الملخص
تُعَدُّ العلوم اللغوية من العلوم المؤثرة في الوقف والابتداء. وبما أن هذه العلوم قد شهدت تغيراً وتطوراً بمرور الزمن، فإن اللسانيات الحديثة يمكن أن تُحدِث تحولاً في أسلوب تعليم هذا العلم وتحليله. في هذا المقال، تمت دراسة تأثير اللسانيات الحديثة في علم الوقف والابتداء بأسلوب وصفي-تحليلي. وتشير نتيجة هذا البحث إلى أن مواضع الوقف، بتقسيم اللغة إلى مجموعة كلامية، وجملة، وجملة مستقلة، وفقرة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً، وفي حال تقديم معايير واضحة لهذا التقسيم، فإن موضع الوقف في آيات القرآن الكريم سيصبح قابلاً للتمييز والتعليم بسهولة.
مقدمة
علم الوقف والابتداء من الفنون القرآنية القيمة التي تساعدنا على الحيلولة دون حدوث تغيير في معنى ومفاهيم القرآن من خلال معرفة مواضع الوقف والابتداء. في هذا السياق، يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «الترتيل حفظ الوقوف وبيان الحروف» (فيض الكاشاني، الوافي، 1406: 699). يدل هذا القول الشريف على أن الوقف والابتداء، بوصفه أحد ركني الترتيل، يحظى بأهمية بالغة وقد كان محط اهتمام العلماء منذ القرون الإسلامية الأولى، حتى نُقل عن عبد الله بن عمر قوله: «كنا نتعلم مواضع الوقف مع حلال القرآن وحرامه» (السيوطي، الإتقان، 1382: 273). كما اهتم أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ونافع المدني، وأبو عمرو البصري، ويعقوب، وعاصم الكوفي، وغيرهم من أئمة علم القراءة بالوقف والابتداء (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بيتا: 225).
في كتب القراءات، عادةً ما يُطرَح الوقف مقابل الابتداء، ومعه السكت والقطع. ولعل ابن الجزري هو أول من قدّم تعريفاً جامعاً للوقف. فهو يكتب: «الوقف عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة» (ابن الجزري، نفسه: 240). وقد حظي هذا التعريف بقبول الباحثين المعاصرين، ووُضع إلى جانب «السكت» أي الوقفة القصيرة دون تجديد النفس، و«القطع» أي ترك تلاوة القرآن الكريم، والذي لا يكون إلا في أواخر الآيات (عوض صالح، الوقف والابتداء وصلتها بالمعنى، 1431: 18).
علم الوقف والابتداء ضرورة؛ لأن القارئ للقرآن بطبيعته ذو نَفَس محدود، فلا يستطيع أن يقرأ الكلام دفعة واحدة دون وقفة، وأحياناً هذه القراءة المتصلة تلحق الضرر بالمعنى.
دراسة معايير الوقف والابتداء
لقد طرح كل من الباحثين في القرآن معايير للوقف والابتداء، يمكن تلخيصها في العناوين الثلاثة التالية:
1- معيار انقطاع النَّفَس
يعتقد البعض أنه يمكن الوقف على أي كلمة من آيات القرآن؛ لأن القرآن معجز ومجموعه بمثابة قطعة واحدة. وقد نُسب هذا الرأي إلى أبي يوسف من فقهاء أهل السنة (السخاوي، جمال القرّاء وكمال الإقراء، 1413: 386). أما القسطلاني فقد بيّن أن إعجاز القرآن يكمن في ترابط ألفاظه، لا في كون كل كلمة من كلمات القرآن معجزة بذاتها دون أن توضع في جملة وبدون نظم خاص (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، بيتا: 250). وبناءً على نقل ابن الجزري، كان ابن كثير المكي وحمزة الكوفي يقفان حيث ينقطع نَفَسُهما (ابن الجزري، نفسه: 238). كما اعتبر البعض أحاديث الأحرف السبعة من هذا القبيل. على سبيل المثال، يروي النحاس (المتوفى 338هـ) بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة». ثم يعتبر هذه الرواية تعليماً من النبي للوقف التام (النحاس، القطع والائتناف، 1423: 28). كما نقل الداني (المتوفى 444هـ) هذه الرواية بصيغتين أخريين واعتبرها تعليماً للوقف التام (الداني، المكتفى في الوقف الابتداء، 1382: 2). ومع ذلك، رد السخاوي (المتوفى 643هـ) كلام الداني واستخدم عبارة «كل كاف شاف» التي تفيد بأن هذا الحديث، أكثر من كونه تعليماً للوقف التام، هو ترخيص للوقف في أي موضع من القرآن – ما لم يتغير المعنى – وذكّر بأن حمزة الكوفي كان يجيز الوقف لانقطاع النفس لهذا السبب نفسه (السخاوي، نفسه، 384).
بناءً على ذلك، فإن رأي حمزة الكوفي كان مشروطاً بعدم التغير في المعنى، وكما نُقل عنه، فقد كان يعتبر بعض مواضع الوقف قبيحة (الداني، نفسه، 18). ولعل أحد أسباب عدم اهتمامه بالوقف والابتداء هو أن قراءة القرآن في ذلك الزمان لم تكن بالصوت واللحن كما هي عليه اليوم، حيث كان القارئ عادةً يأخذ وقتاً أطول للاستعداد بين عبارتين، والوقف القبيح يمكن أن يلقي في ذهن السامع معنى فاسداً. لذا، لا يمكن اعتبار هذا المعيار ضابطاً حقيقياً في الوقف والابتداء. من جهة أخرى، بما أن تحديد أي معيار للوقف يعتبر معتبراً للابتداء بعده أيضاً، فإذا كان انقطاع النفس هو معيار الوقف، فيجب أن ينطبق هذا الأمر على الابتداء أيضاً، والحال أنه ليس كذلك.
2- معيار تمام الآية
نُقلت رواية عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يقطّع قراءته، فيقرأ: «الحمد لله رب العالمين» ثم يقف، «الرحمن الرحيم» ثم يقف (السخاوي، نفسه، 379). استناداً إلى هذه الرواية، أجاز البعض الوقف على رؤوس الآي فقط. كما نُقل عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يفعل ذلك (الداني، نفسه، 12). وفي رواية أخرى، ورد أن ابن كثير كان يتعمد الوقف على أواخر الآيات فقط، وكان يؤكد على ثلاثة مواضع فقط بين الآيات (ابن الجزري، نفسه، 238). يبدو أن هذا المعيار في الوقف ليس واقعياً أيضاً؛ فمن ناحية، نَفَس القارئ محدود وقد لا يتمكن من مواصلة القراءة حتى نهاية الآية، ومن ناحية أخرى، تدل النقولات المتعددة عن أئمة القراءة على أنهم كانوا يقفون بين الآيات أيضاً، وأن الوقف على نهاية الآيات لم يكن حصرياً لديهم. كما نُقل عن ابن كثير أنه كان يعتبر انقطاع النفس معياراً للوقف أو كان يؤكد على الوقف في ثلاثة مواضع فقط بين الآيات. كما نُقل أن أبا عمرو كان يهتم بحسن الوقف والابتداء (ابن الجزري، نفسه). وبعضهم لم يعتبر الرواية التي استُند إليها عن أم سلمة، والتي نقلها الترمذي في كتابه، متصلة السند، وعلى فرض صحتها، فإنهم يرونها من باب تعليم فواصل الآيات أو في سورة الحمد فقط (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، بيتا: 254).
3- معيار تمام المعنى
أغلب الباحثين في القرآن على قناعة بأن انقطاع النفس وتمام الآية ليسا معيارين مناسبين للوقف والابتداء، بل إن تمام الوقف وكماله ونقصانه منوط بتمام المعنى أو عدم تمامه. نُقل عن نافع المدني أنه كان يحسن مراعاة الوقف والابتداء بالنظر إلى المعنى، وكان عاصم والكسائي يقفان عند تمام الكلام، وكان عاصم يهتم بحسن الابتداء. كما كان سائر القراء يهتمون بحسن الوقف والابتداء (ابن الجزري، نفسه). سيرة المؤلفين والباحثين في هذا العلم تدل بوضوح على حجية هذا المعيار في الوقف والابتداء. مبحث الوقف والابتداء يُرى متناثراً بين كتب القراءات، وكتب علوم القرآن، وكتب التجويد. وأول كتاب أُلّف بشكل مستقل في هذا العلم هو كتاب «المقاطع والمبادئ» لأبي حاتم السجستاني (المتوفى 248 هـ). ثم «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري، و«المكتفى في الوقف والابتداء» لأبي عمرو الداني، و«القطع والائتناف» للنحاس، و«كتاب الوقف والابتداء» للسجاوندي، هي أشهر الكتب التي أُلفت استقلالاً في هذا المجال.
عادة ما يقوم مؤلفو هذه الكتب، بعد مقدمة في أهمية هذا العلم ومنهج أئمة القراءة في الوقف والابتداء، وأحياناً تصنيف أنواع الوقف، بدراسة سور القرآن آية فآية وكلمة فكلمة، مع ذكر اختلاف القراءات والمباحث النحوية وربما التفسيرية، لبيان رأيهم في الوقف على كلمات القرآن من حيث تمام المعنى أو نقصه. بناءً على ذلك، فإن علم الوقف والابتداء، أكثر من كونه أمراً توقيفياً، هو أمر اجتهادي، ولتمييز مواضع الوقف والابتداء الصحيحة، يجب الاستعانة بالعلوم المؤثرة في فهم معاني القرآن، مثل علم القراءات، والنحو، والبلاغة، والتفسير، والفقه، كما أشار النحاس في مقدمة كتابه إلى هذه العلوم (النحاس، نفسه، 32).
دراسة أنواع الوقف
قسم ابن الجزري الوقف في تصنيف له إلى نوعين: اختياري واضطراري. المقصود بالوقف الاختياري هو أن يتم فيه مفهوم الكلام، وإن كان متصلاً بما بعده لفظاً أو معنى. والمقصود بالوقف الاضطراري هو ألا يتم فيه مفهوم الكلام، وبعبارة أخرى، عند الوقف يلحق بالمعنى ضرر بالغ، وهذا النوع من الوقف لا يجوز إلا في حالات اضطرارية مثل انقطاع النفس (ابن الجزري، نفسه، 255).
من جهة أخرى، أشهر تصنيف لأنواع الوقف هو تقسيمه إلى تام، وكافٍ، وحسن، وقبيح. وقد تبنى هذا التقسيم كثير من علماء هذا الفن، منهم الداني (الداني، نفسه، 7). وعلى هذا الأساس، يتخذ هذا المقال هذا التقسيم نفسه معياراً له؛ وتوضيح ذلك، بالطبع، أن تمام المعنى أو عدمه مقولة مشككة وذات مراتب، لذا يمكن أن يكون الوقف التام أتمّ من غيره، ويُصطلح عليه بالأتم. والأمر كذلك بالنسبة للتقسيمات الثلاثة الأخرى، كما أشار البعض إلى ذلك (للمثال، انظر: ابن الجزري، نفسه: 228).
1- الوقف التام
هو نوع من الوقف لا يرتبط فيه طرفا الوقف ببعضهما لفظاً ومعنى. المقصود بالرابطة اللفظية، الرابطة الإعرابية مثل ارتباط الفعل والفاعل والمفعول، والمقصود بألا يكون بين العبارتين رابطة معنوية هو ألا تكونا مرتبطتين في المعنى والموضوع. على سبيل المثال، الوقف على ركوعات القرآن ونهاية القصص هو من نوع الوقف التام. كما أن الوقف على نهاية الآية 5 من سورة البقرة يُعد من نوع الوقف التام: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة/ 5-6).
2- الوقف الكافي
كلما كانت العبارتان غير مرتبطتين من الناحية اللفظية، ولكنهما متصلتان من حيث الموضوع والسياق، يكون الوقف من نوع الكافي. على سبيل المثال، الوقف بين الآيتين 4 و 5 من سورة البقرة هو من نوع الكافي: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة / 4-5).
3- الوقف الحسن
كلما كانت العبارتان مرتبطتين لفظاً، بحيث تكون العبارة الثانية مرتبطة بالأولى، ولكن العبارة الأولى وحدها لها معنى ومفهوم صحيح مطابق للمراد الإلهي، يكون الوقف من نوع الحسن. على سبيل المثال، في الآية 7 من سورة البقرة، الوقف على «قلوبهم» هو من نوع الحسن: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ * وَ عَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة / 7).
4- الوقف القبيح
كلما كانت العبارات في طرفي محل الوقف مرتبطة ببعضها لفظاً، بحيث يلحق الوقف ضرراً بالغاً بمعنى الجزء الأول، يكون الوقف من نوع القبيح. على سبيل المثال، في الآية 5 من سورة البقرة، الوقف على «مِنْ» هو من نوع الوقف القبيح: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة / 5).
بما أن علمي النحو والبلاغة واللسانيات الحديثة بينها فروقات، وإن كانت جذورها يمكن العثور عليها في اللسانيات التقليدية، فإن كاتبي هذا المقال، اعتقاداً منهما بأن اللسانيات الحديثة تقدم معايير أوضح وأكثر منهجية من النحو العربي التقليدي لمعرفة الجملة، يسعيان إلى إظهار ضرورة هذه الدراسات لعلم الوقف والابتداء. النظرة الدلالية إلى النحو والاهتمام بوحدة تحليل اللغة من بين سمات اللسانيات الحديثة التي لها دور مؤثر في الوقف والابتداء. لذا، سنتناول في ما يلي هذين الموضوعين وأثرهما في علم الوقف والابتداء.
النظرة الدلالية إلى النحو
إن النظرة البنيوية والدلالية في تدوين قواعد اللغة قد تمت بمقاربتين مختلفتين. هاتان المقاربتان تُلاحظان في تدوين قواعد جميع اللغات، واللغة العربية ليست استثناءً من هذه القاعدة. يبدو أن أولى الكتابات النحوية للغة العربية كانت ذات توجه دلالي، وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في «الكتاب» لسيبويه حيث يتحدث عن «استقامة الجملة» (سيبويه، الكتاب، 1990: 1/ 15-16). ولكن مع مرور الزمن، طغت البنيوية على النحو العربي، وتوجه الاهتمام الأساسي في النحو العربي إلى العامل والإعراب، لدرجة أن البعض أطلق عليه اسم نحو، والنحو إعراب (شكراني، دراسة مقارنة للبنى النحوية للقرآن الكريم، 1382: 370). وهذا الأمر بحد ذاته أثار دائماً اعتراضات على النحو العربي التقليدي.
ولعل أحد أسباب توجه بعض اللغويين إلى البلاغة وتجنبهم مواصلة عمل النحويين هو العيوب التي لوحظت في النحو العربي. ولهذا السبب، اعتبر بعض النحويين علم المعاني جزءاً من علم النحو (حسّان، اللغة العربية معناها ومبناها، 1994: 18).
في غضون ذلك، ظهر علم آخر يسمى علم الدلالة بين العلوم اللغوية. وفي تعريف هذا العلم قيل: «فرع من فروع اللسانيات يهتم بنظرية المعنى» (مختار عمر، علم الدلالة، 1385: 19). ويُشار إلى هذا العلم في اللغة الإنجليزية بأسماء مختلفة، أشهرها «semantics» والذي يُسمى في اللغة العربية «علم الدلالة» أو «علم المعنى».
يجب الانتباه إلى أن علم الدلالة ينقسم إلى أنواع مختلفة، أحدها هو الدلالة النحوية. معرفة المعاني الناتجة عن الأبواب النحوية؛ مثل الفاعل، والمفعول، والتمييز، والحال، وغيرها، تسمى الدلالة النحوية. «وكل كلمة مفردة تقع في باب من هذه الأبواب، تؤدي وظيفة ذلك الباب» (الساقي، أقسام الكلام العربي من حيث الشكل والوظيفة، 1977: 213).
في النهاية، إن قواعد اللغة وُضعت لفهم معنى الجمل المنتجة في اللغة أو لإنتاج جمل ذات معنى. والاهتمام المفرط بالشكل، دون مراعاة المعنى، هو إهمال لأصل الموضوع، بالإضافة إلى أنه يجعل تعلمه صعباً. الاهتمام بالمعنى يعالج مشكلات النحو البنيوي في هيكل القواعد. على سبيل المثال، في النحو الشكلي، لا يؤخذ المعنى الرابط لـ«أنّ» والمعنى التعليلي لـ«إنّ» على محمل الجد، وتتشكل خرافة باسم المبتدأ الوصفي، وتقل أهمية وحدة الجملة، وفي النهاية، لا تُعرف معاني البنى النحوية مثل أنواع قيود الكلمة والجملة، والمسند والمسند إليه، والزمان، وجهة الأفعال بشكل جيد.
دراسة أثر المنهج الدلالي في الوقف والابتداء
أحياناً، يؤدي عدم الاهتمام بالمعاني النحوية لبعض الكلمات إلى صعوبة في تشخيص نوع الوقف لدى بعض العلماء. يمكن للنظرة الدلالية إلى النحو أن تسهل تشخيص مواضع الوقف. على سبيل المثال، عدم الانتباه إلى كون «إنّ» تعليلية أدى إلى أن يعتبر بعض خبراء هذا الفن المواضع قبل هذه الكلمة النحوية وقفاً تاماً. على سبيل المثال، اعتبر النحاس (النحاس، نفسه، 498) الوقف على «يطعمون» في آية ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات / 57-58) من نوع الوقف التام، في حين أن الانتباه إلى الدور التعليلي لهذه الكلمة يوضح أن الوقف في هذه الحالة من نوع الحسن؛ لأن أدوات التعليل مثل «إنّ» وما يعادلها «لأن» هي أدوات ربط تابعة، وتربط الجمل التي قبلها بالجمل التي بعدها لفظياً ومعنوياً – كما سيأتي توضيح حول أدوات الربط التابعة لاحقاً في هذا المقال.
هذه المقاربة النحوية ستحل أيضاً الكثير من الخلافات في الوقف. على سبيل المثال، الوقف على «وَالْحِجَارَةِ» في آية ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة / 24) هو موضع خلاف، وسببه هو الدور النحوي لكلمة «أُعِدَّتْ». بعض البنيويين يعتبرون الفعل الماضي في مثل هذه الظروف حالاً فقط مع كلمة «قد» (النحاس، نفسه، 245)، لذا يعتبرون الوقف قبله كافياً، وفقط في حال أمكن تقدير «قد» يعتبرونه وقفاً حسناً. في حين أن هذا الرأي ناتج قطعاً عن البنيوية وعلى أساس استقراء ناقص في اللغة العربية، وإلا فإن النظرة الدلالية ترفض هذا الرأي وتعتبر «أُعِدَّتْ» في كل حال قيد حال. لذا، يجب قطعاً اعتبار الوقف قبله من نوع الوقف الحسن.
الالتفات إلى الوحدة اللغوية
من الفروق الأخرى بين اللسانيات الحديثة والقواعد التقليدية، النظرة العلمية إلى اللغة. تعتبر اللسانيات الحديثة أن أحد الفروق بين لغة البشر ولغة الحيوانات هو تجزئة اللغة إلى مكونات أصغر (باقري، مقدمات في علم اللغة، 1388: 173). على هذا الأساس، قسم اللغويون اللغة إلى صوت، وكلمة، ومجموعة كلامية، وجملة، وجملة مستقلة، وفقرة. فهم ارتباط هذه المكونات ببعضها، وخاصة فهم الجملة المستقلة كوحدة للفهم والتحليل، له تأثير كبير في معرفة مواضع الوقف والابتداء.
دراسة أنواع الجملة في اللسانيات الحديثة
في قواعد اللغات التقليدية، تُعتبر الكلمة الوحدة التحليلية، ويتم وصف القواعد النحوية للكلمات بناءً على خصائص الكلمة خارج بنية الجملة. بينما تعتبر اللسانيات الحديثة الجملة الوحدة الحقيقية في التحليل النحوي؛ بمعنى أنه يجب وصف الكلمات بالنظر إلى وظيفتها النحوية والمعنوية في الجملة (وصف البنية النحوية للغة الفارسية، 1387: 71). هنا، سنقدم أولاً نقاطاً حول الجملة، باعتبارها أهم وحدة لغوية، ثم نوضح ارتباطها بموضوع الوقف.
يقسم اللغويون الجملة من منظور واحد إلى قسمين: الجملة المستقلة والجملة غير المستقلة. الجملة المستقلة هي أكبر وحدة كلامية، تتكون من جملة بسيطة واحدة أو أكثر، وهي نفسها ليست جزءاً من وحدة لغوية أكبر (وحيديان كاميار، قواعد اللغة الفارسية، 1382: 9). على سبيل المثال، جملة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة/ 20) هي جملة مستقلة واحدة.
في مقابل الجملة المستقلة، توجد الجملة غير المستقلة. على سبيل المثال، الجملة المستقلة المذكورة أعلاه تتكون من ثلاث جمل غير مستقلة هي: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾؛ ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ وكل من هذه الجمل الثلاث في مجموع هذه الجملة المستقلة ليست مستقلة.
الجملة المستقلة بدورها نوعان: 1) بسيطة: وهي الوحدة اللغوية العربية التي تتكون من مجموعة كلامية واحدة أو أكثر، وتستخدم هي نفسها في بنية أكبر، أي الجملة المستقلة؛ وتسمى جملة أو فقرة. تتكون الجملة من عنصرين بنيويين هما المسند إليه (المبتدأ) والمسند (الخبر)، حيث يكون المبتدأ حصراً محل وظيفة المجموعة الاسمية، والخبر، الذي هو العنصر البنيوي الأساسي، محل وظيفة المجموعة الفعلية. ولكن، بالإضافة إلى الفعل، يمكن للمجموعة الاسمية أيضاً أن تقع في هذا القسم. وبما أن اللغة العربية تحتوي أيضاً على جمل بدون فعل رابط، فإن الخبر أحياناً يكون خالياً من الفعل.
2) مركبة: هي جملة مستقلة تحتوي على جملة تابعة واحدة على الأقل. تتكون الجملة المركبة من جملة أساسية وجملة تابعة واحدة أو أكثر. في الجملة المركبة، لا الجملة الأساسية مستقلة ولا التابعة، ولكن الجملة الأساسية، إذا جاءت بمفردها، تكون هي نفسها جملة مستقلة (وحيديان كاميار، نفسه، 1382: 11).
علامة الجملة التابعة هي عناصر الربط التابعة، أي أن الجملة التي تأتي بعد عناصر الربط التابعة تعتبر تابعة، والجزء من الجملة الذي لا يحتوي على أداة ربط تابعة هو الجملة الأساسية. على سبيل المثال، في الجملة المستقلة التي تم الاستشهاد بها، ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ هي الجملة الأساسية ولها تابعتان؛ إحداهما قبلها، أي ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾، والأخرى بعدها، أي ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الآن، الجملة الأساسية وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بسبب كلمة «إنّ» متعددة المعاني، يمكن أن تكونا في بنية أخرى هما نفسيهما جملتين مستقلتين، ولكن هنا كلاهما جزء من وحدة أكبر، أي جملة مستقلة. مثال آخر هو الآية التالية التي تحتوي على ثلاث جمل مستقلة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ / فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا / وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة / 158).
جملة ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ هي جملة بسيطة مستقلة تتكون من مبتدأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ وخبر ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. جملة ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. تعتبر جملة مركبة مستقلة تتكون من أربع جمل بسيطة: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾، ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، و﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. في هذه الجمل، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ هي الجملة الأساسية لهذه الجملة المستقلة؛ لأن حرف الفاء جواب الشرط ليس من عناصر الربط التابعة، والجمل الثلاث الأخرى هي جمل تابعة. جملة ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ مقترنة بأداة الشرط التي هي دائماً أداة ربط تابعة، وجملة ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ معطوفة بحرف العطف «أو» على جملة تابعة، وبالتالي هي أيضاً تابعة، وجملة ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ مقترنة بالحرف الرابط «أن» الذي هو من عناصر الربط التابعة. جملة ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يجب أن تكون أيضاً جملة مستقلة مركبة من جملتين بسيطتين: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ و﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، حيث أن جملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ هي الجملة الأساسية لهذه الجملة المستقلة (مع فاء جواب الشرط) وجملة ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ هي جملة تابعة للجملة المستقلة؛ لأنها مقترنة بأداة شرط. حرف «و» أيضاً، مثل سائر حروف العطف، إذا عطف جملة على جملة مستقلة، فإنه يجعلها مستقلة، وفي غير ذلك، يُعتبر أداة ربط تابعة. في هذا المثال، حرف «و» عطف الجملة على الجملة المستقلة التي قبلها بأكملها.
أنواع الروابط في اللغة العربية
بناءً على ذلك، إحدى طرق تمييز الجمل التابعة والأساسية عن بعضها هي عناصر الربط (باطني، نفسه، 62). الروابط في اللغة العربية، مثل اللغة الفارسية، نوعان: 1) الروابط المتساوية: الكلمات النحوية مثل «و» العاطفة، «أمّا»، «لكن»، «أو»، «بل»، «إنّ» التأكيدية، «إلّا» المنقطعة وغيرها، تربط بين جملتين متساويتين. الجمل المتساوية لها قيمة متساوية ولا تتبع أي منها الأخرى من الناحية البنيوية (نفسه، 64). مثال: 1- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة / 5)؛ 2- ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ / وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة / 154)؛ 3- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (النساء / 167 و 168)؛ 4- ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ / وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى / 10 و 11)؛ 5- ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (هود / 10 و 11)؛
2) الروابط التابعة: الروابط التابعة تكوّن جملاً ليست ذات قيمة متساوية في الكلام، وبعضها يتبع بعضاً. الكلمات النحوية مثل «أن»، «حتى»، «إنّ» التعليلية، أدوات الشرط، «و» الحالية، حروف النصب وغيرها، تجعل الجمل التي تليها تابعة للجملة الأساسية. مثال: 1- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة / 153)؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾؛ أساسية. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ تابعة. 2- ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ (البقرة / 148)؛ ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾؛ تابعة. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾؛ أساسية. 3- ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (البقرة / 77)؛ ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أساسية. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ تابعة. 4- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء / 43)؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أساسية. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ تابعة. ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾؛ تابعة. 5- ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور / 31)؛ ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أساسية. ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾؛ تابعة.
كيفية موقع الجمل التابعة
(1) قبل الجملة الأساسية: 1- ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (البقرة / 191)؛ تابعة، أساسية. 2- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (يونس / 99)؛ تابعة، أساسية. 3- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور / 21)؛ تابعة 1، تابعة 2، أساسية.
(2) بعد الجملة الأساسية: 1- ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الأنعام / 142)؛ أساسية، تابعة. 2- ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (الطور / 25)؛ أساسية، تابعة. 3- ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات / 57)؛ أساسية، تابعة.
(3) ضمن الجملة الأساسية: 1- ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (البقرة / 85)؛ ﴿فَمَا جَزَاؤُهُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أساسية. ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾؛ تابعة. 2- ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة / 108)؛ ﴿المسجد أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾؛ أساسية وتابعة بعدها. ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ تابعة. 3- ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ (التحريم / 10)؛ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾؛ أساسية. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ تابعة.
إذا كانت الجملة المركبة تحتوي على عدة جمل تابعة، فمن المحتمل على الأقل الصور التالية: أ) الجمل التابعة متساوية مع بعضها: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (البقرة / 81)؛ تابعة 1، تابعة 2، أساسية. في هذه الحالة، الجمل المتساوية التابعة لها جملة أساسية واحدة. ب) الجمل التابعة هي نفسها جمل أساسية لجمل تابعة أخرى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (البقرة / 61)؛ أساسية، تابعة، تابعة، تابعة. يمكن للجملة الأساسية أيضاً أن تكون أكثر من واحدة؛ أي اثنتين، ثلاث أو عدة جمل متجاورة. في هذه الحالات، ترتبط الجمل الأساسية برابط متساوٍ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (البقرة / 23)؛ تابعة 1، تابعة 2، أساسية 1، أساسية 2.
دور التأويل في معرفة الجمل المستقلة
لغة البشر ظاهرة خصبة، والجملة الواحدة فيها يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة. هذا الأمر يظهر بشكل خاص في النصوص الجميلة والبليغة مثل النثر المسجع والشعر. والقرآن الكريم هو أحد النصوص النثرية الموسيقية التي يظهر فيها تنوع الجمل بشكل جميل. في هذه الحالة، لمعرفة الجملة المستقلة، قد نحتاج إلى إعادة صياغة جملة قرآنية بشكل أبسط. يتم هذا العمل أحياناً عن طريق تغيير مواقع بعض البنى أو استبدالها بما يعادلها، وهو ما نسميه التأويل. على سبيل المثال، الجمل المستقلة التالية التي اختيرت من الجزء الأول من القرآن، يمكن تأويلها على النحو التالي:
1- ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (البقرة / 14)؛ «يقولون إنّا معكم حين خلائهم إلى شياطينهم».
2- ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة / 22)؛ «فلا تجعلوا لله أنداداً في حال علمكم».
3- ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (البقرة / 25)؛ «وبشّر المؤمنين والعاملين الصالحات بجنات جارية من تحتها الأنهار».
4- ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة / 38)؛ «فإمّا يأتينّكم منّي هدىً فلا خوف ولا حزن لمن تبع هداي».
5- ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة / 47)؛ «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي عليكم وتفضيلكم على العالمين».
6- ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (البقرة / 107)؛ «ألم تعلم ملك الله في السماوات والأرض».
علاقة الأنواع الأربعة للوقف بالجملة المستقلة
العلاقة بين الوقف التام والجملة المستقلة هي علاقة عموم وخصوص مطلق. بمعنى آخر، كل الوقفات التامة تكون في نهاية جملة مستقلة، ولا يوجد وقف تام بين أجزاء جملة مستقلة، ولكن ليست نهاية كل جملة مستقلة وقفاً تاماً. على سبيل المثال، الآيات 2 إلى 4 من سورة الفاتحة هي جملة مستقلة واحدة، والوقف في نهاية هذه الجملة والابتداء من الآية 5 من هذه السورة يُعتبر من نوع الوقف التام. أ) الوقف التام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * / إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة / 2-4). ولكن الوقف على كلمة «نعبد» في الآية 5 من سورة الفاتحة يُعتبر من نوع الكافي، على الرغم من أن جملة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هي جملة مستقلة. ب) الوقف الكافي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ * / وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة / 5).
بعبارة أخرى، إذا كانت الجملة المستقلة وحدها تشكل فقرة، فإن الوقف في نهايتها يكون تاماً؛ لأن الارتباط المعنوي بين فقرات النص يكون ضعيفاً ويتلاشى، وفي غير هذه الحالة، أي بين الجمل المستقلة داخل فقرة واحدة، يظل الارتباط المعنوي واضحاً. لذلك، العلاقة بين نهاية فقرة والوقف التام علاقة مباشرة.
الأمثلة التالية توضح هذه العلاقة بشكل أفضل: 1- ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا / وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ / وَآتُوا الزَّكَاةَ / ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (البقرة / 83 و 84). في هذا المثال، توجد 9 جمل مستقلة، والوقف التام يقع فقط بين الجملة السادسة والسابعة.
2- ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ / وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ / وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ / وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ / أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ / لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ / * / يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا / ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النور / 26 و 27). المثال أعلاه يحتوي على 8 جمل مستقلة، والوقف التام يحدث فقط بين الجملة السادسة والسابعة.
3- ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ / وَأَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ / أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ / لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ / * / أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ / وَأَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا / أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ / نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (الواقعة / 68-73). المثال أعلاه يحتوي على 9 جمل مستقلة، والوقف التام يوجد فقط بين الجملة الخامسة والسادسة.
العلاقة بين الوقف الكافي والجمل المستقلة هي أيضاً عموم وخصوص مطلق، مع فارق أن القضية هنا معكوسة. بمعنى آخر، كل الوقفات الكافية تكون في نهاية جمل مستقلة؛ لأنه لا يوجد أبداً ارتباط لفظي وثيق بين الجمل المستقلة، ولكن مجموعة من الجمل المستقلة تكون متصلة ببعضها من حيث الموضوع والمعنى، وبالتالي فإن الوقف بينها يكون من نوع الكافي، وبين مجموعة من الجمل المستقلة لا يوجد ارتباط معنوي وثيق، وبالتالي فإن الوقف بينها يكون من نوع التام. لذلك، في الأمثلة السابقة، باستثناء مواضع الوقف التام المحددة بعلامة النجمة، فإن بقية المواضع، بعد إتمام الجملة المستقلة، هي مواضع وقف كافٍ.
تجدر الإشارة إلى أنه بالتعريف المقدم للوقف الكافي والجملة المستقلة، فإن الوظيفة الرئيسية لمعرفة الجمل المستقلة في علم الوقف والابتداء هي معرفة مواضع الوقف الكافي؛ لأنه كما ذُكر، كل الوقفات الكافية يجب أن تكون في نهاية جمل مستقلة. ومع ذلك، فإن عدم الاهتمام باللسانيات الحديثة والجملة المستقلة في معرفة مواضع الوقف قد أدى إلى وقوع بعض العلماء في الخطأ في تحديد مواضع الوقف الكافي. على سبيل المثال، الآيات 2 إلى 4 من سورة البقرة هي جملة مستقلة واحدة، والوقف الكافي في هذه الآيات يقع فقط في نهاية الآية 4: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * / أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة / 2-5).
مع ذلك، اعتبر شاكر في كتابه (شاكر، قواعد الوقف والابتداء في قراءة القرآن الكريم، 1383: 184-185) الوقف على «يُنْفِقُونَ» و «قَبْلِكَ» أيضاً من نوع الوقف الكافي، أو في الآية التالية اعتبر الوقف على «أَبْصَارِهِمْ» وقفاً كافياً (نفسه، 194) في حين أن «إنّ» في بداية الجملة التالية تعليلية والوقف قبلها من نوع الحسن: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ * إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة / 20).
العلاقة بين الوقف الحسن والجملة المستقلة هي علاقة تباين، بمعنى أنه لا يوجد أي من مواضع الوقف الحسن في نهاية جمل مستقلة؛ لأنه كما ذُكر، الجمل المستقلة ليس بينها ارتباط لفظي وثيق، ومن ناحية أخرى، نهاية الجمل المستقلة إما أن تكون وقفاً كافياً أو تاماً. ومع ذلك، فإن علاقة هذا النوع من الوقف بالجملة البسيطة غير المستقلة هي عموم وخصوص من وجه. بمعنى أن نهاية بعض الجمل غير المستقلة تكون وقفاً حسناً ونهاية بعضها الآخر وقفاً قبيحاً. كما أن بعض الوقفات الحسنة ليست في نهاية جمل غير مستقلة، ولكن بعضها يقع في نهاية هذا النوع من الجمل.
على سبيل المثال، الوقف على الآيات التالية يوضح علاقة الوقف الحسن بالجملة غير المستقلة: عدم إتمام الجملة ووقف حسن: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ * وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة / 7). جملة غير مستقلة ووقف حسن: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ * وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة / 8).
جملة غير مستقلة ووقف قبيح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ * وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (النساء / 43).
العلاقة بين الوقف القبيح والجملة المستقلة هي أيضاً علاقة تباين بلا شك، ولكن علاقة هذا النوع من الوقف بالجملة غير المستقلة هي علاقة عموم وخصوص من وجه؛ لأن الوقف القبيح له أنواع. في نوع منه، الذي يحدث عادة بين الأجزاء الرئيسية للجملة، يكون الكلام غير مفهوم ومصطلحاً عليه بأنه غير ذي معنى. والنوع الآخر من مواضع الوقف القبيح هو الحالات التي ينشأ عنها معنى غير مراد من كلام الله، وربما معنى فاسد وكفري.
على سبيل المثال، الآيات التالية جديرة بالاهتمام: عدم إتمام الجملة ووقف قبيح: ﴿وَإِذَا قِيلَ * لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ (البقرة / 13). جملة غير مستقلة ووقف قبيح: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي * أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة / 26). جملة غير مستقلة ووقف حسن: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا * إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة / 32).
التوجيه اللساني لعلاقة الوقف القبيح بالوقف الحسن
إن التدقيق في مواضع الوقف الحسن والقبيح في نهاية الجمل غير المستقلة يظهر أن الفرق بين هذين النوعين من الوقف، في هذه المواضع، يوجد فقط في الطبقة المعنوية للجملة. على سبيل المثال، مرّ بنا أنه في الآيتين التاليتين، الوقف على الأولى من نوع الحسن وعلى الثانية من نوع القبيح: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ * وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة / 8). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ * وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (النساء / 43).
الآن يجب الانتباه إلى أن الوقف في كلتا الحالتين يقع بين الجملة وقيد الحال. في الحالة الأولى، الوقف بين «بعض الناس يقولون آمنا بالله واليوم الآخر» التي تشمل الجملة الأساسية لهذه الجملة المستقلة وتابعة واحدة، و «في حين أنهم ليسوا بمؤمنين» التي هي تابعة للتابعة، لا يفسد معنى الجملة الأساسية، ولكن في الثانية، قطع الارتباط بين الجملة الأساسية: «يا أيها المؤمنون لا تقربوا الصلاة» والتابعة: «في حين أنكم سكارى» يلقي معنى فاسداً من الجملة الأساسية.
النوع الآخر من الوقف الحسن والقبيح هو التوقف بين أجزاء جملة أساسية أو تابعة. إن التدقيق في أمثلة هذين الموضعين في القرآن يظهر أنه في كثير من الأحيان، لا يقتصر تشخيص نوع الوقف في هذه الحالة على تحليل الطبقة المعنوية للجمل، بل إن التدقيق في أجزاء الجملة من المجموعات الاسمية والفعلية التي فُصل بينها بالوقف، سيساعدنا في تشخيص الوقف. من منظور لساني، بعض أجزاء الجملة أساسية وبعضها قيدي ومتمم. الآن، إذا فُصل بين الأجزاء الأساسية في جملة ما، يكون الوقف من نوع القبيح، وإذا وقع الوقف بين الأجزاء الفرعية والأساسية، فسيكون من نوع الحسن. على سبيل المثال، الوقف على «قالت» في الآية التالية قبيح؛ لأنه يفصل بين الفعل والفاعل اللذين هما من الأجزاء الأساسية للجملة: ﴿قَالَتْ * رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (إبراهيم / 10).
في حين أن الوقف على «قلوبهم» في الآية التالية من نوع الحسن؛ لأنه معطوف على جزء من الأجزاء الفرعية للجملة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ * وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة / 7). الأمثلة التالية توضح هذه المسألة جيداً: 1- ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ * وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا * وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ * وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ * لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة / 164). في المثال أعلاه، الوقف على أي من كلمات الآية قبل «لآيات» – وهو اسم إن – مثل المواضع المعلمة بنجمة، هو من نوع القبيح؛ لأن اسم «إن» وخبرها هما من الأجزاء الأساسية للجملة، والوقف بينهما وقف قبيح.
2- ﴿وَمِنَ النَّاسِ * وَالدَّوَابِّ * وَالْأَنْعَامِ * مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ (فاطر / 28). في المثال أعلاه، الوقف على المواضع المعلمة بنجمة من نوع القبيح؛ لأنه في كل الأحوال، يفصل بين المسند والمسند إليه في الجملة، وهما من الأجزاء الأساسية للجملة. 3- ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ * تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (البقرة / 25). في المثال أعلاه، يجب اعتبار الوقف على النجمة من نوع الحسن؛ لأن ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ صفة لـ «جنات»، وبما أن الصفة ليست من الأجزاء الأساسية للجملة، فإن الوقف بين الموصوف والصفة من نوع الحسن.
4- ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ * لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء / 47). في المثال أعلاه، الوقف على النجمة يُعد من نوع الحسن؛ لأن ﴿ليوم القيامة﴾ ليس من الأجزاء الأساسية للجملة.
الاستنتاج
يمكن تلخيص أهم نتائج هذا المقال في النقاط التالية: 1- بما أن علم الوقف والابتداء علم اجتهادي، فإن إنجازات اللسانيات الحديثة يمكن أن تُحدث تحولاً في طريقة التعليم والتحليل في هذا العلم. 2- بما أن المعنى هو المعيار الأهم في تشخيص مواضع الوقف والابتداء، فإن المنهج الدلالي في النحو العربي يغير بعض مواضع الوقف والابتداء ويحل بعض الخلافات في هذا المجال. 3- مواضع الوقف مرتبطة بتقسيم اللغة إلى مجموعة كلامية، وجملة، وجملة مستقلة، وفقرة، وإذا قُدمت معايير واضحة لهذا التقسيم، فإن مواضع الوقف ستكون قابلة للتشخيص والتعليم بسهولة. 4- ارتباط الوقف التام ببداية ونهاية الفقرة ارتباط تساوي. والوقف الكافي سيكون بلا شك في نهاية الجمل المستقلة. والوقف الحسن والقبيح يقعان على الجمل غير المستقلة للغة وأحياناً على المجموعات الاسمية والفعلية. 5- تشخيص الوقف الحسن والقبيح في نهاية الجمل غير المستقلة يعتمد على الطبقة المعنوية للغة. 6- مجموعة من مواضع الوقف الحسن والقبيح هي التوقف بين أجزاء جملة أساسية أو تابعة. فإذا فُصل بين الأجزاء الأساسية في جملة ما، يكون الوقف من نوع القبيح، وإذا وقع الوقف بين الأجزاء الفرعية والأساسية، يكون من نوع الحسن.
المصادر والمراجع
1. ابن الأنباري، محمد بن القاسم، إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عزوجل، تحقيق أحمد مهدلي، بيروت: دار الكتب العلمية، 2010م.
2. ابن الجزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، دار الكتب العلمية، بي تا.
3. باطني، محمدرضا، وصف البنية النحوية للغة الفارسية، طهران: أمير كبير، 1387 هـ.ش.
4. باقري، مهري، مقدمات في علم اللغة، طهران: قطرة، 1388 هـ.ش.
5. حسان، تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، المغرب: دار البيضاء، 1994م.
6. الداني، عثمان بن سعيد، المكتفى في الوقف والابتداء، ترجمة كريم دولتي وصادق دروديان، قم: أسوة، 1382 هـ.ش.
7. الساقي، فاضل مصطفى، أقسام الكلام العربي من حيث الشكل والوظيفة، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1977م.
8. السجاوندي، محمد بن طيفور، كتاب الوقف والابتداء، تحقيق محسن هاشم درويش، عمان: دار المناهج، 1422هـ.
9. السخاوي، علي بن محمد، جمال القراء وكمال الإقراء، تحقيق عبد الكريم الزبيدي، بيروت: دار البلاغة، 1413هـ.
10. سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان، الكتاب، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1990م.
11. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، ترجمة سيد مهدي حائري قزويني، طهران: أمير كبير، 1382 هـ.ش.
12. شاكر، محمدكاظم، قواعد الوقف والابتداء في قراءة القرآن الكريم، قم: بوستان كتاب قم، 1383 هـ.ش.
13. شكراني، رضا، دراسة مقارنة للبنى النحوية للقرآن الكريم، بإشراف آذرتاش آذرنوش وسيد محمد باقر حجتي، جامعة طهران، 1382 هـ.ش.
14. عوض صالح، عبدالكريم إبراهيم، الوقف والابتداء وصلتهما بالمعنى في القرآن الكريم، القاهرة: دار السلام، 1431هـ.
15. فيض الكاشاني، محمد محسن بن شاه مرتضى، الوافي، أصفهان: كتابخانة أمير المؤمنين عليه السلام، 1406هـ.ق.
16. القسطلاني، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر، لطائف الإشارات لفنون القراءات، بي جا، بينا، بي تا.
17. مختار عمر، أحمد، علم الدلالة، ترجمة سيد حسين سيدي، مشهد: جامعة فردوسي، 1385 هـ.ش.
18. النحاس، أحمد بن محمد، القطع والائتناف، تحقيق أحمد فريد المزيدي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1423هـ.
19. وحيديان كاميار، تقي، قواعد اللغة الفارسية، طهران: سمت، 1382 هـ.ش.
الهوامش
1. أستاذ مشارك في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة أصفهان m.hajis1@yahoo.com (المؤلف المسؤول).
2. خريج دكتوراه في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة أصفهان m.salehin@chmail.ir.
3. تاريخ الاستلام: 1393/8/20 وتاريخ القبول: 1393/11/20.