الملخص
من المسائل المطروحة بعد حرب الجمل، خطبة أمير المؤمنين (ع) في وصف أهل البصرة وتوبيخهم والتوصية بتركهم بعبارة «الشَّاخِصُ عَنْكُمْ» الواردة في الخطبة الثالثة عشرة من نهج البلاغة. وقد قدّم مترجمو نهج البلاغة معانيَ مختلفة لهذه العبارة أمام الباحثين، منها: الإهمال، والرحيل، والاعتزال، والخروج، والترك، ومغادرة المدينة. ولكن، بما أن للترك في المضامين الدينية صورًا شتى، كالهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان على غرار الهجرة من مكة إلى المدينة، والتخلي عن الصفات القومية المذمومة، وانفصال أهل الحق عن أهل الباطل في المجتمع، وترك مجالسة الفسّاق؛ تثبت هذه المقالة، بالاستناد إلى الأدلة اللغوية والتاريخية والسياقية، أن المقصود بالترك هو الخروج من مدينة البصرة، وهو ما كان المخاطبون ملزمين به من قبل الإمام حفاظًا على دينهم. بيد أنه ينبغي الالتفات إلى أن هذا البيان ليس في معرض ذم أهل البصرة، بل هو لبيان حلٍّ لهم للخروج من وضعهم غير المرغوب فيه. وعليه، فلا ينافي ذلك وجود أناس صالحين فيهم فيما بعد.
1. طرح المسألة
إن فهم آيات القرآن الكريم وروايات المعصومين (ع) أمرٌ أكّد عليه رسول الله (ص) وخلفاؤه بشدة، وقد أثنوا على من توصل إلى فهم صحيح لكلامهم، كما ورد في الرواية أن النبي الأكرم (ص) بعد أن علّم سورة «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ» لأحد أصحابه، وصف ذلك الشخص بالفقيه (مكارم الشيرازي، 1371ش، 27: 231-232). ونُقل عن الإمام الباقر (ع) أن كمال الكمال في ثلاثة أشياء: الفقه في الدين، والصبر على المصائب، والتقدير في المعيشة (الكليني، 1407ق، 1: 33).
ومن الموارد التي يستلزم فهمها، كلام أمير المؤمنين (ع) في الخطبة الثالثة عشرة من «نهج البلاغة»، حيث يدعو مخاطبيه إلى ترك البصرة. وقد نقل هذا الكلام الشيخ المفيد في «الجمل» عن الحارث بن سريع (مفيد، الجمل والنصرة، 407)، والطبرسي في «الاحتجاج» عن ابن عباس (الطبرسي، 1403ق، 1: 171)، وعلي بن إبراهيم في «تفسير القمي» (قمي، 1404ق، 2: 339) بزيادة ونقصان عن أمير المؤمنين (ع).
أما نص نهج البلاغة فهو كالتالي: «كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلَاقُكُمْ دِقَاقٌ وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ وَدِينُكُمْ نِفَاقٌ وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ. وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ. كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِهَا وَغَرِقَ مَنْ فِي ضِمْنِهَا» (الخطبة 13)؛ يا أهل البصرة، كنتم جند تلك المرأة وأتباع ذلك الحيوان (المراد هو الجمل الذي كانت عليه عائشة في حرب الجمل)، أجبتم دعوته حين صاح، وهربتم حين عُقر. أخلاقكم دقيقة، وعهودكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق. من أقام بينكم فهو رهينة بذنبه، ومن شدّ رحاله عنكم فقد أدركته رحمة من ربه. كأني أرى مسجدكم كصدر سفينة غارقة، قد أرسل الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، فغرق كل من كان على متنها (معاديخواه، 1374ش، 31).
تتكون هذه الخطبة من أربعة أقسام:
1- بداية الخطبة في توبيخ أهل البصرة لاتباعهم امرأة مثل عائشة وبعيرها، ففي حرب الجمل، كان هودج عائشة مدرعًا وموضوعًا على جمل في وسط الجيش، وكانوا يحافظون على علمهم، يلتفون حوله، وكانت عائشة تحثهم على القتال، وهم يدورون حولها كالفراشات، يرتجزون ويُقتلون، وكان كبراؤهم يمسكون بزمام الجمل بفخر، وكلما سقط أحدهم على الأرض، حل آخر محله (الأصفهاني، 1379ش، 1: 64).
2- في القسم الثاني، يشير أمير المؤمنين (ع) إلى نفاق أهل البصرة وريائهم وأخلاقهم الهشة.
3- في القسم الثالث، يقول كلامًا لم يعد مجرد خبر، بل هو دعوة وتوصية للناس بترك البصرة، فكل من يبقى بينكم فهو رهينة بذنبه، ومن يترككم يدرك رحمة الله.
4- القسم الرابع أيضًا وصفي، يصف العذاب الذي سيحل بأهل البصرة، حيث تغرق مدينتهم ولا يبقى منها سوى مسجدهم.
من بين الأقسام الأربعة المذكورة، تحمل الأقسام الأول والثاني والرابع طابعًا وصفيًا، أما القسم الثالث فليس مجرد وصف، بل هو توصية وأمر بالخروج من بين أهل البصرة. وقد فسّر مترجمو نهج البلاغة «الترك» بمعانٍ مختلفة مثل: الإهمال، والرحيل، والاعتزال، والخروج، والترك، ومغادرة المدينة.
حتى الآن، لم تظهر دراسة مستقلة حول الخطبة الثالثة عشرة من نهج البلاغة وأوصاف أهل البصرة ومعنى «وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ»، وما كُتب في الغالب هو شروح حولها، مثل شرح ابن ميثم، وشرح الخوئي، وشرح ابن أبي الحديد. وهذه الشروح أيضًا لم تشر إلى أنواع الترك في الثقافة الإسلامية ولم تقدم معادلًا مناسبًا للعبارة المذكورة، واكتفت بالإشارة إلى أن العبارة تتعلق بترك مجالسة الفاسقين والآثمين (البحراني، 1362ش، 1: 292؛ الخوئي، 1358ش، 3: 193؛ ابن أبي الحديد، 1337ش، 1: 252).
أبرز عمل في هذا المجال هو مقال بعنوان «دراسة خطبة ذم أهل البصرة للإمام علي (ع) مع الأخذ في الاعتبار السياق النصي والموقفي» (1394ش)، والذي يفتقر إلى الجانب الفقهي الحديثي ويسعى لإثبات انسجام نص الخطبة مع سياقها الموقفي وبيان جمالياتها الأدبية. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر المقال ترك البصرة من جنس الهجرة التي أمر بها القرآن الكريم مسلمي مكة بالهجرة إلى المدينة (حسيني أجداد نياكي وزملاؤه، 1394ش، 38). أما المقال الحالي، فإنه مع إنكار هذا المعنى، يسعى إلى اختيار المعنى الصحيح لـ«شخوص» وتحليله، وللوصول إلى هذا الهدف، فإن معرفة ثلاثة أمور ضرورية: 1- أنواع الترك في الثقافة الإسلامية. 2- فهم معاني: الشخوص، والهجرة، وترك مجالسة الفاسقين في النصوص الإسلامية. 3- دراسة الأدلة اللغوية والتاريخية والسياقية في معرفة معنى «شخوص».
2. أنواع الترك في الثقافة الإسلامية
هناك أربعة أنواع أساسية للترك في الثقافة الإسلامية، وهي:
1- الهجرة من «دار الكفر» إلى «دار الإيمان»؛ مثل الهجرة من مكة إلى المدينة، التي من لوازمها عدم التوارث بين المهاجرين والمسلمين الذين لم يهاجروا من مكة إلى المدينة (الطبرسي، 1372ش، 4: 862).
2- اعتزال أهل الحق عن أهل الباطل في الساحة الاجتماعية؛ مثل اعتزال الآمرين بالمعروف عن مرتكبي المنكرات، والذي من لوازمه إتمام الحجة على المخالفين وأداء التكليف من قبل المؤمنين (الأعراف: 164).
3- ترك الصفات والعادات الأخلاقية السيئة لمجموعة معينة؛ مثل براءة الأنبياء الإلهيين من أعمال أقوامهم السيئة، والذي من لوازمه الاستياء من أفعالهم؛ كما قال لوط (ع): «قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ» (الشعراء: 168).
4- ترك مجالسة الفاسقين والآثمين، والذي من لوازمه ترك مجالسهم ومحافلهم في حال احتمال التأثر بهم؛ كما يقول القرآن الكريم: «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (الأنعام: 68).
1-2. رأي المترجمين في معنى «وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ»
اختار مترجمو نهج البلاغة معاني مختلفة لعبارة «وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ»، وهي:
– الرحيل: «ومن يرحل من بينكم، فقد نال رحمة ربه» (آيتي، 1378ش، 59)، «ومن يرحل عن دياركم، فقد نال رحمة ربه ومغفرته» (بهشتي، د.ت، 17)، «طوبى لمن يرحل عن دياركم ويلتحق بالصالحين» (فارسي، 1376ش، 21)، «كل من يرحل من بينكم إلى ديار أخرى، فقد أعد لنفسه مغفرة ربه» (مبشري، 1366ش، 1: 95).
– الإهمال: «ومن يوفق إلى إهمالكم، ينال رحمة ربه» (معاديخواه، 1374ش، 31).
– الاعتزال: «من يعتزلكم يشمله غفران ربه» (أحمدزاده، 1378ش، 17)، «من يعتزلكم يشمله غفران ربه» (دشتي، 1379ش، 57)، «إذا اعتزلكم، يدرك رحمة الحق» (آشتياني وإمامي، د.ت، 1: 79).
– الخروج من بينكم: «من خرج من بينكم شملته رحمة الله» (أنصاريان، 1379ش، 70)، «من خرج من بينكم أدرك رحمة ربه» (أصفهاني، 1379ش، 1: 65).
– الترك: «من يترككم، يشمله غفران ربه» (شهيدي، 1378ش، 16).
– الخروج من المدينة: «كل من يخرج من مدينتكم يكون في ظل رحمة الله» (أوليائي، 1376ش، 429)، «كل من يخرج من مدينتكم يصل إلى رحمة ربه» (أنصاري، د.ت، 69)، «من يخطو خطوة خارج مدينتكم يصل إلى رحمة الله الطاهرة» (مقيمي، 1377ش، 84)، «كل من يبقى في هذه المدينة يتلوث بالذنب، ومن يخرج منها يبتعد عن الذنب» (زماني، 1379ش، 47).
3. دراسة معاني «الشخوص» و«الهجرة» و«ترك مجالسة الفاسقين» في النصوص الإسلامية
لفهم المعنى الصحيح لـ«وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ»، من الضروري الإلمام بمعاني العبارات التالية.
1-3. معنى «الشخوص»
يُطلق «الشخص» على جماعة من الناس يُرون من بعيد (الفراهيدي، 1412ق، 4: 165)، وفي رأي ابن منظور، يشمل غير الإنسان أيضًا (1414ق، 7: 45). لكن الأصل اللغوي لهذا المعنى يدل على العلو: «الشين والخاء والصاد أصل واحد يدل على ارتفاع في شيء، من ذلك الشخص» (ابن فارس، 1404ق، 1: 457). ذكر اللغويون معاني مختلفة لـ«شَخَصَ» ومشتقاتها: «شخيص» بمعنى الشخص العظيم، و«رجل شخيص» بمعنى الشخص الذي هو سيد قومه (ابن منظور، 1414ق، 7: 45). وكذلك بمعنى الارتفاع (الجوهري، 1410ق، 3: 1043) والخروج من المدينة (ابن منظور، 1414ق، 7: 46)، وفتح العين (الزبيدي، 1414ق، 9: 295)، وأيضًا بمعنى تفضيل شخص على آخر (الفراهيدي، 1412ق، 4: 165). في الخطبة 187 من نهج البلاغة أيضًا، استُخدم «شخوص» بمعنى الخروج من المدينة والديار: «أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ وَمَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ»؛ أي يا عباد الله، أوصيكم بتقوى الله وأحذركم من الدنيا، فإنها دار ارتحال ومحل تنغيص (معاديخواه، 1374ش، 226).
2-3. معنى «الهجرة»
«الهجر» في اللغة ضد «الوصل»: «هَجَرَهُ يَهْجُرُهُ هَجْرًا» بمعنى قطع العلاقة مع الشخص، و«الْهِجْرَةُ وَالْهُجْرَةُ» تُطلق على الخروج من أرض إلى أرض أخرى. سُمي المهاجرون بهذا الاسم لأنهم تركوا أرضهم وبيوتهم التي نشأوا فيها في سبيل الله، وذهبوا إلى ديار لم يكن لهم فيها أهل ولا مال (ابن منظور، 1414ق، 5: 250-251). إذًا، في الهجرة، يكمن نوع من ترك المكان والشخص وقطع العلاقة به، لذا يقول الجوهري: «التَّهَاجُرُ: التَّقَاطُعُ» (1410ق، 2: 851). في الشريعة أيضًا، الهجرة خاصة بالذهاب من مكة إلى المدينة، قبل فتح مكة. لهذا السبب، هذا الاسم، مثل الصوم والحج، من الأسماء الخاصة (الرازي، 1408ق، 12: 41).
وردت الهجرة بجميع مشتقاتها في القرآن أربع وعشرين مرة، مثل: «هَاجَرُوا، الْمُهَاجِرِينَ، يُهَاجِرُوا، مُهَاجِرًا»، وللآيات والروايات استخدامان: أحدهما الهجرة الاصطلاحية التي يُراد بها الانتقال والحركة من مكان إلى آخر، مثل الهجرة من مكة إلى المدينة؛ ليتمكن الإنسان من إنقاذ دينه والحفاظ على عقائده، ويكون لديه إمكانية أداء الواجبات والتكاليف الإلهية بحرية. والآخر هو الهجرة من الذنب إلى الطاعة، حيث يعقد الإنسان العزم على عدم الاقتراب من الذنب وعدم التمرد على أوامر الله (السبحاني، 1425ق، 2: 141-143).
بخصوص المعنى الأول، قال البعض: الهجرة في هذا الزمان لا تقع، لأن الهجرة هي الانتقال من أرض الكفر إلى أرض الإيمان من باب ترك الوطن، ومع اتساع بلاد الإسلام، لا تقع في هذا الزمان. لكن علماء الشيعة، ما زالوا يعتبرون حكم الهجرة باقيًا، لذا يقول الشيخ الطوسي: «والأقوى أن يكون حكم الهجرة باقيًا، لأن من أسلم في دار الحرب ثم هاجر إلى دار الإسلام كان مهاجرًا» (الطوسي، 1389ق، 5: 64). أما المعنى الثاني للهجرة، فتدل عليه آيات القرآن وأحاديث المعصومين (ع)، مثل آية: «فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ» (آل عمران: 195). فهذه الآية تعد بالمغفرة لمن يهاجرون في سبيل الله ويُخرجون من ديارهم، فإذا أخذنا الإخراج من الديار بنفس معنى الهجرة، لزم تكرار الكلام. لذا يمكن القول إنه في هذه الآية، إشارة إلى معنى أوسع للهجرة يشمل ترك الذنب أيضًا؛ بقرينة مقابلته مع تتمة الجملة التي تقول: «وَالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» (السبحاني، 1425ق، 2: 144).
وردت الهجرة بهذا المعنى في الروايات أيضًا: «سأل رجل من المسلمين رسول الله (ص): أي الهجرة أفضل؟ فقال النبي: هجرة تهجر فيها ما يكره ربك» (الطبراني، د.ت، 1: 253)، والمراد بالهجرة في هذه الرواية؛ طهارة الروح والنفس وتصفيتها من كل الرجس والدنس (السبحاني، 1425ق، 2: 144).
إذًا، تُستخدم الهجرة في الآيات والأحاديث بمعنيين؛ كما أن الجهاد، تارة يكون بمعنى مواجهة العدو الخارجي، وتارة بمعنى جهاد النفس. رُوي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «أَنَّ النَّبِيَّ (ص) بَعَثَ بِسَرِيَّةٍ فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ: مَرْحَبًا بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَبَقِيَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: جِهَادُ النَّفْسِ» (الكليني، 1407ق، 5: 12).
3-3. معنى «ترك مجالسة الفاسقين والآثمين»
من المصطلحات الأخرى المستخدمة في الآيات والروايات؛ ترك مجالسة الآثمين ومصاحبتهم. أورد العلامة المجلسي في بحار الأنوار ضمن «أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بابًا بعنوان «باب النهي عن الجلوس مع أهل المعاصي ومن يقول بغير الحق» ويذكر عدة أحاديث منها: «عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ… إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا عَلَى اللَّهُ بِهَذَا إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَجْحَدُ الْحَقَّ، وَيُكَذِّبُ بِهِ، وَيَقَعُ فِي الْأَئِمَّةِ، فَقُمْ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا تُقَاعِدْهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ». يقول شعيب العقرقوفي: سألت الإمام الصادق (ع) عن مقصود الله من آية «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ» (النساء: 140)؟ فقال الإمام: المقصود هو أنه إذا كنت عند شخص ينكر الحق ويكذب به ويسيء إلى الأئمة، فلا تجلس وقم؛ أيًا كان (المجلسي، 1410ق، 97: 96).
هذه الرواية من ضمن الروايات التي لا تجيز مجالسة من ينكر الحق ويسيء إلى الأئمة. يقول الملا صالح المازندراني في شرحها: «إذا رأيت شخصًا يكذب بالحق ويسخر من الأئمة، فقم من عنده ولا تجلس معه ولا تجالسه حتى يدخل في حديث آخر، ففي هذه الحالة، تجوز مجالسته لإرشاده أو لأمور لا إشكال في مجالسته فيها» (1382ش، 8: 104).
4-3. مدى تناسب كل من معاني «الشخوص» مع كل من الاحتمالات المطروحة
من بين المعاني المطروحة حول «الشخوص»، كل معنى يتبادر إلى الذهن بمعنى معين:
– الرحيل؛ يتبادر إلى الذهن الهجرة من ديار المرء إلى ديار الآخرين.
– الإهمال؛ يتبادر إلى الذهن معنى التخلي، وهو تخلي الإنسان الذي لم يعد يهتم بسعادة أو شقاء الشخص المتروك ولا يسعى لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
– الاعتزال؛ يتبادر إلى الذهن معنى الابتعاد وفصل طريقه ومنهجه عن الآخر، وهذا الابتعاد لا يدل فقط على ترك المدينة؛ بل يدل أيضًا على الترك في الساحة الاجتماعية.
– الخروج؛ مقدار مجمل يشمل الخروج من جماعتهم والخروج من مدينتهم.
– الترك؛ يتوافق أيضًا مع ترك أخلاقهم، وتركهم في الساحة الاجتماعية، وترك مدينتهم.
– الخروج من المدينة؛ وهو ما يعني ترك مدينتهم وديارهم، وهذا المقال من خلال دراسة الأوصاف الواردة في الخطبة الثالثة عشرة من «نهج البلاغة» والأدلة اللغوية والتاريخية، يوضح أن مقصود أمير المؤمنين (ع) من التشجيع على ترك البصرة، هو ترك مجالسة الفساق والآثمين الذي يستلزم الخروج من البصرة. لذا، فإن أفضل معنى لـ«وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ» هو الخروج من مدينة البصرة.
4. دراسة تفصيلية للأدلة الدالة على أن معنى ترك البصرة هو من باب ترك مجالسة الفاسقين
الدليل على أن المقصود بترك البصرة، هو ترك هذه المدينة من باب ترك مجالسة الفاسقين، يمكن ذكره في ثلاثة أنواع: لغوي، وتاريخي، وسياقي، وهي: التبادر، والبيئة الإسلامية لمدينة البصرة، والأوصاف قبل وبعد الأمر بالخروج من البصرة.
1-4. الدليل اللغوي (التبادر)
ذكر الأصوليون طرقًا لتمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي، أولها التبادر. التبادر يعني أن معنى يتبادر إلى الذهن عند استخدام اللفظ بدون قرينة أسرع من المعاني الأخرى، مثلما يتبادر إلى الذهن عند استخدام لفظ «أسد» معنى الحيوان المفترس في الغابة أسرع من الإنسان الشجاع (المظفر، 1370ش، 21). هنا أيضًا، يتبادر معنى الخروج من مدينة إلى أخرى إلى ذهن الإنسان أسرع من الهجرة أو الترك أو الإهمال. كما يقول ابن منظور: «شَخَصَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ شُخُوصًا أَيْ ذَهَبَ. وَقَوْلُهُمْ: نَحْنُ عَلَى سَفَرٍ قَدْ أَشْخَصَنَا أَيْ حَانَ شُخُوصُنَا» (1414ق، 7: 46)، حيث فسر «شخوص» بالذهاب من المدينة. لذا، فإن «وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ» يدل أيضًا على ترك مدينة البصرة، وليس الهجرة منها أو ترك أهلها الفاسقين.
2-4. الدليل التاريخي (البيئة الإسلامية لمدينة البصرة)
كانت البصرة، إلى جانب مكة والمدينة والكوفة والشام، من المدن الهامة في العالم الإسلامي، لدرجة أن أمير المؤمنين (ع) كان يعين لها واليًا، وكان يسكنها رجال صالحون. لذا، فإن تركها ليس من باب الهجرة، مثل ترك مكة والهجرة إلى المدينة، لأن مكة كانت دار المشركين والمدينة دار المؤمنين. كما أن «الإهمال» لا يمكن أن يكون هو المقصود، لأن سيرة أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسين (ع) لا تدل على أنهما تركا أهل البصرة لحالهم. و«الترك» أيضًا غير صحيح؛ لأن أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسين (ع) لم يتركا أهل البصرة، بل كانا يدعوانهم إلى الحق باستمرار. و«الخروج» و«الاعتزال» أيضًا من بين المعاني المذكورة، مقدار مجمل. الأدلة التاريخية لما قيل هي:
1- أمير المؤمنين (ع) في رسالته إلى ابن عباس، الذي كان واليه على البصرة، يذكر بخيرٍ بني تميم الذين كانوا يسكنون هناك: «وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِمًا مَاسَّةً وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا» (الرسالة 18)؛ أي: وصلني تقرير يدل على غلظتك وخشونتك مع بني تميم، وهم القوم الذين لم يغب نجم من سماء تاريخهم إلا وطلع آخر، ولم يسبقهم أحد بكراهية وغلظة، لا في الجاهلية ولا في الإسلام. دعك من هذا، فإن لهم بنا قرابة خاصة وصلة لا تنفصم، نؤجر على وصلها ونأثم على قطعها (معاديخواه، 1374ش، 308).
2- في أحداث كربلاء، كتب الإمام الحسين (ع) رسائل إلى كبار أهل البصرة مثل مالك بن مسمع، وأحنف بن قيس، ومنذر بن جارود، وقال: «أما بعد، فإني قد بعثت إليكم رسولي بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت» (الطبري، 1967م، 5: 357).
3- كانت البصرة من مدن العالم الإسلامي التي كان حفظ حدودها واجبًا، لذا لا يمكن تفسير الأمر بالهجرة منها، لأنه في هذه الحالة سيتم ترك حفظ حدود الإسلام. كما أن أمير المؤمنين (ع) نفسه في الرسالة 71 من نهج البلاغة، يوبخ المنذر بن جارود على عدم كفاءته في حفظ ثغور الإسلام. إذًا، من أجواء البصرة، يُفهم جيدًا أن هذه المدينة كانت ذات طابع إسلامي ولم يكن هناك ضرورة للهجرة منها. كلام حضرة علي (ع) أيضًا، الذي يخبر بوقوع عذاب إلهي على البصريين، يؤيد هذا المعنى. لأن وقوع العذاب على البصريين ليس دليلًا على وجوب هجرة مثل الهجرة من مكة إلى المدينة عليهم. قيل إن البصرة غرقت مرتين: مرة في زمن القادر بالله، ومرة أخرى في زمن القائم بأمر الله، حيث غرقت كلها، ما عدا مسجدها الجامع الذي ظهر جزء منه كصدر الحمامة (ابن أبي الحديد، 1337ش، 1: 253).
3-4. الدليل السياقي (الأوصاف الواردة في الخطبة الثالثة عشرة من نهج البلاغة لأهل البصرة)
الدليل السياقي هو الأوصاف التي ذكرها الإمام (ع) قبل وبعد التوصية بالخروج من البصرة.
1-3-4. الأوصاف قبل الأمر بالخروج من البصرة
يذكر أمير المؤمنين (ع) في هذه الخطبة، قبل التشجيع على الخروج من البصرة، عدة صفات لهم، وهي: 1- جند المرأة وأتباع البهيمة، 2- دناءة الأخلاق والنفاق والمخالفة، 3- ملوحة ماء مدينتهم.
1-1-3-4. جند المرأة وأتباع البهيمة
جند المرأة وأتباع البهيمة، هو أول وصف لهؤلاء من أهل البصرة، والمقصود بالمرأة هو عائشة، لأنها كانت سبب حرب أهل البصرة مع الإمام علي (ع)، والمقصود بـ«البهيمة» هو جمل عائشة الذي كانوا يحيطون به ويستجيبون لصوته (البحراني، 1366ش، 106).
يقول في وصف هذا الجمل: «رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ»، حيث «رُغاء» هو صوت الجمل، ويُقال كثيرًا في الكلام: «رَغَا يَرْغُو رُغَاءً» (الجزري، د.ت، 2: 240)، وهو كناية عن دعوتهم إلى الحرب بصوت الجمل، أو كناية عن أن هذا الجمل كان سبب اجتماعهم في الحرب.
«عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ»؛ يحكي أيضًا أن أهل البصرة هربوا من الحرب بقطع أرجل الجمل، ولم يعد لديهم ثبات في الحرب. لأن هذا الجمل كان قوام الحرب وبقائها، وقتله كان سبب انتهاء الحرب ونهايتها (القزويني، 1337ش، 1: 233).
الصفات المذكورة، تحكي عن فسق أهل البصرة، لأنه عندما يبدأ أهل مدينة حربًا في مجتمع المسلمين باتباع امرأة وحيوان، ويستمرون في الحرب ما دام ذلك الحيوان قائمًا، فهم فاسقون ولا يستحقون مجالسة الإنسان، لذا من المناسب أن يشجع أمير المؤمنين (ع) الناس على ترك البصرة.
2-1-3-4. اختلاف ظاهر البصريين وباطنهم
الوصف الثاني لأهل البصرة، هو دناءة أخلاقهم وضعف عهدهم. «دقاق»؛ جمع دقيق بمعنى صغير، حيث يقول ابن منظور: «دِقُّ الشَّجَرِ: صِغَارُهُ» (1414ق، 10: 101). صغر أجزاء أخلاق البصريين يعني دناءة وحقارة أخلاقهم (الهاشمي الخوئي، 1358ش، 3: 191) التي تصاحبها ضعف الأخلاق.
«عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ»؛ يعني أيضًا عدم استقرار عهدهم وميثاقهم، مما يدل على اختلاف ظاهرهم وباطنهم، لأنهم عاهدوا الإمام (ع) عن طريق عثمان بن حنيف، لكنهم بعد ذلك خالفوا وتحول عهدهم إلى مخالفة ومواجهة مع الإمام (الحسيني الشيرازي، د.ت، 1: 94).
«دِينُكُمْ نِفَاقٌ»؛ يحكي أيضًا عن روحهم النفاقية، ولكن ليس بمعنى النفاق الاصطلاحي الذي يُطلق على الكافر الذي يظهر الإسلام في الظاهر؛ بل بمعنى الرياء في السلوك، حيث يظهرون وجهًا من جانب، ووجهًا آخر من جانب آخر، فظاهرهم دعم الإسلام والدفاع عن زوجة النبي (ص)، لكن باطنهم قيام ضد الحكومة الإسلامية (مكارم الشيرازي، 1386ش، 1: 509).
إذًا، المقصود بالنفاق، هو النفاق في السلوك الذي ابتلي به جزء من أهل البصرة. لذا، يشير النفاق هنا إلى معنى لا يليق بالمسلم، والإسلام ينفي تلك الأخلاق، كما أن الإمام الصادق (ع) يعد بعض الصفات من خصائص المنافقين: «أَرْبَعٌ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ: قَسَاوَةُ الْقَلْبِ، وَجُمُودُ الْعَيْنِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا» (المفيد، الاختصاص، 228).
هذا المعنى من النفاق لا ينافي إسلام أهل البصرة، لأن الإنسان يتأثر بالبيئة التي ولد فيها ويتغير خلقه (مغنية، 1358ش، 1: 125).
هذه المجموعة من الأوصاف هي أيضًا قرينة على أن المقصود بـ«الشخوص»، هو ترك البصرة من باب ترك مجالسة الفاسقين، لأن أهل البصرة بسبب روحهم النفاقية، لم يكونوا أناسا صالحين للمجالسة، لدرجة أنه كان من المحتمل أنه إذا بقي شخص في مدينتهم لفترة، فإنه سيتأثر بأخلاقهم ويصبح مثلهم بمرور الوقت.
3-1-3-4. ملوحة ماء مدينة البصرة
في الوصف الثالث، يصف أمير المؤمنين (ع) ماء مدينة البصرة بالملوحة. «زعق» في اللغة يدل على زيادة في المرارة أو الملوحة، «طعام مزعوق»؛ أي طعام ملحه كثير، و«الماء الزعاق»؛ أي الماء المالح (ابن فارس، 1404ق، 3: 8). الملوحة تسبب سوء المزاج وبلادة في الفهم، وهذا الأمر كان بسبب قرب ماء أهل البصرة من البحر، ورغم أنه لم يكن من أفعالهم الاختيارية، يمكن ذم المدينة بسببه، وبالتالي يمكن ذم أهلها لاختيارهم مثل هذا المكان للسكن (الهاشمي الخوئي، 1358ش، 3: 192).
إذًا، ملوحة ماء البصرة وحدها لا يمكن أن تكون دليلًا على ذمهم، لأن ملوحة وعذوبة ماء البحر أو النهر أمر طبيعي لا يتعلق بالإنسان. لكن من حيث أنهم من حيث الفكر والرأي، لم يكونوا ذوي رأي صائب ليتمكنوا من اختيار مدينة مناسبة لسكنهم، أو من حيث أنهم بسبب المجاورة في مثل هذه المدينة، أصيبوا بانحرافات أخلاقية، كانوا يستحقون الذم، لأنه من المعلوم أن مثل هذا الماء، بالإضافة إلى مرارته وملوحته، بسبب مجاورة ساحل البحر، له تلوثات كثيرة، وهو ضار بالصحة الجسدية، ومع الأخذ في الاعتبار علاقة الروح بالجسد، فإنه يؤثر أيضًا على روح وفكر الإنسان. إذًا، ذم مائهم هو في الواقع نوع من ذم أخلاقهم (مكارم الشيرازي، 1386ش، 1: 509).
هذا الجزء من وصف أهل البصرة يدل أيضًا على أن المقصود بترك البصرة، هو ترك مجالسة الفاسقين. لأن مجالسة قوم أصيبوا بانحرافات أخلاقية بسبب مائهم غير المناسب، تعرض الإنسان لخطر الإصابة بهذه الأمراض، وأفضل عمل للمؤمن هو ترك تلك المدينة والهجرة إلى مكان آخر.
2-3-4. الأوصاف بعد الأمر بالخروج من البصرة
ما جاء بعد الأمر بالخروج من البصرة، هو وصف لعذاب ينزل على مدينة البصرة، وهذا الكلام هو إخبار بالغيب أطلع عليه أمير المؤمنين (ع) من خلال إعلام الله علام الغيوب، أو إلهام له، أو إخبار من رسول الله (ص).
«جؤجؤ» في عبارة «كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ…» يعني صدر السفينة (الشوشتري، 1376ش، 5: 516)، ويشير إلى أن مدينة البصرة تغرق في الماء بحيث لا يبقى منها سوى مسجدها الجامع، بينما لا يظهر منه إلا جزء كصدر الطائر. قال عز الدين الآملي في شرحه: «تخرب المدينة ولا يبقى من عمارتها شيء إلا مسجدها الجامع، ورأس جدار ذلك المسجد يظهر من الماء، مثل صدر السفينة المشحونة، الذي يظهر من فوق الماء وباقيها في الماء» (1355ش، 282).
هذا الوصف أيضًا يدل على أن المقصود بترك البصرة، هو ترك مجالسة الفاسقين، لأن نزول العذاب على البصرة يتوافق مع تشجيعهم على الخروج من البصرة. لأن مجالسة الفاسقين هي أحد العوامل التي تبتلي الإنسان بالعذاب الإلهي. مؤيد هذا المعنى روايات تدل على نزول العذاب على مجالس الفاسقين. في رواية أن الإمام الرضا (ع) قال لأحمد بن محمد الجعفري: «ما لي أراك عند عبد الرحمن بن يعقوب؟»، فقال (الجعفري): هو خالي. فقال الإمام: إنه يقول في الله قولًا عظيمًا، يصف الله ولا يوصف. فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته. فقلت: هو يقول ما شاء، أي شيء عليَّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال أبو الحسن (ع): أما تخاف أن ينزل به نقمة فتصيبكما جميعًا؟ أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى (ع) وكان أبوه من أصحاب فرعون، فلما لحقت خيل فرعون موسى، تخلف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى، وأبوه يقبل في أثره وهو يراغمه حتى بلغا شفة البحر فغرقا جميعًا، فأتى موسى (ع) الخبر، فقال: هو في رحمة الله، ولكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع (الكليني، 1369ش، 4: 83).
5. المعنى المختار في عبارة «وَالْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ» وتحليله
بناءً على الدليل اللغوي للتبادر والبيئة التاريخية للبصرة وأوصاف أمير المؤمنين (ع) لأهل البصرة، فإنه ينهى مخاطبيه عن مجالسة الفاسقين، كما يقول القرآن الكريم: «وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (الأنعام: 68).
إذًا، معنى العبارة المذكورة هو: كل من يبقى منكم أيها المسلمون في مدينة البصرة، فهو رهينة بذنبه، لأنه بسبب مجالسته لكم قد ارتكب ذنبًا. أما من يخرج من مدينة البصرة، فإنه يدرك رحمة الله، لأنه أنقذ نفسه من الابتلاء بما أنتم مبتلون به.
طبعًا، في رأي الكاتب، هذا الوصف هو لبيان حل لأهل البصرة للحفاظ على أنفسهم من الذنوب، وليس لذمهم وتقريعهم، وعبارة «وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ»؛ هي حل للخروج من الوضع القائم، وتبعث فيهم الأمل في مواصلة الحياة المادية والمعنوية، وتعالج الألم الذي فرضته عليهم البيئة. لأن مواصلة الحياة في مثل هذه البيئة ذنب، والخروج منها ضروري، وبتعبير آخر: «اذهبوا إلى بيئة لا تقيدكم في سلاسل دناءتها» (الجعفري، 1365ش، 3: 240).
بالطبع، هذا الكلام لا يعني أن هناك تلازمًا وارتباطًا بين شقاء الناس والبقاء في البصرة، وسعادتهم والخروج منها، بل ما يُفهم من هذا الكلام هو أن البقاء في البصرة يفتح الباب للضلال، والخروج منها يهيئ السبيل لإدراك رحمة الله. لأن ضرورة الفرار من العوامل المسببة للضلال أمر عقلي، ومن لا يتحمل هذه المشقة، يهيئ السبيل لشقاء نفسه.
ذكر هذه النقطة ضروري أيضًا، وهو أنه على الرغم من أن الإقامة في مدينة مثل البصرة تسبب الانحراف عن الحق والميل إلى الأعمال الخاطئة، إلا أن ذلك لا يعني أنه لم يكن بين أهل البصرة شخص صالح وتقي، كما هو الحال في رسالة أمير المؤمنين (ع) إلى ابن عباس الذي كان واليه على البصرة، حيث ذكر بخير بني تميم الذين كانوا يعيشون هناك (الرسالة 18). لذا، فإن وجود شخص في مدينة البصرة لا ينافي أن يوجد بينهم فيما بعد أشخاص صالحون. من هنا، فإن أمير المؤمنين (ع) لم يحكم على أهل البصرة حكمًا مطلقًا، بل بيّن المظهر الطبيعي لعلاقتهم بمثل هذه البيئة، وكان حكم أهل البصرة مؤقتًا، وكان بإمكان أهل تلك المدينة بجهدهم وسعيهم إبطال أثره.
6. الخاتمة
أمير المؤمنين (ع) في الخطبة الثالثة عشرة من نهج البلاغة، ضمن تعداده لصفات أهل البصرة ووصفه لوقوع العذاب عليهم، يشجعهم بعبارة «وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ» على ترك البصرة، وتُستخلص من ذلك النتائج التالية:
1- المقصود بترك البصرة، هو ترك مجالسة الفاسقين والآثمين.
2- أفضل ترجمة لـ«وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ»؛ هي الخروج من مدينة البصرة.
3- هذا الكلام هو لبيان حل لأهل البصرة للحفاظ على أنفسهم من الذنوب، وليس لذمهم وتقريعهم.
4- لا يُستفاد من كلامه أن هناك تلازمًا وارتباطًا بين وجود الناس في البصرة وشقائهم، وخروجهم من البصرة وسعادتهم، بل ما يُفهم من هذا الكلام هو أن الوجود في البصرة يهيئ للضلال، والخروج منها يهيئ لإدراك رحمة الله.
المصادر
القرآن الكريم.
الآشتياني، محمد رضا؛ وإمامي، محمد جعفر، ترجمة غويا وشرح فشردهاى بر نهج البلاغة، قم، هدف، (د.ت).
الآملي، عز الدين، ترجمة وشرح نهج البلاغة، (د.م)، أمور فرهنكي واجتماعي آستان قدس رضوي، 1355ش.
آيتي، عبد الحميد، ترجمة نهج البلاغة، طهران، بنياد نهج البلاغة، الطبعة الثالثة، 1378ش.
ابن أبي الحديد، أبو حامد، شرح نهج البلاغة، قم، كتابخانه عمومي آيت الله مرعشي نجفي، 1337ش.
أحمد بن فارس، أبو الحسين، معجم مقائيس اللغة، قم، انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه، 1404ق.
أحمدزاده، ناصر، ترجمة نهج البلاغة، طهران، إشراقي، الطبعة الثانية، 1378ش.
الأصفهاني، علي نقي، ترجمة وشرح نهج البلاغة (فيض الإسلام)، طهران، مؤسسة تأليفات فيض الإسلام، الطبعة الخامسة، 1379ش.
أنصاري قمي، محمد علي، ترجمة نهج البلاغة، طهران، نوين، (د.ت).
أنصاريان، حسين، ترجمة نهج البلاغة، طهران، بيام آزادي، الطبعة الرابعة، 1379ش.
أوليائي، سيد نبي الدين، ترجمة نهج البلاغة، طهران، رزين، الطبعة الثانية، 1376ش.
البحراني، ميثم بن علي، شرح نهج البلاغة، طهران، نشر كتاب، الطبعة الثانية، 1362ش.
______ اختيار مصباح السالكين، مشهد، بنياد بزوهشهاي إسلامي آستان قدس رضوي، 1366ش.
بهشتي، محمد، ترجمة نهج البلاغة، طهران، انتشارات شهريور با همكاري تابان، (د.م)، (د.ت).
الجزري، ابن الأثير، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، مؤسسه مطبوعاتي إسماعيليان، (د.ت).
الجعفري، محمد تقي، شرح وتفسير نهج البلاغة، (د.م)، دفتر نشر فرهنك إسلامي، 1365ش.
الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية، بيروت، دار العلم، 1410ق.
حسيني أجداد نياكي، سيد إسماعيل؛ ورخشنده نيا، سيده أكرم؛ وإيازي، حسين علي، «واكاوي خطبهي نكوهش مردم بصره إمام علي (ع) با توجه به بافت متني وبافت موقعيتي»، پژوهشنامه علوي، السنة 6، العدد 2، خريف وشتاء 1394ش، ص 29-47.
الحسيني الشيرازي، سيد محمد حسين، توضيح نهج البلاغة، بيروت، دار التراث الشيعة، (د.ت).
دشتي، محمد، ترجمة نهج البلاغة إمام علي عليه السلام، قم، مشهور، 1379ش.
الرازي، حسين بن علي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، مشهد، بنياد بزوهشهاي إسلامي، 1408ق.
زماني، مصطفى، ترجمة نهج البلاغة، طهران، مؤسسة انتشارات نبوي، الطبعة الثانية عشرة، 1379ش.
السبحاني، جعفر، الفكر الخالد في بيان العقائد، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، 1425ق.
الشوشتري، محمد تقي، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، طهران، أمير كبير، 1376ش.
شهيدي، سيد جعفر، ترجمة نهج البلاغة، طهران، شركت انتشارات علمي وفرهنكي، الطبعة الرابعة عشرة، 1378ش.
الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الصغير، بيروت، دار الكتب العلمية، (د.ت).
الطبرسي، أحمد بن علي، الإحتجاج على أهل اللجاج، مشهد، بارسا، 1403ق.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، 1372ش.
الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، بيروت، دار التراث، 1967م.
فارسي، محسن، ترجمة نهج البلاغة، طهران، أمير كبير، الطبعة العاشرة، 1376ش.
الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم، هجرت، الطبعة الثانية، 1412ق.
القزويني، سيد محمد كاظم، شرح نهج البلاغة، (د.م)، مطبعة النعمان، 1377ش.
الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، المترجم: جواد مصطفوي، طهران، كتابفروشي علميه إسلاميه، 1369ش.
_________، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407ق.
المازندراني، محمد صالح بن أحمد، شرح الكافي، طهران، المكتبة الإسلامية، 1382ش.
مبشري، أسد الله، ترجمة نهج البلاغة، طهران، دفتر نشر فرهنك إسلامي، الطبعة الثالثة، 1366ش.
معاديخواه، عبد المجيد، خورشيد بي غروب نهج البلاغة، قم، ذره، 1374ش.
مغنية، محمد جواد، في ظلال نهج البلاغة، بيروت، دار العلم، الطبعة الثالثة، 1358ش.
المفيد، محمد بن محمد، الجمل والنصرة لسيد العترة في حرب البصرة، قم، كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
_________، الإختصاص، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413ق.
مقيمي، محمد، نهج البلاغة ميراث درخشان إمام علي عليه السلام، طهران، راه نيكان، 1377ش.
مكارم الشيرازي، ناصر، بيام إمام، شرح تازه وجامعي بر نهج البلاغة، طهران، دار الكتب الإسلامي، الطبعة التاسعة، 1386ش.
_______، تفسير نمونه، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة العاشرة، 1371ش.
الهاشمي الخوئي، ميرزا حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، طهران، المطبعة الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1358ش.
الهوامش
1. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث، كلية الإلهيات، جامعة فردوسي بمشهد. mehdi.zafar@ymail.com
2. أستاذ مشارك في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة فردوسي بمشهد (الباحث المسؤول). asadi-a@um.ac.ir
3. أستاذ في قسم علوم القرآن والحديث، جامعة فردوسي بمشهد. naghizadeh@um.ac.ir