الملخص
تُعَدُّ تلاوة القرآن الكريم من أهم أدوات التعريف بالدين الإسلامي ونشره، وقد كانت دائمًا محط اهتمام النبي الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع). تترتب على تلاوة القرآن الكريم آثار قيمة دنيوية وأخروية متنوعة، مما يستدعي اهتمامًا خاصًا بهذا الموضوع. وقد ذُكرت آثار مختلفة، بعضها في القرآن نفسه وبعضها الآخر في الروايات؛ مثل: الإنذار، والتذكير، والخروج من الظلمات إلى نور الهداية، والرشد. كما أن لتلاوة القرآن دورًا كبيرًا في غرس الإيمان والشوق الديني والخشوع والخشية، وفي رفع درجات أصحابها. من منظور الآيات، فإن لتلاوة القرآن آثارًا في مجال الإيمان، منها: زيادة الإيمان، وطمأنينة القلب، والبكاء، والسجود. وقد أكد قائد الثورة الإسلامية في بياناته المختلفة، لا سيما في محفل الأنس بالقرآن الأخير، على مسألة تأثير التلاوة في المخاطب، واعتبر هذا الأمر ضروريًا، وعرّف قارئ القرآن بأنه حامل رسالة الله تعالى ومبلغها إلى المستمع. في هذا البحث، تم استعراض بعض الآثار المدهشة لتلاوة القرآن الواردة في القرآن نفسه، مع التركيز على بيانات قائد الثورة الإسلامية، حيث تم تسليط الضوء على فاعلية التلاوة. منهج هذا البحث وصفي تحليلي، ويعتمد على المصادر الدينية الأصيلة كالقرآن والتفسير، وقد تم جمع البيانات وتصنيفها وتحليلها بناءً على ذلك.
مقدمة
تلاوة القرآن الكريم من المسائل المهمة المرتبطة بكتاب الله في دين الإسلام، أي القرآن. وهذه المسألة جديرة بالاهتمام من جوانب متعددة، أحدها هو بعدها التأثيري على المخاطبين. للأسف، أدى إغفال الرسالة الأساسية لهذا الفن العظيم وعدم مراعاة أصول التلاوة إلى تهميش المنزلة الرفيعة والتأثير البالغ المترتب على تلاوة القرآن، سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية، ووصل الأمر في بعض المجتمعات إلى أن يكون سماع صوت القرآن مساويًا فقط لإعلان الوفاة وإقامة مراسم العزاء. في حين أن هذه المكانة لا تليق بتلاوة القرآن فحسب، بل تتنافى مع روح آياته. فالقرآن الكريم يقدم نفسه على أنه منذِر «للأحياء»: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (يس: ٦٩ – ٧٠). وفي آيات متعددة (البقرة: ١٢٩ و ١٥١؛ القصص: ٥٩؛ الجمعة: ٢؛ الطلاق: ١١؛ البيّنة: ٢)، يعتبر الله أن من وظائف الأنبياء والنبي الخاتم تلاوة الآيات الإلهية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (الرعد: ٣٠). وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…﴾ (آل عمران: ١٦٤). من خلال دراسة النصوص الدينية، تتضح الآثار المتعددة للتلاوة على عموم المخاطبين، وخاصة المؤمنين. لمعرفة أهمية تأثير التلاوة، من الضروري متابعة هذه المسألة بالاعتماد على القرآن والروايات، واستخلاص المضامين وتصنيفها وتقديمها وتدقيقها. يختص هذا البحث بالدراسة القرآنية للموضوع، أما الدراسة الروائية فقد تم تناولها في بحث آخر. من ناحية أخرى، تعد مسألة تأثير التلاوة في بيانات قائد الثورة الإسلامية مسألة متكررة ومؤكدة، وهذا الأمر يوجب على القراء رسالة جسيمة (راجع: طهراني، ١٤٠٢: ٢٠٣). وقد أكد سماحته في آخر لقاء له في مستهل شهر رمضان المبارك عام ١٤٤٤هـ مع القراء والحفاظ والناشطين في مجال القرآن الكريم على هذه المسألة بشدة. إن وعي القراء بهذه المسألة الهامة وسعيهم لتحقيقها سيغير المجتمع حتمًا ويرتقي بالمعنوية فيه. خلاصة القول، إن هذا البحث يسعى إلى استكشاف آثار هذا الفن العظيم، وينطلق من رؤية وبيانات قائد الثورة الإسلامية وتأكيده المستمر للقراء على ضرورة الاهتمام بمقولة «تأثير التلاوة» في تبيين هذا الموضوع.
دراسة الرؤى
أ. نطاق تأثير تلاوة القرآن
من الواضح أن نطاق تبليغ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ليس محدودًا بجغرافيا معينة أو فئة خاصة، بل يشمل كل كائن مكلف مختار يبلغه دعوة حضرته إلى يوم القيامة: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩). وبناءً على هذا المبدأ، كان استماع القرآن بداية إيمان الجن؛ كما ذُكر هذا الأمر صراحة في القرآن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأحقاف: ٢٩ – ٣٠؛ الطبرسي، ١٣٧٢: ٩/ ١٣٩؛ الطباطبائي، ١٣٩٠: ١٨/ ٢١٦). هاتان الآيتان وآيات سورة الجن (الجن: ١ و ٢) تُظهران نطاق تأثير تلاوة القرآن، الذي يتجاوز البشر ليصبح أساس إيمان الجن أيضًا. فالقرآن الكريم دائمًا ما يكون مصحوبًا بالتلاوة، وبعد التلاوة يأتي الاستماع، وهذا الارتباط هو مصدر آثار متنوعة منها إيمان بعض الأفراد والقبائل. الآن، يجب علينا دراسة آثار تلاوة القرآن.
ب. خلاصة رؤية قائد الثورة الإسلامية حول التلاوة المؤثرة
لسنوات طويلة، وفي مستهل شهر رمضان المبارك، يُعقد محفل الأنس بالقرآن الكريم بحضور قائد الثورة الإسلامية ومشاركة جمع من الناشطين في مجال تلاوة القرآن. في أحدث محفل للأنس بالقرآن الذي عُقد في رمضان المبارك ١٤٤٥هـ الموافق للثالث من فروردين عام ١٤٠٢هـ ش في حسينية الإمام الخميني، أشار سماحته بعد استماع تلاوات عدد من القراء وحفاظ القرآن الكريم، في كلمة له، إلى منزلة قارئ القرآن واعتبر التلاوة رسالة. وقد وصف سماحته تالي القرآن بأنه موصل رسالة الله تعالى إلى المستمعين. ولجعل التلاوة مؤثرة في المستمعين، أوصى سماحته القراء، بالإضافة إلى الصوت الحسن، باستخدام أساليب التأثير، ثم شرع في بيان بعض تلك الأساليب.
ج. رؤية القرآن حول أثر التلاوة
في القرآن الكريم، توجد آيات تتناول علاقة التلاوة بزيادة الإيمان. إحدى هذه الآيات تصف زيادة إيمان المؤمنين الصادقين عند سماع تلاوة آيات الله بأنها من صفاتهم. يقول الله تعالى في أوائل سورة الأنفال، في تعريف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢ – ٤). كما يُلاحظ، في هذه الآية، أن ثلاثة أوامر هي: مراعاة التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، قد شُرطت للإيمان. ولهذا السبب، ولتوضيح حدود الإيمان وعلامات أهله، يعرّف الله المؤمنين في الآيات التالية ويذكر خمس صفات: الخوف الباطني من عظمة الله، وزيادة الإيمان عند سماع آيات الله، والتوكل على الله، وإقامة الصلاة، وأخيرًا، الإنفاق. إذا كان ترتيب هذه الصفات الخمس قائمًا على حكمة وعناية، فيجب أن تكون كل صفة متوقفة على ما قبلها وتتبعها ما بعدها. في البداية، ذُكر وصف «الوجل»، وهو الخوف والرهبة التي تنشأ عند مشاهدة عظمة الخالق. وقد اعتبر بعض المفسرين وأهل اللغة الوجل مرادفًا للخوف والفزع (الطبرسي، ١٣٧٢: ٤/ ٧٩٨؛ ابن منظور، ١٤١٤: ١١/ ٧٢٢). وفي المرتبة الثانية، يأتي وصف زيادة الإيمان عند سماع تلاوة القرآن (الطبرسي، ١٣٧٢: ٤/ ٧٩٩). ثم التوكل، فإن الخوف والخشية الإلهية، مقدم على زيادة الإيمان عند سماع آيات الله، مما يشير إلى أن الفرد أولًا يقبل الإيمان باختياره وعلمه، ثم إذا كان مؤهلًا، يمنحه الله إيمانًا وهداية كمكافأة، وهذه الهبة هنا تأتي عن طريق التلاوة. وعلامة هذا الاستعداد والقبول هي الخشية والوجل والخوف الذي ينشأ من معرفة الفرد الأولية بقدرة الله وشوكته وجلاله، مما يهيئ الفرد لمزيد من النمو. بحيث يتذكر عند ذكر الله ضآلة نفسه أمام الحق تعالى، فيعتلبه الهلع، ثم بسماع الآيات التي تُتلى عليه، يزداد إيمانه الأولي ويتسع ويتنامى. وبعد هذه المعرفة، لا يرى سندًا يعتمد عليه في أي مخلوق، فيتوكل كليًا على الله الواحد. هذه العمليات الثلاث هي عمليات داخلية وقلبية للمؤمن، أما الوصفان التاليان فهما خارجيان وعمليان: الخضوع التام والعبودية الخالصة، ثم الاهتمام والالتفات إلى حاجات أفراد المجتمع (أي وصفا إقامة الصلاة والإنفاق). من المباحث المطروحة في الآية هو: هل زيادة الإيمان كيفية أم كمية؟ أي هل هي درجات يقين المؤمنين التي تزداد، أم أنها تزداد بسبب زيادة عدد المؤمنين؟ (البيضاوي، ١٤١٨: ٣/ ٣٩). بالنظر إلى الشروط والصفات الخمس المذكورة في الآية، يبدو أن الزيادة تتعلق بدرجات يقين الأفراد وارتقاء جودة الإيمان (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٩/ ١٢). والعبارة الختامية في بيان جزاء هذه الطائفة من المؤمنين، أي تعبير «درجات»، يمكن أن تؤيد هذا المطلب، حيث إن مراتب آحاد المؤمنين تتفاوت بناءً على مساعيهم. نقطة أخرى في هذه الآية هي معنى زيادة الإيمان التي تحصل بسبب تلاوة القرآن. لقد كانت هذه المسألة من المباحث التي اهتم بها بعض العلماء والكتّاب. على سبيل المثال، نقل الشيخ الطوسي عن ربيع أن زيادة الإيمان تعني زيادة الحسنة (الطوسي، دون تاريخ: ٥/ ٧٧). واعتبر العلامة الطبرسي الزيادة زيادة في اليقين وطمأنينة النفس وتصديق الآيات الجديدة بالإضافة إلى الآيات السابقة (الطبرسي، ١٤١٢: ٢/ ٢٢). واعتبر الماتريدي الزيادة ثباتًا وقوة (الماتريدي، ١٤٢٦: ٥/ ١٥٤). وذكر ابن الجوزي، بالإضافة إلى التصديق واليقين، الخشية نقلًا عن ربيع بن أنس (ابن الجوزي، ١٤٢٢: ٢/ ١٨٨). واحتمل الزمخشري، بالإضافة إلى اليقين والطمأنينة، زيادة العمل أيضًا (الزمخشري، ١٤٠٧: ٢/ ١٩٦). وبعد نقل رأي ابن عباس الذي اعتبر زيادة الإيمان زيادة في التصديق واليقين، يوضح عبد الرزاق الرسعني أن المؤمنين عند سماع القرآن تتجلى في أذهانهم الأدلة الإيمانية، وبالتالي يزداد يقينهم وإيمانهم وطمأنينتهم (الرسعني، ١٤٢٩: ٢/ ٣٦٣). في التفسير المنسوب لابن عربي، اعتبرت الزيادة ارتقاءً من درجة «العلم» إلى درجة «العين» (ابن عربي، ١٤٢٢: ١/ ٢٤٩). تقرير ابن عرفة في هذه المسألة هو أن الزيادة إما تصديق واعتقاد قلبي أو زيادات سلوكية وبدنية. الأولى ممنوعة، لأن الاعتقادات لا تقبل الزيادة والنقصان! أما الثانية فمقبولة. وفي كيفيتها، هناك ثلاثة آراء: الأول أن الزيادة باعتبار متعلقات الإيمان. الثاني أن تكون بمعنى كثرة وزيادة الأعمال الصالحة. والثالث أن الزيادة في الأدلة هي المراد (ابن عرفة، ٢٠٠٨: ٢/ ٢٧٨). وقد ذكر العلامة الطباطبائي أيضًا شدة الإيمان وقوته والوصول إلى مرتبة اليقين العليا (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٩/ ١١). عند دراسة الأقوال السابقة، يجب القول إنه على الرغم من إمكانية التعبير عن الإيمان بـ«الحسنة»، فإن اتساع معنى الإيمان يمنعنا من قبول مثل هذا الحمل؛ لأن الحسنة مجرد مصداق من مصاديق الإيمان. كما أن حمل الإيمان على الخشية غير مقبول؛ لأنه يستلزم تكرار وصف المؤمنين الأول، وهذا يخالف البلاغة. أما الارتقاء من درجة العلم إلى العين، فهو من ثمرات زيادة الإيمان وليس معناه؛ مثل الطمأنينة والسكينة التي يمكن أن تكون من آثار زيادة الإيمان. مفهوم هذا الادعاء بأن الاعتقاد والإيمان لا يزيدان ولا ينقصان غير واضح أيضًا؛ لأن تفاوت قوة الإيمان ودرجات الاعتقاد لدى الناس مسألة واضحة ومشاهدة في أقوالهم وأحوالهم على مر التاريخ ومؤيدة بالآيات والروايات. لكن المعاني الأخرى التي أشار إليها بعض المفسرين، أي زيادة التصديق بالآيات وزيادة العمل، يمكن اعتبارها أقرب إلى معنى زيادة الإيمان. فتلاوة آيات الله على المؤمن تزيد يقينه بعظمة الله وقدرته، وتدفعه لقبول آياته، وتجعله أكثر عزمًا على أداء التكاليف الإلهية الإنسانية. وقد اعتبر أمير المؤمنين (ع) تلاوة القرآن سببًا في إخصاب الإيمان، فقال: «لِقَاحُ الْإِيمَانِ تِلَاوَةُ الْقُرْآن» (التميمي الآمدي، ١٣٦٦: ١/ ١١١). في هذه الكلمة المعصومة، يتضح بجلاء الدور الكبير للتلاوة في الهداية الإيمانية والسلوك التوحيدي. وقد يعبر أهل اللغة أحيانًا عن اللقاح بـ«النطفة» (الفراهيدي، ١٤٠٩: ٣/ ٤٧؛ ابن منظور، ١٤١٤: ٢/ ٥٧٩؛ الراغب، ١٤١٢: ٧٤٤)؛ وكأن دور تلاوة القرآن في نمو إيمان الأفراد أساسي وأبوي للغاية.
د. آثار تلاوة القرآن من منظور الآيات
تترتب على تلاوة القرآن آثار وبركات متعددة في الآيات والروايات، سنتناول بعضها. وبطبيعة الحال، تُقدَّم الآثار القرآنية على الآثار الروائية.
١. إيجاد الإيمان والشوق
من الآثار المترتبة على تلاوة القرآن إيجاد الإيمان. وقد أشير إلى هذه المسألة في آيات مختلفة من القرآن، وذُكر أن أفرادًا أو جماعات مختلفة قد آمنوا نتيجة استماع آيات القرآن وتلاوتها. من أمثلة هذه الآيات ما ورد في الآيات ٢٩ إلى ٣٢ من سورة الأحقاف، حيث ذُكر إيمان طائفة من الجن نتيجة استماعهم للقرآن. وفي تفسير الميزان، اعتبرت هذه الآيات طعنًا في المشركين؛ لأنهم كفروا بكتاب نزل بلغتهم ويؤمنون بإعجازه، أما الجن فقد آمنوا باستماع آيات القرآن وانطلقوا إلى قومهم لتعريفه ونشره. وفي الآيات التالية، تُذكر حكاية دعوتهم وإنذارهم في قومهم (الطباطبائي، ١٣٩٠: ١٨/ ٢١٦). كما أن قصة المسيحيين الذين آمنوا عند سماع آيات القرآن هي مثال لا يروي إيمانهم فحسب، بل يشير إلى شوقهم أيضًا. في القرآن الكريم، يُروى إيمان وشوق هؤلاء الأفراد هكذا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (المائدة: ٨٣). حلاوة الإيمان وشوق الانضمام إلى دين الحق قد تسببت في فيضان الدمع من عيون هؤلاء المؤمنين (الكاشاني، دون تاريخ: ٥/ ٤١٩) ودفعتهم إلى هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. إذن، منشأ إيمان الأقوام والأفراد هو استماع تلاوة القرآن. ومن الواضح أن وجود المقتضي لتحقيق هذا الأمر ليس كافيًا؛ بل لا بد من عدم وجود المانع لتحقق الإيمان، وفي بعض الآيات، يُعتبر الاستكبار من موانع قبول الحق (المائدة: ٨٢؛ راجع: الطباطبائي، ١٣٩٠: ٦/ ٨١).
٢. زيادة الإيمان والشوق وجريان الدمع
بعد تكوّن أصل الإيمان في قلب المؤمن، يجب عليه أن يسعى لزيادة إيمانه، والارتقاء في درجاته، وتحصينه، والوصول إلى مراتبه العليا. بالنظر إلى آيات القرآن الكريم، فإن من أسباب زيادة الإيمان استماع آيات القرآن. في بداية سورة الأنفال، لُخّصت حقيقة الإيمان في خمس خصال وميزات. الصفات التي تعد الإنسان لاتباع التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، هي: الخوف واهتزاز القلب عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند استماع الآيات الإلهية، والتوكل، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزق الله الإنسان. وفي وصف زيادة الإيمان، تصرح الآية بأنها تتبع استماع تلاوة آيات الله. بعض المفسرين يرون أن هذه الزيادة في الإيمان كيفية وليست كمية. أي كلما تأمل المؤمن في آيات الله، أصبح إيمانه أقوى وأكثر رسوخًا (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٩/ ١١-١٢). وفي آية ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٤) أيضًا إشارة واضحة إلى زيادة الإيمان مقابل نزول القرآن. وبطبيعة الحال، كان القرآن يُقرأ بعد نزوله، وكان استماع الآيات سببًا في زيادة إيمان الأفراد. صاحب تفسير التبيان يوضح زيادة إيمان المؤمنين إثر نزول سور القرآن بأنهم عند مواجهة آيات القرآن يصدقونها ويعترفون بإلهيتها ومحتواها ويعتقدون بها. ومن الواضح أن الزيادة لا معنى لها إلا بوجود أصل المسألة مسبقًا، ثم تحدث الزيادة (الطوسي، دون تاريخ: ٥/ ٣٢٥). من الآثار التي يتركها استماع تلاوة القرآن على المؤمن هو جريان دمع الشوق على عينيه. مقدمة هذا الانقلاب الروحي تأتي بالتأكيد بعد استعداد الفرد وانفتاح سمعه، ثم استماع آيات الوحي. هذا الأثر بحد ذاته هو منشأ لكثير من الأحداث الطيبة في الفرد؛ الطاعة، العمل الصالح، التعقل، والشوق إلى الوصال واللقاء. ولعل أبرز مصداق قرآني لهذا التحول الجميل والدمع البارد (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ٦٦٣؛ الطريحي، ١٣٧٥: ٣/ ٤٥٥) هو ما يتعلق بنصارى الحبشة. يروي صاحب مجمع البيان أن نزول هذه الآيات كان في حق نصارى من الشام والحبشة أتوا إلى المدينة مع جعفر بن أبي طالب. وضمن هذه الرواية، يُشار أولًا إلى قراءة جعفر لآيات سورة مريم أمام ملك الحبشة وإذعانه بحقانيتها، ثم تُذكر قراءة سورة يس من قبل رسول الله على المجموعة المرافقة لجعفر في المدينة. رد فعل هذه المجموعة أمام تلاوة كلام الحق كان القبول والإيمان (الطبرسي، ١٣٧٢: ٣/ ٣٦١). وينقل مؤلف الميزان رواية من تفسير علي بن إبراهيم القمي، يُصرح فيها بإسلام النجاشي ملك الحبشة (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٦/ ٨٦). يقدم العلامة الطباطبائي تقريرًا مفصلًا ومثيرًا للاهتمام حول الخصائص التي تقرّب النصارى من المؤمنين. ومن جملة ما يكتبه أن أُنْسهم ومحبتهم للمسلمين أكثر من سائر الأمم لثلاثة أسباب لا توجد في غيرهم؛ أولًا، وجود علماء كثر بين أمة النصارى. ثانيًا، وجود زهاد وعباد كثيرين بينهم. ثالثًا، أن أمة النصارى ليست قومًا متكبرين. هذه الأمور الثلاثة هي مفتاح سعادتهم وسبب استعدادهم للسعادة والخير (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٦/ ٨٠-٨٢). دمع العين علامة الشوق إلى القرب والثواب الإلهي. في بعض المصادر المعاصرة، يُعبر عن بكاء هذه المجموعة بـ«دمع الشوق» (مركز فرهنگ و معارف قرآن، ١٣٨٢: ٢/ ٢٨٧ و ٨/ ٥٢٩؛ مكارم و همكاران، ١٣٧١: ٥/ ٥٣ و ٥٦؛ قرائتي، ١٣٨٨: ٢/ ٣٥٧ و ٤/ ١٧١؛ رضايي اصفهاني، ١٣٧٨: ٥/ ٢٠٢). ورواية بعض المؤلفين عن هذه الحادثة هي رواية مصحوبة بالعشق والشوق: «القسيسون والرهبان المسيحيون الباحثون عن الحقيقة، الذين تاهوا لسنوات واشتاقوا للعثور على الحقيقة، وتحملوا المصاعب والآلام الكثيرة، قد اختاروا الرهبنة عن الدنيا ولا يستكبرون أمام الحق، وكلما سمعوا ما نزل على رسول الله، ترى أعينهم تفيض من الدمع لما عرفوا من الحق، يقولون: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين». هؤلاء المشتاقون أمام حيرة الناظرين وسؤالهم الذين تعجبوا من هذا المشهد – أولئك الذين لم يشموا رائحة لوعة الوصول إلى المعشوق وحيرة المسير المستمر في هذا الطريق – يقولون: «وَمَا لَنَا (نحن العشاق) لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ (معشوقنا) وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ (رسالة المعشوق)؟! (أي إذا لم يهرع العاشق إلى معشوقه عند رؤيته، فهل هذا يستدعي السؤال، وليس هرولته إليه) و(في الختام) نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (في رحمته التي لا نهاية لها)» (نقي بورفر، ١٣٨١: ٥١٦). وقد أشار المولى فتح الله الكاشاني إلى سجدات رسول الله (ص) عند تلاوة بعض آيات القرآن وقراءة الدعاء المناسب لتلك الآية، ويروي دعاء السجدة الذي كان يدعو به حضرته بعد تلاوة آية: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: ٥٨) هكذا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمِ المَهْدِيِّينَ السَّاجِدِينَ لَكَ البَاكِينَ عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَاتِكَ». ثم ينقل: «وبعض أكابر الأمة قالوا إن هذه السجدة التي تقع بسبب تلاوة آيات الرحمن هي سجود إنعام عام، والبكاء المترتب عليها هو بكاء فرح وسرور؛ لأن رحمة الرحمانية تقتضي اللطف والرأفة وتوجب المحبة والمسرة؛ فنتيجتها الطرب لا الحزن والتعب» (الكاشاني، دون تاريخ: ٥/ ٤١٩). من ناحية أخرى، فإن عدم البكاء عند استماع القرآن كان موضع ذم وتوبيخ من الله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (النجم: ٥٩ – ٦١؛ راجع: الطبرسي، ١٣٧٢: ٩/ ٢٧٨). وقد نقل أبو الفتوح الرازي عن أبي الخليل قوله: «ما رُئي رسول الله (ص) ضاحكًا حتى نزلت هذه الآية» (أبو الفتوح الرازي، ١٤٠٨: ١٨/ ٢٠٦). ويقول الديلمي في إرشاد القلوب: «وقد وبّخ الله تعالى على ترك البكاء عند استماع القرآن عند قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ ومدح الذين يبكون عند استماعه بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾» (الديلمي، ١٤١٢: ١/ ٩٦). إن الاهتمام بالمعنى من قبل قارئ القرآن وفهم الآيات أثناء التلاوة يهيئان المجال لانقلاب حال المخاطبين. وقد وجّه قائد الثورة في توصية للقراء قائلًا: «أيها الإخوة القراء، كل آية وكل جزء من السورة تريدون قراءته، حاولوا جاهدين أن تتعلموا معناه وترجمته. هذا يؤثر في التلاوة. عندما تعرفون المعنى، تتحدثون بطريقة، وعندما لا تعرفون، تتحدثون بطريقة أخرى. افهموا الموضوع الذي تخاطبون به جمهوركم. يجب أن يكون الأمر بحيث: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، يجب أن يكون الأمر هكذا، أن ذكر الله في التلاوات وفهم آيات الله يقلب القلوب. هذا أفضل من أي موعظة. كلام الله أعلى من كل موعظة. عندما نحتاج إلى موعظة، أي لسان أبلغ وأفصح وأكثر تعبيرًا من لسان كلام الله؟ ليقرأ القارئ، ونحن أيضًا لنستمع ونفهم ونستمتع بالموعظة. «أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ» (السيد الرضي، ١٤١٤: ٣٩٢، الرسالة ٣١)؛ أحيِ قلبك بسماع الموعظة. يجب على القارئ والمستمع أن يفهما ما يُقرأ».
٣. الإنذار
من الآثار البارزة لتلاوة القرآن أثرها الإنذاري؛ فكما أن أحد أبعاد رسالة الرسل هو الإنذار (للاطلاع على أمثلة، راجع: البقرة: ٢١٣؛ النساء: ١٦٥؛ الأنعام: ٤٨؛ هود: ٢؛ الأحزاب: ٤٥). في القرآن الكريم، توجد شواهد كثيرة على هذا المعنى، منها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩)؛ ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ٥١)؛ ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ٢)؛ ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (إبراهيم: ٥٢). كما هو واضح، في جميع الحالات المذكورة، قُدِّم القرآن كوسيلة للإنذار، وإذا كان الرسول منذرًا أيضًا، فإنه يبلغ الإنذارات الإلهية للأمة عبر هذه الوسيلة. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه يتضح من مضامين القرآن المختلفة وتصريح بعض الآيات الأخرى أن القرآن الكريم له جانب تبشيري وجانب إنذاري؛ ولكن في بعض الآيات، أُشير فقط إلى جانبه الإنذاري. صاحب تفسير الميزان، في بيان سبب ذكر هذا الجانب من القرآن، أي كونه منذِرًا، يقول: على الرغم من أن الترغيب وبث الأمل في الناس هو أيضًا طريق لدعوة الأنبياء، والقرآن العزيز استخدم هذا الأسلوب إلى حد ما، إلا أن الأمل من حيث المبدأ لا يجبر الإنسان على الطلب بشكل إلزامي، ولا يؤثر فيه أكثر من إثارة الشوق والرغبة؛ على عكس التخويف والتهديد الذي يوجب عقليًا دفع الضرر المحتمل، ويُلزم الإنسان بدفعه. بالإضافة إلى ذلك، لو لم يكن الناس مقصرين في ضلالهم، لكان من المناسب أن تبدأ الدعوة الإلهية بالترغيب، ولكن الناس مقصرون في ضلالهم؛ لأن دعوة الإسلام هي دعوة إلى دين الفطرة، أي دين ينبع من فطرة الإنسان نفسه، وهو نفسه الذي بيده وبارتكاب الشرك والذنب، قد تخلى عن فطرته وسيطر الشقاء على قلبه، وبالتالي استحق سخط الله؛ وبما أن الأمر كذلك، فإن الحزم والحكمة تقتضي أن تبدأ دعوتهم بالإنذار والتحذير، ولهذا السبب حُصرت وظيفة رسول الله (ص) في كثير من الآيات في الإنذار، مثل آية ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٣) وآية ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (العنكبوت: ٥٠). بالطبع، هذا الكلام، كما قيل، ينطبق على عامة الناس؛ أما خواص الناس، أي أولئك الذين يعبدون الله عن محبة له، لا عن خوف من النار أو طمع في الجنة، فإنهم يتلقون من الخوف والرجاء والتهديد والترغيب في الدعوة الدينية شيئًا آخر. عندما يواجهون التهديد بالنار، يفهمون من تلك النار نار الفراق والبعد عن الله وسخطه، وكذلك عند سماع وصف الجنة، ينتقلون إلى نعمة الوصال وقرب ساحته ورضاه ويشتاقون إليه (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٧/ ٣٩). وهذه النقطة واضحة أيضًا وهي أن أحد أهم الأدوات لإيصال محتوى القرآن هو تلاوته. لذا، يمكن لهذه المجموعة الكبيرة من الآيات أن تدل على التأثير الإنذاري للتلاوة أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، في بعض الآيات، ارتبط بحث التلاوة والإنذار ببعضهما: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (النمل: ٩٢). فالإنذار يأتي بعد التلاوة. من خصائص ونتائج الإنذار تغيير القلوب وتحويلها. وقد وصف قائد الثورة الإسلامية التلاوة المؤثرة التي هي نتيجة لتلاقي فهم المعنى والصوت الحسن بأنها صانعة لبيئة المجتمع ومحوّلة للنفوس: «إذا أردتم أن تكون تلاوتكم ناجحة من حيث التأثير وصناعة بيئة المجتمع وتغيير القلوب والنفوس، فإن أحد شروطها المهمة والأساسية هو أن يكون قارئ القرآن ملمًا تمامًا بمضمون الآية التي يريد تلاوتها، وأن يقرأها بطريقة وكأنه يريد بصوته الحسن تصوير ذلك المضمون ورسمه للمخاطب».
٤. التذكير
من وظائف القرآن الكريم تذكير مخاطبيه. أساسًا، «الذِّكر» هو أحد الأسماء الشائعة للقرآن، والآيات التي ذكرت كتاب الله باسم الذكر كثيرة؛ على سبيل المثال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)؛ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤). من ناحية أخرى، فإن أحد شؤون النبي الأكرم (ص) هو تذكير الناس: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية: ٢١)؛ ومن المثير للاهتمام أنه في بعض الآيات، قُدِّم القرآن كوسيلة لهذا التذكير من قبل النبي: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق: ٤٥). ومن الواضح أن هذا البلاغ والتذكير، في بداية البعثة، كان محصورًا في طريقة التلاوة ثم أُضيفت إليه طريقة الكتابة. وقد سبق تفصيل بحث محورية التلاوة في بعثة رسول الله (ص). هذا التذكار، وإن كان موجهًا للجميع: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (ص: ٨٧؛ القلم: ٥٢؛ التكوير: ٢٧)، إلا أن بعض الناس يعرضون عنه ويصرون على أخطائهم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (الكهف: ٥٧؛ وكذلك راجع: السجدة: ٢٢؛ الصافات: ١٣). وحدهم عباد الرحمن هم الذين يتقبلون تذكيرات القرآن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (الفرقان: ٧٣)؛ ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (السجدة: ١٥). ذكر هذه النقطة لا يخلو من لطف، وهو أن الأثرين المذكورين، أي الإنذار والتذكير، قد جُمعا معًا في آية واحدة: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ٢). يتحقق تذكير الأفراد عندما يشعرون أن آيات القرآن ومفاهيمه حية. هذه المسألة هي توصية قائد الثورة الإسلامية لتاليي كتاب الله. وقد قال سماحته في لقاء مع القراء والناشطين القرآنيين: «ما استطعتم، أكثروا من تعليم وتعلم القرآن؛ معاني القرآن، مفاهيم القرآن، أحيوها. هذا ما أقوله للقراء الأعزاء، أن تجسدوا مفهوم الآيات القرآنية في كيفية القراءة».
٥. الخروج من الظلمات
من أهداف إرسال الرسل وإنزال الكتب إخراج الناس من الظلمات إلى النور (الهاشمي الرفسنجاني، ١٣٨٣: ٣١/ ٥٧١؛ من ظلمات الحيرة والكفر إلى نور الإيمان والنجاة (الطوسي، دون تاريخ: ٣/ ٤٧٥)؛ ومن الجهل والشك إلى اليقين (الكاشاني، دون تاريخ: ٣/ ٢٠٧)). وقد نسب الله تعالى هذه الغاية تارة إلى نفسه (البقرة: ٢٥٧) وتارة إلى الرسول أو الكتاب (إبراهيم: ١؛ الحديد: ٩). هذا التنوع يهدف إلى توضيح السبب الحقيقي في إخراج الناس من الظلمة إلى النور، وبيان عدم استقلالية الرسول والكتاب (الطباطبائي، ١٣٩٠: ٥/ ٢٤٦). والآن، من الجدير بالاهتمام أن تلاوة كلام الله هي أداة تلعب دورًا كبيرًا في هذه العملية وتؤدي إلى وصول محتوى القرآن النوراني إلى المخاطبين وإنقاذهم من الحيرة والكفر والجهل. جاء في تفسير الأمثل: الهدف النهائي من إرسال هذا الرسول وإنزال هذا الكتاب السماوي هو أن يخرجهم بتلاوة آيات الله من ظلمات الكفر والجهل والذنب والفساد الأخلاقي، إلى نور الإيمان والتوحيد والتقوى، وفي الحقيقة، تتلخص جميع أهداف بعثة النبي (ص) ونزول القرآن في هذه الجملة الواحدة: إخراج الناس من الظلمات إلى النور (مكارم و همكاران، ١٣٧١: ٢٤/ ٢٥٨).
٦. الهداية والرشد
من آثار تلاوة القرآن، التي تعود إلى ذات كلام الله النورانية، هداية الناس ونموهم وسموهم. في الواقع، تلاوة القرآن وسيلة مدهشة يمكنها تحقيق هذا الهدف السامي. في القرآن الكريم، ذُكرت مسألة كون الكتاب هاديًا بكثرة. من الأوصاف البارزة والمتكررة لكلام الله «الهدى» (البقرة: ٢ و ١٨٥؛ يونس: ٥٧؛ النحل: ٦٤ و ٨٩؛ النمل: ٢؛ لقمان: ٣). وفي بعض الآيات، نُسبت الهداية إلى القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٩). يقول الشيخ الطوسي: إن هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه (ص) يدل ويرشد إلى جميع الطرق الإلهية من توحيد وعدل وقبول للرسل وعمل بالشريعة وأداء للطاعات وترك للمعاصي، وهذا القرآن نفسه يبشر أهل الإيمان بسبب طاعتهم بثواب عظيم (الطوسي، دون تاريخ: ٦/ ٤٥٢ – ٤٥٣). واعتبر العلامة الطبرسي هداية القرآن إلى الديانة والأمة وأقوم الطرق (الطبرسي، ١٣٧٢: ٦/ ٦١٨).
٧. طمأنينة القلب
الطمأنينة والسكينة من أماني البشر ومطالبهم. كثير من الناس يسعون طوال حياتهم للوصول إلى سكينة النفس، وهي في الأساس من شعارات وأهداف المذاهب والأديان. في القرآن الكريم، غالبًا ما يُشار إلى هذه المسألة بكلمتي «الاطمئنان» و«السكينة». يعتبر القرآن الكريم الاطمئنان والسكينة فيضًا إلهيًا على قلوب رسله وأهل الإيمان (التوبة: ٢٦). وقد حصر طريق الوصول إلى هذا الاطمئنان في «ذكر الله»: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). من ناحية أخرى، فإن أحد أسماء القرآن الكريم هو «الذكر». وقد عدّ معظم المفسرين في مقدمات تفاسيرهم أو بمناسبة ما، كلمة «الذكر» من أسماء القرآن (الطبرسي، ١٣٧٢: ١/ ٢٤؛ الكاشاني، دون تاريخ: ١/ ٦؛ الطباطبائي، ١٣٩٠: ١٢/ ١٠٦) والتي قُصدت في عدة آيات من القرآن (آل عمران: ٥٨؛ الحجر: ٦ و ٩؛ النحل: ٤٤؛ يس: ١١؛ ص: ٨؛ الزخرف: ٥ و ٤٣). ويصرح العلامة الطباطبائي: «من أسماء القرآن، لا يوجد اسم في دلالته على آثار وشؤون القرآن مثل اسم «الذكر»، ولهذا السبب في الآيات التي تتحدث عن حفظ القرآن من الزوال والتحريف، يُذكر باسم الذكر» (الطباطبائي، ١٣٩٠: ١٢/ ١٠٦). إن دور تلاوة القرآن، التي هي أهم وسيلة لإيصال هذا المحتوى المهدئ إلى قلوب المخاطبين، كبير جدًا في خلق وزيادة الطمأنينة. فالقلب، بتلقيه رسالة تلاوة القرآن من العقل، يتخذ قراره، ومع سيادة السكينة والطمأنينة، يجد هديته ومنيته. وفي ظل الطمأنينة، تتشكل الطاعة والعبودية الخالصة أيضًا. في المقابل، هناك القلب القاسي الذي ذُم في كثير من آيات القرآن وأصبح سببًا للعذاب الإلهي. من المناسب أن نلاحظ، على سبيل المثال، في إحدى هذه الآيات: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الزمر: ٢٢).
٨. خشوع وخشية القلب
يُطلق على ليونة القلب أمام الحق والخضوع له اسم الخشوع (الطبرسي، ١٣٧٢: ٩/ ٣٥٧). هذه القيمة السامية هي مطلب كل مؤمن ويسعى وراء أسبابها وموجباتها. يدعو الله في قالب عتاب المؤمنين إلى الخشوع أمام القرآن، وفي الحقيقة، يعرّف أحد أسباب خلق الخشوع في القلب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦). وتشير روايات عن ابن عباس وابن مسعود إلى أن هذا العتاب كان بسبب قسوة القلب التي نشأت تدريجيًا في قلوب أهل الإيمان (الكاشاني، دون تاريخ: ٩/ ١٧٧؛ السيوطي، ١٤٠٦: ٦/ ١٧٥). كما يُستفاد من آيات القرآن الكريم أن التحلي بصفة الخشية هو من المقدمات الضرورية لقبول التذكيرات والإنذارات. قد تأتي هذه التذكيرات من الأنبياء الإلهيين وقد تحدث من مواجهة الإنسان لأي من آيات الله؛ لكن المهم هو وجود روح القبول والاستعداد القلبي للتذكر، وهذا المهم يُضمن في ظل وجود الخشية. في سورة طه، يصف الله القرآن بأنه فقط تذكرة لمن يخشى، ويشير إلى معاناة النبي الكبيرة في نشر القرآن وسعيه لإيمان الناس: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (طه: ١ – ٣). على الرغم من أن القرآن مذكر لجميع المكلفين، إلا أن المتعظين ليسوا الجميع: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (النازعات: ٤٥). في سورة الأعلى أيضًا، بعد أمر الله للنبي بالتذكير، لا يعتبر منتفعًا ومتأثرًا به إلا من يمتلك صفة الخشية: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (الأعلى: ٩ – ١١). وقال المرحوم مغنية: «التذكير نافع بالتأكيد لمن يوقظه خوف الله، ولا يعرض عن الذكر والموعظة إلا الشقي الذي أعمى شهواته بصره وسيطرت عليه شقاوته» (مغنية، ١٣٧٨: ٧/ ٥٥٣). وتوجد آيات صريحة أخرى في هذا الخصوص: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (فاطر: ١٨)؛ ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (يس: ١١). في هذه الآيات أيضًا، حُصرت قابلية الاتعاظ بكلمة «إِنَّمَا» في المتصفين بصفة الخشية.
٩. السجود والبكاء
إذا رأى المؤمن، في الواقع، نفسه مخاطبًا بالقرآن وأدرك صغره أمام عظمة الوجود وكبرياء الخالق، فإن رد الفعل الوحيد المناسب له هو السقوط على الأرض. ذُكر السجود والخرور في آيات من القرآن الكريم، منها آية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (السجدة: ١٥). كلمة «خرّ» بناءً على تحقيق الراغب الأصفهاني، من مادة خرير، وهي صوت الماء وما شابهه الذي يسقط من علو، واستخدام هذا التعبير في حق الساجدين يشير إلى أنهم في اللحظة التي يسجدون فيها على الأرض، يرتفع صوتهم بالتسبيح (الراغب، ١٤١٢: ٢٧٧). في هذه الآية والآية التي تليها، حُصر الإيمان الحقيقي فيمن يتصفون بصفات هي: التذلل والخضوع أمام مقام ربوبية الخالق؛ الثناء الجميل على الخالق وتنزيهه عن كل نقص؛ عدم الاستكبار؛ الانشغال بالعبادة واجتناب النوم الكامل؛ دعاء الله عن خوف وشوق للرحمة؛ والإنفاق في سبيل الله. وفي تفسير التبيان جاء: يصف الله في هذه الآية المؤمنين الذين يتمتعون بالإيمان الحقيقي والكامل بآيات وحجج الله هكذا: عندما تُذكّر لهم حجج الله وتُتلى عليهم آيات ربهم، يخرون ساجدين لا إراديًا ليكونوا شاكرين لهداية الله في معرفته ونعمه المتنوعة عليهم. ينزهون الله عن الشرك به والصفات غير اللائقة التي تُنسب إليه ويحمدونه وهم لا يستكبرون ولا يعرضون عن طاعته (الطوسي، دون تاريخ: ٨/ ٣٠١). وفي آية أخرى أيضًا، وُصف السجود بأنه من صفات علماء أهل الكتاب أمام تلاوة القرآن: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (الإسراء: ١٠٧). في آية سورة مريم أيضًا، صُرح بسجود وبكاء عباد الله المختارين أمام تلاوة وتلقي آيات الله (مريم: ٥٨). حتى أن بعض الفقهاء استدلوا من هذه الآية على الترغيب أو استحباب السجود والبكاء عند سماع آيات الله (المقدس الأردبيلي، دون تاريخ: ١٤٥). إذن، الاتصال والارتباط بين السجود والتلاوة هو سيرة معنوية وبناءة لدى جميع المؤمنين والأولياء والأنبياء. في الآداب الدينية، يتمتع البكاء بمكانة خاصة. حتى في آداب الدعاء، يُعتبر أفضل أدب وعلامة على رقة القلب والإخلاص (ابن فهد الحلي، ١٤٠٧: ١٦٧). في المقابل، جفاف العين (صعوبة البكاء) كان موضع ذم وتحذير وعلامة على الشقاء وقسوة القلب (النجم: ٦٠). في القرآن الكريم، مُدحت الطوائف التي كانت أعينها تذرف الدمع أمام آيات القرآن (المائدة: ٨٣). ومن الآيات البارزة التي تطرح مسألة البكاء أمام تلاوة آيات الله، هاتان الحالتان: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: ١٠٩) و ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: ٥٨). في هاتين الآيتين، يذكر الله في تمجيد طوائف من عباده المتواضعين أنهم يسجدون ويبكون عند استماع تلاوة آيات الله. يعتقد صاحب مجمع البيان أن بكاء المجموعة الأولى هو بسبب القلق من التقصير في العبادة والشوق إلى الثواب والخوف من العقاب (الطبرسي، مجمع البيان: ٦/ ٦٨٨). وهو يرى بكاء المجموعة الثانية تضرعًا منهم إلى الله ويضيف: «إنهم يبكون عند ذكر آيات الله وهم في جلالة مكانة معنوية» (نفس المصدر: ٨٠٢). وقد اعتبر صاحب تفسير الصافي هذا البكاء الخاشع نتيجة لتأثرهم بسماع مواعظ القرآن (الفيض الكاشاني، ١٤١٥: ٣/ ٢٢٧). لتقوية البحث، لا بد من ذكر أن مسألة البكاء والحزن في التلاوة قد حظيت باهتمام في عدة روايات، والإشارة إلى بعضها كنماذج تبدو مناسبة. فقد نقل ثقة الإسلام الكليني عن الإمام جعفر الصادق (ع) قوله: «إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَاقْرَءُوهُ بِالْحُزْنِ» (الكليني، ١٤٠٧: ٢/ ٦١٤). وقد ذكر الشيخ الحر العاملي استحباب القراءة المحزونة (الحر العاملي، ١٤٠٩: ٦/ ٢٠٨).
الخاتمة
بناءً على المباحث السابقة، تتضح النتائج التالية: تترتب على تلاوة القرآن آثار مختلفة، بعضها مذكور في القرآن نفسه على النحو التالي: إيجاد الإيمان والشوق؛ زيادة الإيمان والشوق وجريان الدمع؛ الإنذار؛ التذكير؛ الخروج من الظلمات إلى النور؛ الهداية الخاصة والرشد؛ طمأنينة القلب؛ خشوع وخشية القلب؛ السجود والبكاء. وقد أوصى قائد الثورة الإسلامية دائمًا القراء والمتلوين بالاهتمام بموضوع تأثير التلاوة وأشار إلى تأثيراتها المختلفة؛ منها: ضرورة نفوذ مفاهيم القرآن في القلوب وإحداث ثورة فيها؛ إلقاء المفاهيم القرآنية على المستمع عن طريق التلاوة؛ التلاوة بخشوع وخلق الخشوع في القلوب؛ هداية الشباب نحو القرآن عن طريق التلاوة؛ التلاوة المثيرة للشوق؛ تصوير المفاهيم القرآنية بالتلاوة وصناعة بيئة المجتمع بتلاوة معتمدة على الفهم.
الهوامش
- تاريخ الاستلام: 1401/05/30 هـ.ش، وتاريخ القبول: 1402/04/25 هـ.ش.
- محسن قائمي: أستاذ مساعد في قسم الإلهيات والمعارف الإسلامية، فرع يزد، جامعة آزاد الإسلامية، يزد، إيران (المؤلف المسؤول): mo.ghaemi@iau.ac.ir.
- كامران أويسي: أستاذ مساعد في قسم القرآن والحديث، جامعة المعارف الإسلامية، قم، إيران: oveysi@maaref.ac.ir.