دراسة نقدية لمكانة «التعبّد» في عملية تقييم اعتبار الأخبار في فكر «التبيين الفهرستي» ومنتقديه

الملخص

طُرحت على الدوام ثلاث رؤى حول حجية خبر الواحد: عدم الحجية، الحجية العقلائية، والحجية التعبدية التي لا يُؤخذ فيها بنظر الاعتبار مطابقة الواقع، بل مجرد إحراز المعذِّرية والمنجِّزية. يرى منظّرو «التبيين الفهرستي» ومنتقدوهم على حد سواء ضرورة صرف النظر عن مسألة التعبّد في المباحث المتعلقة بحجية خبر الواحد، مع فارق أن «التبيين الفهرستي» يرى التعبّد في تقابل مع الواقعية، وأن توظيفه في عملية تقييم الاعتبار يسبب حيرة في فضاء الدراسات الحديثية؛ بينما ينكر المنتقدون أساسًا تأثير مسألة التعبّد على عملية تقييم اعتبار الأخبار، ويقبلون بموضوعيتها فقط في مسألة أصل الرجوع إلى الأخبار. يُظهر هذا المقال، من خلال دراسة زوايا هاتين الرؤيتين، أن الحديث عن تجاوز التعبّد في عملية دراسة الحديث ليس بالأمر الهين؛ لأن العلاقة بين التعبّد والواقعية هي علاقة تلازم، بحيث لو حُذف التعبّد من جميع مجالات البحث الحديثي، لما عاد ممكنًا إثبات الحجية الشرعية لكلام المعصوم (ع). الإشكال الأساسي الآخر هو أن «التبيين الفهرستي» يعتبر تقييم الاعتبار الواقعي منهجيةً لتحويل استخدام بيانات الدراسات الحديثية من الأصولية إلى التاريخية، وبالتالي تحويل عملية تقييم الاعتبار من «محورية الراوي» إلى «محورية الكتاب». ولكن الإصرار على هذا التغيير في الاستخدام لا ينبع فقط من عدم الفهم الصحيح لمكانة التعبّد، بل يرتكز أيضًا على إشكالية حصانة المكتوب مقابل الشفهي، كما أنه في البعد المنهجي قد أغفل مسألة الفروق الموضوعية للروايات.

1. طرح المسألة

تقييم الاعتبار يعني التحقق من صحة الخبر، وإضافة كلمة «الصدوري» إليه في هذا المقال تحصر مفهوم تقييم الاعتبار في المعايير السندية لإحراز صدور الحديث. شهدت الأحاديث على مر التاريخ أضرارًا جسيمة، وكانت دائمًا موضع تقييم للاعتبار من قبل الباحثين. في هذه العملية، كان الاختلاف في الأسلوب والطريقة الفنية أمرًا لا مفر منه؛ لكن جمهور محدثي الشيعة لم يصرفوا النظر عن الاطمئنان أو عدمه إلى المتن الأصلي للتراث الروائي الشيعي، وكرسوا أنفسهم لإزالة غبار الضعف والجعل عن المجموعة؛ بينما تشكلت اليوم في المقاربات المحيطة بالحديث الشيعي نظرتان مختلفتان. إحداهما نظرة توسعية تؤمن بأصالة المتن الرئيسي للتراث الإمامي، والأخرى تعتبره من الأساس غير أصيل وتجد أن إزالة الجعل والضعف منه أمر صعب جدًا أو شبه مستحيل. يعتقد «التيار التوسعي المعاصر»، بالاعتماد على إعادة قراءة حقائق تاريخ الحديث الشيعي، أن الفضاء العام للحديث الإمامي معتبر. ويقود هذا التيار منظّرون يسعون، بهدف إحياء منهج القدماء في تقييم اعتبار الروايات، إلى تقليل الأثر التخريبي للدراسات الرجالية على ضعف السند. ومن بين مقاربات التيار التوسعي، مقاربة «التبيين الفهرستي». التحليل الفهرستي، المنهج الفهرستي، الطريقة الفهرستية، وفي النهاية «التبيين الفهرستي»، هي عبارات متنوعة لنظرية واحدة طرحها بعض الباحثين المعاصرين؛ بحيث اعتبروا في آخر مقال لهم، من بين التعابير المختلفة، «التبيين الفهرستي» هو الأدق (فولادزاده، 1398، 8). اقتراح هذه النظرية هو «تقييم اعتبار محوره الكتاب» والذي سيكون محور الحديث في ما يلي. النظام الدلالي المشترك في التيار التوسعي، وبشكل خاص مقاربة «التبيين الفهرستي»، هو استبدال الواقعية بالحجية التعبدية أو التعبّد؛ بحيث تسود النظرة التاريخية بدلًا من النظرة الأصولية على عملية تقييم الاعتبار الصدوري للروايات. علم الأصول هو من العلوم الابتكارية للمسلمين (مطهري، 1374 ش، 3، 9) وهو علم التقاطي نشأت أغلب مسائله باقتباس من سائر العلوم وتأثر بها على مر التاريخ؛ وهو علم اعتباري لا موضوع واحد له، ولا تجد مسائله تحديدًا معينًا، وفي ظله لن تكون هناك حاجة لتأسيس علوم جديدة تماشيًا مع طرح المسائل الجديدة (مددي موسوي، 1393 ش، 470). بالنظر إلى اتساع نطاق تطبيق قواعد علم الأصول، من الأفضل تحديد موضوعه بأنه تعيين الحجة وتشخيص مصاديقها؛ بحيث يشمل كل ما يمكن الاحتجاج والاستدلال به في مقام الامتثال (راجع: منتظري نجف آبادي، 1415 هـ، 16). في علم الأصول، تتوقف حجية الدليل الشرعي على إثبات ثلاثة أمور: دلالة الدليل، إثبات حجية الدلالة المذكورة، وإثبات صدور الدليل من الشارع (إيرواني، 1393 ش، 36). من بين هذه الأمور، يرتبط إثبات صدور الدليل من الشارع بشكل خاص بمجال تقييم الاعتبار الصدوري للروايات. بهذا التوضيح، يتضح تأثير سيادة النظرة الأصولية (التعبد) على معايير تقييم الاعتبار الصدوري للروايات.

ظهرت أعمال على ثلاثة مستويات حول محور «التبيين الفهرستي»:

أ: المستوى الوصفي: كتابان هما «نظرة إلى البحر» لسيد أحمد مددي موسوي و«إعادة بناء المتون القديمة للحديث الشيعي» لسيد محمد عمادي حائري.

ب: المستوى التحليلي النقدي: رسائل جامعية مثل «دراسة ونقد نظرية التبيين الفهرستي للأحاديث» لعليرضا صفاريان همداني و«دراسة نقدية للتبيين الفهرستي في تقييم اعتبار الأحاديث» لوحيد فولادزاده. ومقالات مثل «نظرة إلى دور ومكانة مكونات محور الكتاب في تقييمات القدماء الحديثية في ضوء تحليل المصادر الفهرستية» لحميد باقري، و«تقييم الحديث بطريقة التحليل الفهرستي: رؤى ومبانٍ» لسيدرضا شيرازي ومحمود ملكي، وكذلك كتابات حسن أنصاري في مدونة Ansari.kateban.com.

ج: مستوى تطبيق المنهج: كتاب «دراسة الروايات بالطريقة الفهرستية» لأحمد ميرزائي، «الحديث واعتبار محور الكتاب» لإحسان سرخه اي، ومقالة «السير الفهرستي: مسار دراسة الحديث الشيعي بصورة فهرستية» لسيد محمد كاظم طباطبائي ورضا عطائي وآخرين.

الأعمال المذكورة في المستويين الأولين تتولى تبيين البنى التحتية الفكرية لسيد أحمد مددي موسوي بصفته المنظّر الرئيسي لـ«التبيين الفهرستي»؛ لذا فإنها تتناسب محتوائيًا مع هذا المقال. ومع ذلك، فإن ضرورة الانتقال من التعبّد كأهم بنية تحتية لهذه المقاربة لم يتم تفصيلها بكل جزئياتها؛ وتبعًا لهذا الفراغ، لم يوضع النقد من قبل المنتقدين في محله الصحيح وزاد من غموض فضاء تقييم الاعتبار الصدوري للروايات. يسعى «التبيين الفهرستي»، كمقاربة من التيار التوسعي، إلى تهميش التعبّد ونتاجه، أي محورية الراوي، وإحلال النظرة التاريخية على عملية تقييم اعتبار الروايات؛ بينما ضرورة أو حتى إمكانية الانتقال من التعبّد تعتمد على صحة الدعاوى الأصولية والتاريخية لهذه النظرية. يهدف هذا المقال إلى تقديم تقييم واقعي لمكانة التعبّد في فضاء الدراسات الحديثية ليوضح أن البنية التحتية الرئيسية لـ«التبيين الفهرستي» إلى أي مدى تبرر أهداف التيار التوسعي المعاصر في تهميش الدراسات الرجالية.

2. إعادة قراءة مكانة التعبّد في فكر «التبيين الفهرستي»

طُرحت على الدوام ثلاث رؤى حول حجية خبر الواحد:

أ. عدم الحجية

ناقش متقدمو الإمامية كالشيخ المفيد (1993م، 38-45) والسيد المرتضى (1993م، 2، 22-5، 34-42) بالتفصيل في أدلة القائلين بحجية خبر الواحد ولم يعتبروه مناطًا للعلم والعمل. في هذا الفكر، الخبر بمثابة دليل لُبّي وليس من سنخ اللفظ. اليقين لا يحصل إلا من بعض الأخبار مع ملاحظة القرائن في مقام التواتر (قرائن قاطعة للعذر) (راجع: المفيد، 1993م، 44-45؛ حب الله، 2006م، 73-81)؛ يقين يتبعه الوثوق والاطمئنان العقلائي بالحكم ومحتوى الخبر، لا حجية ألفاظه وجوانبه. في هذه الرؤية، بإبطال أصل حجية جوانب الخبر، تسقط الفروع (مشكلات الأخبار) بالكامل (المرتضى، 1984م، 2، 78-79؛ مددي موسوي، 1393ش، 419).

ب. الحجية العقلائية

تُنسب هذه الرؤية أيضًا إلى المتقدمين (المفيد، 1993م، 38-45)؛ لأنه في الحجية العقلائية، يتم إحراز صحة الصدور بضميمة قرائن توفر ما لا يقل عن تسعين بالمئة من الوثوق والاطمئنان عند العقلاء (مددي موسوي، dorous.ir/Persian/article/12). مع هذا الفارق، وهو أن حجية القرائن والشواهد هذه المرة تسري أيضًا إلى ألفاظ وجوانب الخبر؛ وبالتالي، يُعتبر متن الحديث كلام الإمام، ويكتسب اعتباره، ويُعد دليلًا لفظيًا؛ بحيث يمكن أن يظهر في حدود أمارة. في مثل هذه الرؤية، يتم تقييم جميع مشكلات الأخبار وفقًا للمقاييس العقلائية وقواعد فهم النص في علم الأصول وحلها، وبقاء المشكلة بمثابة مناقشة في حجية الخبر (راجع: نفس المصدر).

ج. الحجية التعبدية

الحجية التعبدية، مثل الحجية العقلائية، تعتبر خبر الواحد بمثابة دليل لفظي وتعتبر متن الرواية كلام الإمام. مع هذا الفارق، أنه في الحجية التعبدية، قبول الخبر هو تكليف شرعي، ولا يهم كثيرًا ما إذا كان الخبر، وفقًا للقرائن والشواهد العقلائية، مطمئنًا أم لا، وما إذا كان العلم العرفي يحصل منه أم لا. في هذه الرؤية، خبر الواحد بدون أي قرينة علمية هو مُلزِم تكليفًا، ومثل سائر العبادات، يُعمل به اتباعًا للمصلحة (الطوسي، 1417هـ، 1: 97-100). إحراز الحجية التعبدية يتحدد بالمعيار الذي يضعه الشارع، والتشكيك في هذا المعيار لا يُتصور إلا في حالة تعارض الوثوق أو العلم العرفي الحاصل منه (الطوسي، 1390ش، 1، 4)، فيُخدش وتسقط حجية الخبر (راجع: مددي موسوي، 1393ش، 418؛ همو، بيانات درس خارج فقه، 25/07/1396 و 03/10/1397؛ همو، بيانات درس خارج أصول، 09/10/1397 و 17/10/1397). التعبّد من منظور «التبيين الفهرستي» يعني سيادة المعذّرية والمنجّزية على مطابقة الأخبار للواقع. حسب هذه المقاربة، ظهرت المباحث الأصولية بالتزامن مع بحث حجية الخبر حوالي عامي 160 إلى 170 هـ بين أهل السنة. بينما أدى التراث المكتوب للشيعة في نقل الحديث وتداوله، بالإضافة إلى اختلافاتهم الأخرى مع أهل السنة، إلى تأخر الشعور بالحاجة إلى علم الأصول بين الشيعة إلى ما بعد عصر حضور المعصومين (ع) (راجع: عمادي حائري، 1394ش، 119). عمل الشيعة لسنوات طويلة براحة بال في مجال إثبات صدور الأحاديث بالاعتماد على القرائن والشواهد المتاحة لديهم، دون الحاجة إلى الاستعانة بالأدلة العقلائية الموضوعة في علم الأصول للاطمئنان بتلك القرائن والشواهد، وإقامة صدق القائل كدليل عقلي على صحة صدور الأخبار؛ بينما بعد القرن الخامس الهجري، وبسبب فقدان قرائن الصدق، واجهوا مشكلة في إثبات صدور الدليل من الشارع، فلجأوا إلى بناء الأدلة العقلائية للاعتماد على الأخبار. لدرجة أنهم أدخلوا جميع مشكلات مجال الأخبار واحدة تلو الأخرى في المباحث الأصولية وفكروا في حل عقلي لها (راجع: نفس المصدر). اتساع نطاق تطبيق قواعد علم الأصول أدى إلى أن يعمد محدثو الإسلام إلى بناء طرق تقييم اعتبار الروايات على القواعد العقلائية لعلم الأصول؛ قواعد يمكنها الكشف عن الحجية الأصولية للخبر؛ حجية لا تستلزم مطابقة الخبر للواقع، بل المنجزية والمعذرية، وفي النهاية التعبّد بالخبر (مجموعة من المحققين، 1389ش، 1: 391).

تُظهر دراسة آثار منظّري «التبيين الفهرستي» أنه في نظرهم:

أ. التعبّد ليس له أي نصيب من الواقع.

ب. التعبّد هو البنية التحتية الرئيسية لمحورية الراوي.

ج. التعبّد، وبالتالي محورية الراوي، سبّب حيرة في فضاء الدراسات الحديثية الشيعية.

بهذا التوضيح، في الوصف التحليلي لهذا المقال، ستكون هذه المسائل الثلاث هي محور الحديث.

1-2. التعبّد؛ النقطة المقابلة للواقعية

يعتبر «التبيين الفهرستي» أن معيار الاعتبار في عملية تقييم الروايات هو الحجية في النظام المعرفي البشري، بمعنى مطابقة الواقع، والنقطة المقابلة لها هي الحجية الشرعية أو إحراز المعذرية والمنجزية؛ لأنه يعتقد أن:

أ. في تقييم الاعتبار الصدوري للروايات، إحراز الحجية الشرعية غير فعال.

ب. عوامل الميل إلى التعبّد/الحجية الشرعية تشير إلى أنه في عملية تقييم الاعتبار الصدوري للروايات، بسبب عدم إمكانية الوصول إلى الحجية في النظام المعرفي البشري، تم استبدالها تدريجيًا بالحجية الشرعية.

1-1-2. عدم فعالية التعبّد في عملية تقييم الاعتبار الصدوري

في فكر «التبيين الفهرستي»، ينبع عدم الاهتمام بنطاق فعالية علم الأصول وإثارة العديد من المباحث التجريدية فيه من الالتزام بالحجية التعبدية لخبر الواحد؛ مع هذا التوضيح أنه على الرغم من أن أصول الفقه علم عقلي ويتمتع بأقصى درجات الديناميكية الذاتية في الفكر الإنساني؛ إلا أنه يركز على طريقة الاستنباط ولا يمكن كشف الواقع بالاعتماد عليه؛ لذلك، من المناسب أن تكون مقاربة الباحثين في مبادئ حديث النبي (ص) والمعصومين (ع) والفقهاء بعدهم، تتبعًا تاريخيًا للأمور (مددي موسوي، 1393ش، 354، 381-383)؛ لأن العديد من المباحث الأصولية غير فعالة في إثبات وثاقة وأصالة نص قديم وإزالة غبار التغييرات والتصحيفات عن وجهه (راجع: عمادي حائري، 1394ش، 67-68) واستخدام بضع قواعد كلية في فهم مقصود نص قديم، دون فهم وإدراك فضاء صدوره، ليس مجديًا ولا يغني الفقيه عن الوعي بمسار انتقال النصوص والإلمام بلغة وبيان مجموعة النصوص الحديثية. فهم واستنباط مراد النصوص، وتخمين الصورة الأصلية لعبارة ما، وكشف اعتبار/عدم اعتبار نقل/كتاب، وكذلك دقائق علم الحديث والرجال، بتطبيق قواعد علم الأصول، لا يؤدي إلى نتيجة. إذن، إقحام علم الأصول في مشكلات فهم النصوص وحل معضلات مثل الجعل والتحريف غير مناسب (نفس المصدر)؛ بينما الحجية التاريخية تضيف إلى قيمة الخبر أكثر بكثير من الحجية الأصولية (التعبّد) (مددي موسوي، 1393ش، 401).

2-1-2. عوامل الميل إلى الحجية التعبدية

في فكر «التبيين الفهرستي»، بعد القرن الخامس الهجري، فقدت قرائن صدق الخبر تدريجيًا واختلف محدثو الحديث في تشخيص الحديث الصحيح (كشف الواقع)؛ وفي مثل هذا الفضاء، كان الحل الذي ابتكره فقهاء الإمامية لتقييم اعتبار الروايات في الخطوة الأولى هو طرح بحث الحجية التعبدية لخبر الواحد؛ وإلا فلا يمكن العثور على سابقة لعلم الأصول بالشكل الذي له اليوم فعالية في مجال تقييم اعتبار الروايات في ممارسة قدماء الشيعة (راجع: نفس المصدر، 356).

1-2-1-2. فقدان قرائن صدق الخبر

كان قدماء الشيعة يستنتجون صدور الحديث من المعصوم (ع) بالاعتماد على القرائن والشواهد المتاحة لهم ولم يكونوا يقبلون بحجية الأخبار تعبدًا؛ (راجع: المفيد، 1993م، 38-45؛ المرتضى، 1993م، 2: 5-22، 34-42) ولكن بعد عصر الشيخ الطوسي، ونتيجة لفقدان قرائن صدق الخبر، ترسخ التعبّد في أصول فقه الشيعة (مددي موسوي، 1393ش، 360-361؛ عمادي حائري، 1394ش، 68 و 117) وحرف مسار البحث الحديثي عن إحراز مطابقة الواقع إلى المعذرية والمنجزية؛ لدرجة أنه في فترة ما، تشكل في قم وقزوين والري تيار كان يعتبر حتى التعليل تعبدًا، بينما يجب أن يكون التعليل عقلانيًا، لا تعبديًا، وإلا فإنه يستلزم الدور أو المصادرة على المطلوب (راجع: مددي موسوي، 1393ش، 354-362).

2-2-1-2. اختلاف محدثي الحديث في تشخيص الحديث الصحيح

طُرح بحث التعبّد منذ زمن الشيخ الطوسي وبواسطته بين الإمامية، ونظرًا لمكانته الخاصة، قُبل. تُظهر دراسة أداء مؤلفي المجامع الروائية الأولى في انتقاء الروايات أن كبار علماء مدرستي قم وبغداد، على الرغم من اختلاف أدائهم في تقييم اعتبار الروايات، كانوا يسعون بشكل موحد، من خلال إنكار التعبّد، إلى إثبات حجية الأخبار بالاستفادة من الشواهد والقرائن (إحراز مطابقة الواقع) (راجع: نفس المصدر، 375-376؛ همو، dorous.ir/Persian/article/12). وبسبب هذا الاختلاف في الأداء، كانوا يواجهون بعضهم البعض بحدة. في مثل هذه الظروف، اختار الشيخ الطوسي طريق الوسط وقلل من حدة معارضة هاتين المدرستين. كان الخط الفكري للشيخ الطوسي وسطًا بين مدرسة قم ممثلة بالشيخ الصدوق ومدرسة بغداد ممثلة بالشيخ المفيد والسيد المرتضى؛ لدرجة أنه بسبب هذا التوفيق، لُقّب بشيخ الطائفة. كان الشيخ يعتبر الكتب المشتركة بين علماء المدرستين معيار عملهم والإجماع هو المشتركات بين هاتين المدرستين، وكان يسعى للجمع بين هذه المشتركات وتثبيت الحجية التعبدية للخبر. كانت الحجية التعبدية للخبر أساس أهل السنة في قبول الحديث. وأدى الانفتاح العلمي في بغداد في ذلك العصر وهيمنة التيار العلمي لأهل السنة إلى تأثر الشيخ الطوسي بهذه النظرية العلمية القياسية (همو، 1393ش، 377).

2-2. التعبّد؛ أساس محورية الراوي

لتقديم وصف تحليلي لمكانة التعبّد في فكر «التبيين الفهرستي»، مرّ تقابل التعبّد والواقعية في المحور الأول. اهتمام المحور الثاني هو زاوية أخرى من منظور هذه النظرية لبحث التعبّد، والتي تعتبره البنية التحتية الرئيسية لمنهج تقييم الاعتبار القائم على محورية الراوي. يعتبر هذا الفكر أن محورية الراوي لم تكن معروفة في الثقافة الشيعية حتى القرن الثامن، ويعتقد أن هذه المقاربة في تقييم الاعتبار قد تعززت مع إضعاف مكانة المصنفات الشيعية القديمة وفي الفترات المتأخرة (راجع: نفس المصدر، 322؛ عمادي حائري، 1394ش، 44-45). في هذه الفترة، ولإحراز الحجية التعبدية للخبر، أصبحت آية النبأ معيار العمل، وبناءً على مفهوم هذه الآية (لا منطوقها)، أصبح تقييم الاعتبار مرتبطًا بعدالة الراوي، وهذه المسألة ألغت التحليل الفهرستي (الببليوغرافي) من الأساس واستبدلته بالتحليل الرجالي؛ بحيث لم يعد تقييم اعتبار الروايات يتم بناءً على فحص النسخ والمصنفات، بل بناءً على فحص أحوال الرواة (مددي موسوي، 1393ش، 365). وأخيرًا، مع هيمنة المدرسة الرجالية في الحلة، أصبحت أحوال الرجال أساس قبول ورد الأحاديث وحدث تغيير أساسي في تقييم وثاقة الحديث (راجع: عمادي حائري، 1394ش، 40، 43، 46) مما أدى إلى نتيجتين مشؤومتين: أ: استقرار التعارض، ب: الاهتمام المحض بعدالة الراوي.

1-2-2. استقرار التعارض

بحث التعارض لا يُطرح إلا على أساس الحجية التعبدية للخبر (مددي موسوي، 30/10/1397، بيانات درس خارج فقه)؛ لأنه على أساس عدم حجية خبر الواحد، تسقط مشكلات الأخبار تبعًا لإبطال أصل الحجية بالكامل. وعلى أساس الحجية العقلائية أيضًا، سينتفي الوثوق والاطمئنان العقلائي بصدق الخبر بوجود معارض؛ بهذا التوضيح، من الواضح أن بحث التعارض لم يكن مطروحًا في عهد القدماء بهذا الاتساع (همو، 1393ش، 399-400) وأن الشيخ الطوسي هو من أدخله إلى التراث الإمامي؛ تمامًا كما طرح الحجية التعبدية وبالتالي قاعدة الجمع التبرعي. توضيح ذلك أنه بقبول الحجية التعبدية للخبر وقاعدة الجمع العرفي، أصبحت حجية روايتين متعارضتين ممكنة، ولهذا السبب، دخلت الروايات التي كان الأصحاب يتركونها – ومنها: روايات الواقفة والتعارضات الناشئة عن النقل بالمعنى وصعوبات الخط واختلاف النسخ – مجددًا في دائرة النقد والتحليل (راجع: نفس المصدر، 398، 399). بالنظر إلى ما سبق، ومع الانتقال من التعبّد وجمع القرائن، يمكن حل حوالي ثمانين بالمئة من الروايات المتعارضة وتحديد نصها الأصيل. وبهذا، بعد إثبات النص الأصيل، تكون سائر النصوص فاقدة للحجية، وينتفي بحث التعارض أساسًا (راجع: نفس المصدر، 363-364)؛ لأن التعارض في الروايات يكون في مقام الإثبات، لا في مقام الثبوت، ومثل هذه المسائل بالشواهد القطعية التاريخية ستحقق نتائج أسهل وأكثر اطمئنانًا من الاستفادة من القواعد الأصولية مثل المرجحات المنصوصة وغير المنصوصة (راجع: نفس المصدر، 473). هكذا، فإن المباحث الدقيقة الأصولية في باب التعارض، لا تساعد فقط في تحليل ودراسة الروايات، بل تضر بها أيضًا.

2-2-2. الاهتمام المحض بعدالة الراوي

في النظرة السائدة حاليًا، التيارات الفكرية مثل الواقفة تُدرس فقط من منظور مدى اعتماد نقلهم؛ بينما تأكيد «التبيين الفهرستي» ينصب على كشف النقاط التاريخية حول محور تيار فكري. في هذا الفكر، إحدى المسائل المهمة في تاريخ الحديث المتعلقة بالأئمة المتأخرين (ع) هي مسألة عرض الروايات عليهم؛ في حين أن «الواقفة»، على الرغم من استفادتهم من المصادر الإمامية، لم يراجعوا الأئمة المتأخرين بعد موسى بن جعفر (ع)، وربما بسبب عدم اطلاعهم على طرح بعض الروايات من قبل هؤلاء الأكابر، أقدموا على نقل وإدراج الرواية في كتبهم (نفس المصدر، 384-385). يوضح هذا الشرح جيدًا أن مسألة الواقفة في هذا الفكر ليست مصطلحًا رجاليًا لتوضيح حالة عدالة الراوي، بل يجب اعتباره مصطلحًا تاريخيًا يشير إلى عدم وصول هذه الفرقة إلى كثير من الأحاديث المصححة من قبل الأئمة المتأخرين (ع). تحليل تراث هذه الفرقة بالنظر إلى هذه النقطة التاريخية وبصرف النظر عن استقامة أو فساد العقيدة، هو مثال بارز على تغيير استخدام البيانات من الأصولي إلى التاريخي.

2-3. التعبّد؛ عامل الحيرة في فضاء الدراسات الحديثية الشيعية

بعد أن اعتبر «التبيين الفهرستي» التعبّد أساسًا لمحورية الراوي، أشار إلى الحيرة في فضاء الدراسات الحديثية واعتبره نتيجة خطأ في تصوير حقائق تاريخ الحديث الشيعي. سيُقدّم الوصف التحليلي لهذا المحور في قسمين: أ: الغفلة عن محورية الكتاب لدى قدماء الشيعة، ب: الغفلة عن ثقافة نشر الحديث المكتوبة لدى الشيعة.

1-3-2. الغفلة عن محورية الكتاب لدى قدماء الشيعة

من منظور «التبيين الفهرستي»، تتلخص طرق تقييم الاعتبار في نموذجين: محورية الراوي (بناءً على الأفراد) ومحورية الكتاب (بناءً على المصنفات). محورية الكتاب لدى قدماء الإمامية مفهوم له جانبان: أولًا في مقابل رواية الراوي، وثانيًا في مقابل الراوي نفسه. بمعنى أن تأييد وتصديق المصنفات الحديثية كان يُنظر إليه كمجموعة من الروايات، وأحيانًا كانت كتب راوٍ مطرود تُقبل بتأييد محتواها (راجع: عمادي حائري، 1394ش، 33-35، 14، 80، 106-107؛ مددي موسوي، 1393ش، 361)؛ لذلك، في ممارسة متقدمي الإمامية، كانت مجموعة روايات مؤلف ما هي دائمًا محور تقييم الاعتبار. كان القدماء، بمراعاة مكانة الراوي، ومقابلة النسخ المختلفة، والرجوع إلى الكتب والنسخ المشهورة والمعتبرة، يتأكدون من صحة الخبر وثوقًا واطمئنانًا؛ ولهذا السبب، كانت كتب الرواة المطرودين أحيانًا تُعتبر معتبرة من حيث المحتوى، وكان يُعتمد أيضًا على رواية الضعفاء؛ بمعنى أنه بتفكيك مكانة ووظيفة الرواة (المنتج/الناقل) لنسختهم، كانوا يقارنونها مع سائر النسخ، ويقبلون المقدار الذي يتوافق مع الآخرين. بهذا التوضيح، بصرف النظر عن ضعف الراوي رجاليًا، أولًا بمراعاة مكانتهم وثانيًا بالنظر إلى اعتبار الكتب والنسخ المتاحة (راجع: نفس المصدر، 361-362). والجدير بالذكر أن محورية الكتاب هذه لا تعني إعراض الشيعة عن الأسانيد. تُظهر الدراسات الحديثية في ممارسة المتقدمين أن الشيعة، وفقًا لأوامر مؤسسة الإمامة، اهتموا بالنقد السندي (راجع: رحمان ستايش، 1394ش، 131، 141). بعد القرن الخامس الهجري أيضًا، على الرغم من أن محدثي الشيعة اتجهوا إلى تنويع الحديث والدراسات السندية؛ إلا أنهم ظلوا ملتزمين بأسس القدماء، وبمراعاة الضوابط المذكورة، تغاضوا عن ضعف سند الروايات. استمر تاريخ الشيعة على هذا النحو لمدة 500 عام ثم تغير. بعد هذا التغيير، واجه العلماء المتأخرون من الشيعة، مثل الشهيد الأول والشهيد الثاني، تناقضًا؛ لأن مجموعة كبيرة من الروايات التي عمل بها وفتوى بها قدماء الأصحاب، والتي تم اختيارها كحديث صحيح، كانت تُعتبر ضعيفة بالدراسات الرجالية للمتأخرين (نفس المصدر)؛ لذلك، تحدثوا عن قاعدة «جابرية ضعف السند بالشهرة». «جابرية ضعف السند بالشهرة» تعني قبول الروايات الضعيفة التي عمل بها قدماء الإمامية؛ وهي قاعدة كان سبب تشكلها عدم الانتباه إلى منهج محدثي الشيعة القدماء القائم على محورية الكتاب في تقييم اعتبار الروايات؛ لذلك، بدلًا من الخوض في الاستدلالات حول مسألة «الشهرة»، يجب إعادة قراءة وتحليل الظروف التي دفع فيها علماء الشيعة إلى بحث الجابرية؛ لأن هذه القاعدة ترتبط بشكل خاص ببحث الحجية التعبدية لخبر الواحد (نفس المصدر، 355). يعتبر «التبيين الفهرستي» هذه القاعدة وكذلك بحث الشهرة الفتوائية من خصائص أصول الإمامية التي لم يقبلها الآخرون (نفس المصدر، 361-362؛ عمادي حائري، 1394ش، 40-50). ويبدو أنه تم التأكيد على هذا التخصيص ليكون شاهدًا على صحة هذه القراءة التاريخية.

2-3-2. الغفلة عن ثقافة نشر الحديث لدى الشيعة

يعتبر منظرو «التبيين الفهرستي» أن محورية الراوي تتناسب مع الثقافة الشفهية لنقل وتداول الحديث وهي خاصة بأهل السنة؛ لأن السبب الرئيسي للإقبال على محورية الراوي وشيوعها هو الفاصل الزمني بين صدور الأحاديث عن النبي (ص) وتدوينها وتقييم اعتبارها الأولي (راجع: نفس المصدر، 35-37)، وحديث أهل السنة من الناحية التاريخية، من عصر النبي (ص) وما بعده، لا يتجاوز أصحابه (نفس المصدر، 30-31). تم تدوين حديث أهل السنة لأول مرة في منتصف القرن الثاني، والفاصل الزمني الذي يقارب 150 عامًا عن زمن صدور الروايات عن النبي (ص)، أوجب ضرورة فحص أحوال الرواة وطرح المباحث الرجالية للاعتماد على الروايات التي نُقلت شفهيًا وعن طريق السماع والقراءة عن النبي (ص) (نفس المصدر، 30-31؛ مددي موسوي، 17/3/1385، بيانات درس خارج فقه). بينما ملأ الشيعة هذا الفاصل الزمني البالغ 150 عامًا بإيمانهم بعصمة المعصومين (ع) ونشر المصنفات الحديثية بواسطة أفراد قليلين وموثوق بهم (نفس المصدر؛ همو، 1393ش، 366) وكان لديهم تاريخ يمتد لأكثر من قرنين للحديث (عمادي حائري، 1394ش، 31). بالإضافة إلى ذلك، فإن محدودية عدد الرواة، إلى جانب الحضور الطويل للمعصوم (ع)، أهدى الشيعة الكتابة والتدوين المتزامنين مع صدور الروايات وركزهم على النقل المكتوب للتراث الحديثي (راجع: مددي موسوي، 29/7/1396، بيانات درس خارج فقه؛ وكذلك: همو، 1393ش، 360-362). بمعنى أنه بين الشيعة، لم يكن اعتبار روايات الكتب المعتبرة والمشهورة منوطًا بصدور إجازة لها، وكان جامعو الكتب، بالاعتماد على كتب حصلوا عليها بطريق الوجادة أو الإجازات العامة، يبادرون إلى نقل الحديث ولم يكونوا يعتبرون سماعها وقراءتها لازمًا وضروريًا (راجع: نفس المصدر، 361؛ عمادي حائري، 1394ش، 14). مع تدوين الكتب الأربعة والزوال التدريجي للمصادر الشيعية الأولى، نشأت حالة مشابهة للفضاء الحديثي لأهل السنة (نقص المصنفات المكتوبة) لدى الشيعة (راجع: نفس المصدر، 27-28، 31، 81-84). بعد هذا الفقدان، صرف الشيعة النظر أيضًا عن اعتبار الوجادة والإجازات العامة واعتبروا فقط السماع والقراءة والإجازة المقرونة بالسماع والقراءة معتبرة. وبهذا، اعتُبر طريق نقل الكتب سندًا للنقل الشفهي، وأُخذ بعين الاعتبار إمكانية السهو والدخل والتصرف في جميع طبقات نقل المتن؛ غافلين عن أن متن الحديث كان مكتوبًا من البداية ومصونًا من الدخل والتصرف. وبهذا، في العصور المتأخرة، تحول تقييم الاعتبار من إحراز صحة نسبة النقل المكتوب (الطريق) إلى إحراز وثاقة النقل الشفهي (السند). في مثل هذا الفضاء، كان الحل الذي ابتكره فقهاء الإمامية لتقييم اعتبار الروايات في الخطوة الأولى هو طرح بحث الحجية التعبدية لخبر الواحد (راجع: نفس المصدر، 30-31، 52؛ ميرزائي، 1370ش، 61-63؛ مددي موسوي، 1393ش، 361-362، 365-366، 380). وأخيرًا، خلال هذا المسار المتغير، أولًا: بناءً على الذهنية الشفهية لنقل الروايات وتداولها وضرورة التحليل الرجالي، طُرح بحثان، أحدهما بحث عدم حجية الأخبار مع الواسطة والآخر شبهة دلالة آية النبأ؛ بينما كان هذان البحثان يتناسبان مع تاريخ حديث أهل السنة وشائعين بينهم (راجع: نفس المصدر، 400)؛ لأن طرح هذين البحثين لا يمكن إلا في فضاء تُنقل فيه الأخبار شفهيًا وبواسطة، لا في فضاء تاريخ الحديث الشيعي الذي لا يُتصور فيه واسطة في النقل بموجب الكتابة المتزامنة مع الصدور. ثانيًا: بعدم الانتباه إلى احتمال اتصال الرواة المختلفين بنسخ مختلفة وبخلط بين السند والطريق، وُضعت قاعدتان لتصحيح وتعويض السند للحصول على صورة صحيحة من الأسانيد الضعيفة؛ بينما في ثقافة النقل والتداول المكتوب للشيعة، الرواة الضعفاء هم رواة الأثر المكتوب لمؤلف متقدم (طريق)، وليسوا رواة نقل شفهي (سند). لهذا السبب، يعبر اختلاف سلسلة الأسانيد عن اختلافات متنية، ومن السهل أن يكون مؤلف ما قد نقل من أسانيد ونسخ مختلفة (عمادي حائري، 1394ش، 47-50).

3. إعادة ترتيب استدلال ادعاء «التبيين الفهرستي»

إعادة ترتيب استدلال «التبيين الفهرستي» في كل من المواضع المذكورة أعلاه هي كالتالي:

1-3. التعبّد؛ في تقابل مع الواقعية

أ: عدم فعالية التعبّد في عملية تقييم الاعتبار الصدوري

1. يجب أن تسعى عملية تقييم اعتبار الروايات إلى كشف الواقع.

2. التعبّد في قبول الخبر يستنتج اعتباره بالاستعانة بقواعد علم الأصول.

3. قواعد علم الأصول تبحث عن المعذرية والمنجزية.

4. قواعد علم الأصول لا تأخذ مطابقة الخبر للواقع بعين الاعتبار.

5. نتيجة لذلك، التعبّد، في تقييم الاعتبار الصدوري للروايات الذي يكون فيه كشف الواقع ضروريًا، غير فعال.

ب: عوامل الميل إلى الحجية التعبدية

6. متقدمو الإمامية كانوا يستنتجون الوثوق بصدور الرواية بالقرائن المتاحة لديهم.

7. لحاظ القرائن يعني إحراز مطابقة الخبر للواقع؛ لا إحراز المعذرية والمنجزية.

8. نتيجة لذلك، لم يكن أساس متقدمي الإمامية في قبول خبر الواحد هو التعبّد.

9. ما دفع متأخري الإمامية إلى قبول التعبّد هو عدم إمكانية إحراز مطابقة الخبر للواقع.

10. المتأخرون، باللجوء إلى التعبّد، لم يعودوا بحاجة إلى قرائن صدق الخبر.

11. مع وجود قرائن صدق الخبر، يكون التعبّد بلا معنى.

12. مع قبول التعبّد، لا معنى لمتابعة قرائن الصدق.

خلاصة الاستدلال:

13. التعبّد يبحث فقط عن المعذرية والمنجزية ولا يمكنه إحراز مطابقة الخبر للواقع.

14. مع وجود قرائن صدق الخبر، يكون التعبّد بلا معنى، ومع قبول التعبّد، لا معنى لمتابعة قرائن الصدق.

15. نتيجة لذلك، التعبّد والواقعية هما نقطتان متقابلتان.

16. يجب أن تسعى عملية تقييم اعتبار الروايات إلى كشف الواقع.

17. لا يمكن بناء منهج تقييم اعتبار الروايات على التعبّد.

2-3. التعبّد؛ أساس محورية الراوي

خلاصة الاستدلال:

1. في الحجية التعبدية لخبر الواحد، معيار الشارع هو آية النبأ.

2. مفهوم آية النبأ: يمكن قبول رواية غير الفاسق دون فحص.

3. مفهوم آية النبأ يقتضي تقوية التحليل الرجالي/محورية الراوي.

4. قُبل التعبّد في عصر المتأخرين وأدى إلى تقوية التحليل الرجالي/محورية الراوي.

5. نتيجة لذلك، الأساس الرئيسي لمحورية الراوي هو التعبّد.

أ: التعبّد، أساس محورية الراوي واستقرار التعارض نتيجته

6. المعيار الذي ينظر إليه الشارع لحجية خبر ما هو آية النبأ.

7. إمكانية وجود روايتين متعارضتين تستوفيان معيار الشارع موجودة.

8. على أساس عدم حجية خبر الواحد، تسقط مشكلات الأخبار تبعًا لإبطال أصل الحجية بالكامل.

9. على أساس الحجية العقلائية لخبر الواحد، سينتفي الوثوق والاطمئنان العقلائي بصدق الخبر بوجود معارض.

10. نتيجة لذلك، فإن استقرار التعارض ممكن فقط على أساس الحجية التعبدية لخبر الواحد.

ب: التعبّد؛ أساس محورية الراوي والاهتمام المحض بعدالة الراوي نتيجته

11. المعيار الذي ينظر إليه الشارع لحجية خبر ما هو آية النبأ.

12. بناءً على مفهوم آية النبأ، يمكن قبول خبر غير الفاسق.

13. الحجية التعبدية للخبر تجعل الرواة محط اهتمام فقط من حيث الفسق وعدمه.

14. هذا الاهتمام المحض بعدالة الراوي يحرف استخدام بيانات الدراسات الحديثية من البعد التاريخي إلى الأصولي.

15. عامل هذا الانحراف هو قبول التعبّد.

3-3. التعبّد؛ عامل الحيرة في فضاء الدراسات الحديثية

أ: الغفلة عن محورية الكتاب لدى قدماء الشيعة (عامل وضع قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة)

1. كان منهج قدماء الإمامية في تقييم اعتبار الروايات يعتمد على محورية الكتاب؛ لا محورية الراوي أو الرواية.

2. نتيجة لذلك، كانوا يتغاضون عن ضعف بعض الرواة بالنظر إلى المقاييس الببليوغرافية.

3. قبول التعبّد والاهتمام المحض بعدالة الراوي دفع متأخري الإمامية نحو محورية الراوي.

4. المتأخرون، بقبولهم الحجية التعبدية للخبر، لم يتمكنوا من التغاضي عن ضعف الراوي.

5. لذا واجهوا مجموعة كبيرة من الروايات الضعيفة التي كانت محل عمل قدماء الإمامية.

6. وضع المتأخرون قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة لرفع هذا التعارض.

7. كان يجب عليهم بدلًا من وضع هذه القاعدة، أن يستبدلوا الدراسات الرجالية بتحليلات محورها الكتاب.

8. نتيجة لذلك، عامل وضع هذه القاعدة هو الغفلة عن منهج محورية الكتاب لدى قدماء الإمامية في تقييم اعتبار الروايات.

ب: الغفلة عن ثقافة نشر الحديث لدى الشيعة (عامل طرح مباحث الأخبار مع الواسطة وكذلك تعويض وتبديل السند)

مقدمة البحث:

9. بادر الشيعة إلى تدوين الروايات في أقصر فاصل زمني عن صدورها؛ خلافًا لأهل السنة.

10. إذن، كان منهج نشر الحديث بين الشيعة مكتوبًا وبين أهل السنة شفهيًا.

11. منهج التحصيل الدراسي في النشر المكتوب هو الإجازة، ومنهج تقييم اعتباره يعتمد على محورية الكتب (محورية الكتاب).

12. منهج التحصيل الدراسي في النشر الشفهي هو السماع والقراءة، ومنهج تقييم اعتباره يعتمد على محورية الأفراد (محورية الراوي).

13. نتيجة لذلك، لا يتناسب منهج تقييم الاعتبار القائم على محورية الراوي مع حقائق تاريخ الحديث الشيعي.

14. في العصور المتأخرة، ضاعت المصنفات الشيعية القديمة ووجدوا أنفسهم في فضاء يشبه فضاء أهل السنة.

15. لذا، ظنوا أن طريق نقل الكتاب هو سند نقل شفهي.

16. هذا الظن الخاطئ أدى إلى طرح مباحث مثل عدم حجية الأخبار مع الواسطة وتصحيح وتعويض السند.

عدم حجية الأخبار مع الواسطة

17. عندما تُكتب الرواية في الطبقة الأولى؛ لا يُتصور وجود واسطة في نقلها.

18. طرح بحث عدم حجية الأخبار مع الواسطة ممكن في فضاء يوجد فيه واسطة في النقل.

19. في أسانيد الشيعة، لا يُتصور وجود واسطة في النقل.

20. طرح مثل هذا البحث في فضاء الحديث الشيعي غير ممكن.

تصحيح وتعويض السند

21. وُضعت قاعدتا تعويض وتصحيح السند للحصول على صورة صحيحة من الأسانيد الضعيفة.

22. استبدال راوٍ معتبر براوٍ ضعيف أو طريق صحيح بطريق ضعيف ممكن عندما: أولًا، يكون للرواة دور في الاعتبار/عدم الاعتبار. ثانيًا، لا يكون هناك اختلاف في متن رواياتهم.

23. في طريق النقل المكتوب، الرواة: أولًا، هم رواة أثر مكتوب لمؤلف وليس لهم دور في اعتبار/عدم اعتبار الأثر. ثانيًا، من الضروري أن ينتجوا نسخًا مختلفة.

24. نتيجة لذلك، لا توجد إمكانية لتبديل الرواة في السلسلة في طريق النقل المكتوب.

25. نتيجة لذلك، فإن تطبيق هاتين القاعدتين في طريق النقل المكتوب غير ممكن.

خلاصة الاستدلال:

26. القواعد والمباحث المذكورة أعلاه أدت إلى حيرة في فضاء الدراسات الحديثية الإمامية.

27. منشأ قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة هو محورية الراوي لدى متأخري الشيعة في عملية تقييم الاعتبار.

28. منشأ طرح بحث حجية/عدم حجية الأخبار مع الواسطة هو توهم شفهية عملية نشر الحديث بين الشيعة.

29. منشأ طرح بحث تعويض وتصحيح السند هو توهم أن سند النقل الشفهي هو طريق النقل المكتوب.

30. التصور الشفهي لعملية نشر الحديث وتوهم أن سند النقل الشفهي هو طرق نقل كتب الإمامية، روّج لمحورية الراوي.

31. إذن، تستند محورية الراوي على تصوير خاطئ لحقائق تاريخ الحديث الشيعي.

32. أساس محورية الراوي هو التعبّد.

33. إذن، محورية الراوي مسبوقة بقبول الحجية التعبدية للأخبار.

34. نتيجة لذلك، عامل الحيرة في فضاء الدراسات الحديثية هو التعبّد.

4. نقد المنتقدين على ادعاء «التبيين الفهرستي»

يواجه استدلال هذه المقاربة من جانب المنتقدين نقدين أساسيين:

1-4. عدم ارتباط بحث التعبّد بشروط قبول الخبر

في فكر المنتقدين، بحث الشيخ الطوسي في حجية خبر الواحد ومسألة التعبّد هو بحث كلامي وأصولي ولا علاقة له ببحث أسانيد الروايات والكتب، وخاصة مسألة قبول الأخبار ومنهج تقييم اعتبار الروايات (راجع: Ansari.kateban.com/post/3064). بتصريحهم، في دراسة ادعاء الشيخ الطوسي حول الحجية التعبدية لخبر الواحد، توجد في الواقع مقولتان منفصلتان؛ إحداهما أصل الرجوع إلى الأخبار والأخرى شروط صحة الخبر (نفس المصدر).

أ. مقولة أصل الرجوع إلى الأخبار

في فكر منتقدي «التبيين الفهرستي»، قبل الشيخ الطوسي، كان المحدثون يستخدمون خبر الواحد دون أن يهمهم ما إذا كان (في الأصل) حجة أم لا؛ بينما كان المتكلمون يعارضون خبر الواحد تمامًا. تُظهر الدراسات الإضافية في هذا المجال أنه وفقًا لتصريح المنتقدين، فإن تراجع مكانة خبر الواحد وفي النهاية الإيمان بعدم حجيته هو نتاج تغيير مفاهيم مثل العلم والظن عن طريق المتكلمين، والذي طُرح لأول مرة من قبل المعتزلة وشق طريقه إلى فكر الأصوليين الشيعة (راجع: ميرزائي، 1396ش، كامل البحث). يعتقد المنتقدون أن الجذر الأصلي لنقد الإمامية لأخبار الآحاد كان أنهم رأوها طريقة جدلية مهمة ضد حديث أهل السنة، الذي لم يكن من وجهة نظرهم قابلاً للاستناد إليه لكونه خبر واحد. لكن الشيخ، خلافًا للسيد المرتضى، كان قائلًا بأصل حجية الأخبار عند الطائفة (نفس المصدر).

ب. مقولة صحة الأخبار

يعتقد المنتقدون أن الشيخ، كمبتكر للتعبّد، كان ملتزمًا تمامًا في مباحث صحة الصدور بمنهج القدماء والاستناد إلى شواهد متن الروايات (منهج رجالي مبني على الاهتمام برواة المتون ووضع النسخ)؛ إذن، قبول أصل حجية الأخبار من قبله لا علاقة له بصحة المضامين وصحة الطرق وصحة العمل بها؛ لأنه على الرغم من فقدان الكثير من الشواهد وقرائن صدق الخبر في زمن الشيخ الطوسي، كان كلما استطاع الانتباه إلى الشواهد والقرائن، فعل ذلك (راجع: نفس المصدر). في فكر المنتقدين، ألزمت مدرسة الحلة أدلة قبول الخبر (عمل الطائفة) بالاستناد إلى أدلة شرعية أخرى من جملتها «آية النبأ» بمزيد من التأمل. أراد كبار هذه المدرسة إحراز قبول الخبر بمنهج فني وأكثر دقة؛ لا أنهم اضطروا بسبب اعتقادهم بالتعبّد إلى وضع المنهج الرجالي محل المنهج الببليوغرافي/الفهرستي وتنويع الخبر؛ نتيجة لذلك، لا يمكن ربط منشأ محورية الراوي ببحث التعبّد مباشرة (راجع: نفس المصدر)؛ بل كانت القضية أنه بعد انتشار الحجية التعبدية لخبر الواحد، طُرحت مباحث جديدة حول محور حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي في مدرسة الحلة، والتي كانت نقطة ارتباط هذه المباحث باتخاذ منهج جديد في الرجال، فقط في معنى الثقة، وأن المقصود بالعدالة وعدم الفسق في الراوي ما هو (راجع: نفس المصدر). بعبارة أخرى:

1. الحجية التعبدية هي بحث في أصل حجية الخبر.

2. محورية الراوي أو محورية الكتاب هي بحث في شروط صحة الخبر.

3. نتيجة لذلك، الحجية التعبدية لا ترتبط مباشرة بمحورية الراوي/محورية الكتاب، ولا يمكن القول إن محورية الراوي طُرحت بعد طرح بحث الحجية التعبدية لخبر الواحد.

4. حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي هي من مباحث أصل حجية الخبر.

5. إثر الحجية التعبدية، طُرحت مباحث حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي.

6. حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي لا علاقة لها أيضًا باتخاذ منهج جديد في الرجال.

7. هذان البحثان مرتبطان فقط بمعنى الثقة.

8. معنى الثقة يرتبط بالتحليل الرجالي.

9. نتيجة لذلك، لا توجد علاقة مباشرة بين الحجية التعبدية واتخاذ المنهج الرجالي.

لذلك، في فكر المنتقدين، لا توجد علاقة مباشرة بين بحث الحجية التعبدية وبحث منهج تقييم اعتبار الروايات، وليس الأمر أن منهج تقييم الاعتبار إما أن يتم بجمع القرائن ويكون واقعيًا، أو أن يتم تعبديًا دون الانتباه إلى القرائن.

5. تحليل وإعادة نظر في الرؤيتين

تحتاج بيانات «التبيين الفهرستي» ومنتقديه إلى تكميل من جوانب عدة، سواء من حيث العلاقة بين التعبّد والواقعية، أو من حيث مدى تأثير التعبّد على ترويج محورية الراوي، أو من حيث إحداث الحيرة في فضاء الدراسات الحديثية.

1-5. التعبّد والواقعية

الرؤيتان المذكورتان، على الرغم من تقابلهما في تقدير مكانة التعبّد، تشتركان في قدر متيقن وهو ضرورة الانتقال من التعبّد. الانتباه إلى هذه النقطة ضروري وهو أن مقولة أصل الرجوع إلى الأخبار لها تأثير غير مباشر على شروط قبول الخبر؛ قبول هذا التأثير غير المباشر هو نقطة أساسية ستؤدي الإفراط والتفريط فيها إلى نتيجة واحدة. «التبيين الفهرستي» يعتبر هاتين المقولتين شيئًا واحدًا ويتحدث عن ضرورة الانتقال من التعبّد في عملية تقييم اعتبار الروايات. ومنتقدوهم أيضًا تصوروا هاتين المقولتين منفصلتين تمامًا عن بعضهما البعض ووصلوا إلى ضرورة الانتقال من التعبّد في تحليل مسائل تقييم الاعتبار؛ لذلك، يجب تقييم مكانة التعبّد في عملية تقييم الاعتبار الصدوري للروايات بشكل واقعي ومتناسب مع خصائص الحديث الإسلامي؛ لأن قبول هذا التأثير غير المباشر، في المقام الأول، يثبت تلازم التعبّد والواقعية، وفي المقام الثاني، يثبت حجية كلام المعصوم (ع) كمصدر معرفي ديني.

1-1-5. تلازم التعبّد والواقعية

على الرغم من أن استدلال المنتقدين على انفصال مسألتي أصل الرجوع إلى الأخبار وشروط صحتها لا يخلو من إشكال؛ إلا أنه يجب الانتباه إلى أن مسألة أصل الرجوع إلى الأخبار تؤثر على شروط قبول الخبر وتوفير إمكانية التعبّد به. ذُكر سابقًا أنه على أساس الحجية العقلائية لخبر الواحد، يتم التوصل إلى صحة صدور الخبر بضميمة قرائن تحقق ما لا يقل عن تسعين بالمئة من الوثوق والاطمئنان عند العقلاء، وبهذا تسري حجية كانت في الأصل متعلقة بالقرائن والشواهد إلى الألفاظ وجوانب الخبر. في الحجية التعبدية أيضًا، الوضع مشابه إلى حد ما، على الرغم من أن قبول الخبر تكليف شرعي ولا أهمية كبيرة لكون قرائن الصدق علمية أم لا؛ لكن إمكانية الطعن في معيار الشارع متصورة؛ لأنه في حالة خدش الوثوق أو العلم العرفي الحاصل من الخبر، لا يمكن التعبّد به؛ لذلك، لا يوجد تقابل بين الواقعية (جمع الشواهد والقرائن) والتعبّد؛ بل في الحجية التعبدية أيضًا، جمع الشواهد والقرائن للحصول على العلم العرفي له موضوعية. بعبارة أخرى:

1. في الحجية التعبدية، قبول الخبر تكليف يقتضي العلم بصدقه.

2. العلم بصدق الخبر في الحجية التعبدية يتم بالمعيار الذي يضعه الشارع.

3. من الممكن على الرغم من وجود معيار الشارع، أن يكون العلم الحاصل من صدق الخبر مخدوشًا.

4. في مثل هذه الظروف، يمكن الطعن في معيار الشارع.

5. نتيجة لذلك، جمع القرائن وشواهد الصدق من لوازم الحجية التعبدية وليس في تقابل معها.

2-1-5. حجية كلام المعصوم (ع)

على الرغم من أن الواقعية من جوانب عدة تفوق التعبّد في قيمة الخبر؛ إلا أنه يجب الانتباه أيضًا إلى هذه النقطة وهي أن إصرار منظّري «التبيين الفهرستي» على نفي التعبّد من جميع مجالات الدراسات الحديثية، سينزل بكلام المعصوم (ع) إلى مستوى سائر التقارير التاريخية؛ بحيث لا يعود هناك إمكانية لإثبات حجيته الشرعية. بعبارة أخرى، بالطعن في الحجية التعبدية لخبر الواحد، لا يمكن إثبات مطابقة الروايات للواقع إلا بالاعتماد على الشواهد والقرائن؛ بينما لن تثبت حجيته الشرعية أو لزوم التعبّد بها. لذلك، فإن إزالة التعبّد من طريق تقييم اعتبار الأخبار بمعنى نفيه من جميع زوايا الدراسات الحديثية، كما هو مقصود «التبيين الفهرستي»، غير ممكن؛ بل يلزم التمسك به في أصل الرجوع إلى الأخبار. هذه نقطة لم ينتبه إليها منتقدو «التبيين الفهرستي» في نقدهم لهذه النظرية ولم يشيروا إليها.

6. النتيجة

1- خلافًا لادعاء «التبيين الفهرستي»، لا يمكن الانتقال من التعبّد في جميع مجالات الدراسات الحديثية، وخلافًا لإصرار المنتقدين، لا يمكن تجاهل تأثير التعبّد على عملية تقييم الاعتبار؛ لأن علاقة التلازم قائمة بين التعبّد والواقعية؛ مع هذا التوضيح أنه في الحجية التعبدية، ما له موضوعية هو حصول العلم العرفي الذي يتحقق بجمع الشواهد والقرائن (إحراز مطابقة الواقع).

2- «التبيين الفهرستي» بإصراره على نفي التعبّد من فضاء الحديث الإمامي، أنزل اعتبار كلام المعصوم (ع) إلى مستوى سائر التقارير التاريخية ولم يعد هناك إمكانية لإثبات حجيته الشرعية؛ بينما هذا الإشكال لا يوجه إلى منتقديه؛ لأنهم رأوا ضرورة التمسك بالتعبّد في أصل الرجوع إلى الأخبار.

3- الفرق الموضوعي للروايات مقولة مهمة في عملية تقييم اعتبارها. «التبيين الفهرستي» دون لحاظ هذه النقطة، يتحدث عن تغيير استخدام بيانات الدراسات الحديثية من الأصولي إلى التاريخي؛ بينما هذا الإجراء بشكل مطلق لا يمكن أن يكون خطوة إيجابية في سبيل الارتقاء بالدراسات الحديثية.

4- من الإشكالات الأخرى لنظرية «التبيين الفهرستي» ادعاء عدم حاجة عملية الدراسات الحديثية الشيعية إلى معرفة أحوال الرواة. هذا الادعاء، بالإضافة إلى الإشكالات التي يراها المنتقدون، يرتكز على فرضية حصانة النص المكتوب مقابل النقل الشفهي؛ بينما احتمال الوضع والدس في المصنفات المكتوبة جاد، وهذه الحصانة لا يمكن أن تكون أساسًا لبناء فرضية حول نفي التعبّد ومحورية الراوي عن عملية تقييم اعتبار الروايات الشيعية.

الهوامش

1. هذا المقال لا يركز على الأفراد البارزين والمؤيدين لمقاربة «محورية الكتاب» أو «التبيين الفهرستي»؛ بل على أسسها وبناها التحتية. بغض النظر عن سيد أحمد مددي، فإن سائر منظري هذه المقاربة ليس لهم مدخل في المباحث البنيوية والأصولية، والتزامهم بالأساليب والنتائج يدل على قبولهم للأسس.

2. المباحث المطروحة في القسم المتعلق بنظرة منتقدي «التبيين الفهرستي» مأخوذة من بيانات حسن أنصاري تم الإبلاغ عنها مع تصرف كامل في التعابير وترتيب الموضوعات والجمل، وقد تم هذا الدخل والتصرف بهدف الاختصار وتسهيل الفهم مع الاهتمام بنقل المعاني الصحيحة. توضيح هذه النقطة ضروري وهو أن نقد نظرية «التبيين الفهرستي» لا يقتصر على نقد المنتقدين ويشمل حالات أخرى أيضًا. هذا المقال يعتبر فقط الحالات المضافة إنجازًا ويعددها في قسم النتائج.

3. «التبيين الفهرستي» يولي اهتمامًا بقرائن وشواهد معرفة الكتب أكثر من أي شيء آخر لدى قدماء الشيعة.

4. المرجحات سبب أقربية أحد الخبرين إلى الصدور أو إلى الواقع. من بينها، صُرح بالمرجحات المنصوصة خلافًا للمرجحات غير المنصوصة في الأخبار والروايات (مجموعة من المحققين، 1389ش، 1: 721).

5. في الأخبار مع الواسطة التي تُنقل بأكثر من واسطة عن المعصوم، لا يمكن اعتبار مضمون خبر الراوي الثاني فصاعدًا كلام المعصوم. في المقابل، الأخبار بلا واسطة هي أخبار تُنقل بواسطة واحدة عن المعصوم، ويعتبر مضمونها كلام المعصوم. في الكتب الأصولية تحت بحث حجية خبر الواحد، بُحثت أيضًا حجية الأخبار مع الواسطة مقارنة بالأخبار بلا واسطة (الأنصاري، 1419هـ، 1: 265-266).

6. بناءً على قاعدة تصحيح السند في حالة وجود فرد أو أفراد ضعفاء في سلسلة سند، يمكن استبدالهم برواة معتبرين؛ الرواة المعتبرون الذين يروي عنهم الراوي المتأخر إلى جانب الرواة الضعفاء. قاعدة تبديل/تعويض السند هي أيضًا كالتالي: في حالة أن المحدث ينقل رواية عن شخص بطريق ضعيف؛ لكن في بعض كتبه، لديه طريق صحيح إلى جميع روايات وكتب ذلك الشخص؛ يمكن الحكم بصحة سند تلك الرواية الضعيفة أيضًا؛ لأن تلك الرواية الضعيفة تقع ضمن جملة روايات وكتب ذلك الراوي (انظر: عمادي حائري، 1394ش، 49-50).

المصادر

الأنصاري، حسن، دون تاريخ، Ansari.kateban.com.

الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1419هـ.

الإيرواني، باقر، ترجمة وشرح دروس في علم الأصول، ترجمة: حامد دلاوري، قم، نصايح، الطبعة الثالثة، 1393ش.

مجموعة من محققي مركز معلومات المصادر الإسلامية، معجم أصول الفقه، مقالة حجية الظن، قم، معهد العلوم والثقافة الإسلامية، 1389ش.

حب الله، حيدر، نظرية السنة في فكر الإمامي الشيعي: التكوّن والصيرورة، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2006م.

رحمان ستايش، محمد كاظم ومهدي غلامعلي، «نقد فكرة إعراض محدثي الشيعة عن الأسانيد»، تحقيقات علوم قرآن وحديث، 12(27)، 1394، 131-153. doi: 10.22051/tqh.2015.2058.

سزكين، فؤاد، تاريخ المصنفات العربية، تحرير: أحمد رضا رحيمي ريسه، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1380ش.

شولر، غريغور، الشفهي والمكتوب في القرون الأولى للإسلام، ترجمة: نصرت نيل ساز، طهران، حكمت، 1393ش.

الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تحقيق: السيد حسن موسوي الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1390ش.

________، العدة في أصول الفقه، تحقيق: محمد رضا أنصاري قمي، قم، مطبعة ستارة، 1417هـ.

عمادي حائري، سيد محمد، بازسازي متون كهن حديث شيعه (إعادة بناء المتون القديمة للحديث الشيعي)، قم، دار الحديث، 1394ش.

فولادزاده، وحيد؛ رحمان ستايش، محمد كاظم؛ غلامعلي، مهدي، رسالة دراسة نقدية للتبيين الفهرستي في تقييم اعتبار الأحاديث، رسالة سطح رابع بالحوزة، جامعة قم، 1398ش.

مددي موسوي، سيد أحمد، بيانات درس خارج أصول، نشر إلكتروني، 1385-1398، www.ostad-madadi.ir.

________، بيانات درس خارج فقه، نشر إلكتروني، 1385-1398، www.ostadmadadi.ir.

________، ما هي الحجية التعبدية للخبر، موقع دروس وآثار حضرة آية الله الأستاذ سيد أحمد مددي، dorous.ir/Persian/article/12.

________، نظرة إلى البحر، قم، مؤسسة دراسات الشيعة الببليوغرافية، 1393ش.

المرتضى، موسوي البغدادي، الذريعة إلى أصول الشريعة، تصحيح وتعليق: أبو القاسم گرجي، طهران، جامعة طهران، 1984م.

مطهري، مرتضى، آشنایی با علوم اسلامی (مدخل إلى العلوم الإسلامية)، طهران، صدرا، الطبعة الخامسة عشرة، 1374ش.

المفيد، محمد بن محمد، التذكرة بأصول الفقه، بيروت، دار المفيد، الطبعة الثانية، 1993م.

منتظري نجف آبادي، حسين علي، نهاية الأصول: تقريرات الأبحاث لآية الله البروجردي، طهران، تفكر، 1415هـ.

ميرزائي، أحمد، بررسي روايات به روش فهرستي (دراسة الروايات بالطريقة الفهرستية)، قم، مؤسسة الدراسات الاستراتيجية للعلوم والمعارف الإسلامية، 1370ش.

ميرزائي، محمد وأحمد إبراهيمي زاده، «مكانة مفاهيم العلم والظن في تقييم اعتبار خبر الواحد»، دراسات فهم الحديث، 3(6)، 1396، 103-121. doi: 10.30479/mfh.2017.1163.

Scroll to Top