قواعد الاحتجاج في القراءات

المستخلص

يعد موضوع الاحتجاج في القراءات من المباحث الهامة في حقل علوم وفنون القراءات. لقد لجأ علماء العلوم القرآنية ومفسرو العالم الإسلامي، بناءً على أسسهم المقبولة في هذا الموضوع، إلى الاحتجاج في القراءات القرآنية بأساليب وقواعد متعددة. وللاحتجاج في القراءات مبانيه وأهدافه الخاصة التي تستلزم دراسة دقيقة من قبل المتخصصين في هذا الأمر. يهدف هذا المقال إلى دراسة قواعد الاحتجاج في القراءات عند المفسرين وعلماء القراءات. منهج البحث المعتمد في هذا المقال هو المنهج الوصفي التحليلي، حيث تم الاستفادة من المصادر المكتوبة. ومن أهم النتائج التي توصل إليها البحث في هذا المقال أن الاحتجاج في القراءات يتطلب قواعد مستنبطة من المباني المقبولة لدى علماء القراءات. ومن بين القواعد المستخدمة في الاحتجاج يمكن الإشارة إلى: دراسة تفسير الآية قبل اختيار القراءة، والاستفادة من سياق الآيات، ومطابقة لغة ومفردات القراءة مع اللغة العربية الفصيحة، وعدم مخالفة الآية للمباحث التفسيرية الصحيحة، وتأييد القراءة بالأحاديث المعتبرة، ومطابقة القراءة مع رسم المصحف العثماني، ومطابقة الآية مع القواعد الأدبية المعتمدة في اللغة العربية الفصيحة.

مقدمة

يُعدّ علم القراءات من العلوم التي يتطلب تعلمها الإلمام بعلوم متنوعة. ومن جهة أخرى، يعتبر هذا العلم بحد ذاته مقدمة لعلوم أخرى. فعلوم مثل رسم الخط والتجويد تُعدّ علومًا تمهيدية لعلم القراءات، وتعلم هذه العلوم يسهل فهم قراءات القراء وكيفية القراءة بناءً على أصول كل قراءة.

من المسائل المهمة في مجال علم القراءات، الاحتجاج وتعليل القراءات، والذي يتناول، بالإضافة إلى التعريف بالقراءات، التحليل الأدبي والتفسيري لها. فالباحث بعد تعلمه للقراءات، وبهدف إكمال معرفته وفهم أعمق لكل قراءة، يمكنه الرجوع إلى تفسير القرآن الكريم ليتعرف بشكل أفضل على رؤية القراء ومزايا قراءاتهم. ورغم أن معرفة تفسير القرآن، إذا كانت مقتصرة على الاحتجاج للقراءات، يمكن أن تندرج ضمن علم القراءات وربما تكون مقدمة لفهم أفضل للقراءات، إلا أنه على هذا الأساس يتسع نطاق مصادر القراءات، ويتطلب تصنيفها وتقسيمها صبرًا ودقة أكبر.

يمكن اعتبار مبحث الاحتجاج في القراءات، إلى حد ما، من المباحث البينية. فمن جهة، يتطلب التمكن من أصول ومناهج القراءات تعلم علم القراءات، ومن جهة أخرى، يستلزم تحليل واحتجاج القراءات تعلم علوم مثل الأدب والحديث والتفسير والتاريخ لمساعدة الباحث في هذا المجال.

إن قضاء الوقت في هذا المجال من مباحث القراءات يؤدي إلى نضج التحليل وتعزيزه وزيادة معلومات الباحثين حول قراءات القرآن الكريم، ويمنحهم رؤية جديدة في فهم عبارات القرآن الكريم. في هذا المقال، يعتزم الكاتب، من خلال دراسة أهم قواعد الاحتجاج في القراءات، عرض جزء من جهود العلماء المسلمين في هذا المجال، وإظهار الصلة بين القراءات والعلوم المفاهيمية كالتفسير والأدب والعلوم الشكلية كرسم الخط بوضوح.

على سبيل المثال، على الرغم من أن العلوم الأدبية وإعراب القرآن تبدو من منظور سطحي في مجال منفصل عن علم القراءات، إلا أنه بنظرة أدق يتضح أن فهم الأدب العربي وكتب إعراب القرآن له تأثير متبادل على الفهم الدقيق للقراءات السبع ومزايا كل منها. ومن أوائل الكتب التي تناولت الاحتجاج في القراءات، الكتب الأدبية. الهدف من الاحتجاج هو تبيين الدليل الأدبي للقراءات. في المقابل، هدف تبيين الأدب في القراءات هو تأييد إحدى قواعد الأدب العربي. بعبارة أخرى، في علم الاحتجاج، يكون الهدف هو القراءات، وفي الكتب الأدبية، يكون الهدف من الاحتجاج هو القواعد الأدبية. في الاحتجاج، يتم الانتقال من العلوم الأدبية نحو إحدى القراءات، وفي الكتب الأدبية، يتم الانتقال من القراءة نحو إحدى قواعد الأدب العربي.

ألف. دراسة المفهوم

1. الاحتجاج

الاحتجاج مصدر من باب الافتعال، وجذره (حجج) بمعنى البرهان، وهو ما يدافع به الإنسان عن نفسه في مواجهة خصمه (ابن منظور، لسان العرب، 1414هـ: 3/1).

للاحتجاج في العلوم المختلفة مصطلحات متعددة. ويستخدم هذا المصطلح، بالإضافة إلى علم القراءات، في علم المنطق وعلم الكلام. والمصطلح المقصود هنا هو المستخدم في علم القراءات، على الرغم من وجود معنى متقارب بين هذا المصطلح ومصطلح علم المنطق، وهو ما يمكن من خلاله تأييد أو إثبات دعوى ما بواسطة علم القراءات أو المنطق. يقول الجرجاني (ت 816 هـ) في تعريف «الحجة» أو الاحتجاج: «الحجة: ما دلّ به على صحة الدعوى» (الجرجاني، التعريفات، 1403هـ: 82)؛ أي أن الحجة هي ما يثبت به ادعاء الفرد. وما يمكن اختياره للمعنى الاصطلاحي في علم القراءات، بناءً على كتب الاحتجاج، هو بيان علة ودليل كل قراءة اختارها قارئ ما. وكثير من هذه العلل نحوية ولغوية (النيرباني، الجوانب الصوتية من كتب الاحتجاج للقراءات، 1427هـ: 14).

لقد كان لهذا المصطلح على مر تاريخ تأليفه كلمات مترادفة، وإن كانت مختلفة إلى حد ما من حيث المعنى ونوع الاستخدام. فمصطلحات وجوه القراءات (الطالقاني، علوم قرآن وفهرست منابع، 1361: 238)؛ وعلل القراءات (محيسن، الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر، 1417: 9)؛ ومعاني القراءات وإعراب القراءات وتوجيه القراءات، هي أيضًا من المصطلحات المترادفة للاحتجاج. وقد استخدمت هذه المصطلحات في بعض الأزمنة والآثار (الطالقاني، علوم قرآن وفهرست منابع، 1361: 263). وفي تكملة علاقة المصطلحات المذكورة، لا يخلو ذكر هذه النقطة من فائدة، وهي أن كلًّا من هذه المصطلحات يشير إلى جانب من مراحل وأبعاد الاحتجاج. في احتجاج القراءات، تُقدَّم استدلالات لكل قراءة. ومن ثم، يمكن استخدام مصطلح علل القراءات والاحتجاج. كما يشير مصطلح «وجوه القراءات» إلى اختلاف القراءات والعلل المستخدمة في احتجاجهم (رضائي أصفهاني، أميني تهراني، گونه شناسي منابع علوم و فنون قرائات در حوزه دانش احتجاج، 1395).

2. المباني

كلمة «مباني» هي جمع كلمة «مبنى». والمبنى في اللغة يعني: الأساس، الأصل، الركن، والجذر (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 1/ 196).

يُستخدم مصطلح «المباني» في العديد من العلوم. ويعني هذا المصطلح في بعض استخداماته مجموعة من الأصول الموضوعة، والمتعارف عليها، وقواعد التعريف والاستدلال التي يتم على أساسها تحصيل العلم. بعبارة أخرى، العلم الذي هو اكتساب المعرفة بالمجهول، مشروط بمراعاة هذه الأصول والقواعد. أحيانًا يكون المراد من المباني أدلة إثبات مسألة علمية. فإذا بطلت أدلة مسألة علمية، تنهار المسألة العلمية نفسها (ضيائي فر، فلسفة علم فقه، 1392: 1/ 261). وعلى هذا الأساس، تطلق كلمة «المباني» على الأدلة أيضًا (نفس المصدر: 1/ 262).

هذا المصطلح في موضوع الاحتجاج في القراءات يعني المعلومات الأساسية التي على أساسها يوجّه المحتج قراءة ما. ويتم هذا التوجيه بالاعتماد على معلومات تشكلت في علوم مختلفة. في تتمة البحث، يتضح أن علومًا مثل علوم الحديث، والعلوم الأدبية، والكلام، والتفسير وغيرها من العلوم، تخلق مباني متعددة في ذهن المحتج، وتُستخدم هذه المطالب كدليل لاحتجاجاته والقواعد التي يستخدمها عند الاحتجاج.

في الواقع، مباني الاحتجاج هي البنية التحتية لاستخدام قواعد الاحتجاج في القراءات، وتؤثر عليها بشكل مباشر. على سبيل المثال، عندما تُقبل سيرة أهل البيت (عليهم السلام) ورواياتهم كحجة في الدين، يمكن الاستفادة منها لتأييد أو نقد قراءة ما. وعلى هذا الأساس، يُلاحظ أن آية الله معرفة في كتاب «التمهيد»، عند تحليل قراءة «مَلِك» في الآية الرابعة من سورة الحمد المباركة، يستشهد بسيرة الإمام الصادق (عليه السلام) والأحاديث المنقولة عنه كدليل على قراءة «مالك» (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 1430: 2/ 240).

3. القاعدة

«القاعدة» في اللغة تعني الأساس والجذر، ولهذا السبب تسمى أعمدة البيت «قواعد». يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة/ 127)؛ أي عندما رفع إبراهيم أعمدة البيت وأصلحها. وفي مجمع البحرين ورد: «القواعد جمع القاعدة وهي الأساس لما فوقه.» (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 3/ 129)؛ أي أن «قواعد» جمع «قاعدة» وتعني الأساس لما فوقها.

المعنى الاصطلاحي للقاعدة له علاقة وثيقة بمعناها اللغوي. يكتب التهانوي في وصف المعنى الاصطلاحي للقاعدة: «أنها أمر كلي منطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه» (التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، 1996: 5/ 1176 و 1177)؛ أي «القاعدة أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته عند استنباط أحكامه منها». بالإضافة إلى استخدام «القاعدة» في الأمور المادية مثل أسس البناء، فقد استُخدمت أيضًا في بعض الأمور المعنوية ذات الجانب الأساسي والبنيوي؛ مثل القواعد الأخلاقية، والقواعد الإسلامية، والقواعد العلمية. وبشكل عام، تسمى القواعد في كل علم المسائل الأساسية التي يتوقف عليها حكم العديد من المسائل الأخرى (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 3/ 129). وبالطبع، في هذه الحالة، قد يتقارب معنى القواعد والمباني.

بالنظر إلى التعريف الاصطلاحي للقواعد، يتضح معنى القاعدة عند توجيه القراءة. القواعد التي طرحها علماء الاحتجاج هي في الواقع أصول كلية ومبادئ توجيهية تُستخدم لتحليل وتوجيه القراءات. وقد نشأت هذه القواعد على أساس مبانٍ تشكلت من علوم مختلفة. على سبيل المثال، تأييد القراءة على أساس مطابقتها للرسم العثماني هو من القواعد المستخدمة في كثير من كتب الاحتجاج. وقد تشكلت هذه القاعدة على أساس رؤية ومبدأ خاص في علم الرسم، حيث تم قبول الرسم العثماني من قبل علماء الفريقين، وكذلك السيرة العملية لأهل البيت (عليهم السلام).

باء. قواعد علم الاحتجاج

يرتبط هذا القسم بالقواعد المستخدمة في كتب التفسير والقراءات، وخاصة كتب الاحتجاج في القراءات. والقواعد التي درسها علماء الاحتجاج في القراءات هي:

1. توجيه القراءات بناءً على تأييد الروايات الصحيحة

يمكن تأييد القراءات بناءً على الأحاديث الصحيحة التي تؤيد في مضمونها قراءة ما، واعتبار تلك الرواية حجة للقراءة المذكورة. على سبيل المثال، ورد في الروايات أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يقرأ في الصلاة آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف، أي على وزن «فاعل». في جميع القراءات، القراءات الصحيحة هي تلك التي تم تأييدها من وجهة نظر الروايات الصحيحة، وصحة سند تلك الروايات متفق عليها بين الفريقين.

في ثنايا المباحث المتنوعة للكتب التفسيرية المتعلقة بالاحتجاج، مثل «جامع البيان» للطبري و«مجمع البيان» للطبرسي (راجع: گراوند، أكبرنژاد، حسيني نيا، ديدگاه شيخ امين الاسلام طبرسي در مورد قرائات، مطالعات قرائت قرآن، دورة 7، شماره 12، بهار و تابستان 1398) و«التمهيد» لآية الله معرفة وغيرها من الكتب، يمكن ملاحظة الاحتجاجات الروائية.

في سورة البقرة، جاء قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة/222). يقول العلامة الطباطبائي في هذا الصدد: في وجه قراءة «يَطَّهَّرْنَ»، قرأها أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الطاء والهاء وتشديدهما، وقرأها الباقون بسكون الطاء وضم الهاء (الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1404: 80؛ أبي زرعة، حجة القراءات، 1418: 134). وهو في هذه الآية الشريفة، يرجح قراءة «يَطْهُرْنَ» المشهورة على قراءة «يَطَّهَّرْنَ» التي هي قراءة غير حفص، أي قراءة أبي بكر والكسائي وحمزة، استنادًا إلى روايات تؤيد قراءة الآية بصيغة «يَطْهُرْنَ» بدون تشديد (خامه گر، إيرواني نجفي، روش شناسي رويكرد علامه طباطبايي در اختلاف قرائات، 1391: 11).

2. توجيه القراءة بناءً على إجماع القراء

يُطلق إجماع القراء على القراءة التي يتفق عليها جميع القراء السبعة. مثل الآية الأولى من سورة الحمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ التي قرأها جميع القراء السبعة بهذه الطريقة. وقد استخدم الطبري هذه القاعدة أيضًا في الآية 282 من سورة البقرة في قراءة ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾، ويعتبر دليل هذه القراءة هو الإجماع (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 3/ 87). وقد استند محققون آخرون أيضًا في سياق آية ما إلى إجماع القراء لتأييد قراءة معينة (الفارسي، الحجة للقراء السبعة، 1413: 140؛ القيسي، الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، 1418: 1/ 303).

يذكر العلامة الطباطبائي في ذيل الآية 137 من سورة الأنعام: «قرأ غير ابن عامر كلمة (زُيِّنَ) بفتح الزاء وبصيغة الفعل المعلوم، وقرأوا كلمة (قَتْلَ) بفتح اللام وجعلوها مفعولاً لكلمة (زُيِّنَ)، وقرأوا كلمة (أَوْلَادِهِمْ) بكسر الدال وجعلوها مضافًا إليه لكلمة (قَتْلَ) ومفعولاً له، وكلمة (شُرَكَاؤُهُمْ) فاعلاً لكلمة (زُيِّنَ). وبناءً على هذه القراءة، يكون معنى الآية: أن الأصنام، بما لها من محبة وواقع في قلوب المشركين، زينت قتل الأولاد في نظر الكثير منهم، وتغلغلت في قلوبهم إلى درجة أنهم كانوا يضحون بأبنائهم تقربًا إليها. كما سجل التاريخ هذا الأمر عن عبدة الأوثان وعبدة النجوم قديمًا. ولكن يجب العلم أن هذه القرابين تختلف عن الموءودات التي كانت شائعة في بني تميم؛ لأن (الْمَوْءُودَةُ) هي الفتاة التي تدفن حية، والآية الشريفة تدل على أنهم كانوا يضحون بأولادهم، والأولاد تشمل البنات والبنين. قال بعض المفسرين: المراد بـ(شُرَكَاء) هم الشياطين، وبعضهم قال إن المقصود بهم خدم المعبد، وبعضهم الآخر ضلال الناس؛ أما بين القراء، فقد قرأ ابن عامر كلمة (زُيِّنَ) بضم الزاء، وجعل الصيغة المذكورة مبنية للمفعول، وقرأ كلمة (قَتْلُ) بضم اللام ونائبًا عن فاعل (زُيِّنَ)، وكلمة (أَوْلَادَهُمْ) بالنصب ومفعولاً لـ(قَتْلُ)، وقرأ كلمة (شُرَكَائِهِمْ) بالجر ومضافًا إليه لـ(قَتْلُ) وفاعلاً له، وجعل كلمة (أَوْلَادَهُمْ) فاصلاً بين المضاف (قَتْلُ) والمضاف إليه (شُرَكَائِهِمْ)» (الطباطبائي، ترجمة تفسير الميزان، 1375: 7/ 497). إجماع القراء هو قراءة كلمة «زَيَّنَ» بفتح الزاء وبصيغة المعلوم، وكلمة «قَتْلَ» بفتح اللام، وجعلها مفعولاً لـ«زَيَّنَ»، وكلمة «أَوْلادِهِم» بكسر الدال وجعلها مضافًا إليه لكلمة «قَتْلَ» ومفعولاً له، وكلمة «شُرَكَاؤُهُمْ» فاعلاً لـ«زَيَّنَ»، باستثناء ابن عامر، وإجماع القراء يوافق رسم المصحف (نفس المصدر).

3. توجيه القراءة بناءً على مطابقتها لرسم المصحف

كما تم التوضيح في قسم المباني، فإن أحد الأدلة التي يمكن على أساسها توجيه قراءة ما في كتب الاحتجاج هو مطابقتها لرسم المصحف العثماني. يتناول آية الله معرفة، عند بحث تعدد القراءات، بيان بعض مواضع الاختلاف وحجيتها. وفي بحث حجية القراءات ودراسة معيار المطابقة مع رسم الخط، يتم فحص بعض القراءات بإيجاز، ويمكن أن يوفر جمعها مادة مفيدة في مجال الاحتجاج. يكتب: «قرأ حمزة والكسائي: وقرأ عاصم والباقون: ﴿اقْتَدِهْ…﴾ بهاء السكت وصلاً، وحجتهم أنها مثبتة في المصحف، فكرهوا إسقاط حرف من المصاحف (نفس المصدر: 260)؛ يعني أن حمزة والكسائي قرآ الآية بصورة ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِ﴾ (الأنعام/ 90)، بينما قرأها عاصم وباقي القراء: «اقتده…» بهاء السكت وصلاً، ودليلهم على ذلك هو أن هاء السكت ثابتة في المصحف، وبالتالي اعتبروا إسقاط حرف من المصاحف أمرًا غير صحيح.

4. توجيه القراءات بناءً على التفسير الصحيح

من قواعد الاحتجاج في القراءات أن القراءة التي تحظى بالتأييد هي التي يكون لها تفسير صحيح ومطابق للأصول الإسلامية المعتبرة لدى الفريقين. في كثير من المواضع في كتاب «الحجة» لأبي علي الفارسي، الذي يعتبر من أفضل كتب الاحتجاج في القراءات، يلاحظ أنه قبل أن يبدي رأيه في قراءة ما، يبدأ بتحليل تفسيري للآية، وبناءً على الكلمات المستخدمة في الآية، والسياق الأدبي للآية، والتفاسير المذكورة لها، يؤيد القراءة التي تتوافق مع التفسير الصحيح. وهذا الأمر يدل على تمكن أبي علي الفارسي من تفسير القرآن الكريم أيضًا. يمكن مشاهدة نموذج من هذا النوع في احتجاجاته في ذيل سورة الحجرات.

من نماذج تأثير التفسير الصحيح في اختيار القراءة نظرة العلامة الطباطبائي في الآية 260 من سورة البقرة. جاء في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة/260). في هذه الآية الشريفة، من مواضع الخلاف في القراءات كلمة «فَصُرْهُنَّ». حسب تصريح كبار القراء، قرأها أبو جعفر، وحمزة، وخلف، ورويس بكسر الصاد «فَصِرْهُنَّ»، والبقية بضمها (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 1418: 2/ 232؛ الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1404: 82). يرجح العلامة الطباطبائي القراءة المشهورة، وهي «فَصُرْهُنَّ» وهي قراءة عاصم أيضًا، بسبب قرب هذه الكلمة من معنى التقطيع وكذلك لتعديها بـ«إلى». يكتب: «كلمة (صرهن) بضم الصاد، بناءً على إحدى القراءتين من (صار – يصور)، بمعنى (القطع) أو (الإمالة)، وبكسر الصاد وهي قراءة أخرى من (صار – يصير)، بمعنى (الصيرورة). وقرائن الكلام تدل على أن المقصود هنا هو معنى (القطع). ولأنها تعدت بحرف (إلى)، فإنها تدل على تضمن معنى الإمالة أيضًا. وعليه، يكون معنى هذه الكلمة: (قطّع الطيور وأملها نحوك) أو (أحضرها إليك مقطعة).» (الطباطبائي، ترجمة تفسير الميزان، 1375: 2/ 574). كما ذُكر، فإن أهم وجه في اختيار العلامة هو معنى التقطيع في «فَصُرْهُنَّ»، في حين أن صاحب (حجة القراءات) يرى أن القراءة غير المشهورة، أي «فَصِرْهُنَّ»، تعني التقطيع (أبي زرعة، حجة القراءات، 1418: 145).

ينقد الطبري القراءات التي يقبلها هو بناءً على تأويل وتفسير خاص، ليس من الناحية الأدبية، بل من الناحية المعنوية؛ وهذا يدل على دقة الطبري وفطنته في معاني الآيات الإلهية، ومن الأمثلة على ذلك: في آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة/4)؛ قرأها عاصم والكسائي «مالِكِ»؛ أي بالألف، وقرأها الباقون «مَلِكِ» بدون ألف (ابن مجاهد، الحجة في القراءات السبع، 2009: 104). يذكر الطبري كلا القولين «مَلِك» و«مالِك»، ويرجح الرأي الأول، ويعتبر أن أصح القراءات هي «مَلِك». والتعليل الذي أورده في هذا الخصوص هو أنه من بين التأويلين «مَلِك» و«مالِك»، فإن أصح هاتين القراءتين عندي هي قراءة من اختار «مَلِك»؛ لأن الإقرار بهذه القراءة يفيد حصر الملك، وكذلك فضيلة وتفوق «مَلِك» على «مالِك»؛ إذ من الواضح أنه لا يوجد مَلِك إلا وهو مالك، وأحيانًا يكون المالك غير قادر على أن يصبح مَلِكًا (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 1/ 50).

ينقد الأستاذ معرفت كلام الطبري في خصوص توجيه «مَلِك» و«مالِك» قائلاً: «أخطأ الطبري هنا في ثلاثة مواضع: أولاً، ليس كل مَلِك (سلطان) مالكًا، وأصلاً لا يدل الملك على المِلكية. فربما يكون المَلِك قد وصل إلى السلطة بالقهر والغلبة ويكون غاصبًا. ثانيًا، الرب بمعنى المربي، يدل على اتساع نطاق ربوبيته، وهو أقرب إلى معنى المَلِك (صاحب السلطة والاختيار) منه إلى معنى المالك (صاحب المِلك). ثالثًا، العالمين مجازًا -بعلاقة المحلية- بمعنى أهل العالم، لا العوالم نفسها» (معرفت، تفسير ومفسران، 1380: 2/ 169).

5. توجيه القراءة بناءً على الاستعانة بآيات أخرى من القرآن

كما يُستشهد في التفاسير بسياق الآيات واستخدام كلمة في آية أخرى لتفسير آية ما، كذلك يُستشهد في الاحتجاج في القراءات بسياق الآيات السابقة واللاحقة للآية، وكذلك بآيات أخرى من القرآن الكريم. على سبيل المثال، في الآية 9 من سورة البقرة، قرأ نافع واثنان من رواته، وهما قالون وورش، وابن كثير وأبو عمرو، بهذه الصورة: «وما يخادعون إلا أنفسهم». واحتج أبو عمرو بهذه العبارة: «إنّ الرجل إنما يخادع نفسه ولا يخدعها، أي يحاول ذلك ولا يتحقق منه»؛ أي أن الإنسان يحاول خداع نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يخدعها، وهذا الخداع لا يتحقق.

قرأ عاصم واثنان من رواته (شعبة وحفص) وغيرهم من الكوفيين وغير الكوفيين: «وما يخدعون». دليلهم هو أن الله قد أخبر عن عمل المنافقين بأنهم قد خدعوه، هم الذين آمنوا (أبي زرعة، حجة القراءات، 1418: 87)؛ أي أنهم في الواقع لم يتمكنوا من خداع الله، ولكنهم بهذا الفعل خدعوا أنفسهم ولم يدركوا. في توضيح هذا المطلب، يجب القول: عندما يُستخدم فعل مادة «خدع» في الثلاثي المجرد، يكون الخداع قد تحقق في الخارج، والطرف المقابل قد خُدع؛ ولكن عندما يُستخدم في الثلاثي المزيد وفي باب «مفاعلة»، فإنه لا يعني التحقق القطعي، بل يعني فقط أن الشخص قد حاول الخداع؛ أما كونه قد أثمر أم لا، فغير واضح. لذلك، فإن استخدام صيغة الثلاثي المجرد للخداع بالنسبة لله تعالى غير صحيح؛ لأنه من الواضح أن الله تعالى لا يُخدع؛ ولكن استخدامه للإنسان المنافق لا إشكال فيه.

6. توجيه القراءة بناءً على سياق الآيات

في سورة الأنفال ورد قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ (الأنفال/59). النقطة الخلافية في هذه الآية هي «وَلَا يَحْسَبَنَّ» حيث قرأها حفص وابن عامر وحمزة بالياء، وقرأها البقية بالتاء (الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1404: 117).

يرى العلامة الطباطبائي أن القراءة الثانية، التي هي بالتاء وفعل المخاطب، هي المشهورة، ويرجحها على سائر القراءات ومنها قراءة عاصم، ويقول: «والخطاب فيها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمقصود منه تطمين قلبه وتقويته، كخطاب ورد بعد بضع آيات يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال/64).»

في سورة الفتح أيضًا، تم الانتباه إلى هذه النقطة: ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح/9). في هذه الآية الشريفة، حسب تصريح أبي عمرو الداني، قرأ ابن كثير وأبو عمرو هذه الأفعال الأربعة بالياء، أما البقية فقد قرأوها بالتاء (الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1404: 201).

يقول العلامة الطباطبائي في هذا الصدد: «في القراءة المشهورة، قُرئت جميع الأفعال الأربعة بالتاء التي هي علامة الخطاب، وفي قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالياء التي هي علامة الغيبة، وقراءة هذين الاثنين أنسب للسياق» (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1417: 18/ 273).

في سورة البقرة نقرأ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة/214). من مواضع الخلاف في هذه الآية الشريفة كلمة «يَقُولَ»، حيث قرأها نافع برفع اللام، وقرأها باقي القراء السبعة والعشرة والأربعة عشر بالنصب، وهي القراءة المشهورة (الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1404: 80).

يذكر العلامة الطباطبائي، ضمن دراسة نکات قرائية للآية، الوجهين المذكورين أي النصب والرفع، ورغم أن وجه الرفع في «يَقُولُ» يخص نافعًا فقط، فإنه يرجحه على القراءة المشهورة، أي نصب «يَقُولَ»، لقربه من السياق. ولهذا يكتب: «كلمة (يقول) قُرئت بنصب اللام، وبناءً على هذه القراءة، تكون الجملة في معنى الغاية والنتيجة للجمل السابقة. وقرأها البعض بضم اللام، وبناءً على هذه القراءة، تكون الجملة المذكورة حكاية حال ماضٍ. ورغم أن كلا المعنيين صحيح، إلا أن الثاني أنسب للسياق؛ لأنه لو كانت الجملة المذكورة غاية تعلل جملة (زلزلوا)، فإنها لا تتناسب مع السياق كما ينبغي» (الطباطبائي، ترجمة تفسير الميزان، 1375: 2/ 238).

7. توجيه القراءة بناءً على القواعد الأدبية الموافقة للعربية الفصيحة في المفردات والجمل

يجب على من يسعى للاحتجاج لقراءة ما أن ينظر في مطابقتها للأدب العربي في قسمي المفردات والجمل. في الواقع، يجب أن تكون اللغة الفصيحة هي المعيار، كما يجب مراعاة صحة الجمل والتراكيب في اللغة العربية.

يرفض الطبري كلما وجد قراءة تخالف الرسم والقواعد العربية. وتوجد هذه الحالات في القراءات الشاذة، وأحيانًا ينتقد أيضًا قراءات يعتقد أهل السنة أنها متواترة ومنقولة عن القراء السبعة. في سورة البقرة، جاء قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة/283). والموضع الآخر يتعلق بآية شريفة قرأها ابن كثير وأبو عمرو بضم الراء والهاء وبصيغة جمع «رُهُن»: «فَرُهُنٌ» مثل «سُقُف» و«سُقْف» (ابن مجاهد، الحجة في القراءات السبع، 2009: 194)؛ وروي عنهما أيضًا أنهما قرآها «فَرُهُن»؛ أما القراء الخمسة الباقون فقد قرأوها بكسر الراء وإثبات الألف: «فَرِهَانٌ» (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 1418: 2/ 237). ورغم وجود اثنين من القراء السبعة قرآ «فَرِهَان» بصيغة جمع «فَرُهُن»، إلا أن الطبري قد انتقد قراءتهما بشدة، معللاً بأن جمع «فَعْل» على «فُعُل» شاذ وقليل (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 3/ 92).

في سورة الأنعام، ورد قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام/83). في الآية المذكورة، يكمن اختلاف القراءة في إعراب كلمة «دَرَجَاتٍ»، حيث قرأها أهل الكوفة ويعقوب بالتنوين، والآخرون بدون تنوين، حسب رأي الطبرسي. القراءة الأولى تعني أن المرفوعين هم أصحاب الدرجات، والقراءة الثانية تعني أن المرفوع هو الدرجات نفسها. وبالتالي، فإن الاختلاف من نوع الاختلاف الإعرابي الذي يسبب تغيير المعنى (الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، 1338: 4/ 507).

في آية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُtطَهِّرِينَ﴾ (البقرة/222). في مورد كلمة «يَطْهُرْنَ»، يذكر قراءة أهل الكوفة (غير حفص) بأنهم قرأوا «حتى يطَّهَّرن» بتشديد الطاء والهاء، وقرأها البقية بدون تشديد. ويوضح أنه إذا قُرئت بدون تشديد «حتى يَطْهُرْنَ»، فمعناها انقطاع الدم عن المرأة الحائض، وبتشديد الطاء والهاء «حتى يَطَّهَّرْنَ» فمعناها اغتسال المرأة. وفي قول الحسن، والفراء، ومجاهد، وطاووس قالوا: معنى «تطهرن»؛ يعني الوضوء، وهذا مذهبنا، وجائز عندنا وطء المرأة عند انقطاع دمها وغسل فرجها وإن لم تغتسل، فهي طاهرة. وفي ذلك خلاف، فبعضهم يقول لا يجوز وطء المرأة إلا بعد الطهر من الدم والاغتسال، وهو متعلق بقراءة التشديد «حتى يطَّهَّرن» التي تفيد الغسل. ومن يقول بالجواز، يتعلق بقراءة التخفيف «حتى يَطْهُرْنَ» التي لا تفيد الغسل. وما قيل صحيح، ويمكن حمل قراءة التشديد على الوضوء، كما نقلنا عن طاووس وغيره. ومن يقرأ بالتشديد، لا يحتاج إلى حذف قراءة التخفيف أو تقدير محذوف مثل: «حتى يطهرن ويتطهرن»، وبناءً على ما قلناه، لا حاجة لذلك (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، 1409: 2/ 221).

في هذه الآية الشريفة، يدور اختلاف القراءة حول كلمة «حتى يَطْهُرْنَ» التي تُقرأ بوجهين، إما «يَطْهُرْنَ» أو «يَطَّهَّرْنَ». والشيخ الطوسي يرجح، على ما يبدو، قراءة التخفيف التي لا تتضمن غسل المرأة الحائض، على قراءة التشديد التي تتضمن الغسل، أو يؤول معنى قراءة التشديد إلى الوضوء، ويؤكد أن هذا مذهبهم ويستشهد في هذا الصدد بقول طاووس ومجاهد. ومن التفاسير التي اشتهرت بأسلوبها الأدبي تفسير «الكشاف» للزمخشري (راجع: مرتضوی، طیب حسینی، دیدگاه زمخشری در مورد قرائات، مجله مطالعات قرائت قرآن، دورة 7، شماره 12، بهار و تابستان 1398) الذي يتناول، بالإضافة إلى منهجه الأساسي في البعد الأدبي لآيات القرآن، نکات قرائية أيضًا (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 1/ 316).

وهو في ذيل آية ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (الأنعام/137)، يقرأها خلافًا للقراءة المشهورة برفع «قَتْلُ» ونصب «أَوْلَادَهُمْ» وجر «شُرَكَائِهِمْ»؛ ظنًا منه أن «قَتْلَ» مضاف إلى «شُرَكَائِهِمْ»، و«أَوْلَادَهُمْ» مفعول به، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه؛ و«زُيِّنَ» بصيغة المجهول (مبني للمفعول). هذه القراءة، التي تخالف جميع قواعد علم النحو والأدب، تعرضت لمعارضة واستنكار شديد من الزمخشري؛ لأنه فيها فُصل بين المضاف والمضاف إليه بشيء، وهو مفعول به للمضاف. وقد هاجمه الزمخشري قائلاً إن مثل هذه المخالفات الأدبية لا تجوز حتى في ضرورة الشعر، فكيف بالنثر، وخاصة نثر كالقرآن. اعتبر الزمخشري دليل قراءته هو عدم الانتباه والجهل بقواعد اللغة، وشبهه بمن يضل في دوامة خيالاته.

من النماذج الأخرى على اهتمامه بالأدب القوي والقول الفصيح، هذه العبارة للزمخشري: «وقُرِئَ: رُؤْيَاكَ» بقلب الهمزة ياءً، «وسَمِعَ الكِسَائِيُّ: رُيَّاكَ وَرِيَّاكَ»، بالإدغام وضم الراء وكسرها. وهو يعتقد أن هذه القراءة ضعيفة؛ لأن الواو في تقدير الهمزة يكون إدغامها غير قوي (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، 1407: 2/ 444).

الخاتمة

في هذا المقال، تم حصر سبع قواعد من بيانات المفسرين وعلماء العلوم القرآنية والقراءات في مجال الاحتجاج في القراءة. إن توجيه القراءات على أساس الروايات الصحيحة، وتوجيه القراءات على أساس رسم المصحف، وتوجيه القراءات على أساس التفسير الصحيح، وتوجيه القراءات على أساس إجماع القراء، وتوجيه القراءات على أساس السياق، وتوجيه القراءات على أساس العلوم الأدبية والعربية الفصيحة، تعد من أهم قواعد الاحتجاج في القراءات.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 1399/03/30، وتاريخ القبول: 1399/09/18.

2. أستاذ مساعد وعضو هيئة التدريس بجامعة المصطفى العالمية (المؤلف المسؤول): amini63@chmail.ir.

3. باحث في المستوى الرابع في علوم وفنون القراءات بجامعة المصطفى العالمية (باكستان): afzalimani2020@gmail.com.

4. أستاذ مساعد بجامعة المصطفى العالمية: mohamadreza.shahidi@gmail.com.

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي، قم: دار القرآن الكريم، الطبعة الثانية، 1373 هـ. ش.

2. ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد، النشر في قراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1418 هـ. ق.

3. ابن فارس، أحمد بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، بيروت: دار الجيل، 1404 هـ. ق.

4. ابن مجاهد، أبو بكر، الحجة في القراءات السبع، القاهرة: دار المعارف بمصر، 2009 م.

5. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: نشر دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414 هـ. ق.

6. أبي زرعة، عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، حجة القراءات، بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة، 1418 هـ. ق.

7. التهانوي، محمد علي، كشاف اصطلاحات الفنون، لبنان: نشر مكتبة، 1996 م.

8. الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الرابعة، 1403 هـ. ق.

9. خامه گر، محمد، إيرواني نجفي، مرتضى، روش شناسي رويكرد علامه طباطبايي در اختلاف قرائات، فصلنامه پژوهش هاي قرآني، العدد 70، صيف 1391 هـ. ش.

10. الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد، التيسير في القراءات السبع، بيروت: دار الكتب العربي، الطبعة الثانية، 1404 هـ. ق.

11. رضائي أصفهاني، محمد علي؛ أميني تهراني، محمد، گونه شناسي منابع علوم و فنون قرائات در حوزه دانش احتجاج، مطالعات قرائت قرآن، العدد 7، خريف وشتاء 1395 هـ. ش.

12. الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت: دار الكتب العربي، الطبعة الثالثة، 1407 هـ. ق.

13. ضيائي فر، سعيد، فلسفة علم فقه، طهران: انتشارات سمت، 1392 هـ. ش.

14. الطالقاني، عبد الوهاب، علوم قرآن وفهرست ومنابع، قم: دار القرآن الكريم، 1361 هـ. ش.

15. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1417 هـ. ق.

16. ______، ترجمة تفسير الميزان، ترجمة السيد محمد باقر الموسوي الهمداني، قم: إسماعيليان، 1375 هـ. ش.

17. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران: مكتبة العلمية، 1338 هـ. ش.

18. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، بولاق، إيران: المطبعة الكبرى الأميرية، الطبعة الثانية، 1412 هـ. ق.

19. الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، قم: كتاب فروشي مرتضوي، الطبعة الثالثة، 1375 هـ. ش.

20. الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1409 هـ. ق.

21. الفارسي، أبو علي الحسن بن عبد الغفار، الحجة للقراء السبعة، بيروت: دار المأمون للتراث، الطبعة الثانية، 1413 هـ. ق.

22. القيسي، أبي محمد مكي ابن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، دمشق: مجمع اللغة العربية، 1418 هـ. ق.

23. گراوند، نجميه؛ أكبرنژاد، مهدي؛ حسيني نيا، سيد محمدرضا، ديدگاه شيخ امين الاسلام طبرسي در مورد قرائات، مطالعات قرائت قرآن، الدورة 7، العدد 12، ربيع وصيف 1398 هـ. ش.

24. محيسن، محمد سالم، الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الجيل، 1417 هـ. ق.

25. مرتضوی، سيد ابراهيم؛ طیب حسینی، سيد محمود، دیدگاه زمخشری در مورد قرائات، مطالعات قرائت قرآن، الدورة 7، العدد 12، ربيع وصيف 1398 هـ. ش.

26. معرفت، محمد هادي، التمهيد، قم: مؤسسة فرهنگي انتشاراتي التمهيد، 1430 هـ. ق.

27. ______، التفسير والمفسرون، مشهد: دانشگاه علوم إسلامي رضوي، 1380 هـ. ش.

28. النيرباني، عبد البديع، الجوانب الصوتية من كتب الاحتجاج للقراءات، دمشق: دار الغوثاني للدراسات القرآنية، 1427 هـ. ق.

Scroll to Top