى التأثير على صوته ولحنه وحركاته الظاهرية وعلى المخاطب والجلسة: «عندما تكونون على دراية تامة بمضمون الآية، فإنكم أنفسكم تتأثرون عند القراءة، ونفس هذا التأثر يترك أثره في اللحن وفي الصوت وفي النغمة وحتى في حركاتكم الظاهرية، ويؤثر على المخاطب والجلسة أيضًا» (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 25/7/1383 هـ.ش).

ثانياً: الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن. الفئة الثانية من آداب تلاوة القرآن هي الآداب الظاهرية التي تشمل: (1) اختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء، (2) النبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها، و (3) مراعاة موازين الصوت واللحن. والتي يعتبر الأدب الباطني للتلاوة، أي سيطرة القارئ على معاني الآيات وتأثره بها، شرطًا أساسيًا ضروريًا لها جميعًا.

1. اختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء. من آداب التلاوة الظاهرية اختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء، وقد انتقد قائد الثورة بشدة في لقاءاته الأولية مع القراء عدم اهتمام بعضهم بهذه المسألة، وقدم توصيات في هذا الصدد: «بعض الإخوة يقرؤون القرآن، لكن القطع والوصل خاطئ. اليوم في نفس الآيات التي تليت، وصلتم آية اختلط فيها مقول القول الإلهي بمقول قول الكفار! هل هذا جيد؟ من يفهم ترجمة القرآن، عندما يسمع منكم هذا الوصل غير المناسب، كأن مسمارًا يدق في أذنه. في القراءة، هذا علم بحد ذاته، أين يجب وصل الآية، وأين يجب قطعها» (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 22/1/1370 هـ.ش).

أدت هذه التوصية إلى اهتمام القراء بمسألة الوقف والابتداء، وتدريجيًا تحسنت جودة التلاوات من حيث مراعاة الوقف والابتداء، ولذا في السنوات التالية، لا نجد مثل هذه الملاحظة في بيانات قائد الثورة. بالطبع، أبعاد أخرى من مسألة الوقف والابتداء مثل القراءة بصوت عالٍ، ظلت موضع تذكير من سماحته، والتي تتطلب اهتمامًا جادًا من القراء. على سبيل المثال، يقول سماحته: «من الأشياء التي شاعت بين القراء العرب – هؤلاء المصريين وغيرهم – ومن هناك انعكست إلى داخل بلادنا، إعطاء الأهمية للنفس الطويل. أنا لا أفهم وجه هذا العمل؛ لا يوجد أي لزوم لوصل كلمات القرآن وآياته ببعضها البعض لنظهر أن لدينا نفسًا طويلًا؛ في رأيي لا لزوم لذلك. أحيانًا يكون ضروريًا ويتوقف أداء مفهوم الآية على قراءتها بنفس واحد، حسنًا، فليفعلوا ذلك، وإلا فإن جمال التلاوة وتأثيرها لا يعتمدان على النفس الطويل إطلاقًا» (الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 28/3/1394 هـ.ش).

2. النبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها. من الآداب الظاهرية الأخرى لتلاوة القرآن، النبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها: «من شروط التلاوة أن هذه الآية القرآنية التي تتلونها، عليكم أن تؤكدوا على النقاط التي لو أردتم تفهيمها في الحالة العادية تؤكدون عليها، عليكم أن تؤكدوا حتمًا على هذه النقاط… أحيانًا يكون من الضروري تكرار الجملة لكي يترسخ المطلب في ذهن المخاطب… لا أقصد المبالغة في هذا المجال… لكن التكرار بالقدر الذي يثبت هذا المفهوم في ذهن المخاطب ضروري… يجب عليكم نقل المفهوم وعكسه في ذهن المخاطب. هذا يكون أحيانًا بالتكرار، وأحيانًا بالنبر، وأحيانًا بالنبر على جملة واحدة، وأحيانًا بنبر كلمة واحدة؛ يجب القيام بهذا العمل» (الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 28/3/1394 هـ.ش).

3. مراعاة موازين الصوت واللحن. من الآداب الظاهرية الأخرى لتلاوة القرآن، مراعاة موازين الصوت واللحن؛ أي اختيار اللحن المناسب لكل قسم من الآيات وتجنب استخدام الألحان غير المناسبة في تلاوة القرآن. يقول قائد الثورة بخصوص اختيار اللحن المناسب: «ليست كل الألحان مناسبة للحن القصة، أو ليست كل الألحان مناسبة لآيات الإنذار بالعذاب؛ هناك ألحان مناسبة، وهناك ألحان غير مناسبة؛ يجب إيجاد اللحن المناسب لذلك المضمون» (الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 14/1/1401 هـ.ش). وقد نهى سماحته في بيان صريح وتحذيري عن خلط تلاوة القرآن بالغناء وقال: «لا تخلطوا القرآن بالغناء؛ الغناء مقولة أخرى؛ بالطبع للأسف يوجد الآن بين القراء المصريين من هم قراء للقرآن لكنهم يغنون، يؤدون غناءً؛ يوجدون. قراء الأجيال السابقة مثل الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، وحتى محمد رفعت، هؤلاء العظماء كانوا جميعًا موسيقيين لكنهم كانوا يقرؤون القرآن باللحن والأنغام القرآنية؛ لم يكونوا يسمحون بخلطه بألحان الكباريهات ولا أعلم أي موسيقى مبتذلة. اليوم البعض لا يراعون هذه الملاحظات» (الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 18/3/1395 هـ.ش).

وقد أشار سماحته فيما يتعلق بمراعاة موازين الصوت إلى هندسة خفض الصوت ورفعه قائلًا: «هناك هندسة أخرى، هي هندسة خفض أصواتكم ورفعها؛ متى ترفعون الصوت، ومتى تخفضونه؛ هذا مهم. البعض يرفعون أصواتهم بلا داعٍ، حيث لا مكان لرفع الصوت أصلًا. يجب أن تميزوا أين يجب رفع الصوت والقراءة بنبرة عالية، وأين يجب القراءة بهدوء» (الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 14/1/1401 هـ.ش).

2. آثار تلاوة القرآن

المضمون الشامل الثاني في بيانات سماحة قائد الثورة هو آثار الأنس بالقرآن الكريم، والذي يندرج تحته ثلاثة مضامين منظِّمة: توجيه عامة الناس إلى القرآن، وإلقاء المعاني الصحيحة على المخاطب، والنمو الروحي والفكري والعملي للفرد والمجتمع. بالطبع، شرط الوصول إلى هذه الآثار هو مراعاة الآداب الباطنية والظاهرية لتلاوة القرآن، والتي تتحقق الآثار أيضًا بمقدار تحققها. فيما يلي يتم شرح هذه الآثار:

أولاً: توجيه عامة الناس إلى القرآن. أول وأقرب أثر لتلاوة القرآن مع مراعاة آدابها الباطنية والظاهرية هو توجيه عامة الناس إلى القرآن. من منظور سماحة قائد الثورة، فإن تلاوة القرآن ليست مجرد مصدر للتسلية والاستعراض الفني (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 6/8/1382 هـ.ش) أو عمل ترفيهي زائد وتشريفي (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 25/7/1383 هـ.ش) أو أمر استقلالي (الخامنئي، بيانات في لقاء المشاركين في المسابقات الدولية للقرآن الكريم، 4/4/1391 هـ.ش)، بل هي وسيلة للوصول إلى الأجواء القرآنية في المجتمع بأسره (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 6/8/1382 هـ.ش) ومشجعة للتوجه العام نحو القرآن (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 25/7/1383 هـ.ش)، كما أن الهمهمة الملكوتية الصحيحة والجذابة للقرآن تسبب أنس الناس وقربهم من القرآن: «إذا أردنا أن تأنس الأمة كلها بالقرآن، يجب أن نفتح باب تلاوة القرآن في المجتمع. إذا كنت أؤكد على قراءتكم أيها القراء الأعزاء وأوليها هذه الأهمية، فلهذا السبب. أنتم شخص واحد، تقرؤون، سواء قرأتم جيدًا أم لا، من جهة يتعلق بكم الأمر؛ لكن ما يدفعني إلى إيلاء كل هذا الاهتمام لهذه المسألة هو أنه إذا تمكن تالو كلام الله في المجتمع من تلاوة هذه الآيات الكريمة بهمهمة ملكوتية صحيحة وجذابة، فإن قلوب الناس تأنس بالقرآن وتقترب منه» (الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 22/1/1370 هـ.ش). وفي تعبير آخر يقول سماحته: «قلت مرارًا، وأقولها مرة أخرى، نحن نتابع التلاوة المتميزة للقرآن في هذا البلد، لكي ينتشر الأنس بالقرآن وتلاوته بين عامة الناس» (الخامنئي، بيانات في لقاء قراء القرآن الكريم، 14/7/1384 هـ.ش).

ثانياً: إلقاء المعاني الصحيحة على المخاطب. الأثر الثاني لتلاوة القرآن مع مراعاة آدابها الباطنية والظاهرية هو إلقاء المعاني الصحيحة على المخاطب. يقول آية الله الخامنئي في هذا الصدد: «ليست كل تلاوة مؤثرة؛ بعض التلاوات عندما تؤدى، تغرس معاني القرآن في أذن وقلب وروح المخاطب؛ الوصول إلى مثل هذه التلاوة هو ذو قيمة. نحن نريد أن نصل إلى هناك. بالطبع، شرط هذا هو الصوت، والموسيقى، وجودة تركيب الآيات والتلاوة التي تتم؛ كل هذه مؤثرة» (الخامنئي، بيانات في لقاء قراء مشاركين في المسابقة الدولية الثالثة والعشرين للقرآن، 4/7/1385 هـ.ش). ويقدم سماحته مصطفى إسماعيل ثم عبد الفتاح الشعشاعي والمنشاوي كنماذج للقراء المتميزين في إلقاء المعاني على المخاطبين (راجع: الخامنئي، بيانات في مراسم توديع قراء القرآن، 6/2/1370 هـ.ش).

ثالثاً: النمو الروحي والفكري والعملي للفرد والمجتمع. الأثر النهائي لتلاوة القرآن مع مراعاة آدابها الباطنية والظاهرية هو النمو الروحي والفكري والعملي لأفراد المجتمع. وقد بيّن سماحته في بيانات لطيفة فوائد تلاوة القرآن بـ (1) تعميق الروحانية والتأثير في القلب (2) تغذية الفكر والمعرفة والتأثير في الفكر (راجع: الخامنئي، بيانات في لقاء المشاركين في المسابقات الدولية للقرآن، 26/1/1398 هـ.ش) و (3) تقريب الإنسان من العمل المطابق لتعاليم القرآن (راجع: الخامنئي، بيانات في لقاء جمع من قراء القرآن، 26/6/1383 هـ.ش). وفي تعبير آخر، يصف سماحته تلاوة القرآن كوسيلة لتشكيل الحياة الفردية والاجتماعية في ظل القرآن (راجع: الخامنئي، بيانات في لقاء المشاركين في المسابقات الدولية للقرآن الكريم، 18/3/1392 هـ.ش).

في تلخيص نتائج البحث، يجب القول إنه من بين الآداب والآثار التي تم بيانها لتلاوة القرآن استنادًا إلى فكر آية الله الخامنئي، يبدو أن تعبير «هندسة التلاوة» يرتبط مفهوميًا بـ«الآداب الظاهرية للتلاوة»، لأن المكونات التي ذكرها قائد الثورة في عام 1401 هـ.ش عند الحديث عن «هندسة التلاوة» (راجع: الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 14/1/1401 هـ.ش)، هي في الحقيقة نفسها مراعاة الآداب الظاهرية للتلاوة. لذا، في تتمة المقالة، سنتناول تبيين مؤشرات «هندسة التلاوة» أو «الآداب الظاهرية للتلاوة».

ج. تبيين مؤشرات «هندسة التلاوة» أو «الآداب الظاهرية للتلاوة»

كما ذُكر سابقًا، تشمل الآداب الظاهرية للتلاوة: (1) اختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء، (2) النبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها، و (3) مراعاة موازين الصوت واللحن. وهذه المكونات الثلاثة تشمل جميع المؤشرات التي بيّنها قائد الثورة لـ«هندسة التلاوة» (راجع: الخامنئي، بيانات في محفل الأنس بالقرآن، 14/1/1401 هـ.ش). لذا، فإن تبيينها هو في الواقع تبيين لمؤشرات «هندسة التلاوة».

1. اختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء

الوقف في الاصطلاح هو قطع الصوت على كلمة بمقدار زمني يُتنفس فيه عادة بنية استئناف التلاوة، لا بنية الإعراض وإتمام التلاوة (ابن الجزري، د.ت، 240/1). والابتداء يعني البدء بالتلاوة بعد الوقف. والمقصود من علم الوقف والابتداء هو بيان مواضع الوقف بهدف مراعاة معاني القرآن من قبل القارئ، ليقف ويبدأ وفقًا لمقتضى المعنى واللفظ، وهذا لا يتحقق إلا بالتدبر والاهتمام بالمعاني (ميموني، 1423: 4).

ينقسم الوقف إلى نوعين كليين: اضطراري واختياري. الوقف الاضطراري يعني أن يقف قارئ القرآن دون اختيار وبسبب نقص النفس، أو نسيان الآية، أو انقطاع الصوت، أو السعال، أو العطاس، أو أي طارئ آخر. وبما أن القارئ يُجبر على الوقف وقد يكون الموضع الذي وقف عليه غير مناسب، يجب عليه أن يبتدئ من مكان مناسب ويصلح الخطأ الذي حدث (ستوده نيا، 1391: 168). أما الوقف الاختياري فهو أن يقف القارئ باختياره على كلمة ما، ومعظم مباحث الوقف والابتداء تتعلق بهذا المجال (نفس المصدر).

تنقسم الوقوف الاختيارية إلى نوعين: وقف جائز (صحيح) وغير جائز (قبيح وأقبح). الوقف الجائز يتم في نهاية عبارات يُفهم منها معنى صحيح ومفيد، وينقسم بدوره إلى ثلاثة أنواع: تام، كافٍ، وحسن. أما الوقف غير الجائز فيكون في موضع لا يفيد معنى، سواء كان المعنى ناقصًا مثل الوقف على «الْحَمْدُ» بدلًا من «الْحَمْدُ لِلَّهِ» (النحل: 75) التي تعني «الحمد لله»، أو تغير المعنى مثل الوقف على «وَ مَا مِنْ إِلَهٍ» بدلًا من «وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ» (آل عمران: 62) والتي تعني «وما من إله إلا الله». (لمزيد من التفاصيل والأمثلة، راجع: ابن الجزري، د.ت، 224/1-230).

بناءً على ذلك، فإن اختيار المواضع الصحيحة للوقف والابتداء هو من أهم أركان هندسة التلاوة، إذ إن عدم الاهتمام به يؤدي إلى نقص أو فساد معاني الآيات.

2. النبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها

النبر، الذي يُعرف بمصطلحي accent و stress في اللغات الفرنسية والإنجليزية، يعني في الاصطلاح إبراز صوت من أصوات الكلمة أو الجملة، وينقسم إلى قسمين: نبر الكلمة ونبر الجملة:

أ) نبر الكلمة: ويعني إبراز أحد مقاطع الكلمة. مثلاً، في كلمة مثل «كَتَبَ»، يكون النبر على المقطع الأول «كَ». ولكن في كلمة مثل «يَكْتُبُ»، يكون النبر على المقطع الثاني «تُ»، وفي كلمة مثل «يَكْتُبُونَ»، يكون النبر على المقطع الثالث «بُو».

ب) نبر الجملة: ويعني إبراز كلمة بكامل مقاطعها مقارنة بالكلمات المجاورة للتأكيد على مفهومها ومعناها. مثلاً، في الآية: «…الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا…» (المائدة: 3). إذا وقع النبر على كلمة «الْيَوْمَ»، فسيكون المعنى هو هذا اليوم تحديدًا (يوم نزول الآية)، وإذا أُديت بدون نبر، فسيكون معناها هذه الفترة الزمنية. وكذلك إذا تم إبراز الكلمات «أَكْمَلْتُ، أَتْمَمْتُ، رَضِيتُ» بالنبر، فسيتم التأكيد على الفعل المقصود، وإذا وقع النبر على كلمات «لَكُمْ، دِينَكُمْ، عَلَيْكُمْ، لَكُمُ»، فإن مفهوم تخصيص هذه النعم لكم وأهمية وقيمة هذه العطايا والنعم يبرز بشكل أكبر. (للمزيد من الدراسة، راجع: دغاغله، 1393: 71-74).

فيما يتعلق بمسألة التكرار، يجب القول إنه في كل سورة توجد آيات وعبارات ومضامين لها محورية بالنسبة لبقية الآيات، وتُسمى «غرر الآيات». يقول جوادي آملي في تعريف «غرر الآيات»: «غرر الآيات هي آيات قرآنية رئيسية تفتح الطريق لفهم الكثير من الآيات الأخرى، بل هي أساس وميزان عدل ومصباح منير لحل الكثير من تعقيدات الأحاديث» (جوادي آملي، 1381: 32/13). ويعتبر أهم سمة لهذه الآيات هي كونها توحيدية (نفس المصدر)، ومن معايير معرفة هذه الآيات روايات المعصومين (عليهم السلام) حول أهمية بعض الآيات (نفس المصدر: 269/1؛ 3/2). لذلك، يجب على قارئ القرآن أن يسعى لإبراز هذه الآيات للمستمعين. ومن الطرق المعتادة لإبراز المفاهيم المهمة، استخدام عنصر التكرار بدرجات صوتية أو نغمات مختلفة، واستخدام أعلى طبقة صوتية، وكذلك استخدام الألحان المباشرة (دون تحرير أو تمويج) للتعبير عن المفهوم المقصود (شاه ميوه اصفهاني، 1389: 185).

3. مراعاة موازين الصوت واللحن

المقصود بموازين الصوت واللحن هو الاهتمام بالتنغيم والإنغام في تلاوة القرآن.

التنغيم: التنغيم، الذي يطلق عليه في اللغة الإنجليزية Intonation، هو مبحث صوتي يدور حول ارتفاع وانخفاض الصوت وكذلك استقامته، ويمكن أن يكون له دور نسبي في التعبير عن المعاني (عكاشة، 2011: 49).

بتعبير آخر، التنغيم هو تغيرات لحنية تحدث بشكل متناوب في الصوت، حيث ينتقل الصوت أحيانًا من الحدة إلى الغلظة وأحيانًا من الغلظة إلى الحدة، وهذه التناوبات في الحدة والغلظة تخلق لحنًا يوصل المعاني بشكل أوضح إلى أذن المخاطب. تتبع كل هذه الارتفاعات والانخفاضات الصوتية حالات المتحدث، وبأي إحساس يعبر عن كلامه. من هذا اللحن يمكن تشخيص ما إذا كان الكلام مصحوبًا بالرضا، الاعتراض، الغضب، اليأس، الأمل، الشك والتردد، اليقين، التكبر، التواضع، السؤال، التعجب، النفي والإثبات وغيرها (دغاغله، 1393: 74).

على سبيل المثال، استُخدم الفعل «جاء» في جملتي «هل جاء زيد؟» و«نعم؛ جاء زيد.»؛ ولكن في الجملة الأولى، يكون ارتفاع الصوت أكثر من الجملة الثانية، وهذا الارتفاع الصوتي يقتضي كون الجملة استفهامية. كما أن كون الجملة الثانية خبرية أو إنشائية يؤدي إلى التعبير عنها بأدنى درجة من الارتفاع الصوتي. في الواقع، هذا التنوع في ارتفاع الصوت في التعبير الكلامي عن أنواع الجمل يلعب دور علامات الترقيم في الكتابة، وهو مؤثر في البيان الدقيق والصحيح لمفاهيم آيات القرآن.

يكتب البحراوي في هذا الصدد: «حسب الجملة، يتشكل التنغيم. الجملة التقريرية (إثبات، نفي، شرط ودعاء) تنتهي بنغمة هابطة، وفي الجملة الاستفهامية بغير أدوات هل والهمزة يكون الأمر كذلك. أما الاستفهام في هل والهمزة فينتهي بنغمة صاعدة، وعندما يقف المتكلم قبل تمام المعنى، يقف على نغمة مستوية ليست مرتفعة ولا منخفضة» (بحراوي، 1996: 25).

فيما يتعلق بالعلاقة بين النبر، الذي تحدثنا عنه سابقًا، والتنغيم، يجب القول إن النبر له الأولوية على التنغيم، لأن عدم مراعاة مواضع النبر يخل بأساس اللفظ والجملة، وفي هذه الحالة، يفقد التنغيم أيضًا اعتباره.

الإنغام: يعني الاستفادة من النغمات والمقامات الموسيقية في تلاوة القرآن، والتي يمكن أن تكون مؤثرة في بيان مفاهيم ومعاني عبارات القرآن. أشهر المقامات الموسيقية العربية التي يستخدمها القراء في تلاوة القرآن هي سبعة مقامات: عجم، نهاوند، رست، بيات، حجاز، وسه گاه (المهدي، د.ت، 20-21)، ولكل منها استخدام في مفاهيم محددة؛ على سبيل المثال، يستخدم مقام النهاوند غالبًا لإضفاء حالة من التفكر والدقة والنظر في عمق الموضوع والمحاورة، بينما يستخدم مقام الصبا عادة في بيان آيات الإنذار، وبيان الحزن، وطلب التوبة، وأوصاف الجحيم وأهلها (للمزيد من الدراسة، راجع: دغاغله، 1393: 87-90).

وفيما يتعلق بالعلاقة بين النبر والإنغام، يجب القول إنه يمكن بيان مواضع النبر بشكل صحيح وفصيح بدون نغمات، لكن أداء النغمة دون مراعاة مواضع النبر، عند العارفين بمعاني القرآن، يفتقر إلى الاعتبار والجمال وحتى يثير السخرية.

الخاتمة

تتكون التلاوة المطلوبة للقرآن في فكر آية الله الخامنئي من قسمين: الآداب والآثار. آداب تلاوة القرآن تشمل الآداب الباطنية والظاهرية، التي تؤدي مراعاتها إلى آثار تشمل توجيه عامة الناس إلى القرآن، وإلقاء المعاني الصحيحة على السامعين، والنمو الروحي والفكري والعملي للفرد والمجتمع. إن تأثر القارئ المسبق بمضامين الآيات هو الأدب الباطني وأهم شرط للتلاوة المطلوبة من منظور آية الله الخامنئي؛ واختيار المواضع المناسبة للوقف والابتداء، والنبر على بعض الكلمات والعبارات وتكرارها، ومراعاة موازين الصوت واللحن، هي ثلاثة آداب ظاهرية للتلاوة المطلوبة من منظوره، وهذه الآداب الظاهرية هي في الواقع نفس مكونات «هندسة التلاوة» المذكورة في بيانات سماحته. بناءً على ذلك، يبدو أن مراد سماحته من تعبير «هندسة التلاوة» هو مراعاة الآداب الظاهرية للتلاوة.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 23/03/1401 هـ.ش، وتاريخ القبول: 02/09/1402 هـ.ش.1

2. أستاذ مساعد في قسم الإلهيات والمعارف الإسلامية، جامعة الشهيد رجائي لإعداد المعلمين، طهران، إيران. zarnooshe@sru.ac.ir.2

3. تم إنجاز هذا البحث بدعم مالي من جامعة الشهيد رجائي لإعداد المعلمين بموجب منحة رقم 4925 بتاريخ 03/06/1402 هـ.ش.3

4. Thematic Analysis.

5. Validity.

6. Reliability.

Scroll to Top