المستخلص
من المسائل الفقهية في مجال الفقه الاجتماعي موضوع تصوير الجرائم، سواء كانت مشهودة أم غير مشهودة. وقد برز هذا الموضوع بشكل خاص في السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بقضية سوء الحجاب وعدمه، ومخالفات السير، والإفطار العلني، وغيرها من المخالفات الشرعية والقانونية. ومن هذا المنطلق، يطرح التساؤل من الناحية الفقهية والحقوقية: هل يجوز للمواطنين تصوير جرائم سائر أفراد المجتمع؟ في هذا البحث، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي والمصادر المكتبية، تم تحليل هذا الموضوع من الناحيتين الفقهية والحقوقية. ومع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية انطباق عناوين مختلفة على فعل تصوير الجريمة – من قبيل إشاعة الفاحشة، وانتهاك حرمة المؤمن، وإراقة ماء وجهه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن النفس في المحاكم القضائية، وغيرها – فقد تم تحليل انطباق كل من هذه العناوين على غيرها، وأُثبت أن تصوير جريمة الغير إذا كان مصداقًا لأحد العناوين المذكورة، سرى إليه حكم ذلك العنوان؛ أما إذا كان مصداقًا لعدة عناوين، فإن أحكامها تتزاحم، ويجب الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم.
المقدمة
لا شك أن مسألة الصورة والتصوير في عالمنا المعاصر قد أصبحت شأناً من شؤون حياة الناس، ويتعامل معها البشر بشتى الطرق. فتسجيل صور الأشخاص في الإجراءات الإدارية والأحوال الشخصية، وتسجيل صور المواطنين بواسطة الكاميرات الأمنية والمرورية، وتسجيل الصور الإخبارية في وسائل الإعلام، وتبادل ومشاركة مليارات الصور في شبكات التواصل الاجتماعي… كلها مظاهر مختلفة لامتزاج حياة الإنسان المعاصر بمقولة الصورة والتصوير. وبالطبع، في السنوات الأخيرة، أدى الوصول السهل إلى الكاميرات الرقمية الصغيرة والهواتف المجهزة بالكاميرات إلى تعزيز هذا الامتزاج بشكل كبير؛ حيث يمكن لأفراد المجتمع في مختلف المواقف تسجيل الصور التي يريدونها ومشاركتها بسهولة.
من الواضح أنه كلما كانت المسألة أكثر ابتلاءً للمجتمع وشملت عددًا أكبر من الأفراد، أصبحت دراسة أبعادها الشرعية أكثر ضرورة. وأحد الأبعاد الشرعية للتصوير الفوتوغرافي والفيديوغرافي هو تصوير الجرائم والمعاصي التي تقع في المجتمع. وتكمن أهمية هذا الموضوع في أنه بالنظر إلى إتاحة أدوات التصوير لعامة الناس، قد يتحول هذا الفعل إلى اتجاه سائد في المجتمع، وينشغل أفراد المجتمع بدوافع مختلفة بتصوير جرائم الآخرين ومعاصيهم.
لذلك، وبصرف النظر عن احتمال ظهور مثل هذه الحالة في المجتمع، يجب دراسة هذه المقولة من أبعادها المختلفة للتعرف على الآثار التي تتركها في المجتمع والعواقب التي تترتب عليها من منظور شرعي. وسعينا في هذا المقال هو تقديم رؤية فقهية وحقوقية لهذه المسألة للإجابة على هذا السؤال: ما هو الحكم الشرعي لتصوير جرائم الآخرين ومعاصيهم، المشهودة وغير المشهودة؟
وقد بحث الكاتب للعثور على إجابة، في مصادر متنوعة وطبّق العناوين المختلفة على هذا الفعل ودرسها؛ ذلك أن مسألة التصوير هي مسألة مستحدثة لم تكن موجودة في عصر صدور الشريعة حتى يرد فيها نص صريح. لذا، لكشف حكمها، يجب دراسة انطباق العناوين الموجودة في الشريعة عليها، لاستنباط حكمها التكليفي – سواء الحرمة، أو الوجوب، أو الاستحباب، أو الكراهة، أو الإباحة – أو الأحكام الوضعية المترتبة عليها. بعض هذه العناوين هي: إشاعة الفاحشة، وإراقة ماء وجه المؤمن، والنهي عن المنكر، والدفاع في المحكمة، وغيرها.
مع أن عناوين مثل إشاعة الفاحشة، وإراقة ماء وجه المؤمن، والنهي عن المنكر وغيرها لها سابقة جيدة في الفقه الإمامي، ولكن بقدر ما بحث كاتب هذه السطور، لم يُجرَ أي بحث فقهي مستقل حول تصوير الجرائم المشهودة وغير المشهودة وتطبيقات العناوين المختلفة عليها، ولا يوجد أي مكتوب في هذا الصدد.
نعم، في مقالة «حق الصورة في المكان العام» للسيدة فاطمة أبطحي وآخرين، المنشورة في فصلية «آراء حقوقية قضائية»، الدورة 26، العدد 93، خرداد 1400، تم تناول مسألة التصوير في الأماكن العامة بشكل عام. في هذه المقالة، اعتُبر حق التصوير للأفراد ضمن نطاق حقوقهم الخاصة، ولكن تم استثناء بعض الحالات. وقد ورد في هذه المقالة أن النظام القانوني الإيراني يعتبر التصوير من دون التركيز على وجه شخص معين أمرًا مسموحًا به؛ لأن هذا النوع من التصوير لا يعد انتهاكًا للخصوصية ولا يؤدي إلى التصرف في حق الغير. بالطبع، في هذه المقالة، لم يتم تناول مسألة تصوير المعصية وجريمة الآخرين، خاصة من منظور فقهي، وهذا هو وجه التمايز بين هذا المقال والكتابة الحالية.
كذلك، أجرت بعض وكالات الأنباء بمناسبة بعض الأحداث مقابلات مع بعض الحقوقيين حول هذا الموضوع. من بينها يمكن الإشارة إلى مقابلة وكالة أنباء مهر مع السيد مصطفى شمسي (عالم الجريمة وخبير المسائل القانونية)، التي نُشرت في 26 إسفند 1402.[1] وقد قام سماحته في هذه المقابلة بدراسة تصوير جريمة الآخرين من الناحية القانونية، واستنادًا إلى مواد قانونية مختلفة، وضع الأصل على عدم جواز التصوير. ثم استثنى الحالات التي تقع فيها الجريمة المشهودة في العلن، واعتبر تصويرها جائزًا وفقًا للقانون. ولكن بما أن المسائل الفقهية ليست في مجال تخصصه، فإنه لم يتناول هذه المسألة بنظرة فقهية، وهذا ما يميز مقالنا عن كلامه.
والآن، بالنظر إلى أنه باستثناء الحالتين المذكورتين أعلاه، لم يُنشر أي بحث آخر في هذا المجال، يبدو أن هذا الموضوع مبتكر في نوعه وليس له سابقة، وأن ابتكار هذا المقال يكمن في طرح هذا الموضوع وتناوله من جوانبه الفقهية والحقوقية بشكل مستقل، وهو ما لم يتم في الماضي.
1. دراسة المفاهيم
1-1. التصوير
المقصود بالتصوير في هذا البحث، هو تسجيل الصور الثابتة أو المتحركة بواسطة الأجهزة المخصصة لهذا العمل – والتي تسمى كاميرا التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو – أو الهواتف المحمولة المزودة بالكاميرا. من الواضح أنه مع تطور التكنولوجيا في السنوات الأخيرة، شهدت صناعة التصوير أيضًا تقدمًا كبيرًا، ويمكن لمعظم الناس في العالم، على الأقل على المستويات غير الاحترافية، تصوير الموضوعات التي تهمهم.
1-2. الجريمة المشهودة
التعريف الفقهي: بما أن مفهوم الجريمة المشهودة لم يرد بلفظ «المشهود» في المصادر الفقهية الإسلامية وليس له سابقة، فبناءً على مقتضى الدراسات وتطبيقه على عناوين أخرى، يجب البحث عن مفهوم الجريمة المشهودة بلفظ «معادل» له.
بالتأمل في مختلف التعاريف الفقهية، فإن أفضل ما يعادل مصطلح الجريمة المشهودة هو التجاهر والتظاهر بالفسق والمعصية.
التعريف اللغوي: أورد معجم «أبجدي» الفارسي-العربي كلمتي «تظاهراً [ظهر]» و«تجاهراً [جهر] بالأمر» بمعنى التظاهر والإظهار. وفي قاموس القرآن، جاء «الجهر» بمعنى الإظهار والكشف، سواء كان ذلك بالرؤية أو السماع. مثل ﴿يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ (النحل: 75) الذي يكون بالرؤية، ومثل ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ (الرعد: 10) الذي يكون بالسماع. فبهذا المعنى، «الجهر» يكون قولاً وفعلاً (القرشي، 1364ش، ج2، ص 79).
التعريف الاصطلاحي والعام: كما يتضح من عنوان الجريمة المشهودة، فهو يعني الوضوح والظهور، أي الجرائم التي تقع في العلن، وبعبارة أخرى، يرتكب الشخص المجرم العنوان أو العناوين الإجرامية أمام أعين الناس.
التعريف الحقوقي: في قانون الإجراءات الجنائية، من حيث الفترة الزمنية الفاصلة بين وقوع الجريمة واكتشافها، تُقسّم الجرائم إلى فئتين: مشهودة وغير مشهودة. المادة 45 من قانون الإجراءات الجنائية، دون أن تقدم تعريفًا للجرائم المشهودة، تكتفي بذكر مصاديقها في سبعة بنود؛ ووفقًا لهذه المادة، تكون الجريمة مشهودة في الحالات التالية (المادة 45 من قانون الإجراءات الجنائية):
1. أن يكون المتهم قد قصد الفرار مباشرة بعد وقوع الجريمة أو يكون في حالة فرار أو يتم القبض عليه مباشرة بعد وقوع الحادث.
2. أن يعرّف المتهم بنفسه مباشرة بعد وقوع الجريمة ويخبر بوقوعها.
3. أن يُعثر على علامات وآثار واضحة أو أسباب وأدلة الجريمة في حوزة المتهم فور وقوع الجريمة، أو يثبت انتساب الأسباب والأدلة المذكورة إلى المتهم.
4. أن يقوم المجني عليه أو شخصان أو أكثر ممن كانوا شهودًا على وقوع الجريمة، بتعريف شخص معين كمرتكب للجريمة أثناء وقوعها أو مباشرة بعدها.
5. أن يكون المتهم متشردًا وله سمعة سيئة في ذلك المكان.
6. أن تقع الجريمة بمرأى ومسمع من ضباط العدل، أو أن يحضر المأمورون المذكورون إلى مكان وقوع الجريمة فورًا ويشاهدوا آثار الجريمة مباشرة بعد وقوعها.
7. أن تقع الجريمة في منزل أو محل سكن الأفراد أو تكون في طور الوقوع، ويطلب الساكن في تلك الحالة أو مباشرة بعد وقوع الجريمة دخول المأمورين إلى منزله أو محل سكنه.
كما ذُكر في تعاريف الجريمة المشهودة، فإن مرادنا في هذا التحقيق هو المعنى العام للجرائم المشهودة؛ لذا لم يتم بيان تفصيلي بخصوص تعاريف الجريمة المشهودة؛ لأن تطبيق هذا العنوان على العناوين الفقهية والمعادلة لها وكذلك أقسامها يتطلب مقالة وبحثًا منفصلًا.
1-3. الجريمة غير المشهودة
التعريف الاصطلاحي والعام: كما يتضح من عنوان الجريمة غير المشهودة، فإنه يعني الجريمة الخفية والمستترة؛ أي الجرائم التي لا تتحقق في العلن، وبعبارة أخرى، لا يرتكب الشخص المجرم العنوان أو العناوين الإجرامية أمام أعين الناس.
التعريف الحقوقي: يُطلق على الجريمة التي تُرتكب بشكل خفي ولم يشاهدها أشخاص. (دانش، 1393ش، ج2، ص102) بعبارة أخرى، الجريمة غير المشهودة هي الجرائم التي مضى وقت على ارتكابها ولا يمكن الوصول إلى شهود فوريين لإثباتها. (أردبيلي، 1392ش، ج1، ص279) الجريمة غير المشهودة هي جريمة يحتاج إسنادها إلى المتهم إلى إثبات، وقبل تشكيل المحكمة وإصدار الحكم، تكون مجرد اتهام.
المراد في هذا المقال، كما ذُكر في تعريف الجرائم المشهودة، هو المعنى الاصطلاحي؛ أي تلك الجرائم التي لا تقع في الأنظار العامة ويرتكبها الفرد في الخفاء والتستر.
1-4. إشاعة الفاحشة
الإشاعة في اللغة تعني الإفشاء، والترويج، والنشر، والتقوية. والمقصود بالفاحشة الأفعال أو الأقوال التي يكون قبحها كبيرًا وواضحًا (خسروي، 1374ش، ج2، ص362).
إشاعة الفاحشة في الاصطلاح، هي كل قول أو فعل يؤدي إلى ترويج أو المساعدة في نشر الكبائر بين المؤمنين، حتى لو لم يكن هناك قصد للنشر في بعض الحالات، ولكن النتيجة التي يعطيها هي نفسها (مكارم الشيرازي، 1362ش، ج14، ص407).
2. مسألة تفكيك عنواني الجريمة والإثم
الإثم: الإثم يعني مخالفة أوامر الله (قرائتي، 1377ش، ص7). وبعبارة أخرى، هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر به. ويعتبر هذا اللفظ معادلاً لألفاظ مثل الذنب، والمعصية، والإثم، والسيئة، والخطيئة في اللغة العربية (قرائتي، 1377ش، ص7).
الجريمة: كلمة «جرم» من أصل عربي (ج ر م) استُخدمت بمعنى القطع، وقطف الثمار من الشجرة، والحمل، والكسب، وارتكاب الإثم، وإجبار شخص على فعل شيء سيء (الفراهيدي، 1409هـ، ج6، ص119). هذا اللفظ في اللغة يعني الإثم والخطأ، وقد عُبّر عن الجرم بالذنب، والإثم، والسيئة، والعصيان، والمعصية أيضًا.
وفي الاصطلاح، هو عبارة عن كل فعل ممنوع في الشرع وله عقوبة دنيوية، مثل الحد، والتعزير، والقصاص، والدية، والكفارة، أو عذاب أخروي؛ سواء كان يتعلق بالمجرم نفسه، مثل ترك الصلاة والصوم وشرب الخمر، أو يتعلق بالآخرين، مثل الضرب والجرح وقتل شخص. بناءً على ذلك، فإن الجريمة في الاصطلاح الفقهي مرادفة للمعصية (الهاشمي الشاهرودي، 1395ش، ج3، ص74). وتُعرّف الجريمة في الاصطلاح الحقوقي بأنها فعل أو ترك فعل يُعاقب عليه القانون أو يستلزم تدابير أمنية وتربوية. بناءً على هذا، فإن العلاقة بين التعريف الفقهي والحقوقي هي العموم والخصوص من وجه؛ لأن بعض الأفعال، مثل ترك الصلاة من منظور فقهي، تُعتبر جريمة؛ بينما من منظور حقوقي لا تُعتبر جريمة. كما أن العكس متصور أيضًا (الهاشمي الشاهرودي، 1395ش، ج3، ص74).
وفي مؤتمر تطبيق القانون الجنائي الإسلامي (1355ش)، عُرّفت الجريمة بأنها «مخالفة لأوامر ونواهي الكتاب والسنة أو ارتكاب فعل يؤدي إلى فساد الفرد أو المجتمع» (أبوالقاسم گرجي، 1365ش، ج1، ص58). أما في قانون العقوبات، فكل فعل أو ترك فعل يُعيّن له القانون عقوبة، فهو جريمة (صانعي، 1376ش، ج1، ص172-173).
إشاعة الفاحشة: الإشاعة في اللغة تعني الإفشاء، والترويج، والنشر، والتقوية. والمقصود بالفاحشة الأفعال أو الأقوال التي يكون قبحها كبيرًا وواضحًا (خسروي، 1374ش، ج2، ص362).
بناءً على بيان التعاريف لمصطلحي الجريمة والإثم، ندرك أن مصطلح الجريمة أعم ويشمل الإثم. في الواقع، العلاقة بين هذين المعنيين هي العموم والخصوص المطلق، والإثم أخص من الجريمة. على سبيل المثال، السلوكيات المخالفة للأعراف في المجتمع والتي قد لا يكون لها حكم فقهي، مثل قوانين المرور التي تخرج عن دائرة الإثم؛ ولكنها تُعتبر جريمة.
إذًا، المراد والمقصود في بيان عنوان الجريمة المشهودة وغير المشهودة هو ما يعم الإثم، وعمومية مصطلح الجريمة تقتضي أن يتم تناول هذا العنوان من منظور حقوقي أيضًا.
3. القاعدة الأولية
إذا افترضنا أن التصوير حرام في ذاته ودلّ دليل خاص على حرمته، فإنه يعتبر منكرًا بحد ذاته ولا يمكن النهي عن منكر بمنكر آخر. ولكن بالنظر إلى أن التصوير من الموضوعات المستحدثة ولا يوجد نص خاص بشأنه، فإن كشف حكمه يتبع العناوين التي ينطبق عليها. فإذا انطبق عليه عنوان حرام، فهو حرام، وإذا انطبق عليه عنوان واجب أو مستحب أو مكروه، فإنه يكتسب حكم ذلك العنوان. ونتيجة لذلك، إذا كان في بعض الأحيان مصداقًا للنهي عن المنكر، يمكن الحكم بوجوبه أيضًا.
قبل الدخول في البحث الأصلي، يجب أن نعلم أنه إذا لم نتمكن من تطبيق أي من العناوين المذكورة للجريمة على التصوير، فيجب الرجوع إلى الأصول العملية؛ لأنه في كل مورد يقصر فيه يدنا عن الدليل الاجتهادي ولا نستطيع وضع موضوع تحت عنوان حكمه واضح، يجب أن نلجأ إلى الدليل الفقاهتي. والأصل العملي في هذا المورد هو البراءة الشرعية والبراءة العقلية (بناءً على قول المشهور) من الحرمة.
4. أقسام تصوير الجريمة ودراستها الفقهية
بشكل عام، الجريمة أو المعصية التي يتم تصويرها، قد تكون منهيًا عنها من الناحية الشرعية والقانونية معًا، وقد تكون منهيًا عنها من الناحية الشرعية فقط، وأحيانًا من الناحية القانونية فقط. بحثنا يدور حول كل هذه الحالات ويشمل المعصية الشرعية والجريمة القانونية. إذًا، هذا التقسيم لا يُحدث فرقًا في بحثنا حاليًا.
كذلك، الجريمة أو المعصية التي يتم تصويرها، قد تكون جريمة غير مشهودة تُرتكب في الخفاء، أو جريمة مشهودة تقع علنًا وأمام أنظار أفراد المجتمع. هذا التقسيم يمكن أن يكون له أثر ويجعل الحكم مختلفًا. لذلك، ندرس كلًا من هذين القسمين من حيث تطبيق العناوين الشرعية عليهما.
4-1. تصوير الجرائم غير المشهودة
أحيانًا، يكون شخص ما منشغلًا بمعصية في خلوته، ويراه إنسان آخر صدفةً أو عمدًا وهو يرتكب المعصية وينشغل بتصويره. فهل هذا العمل جائز؟ يبدو أنه للوصول إلى حكم هذا العمل، يجب دراسته من حيث تطبيق العناوين المختلفة عليه، لمعرفة ما إذا كانت عناوين إشاعة الفاحشة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإراقة ماء وجه المؤمن، وانتهاك حرمة المؤمن الخاصة، وأخذ الذريعة على المؤمن، وغيرها، تصدق على هذا العمل أم لا. وسنبحث في ما يلي كلًا من هذه العناوين.
4-1-1. إشاعة الفاحشة
أحد العناوين المحرمة هو إشاعة الفاحشة، وقد تم التأكيد على حرمتها في القرآن والروايات، وتم التوعد بعذاب أليم لفاعلها.[2] ولعل حكمة هذه الحرمة تكمن في أن نشر معصية الآخرين في المجتمع يؤدي إلى تطبيع المعصية وميل سائر أفراد المجتمع إلى ارتكابها.
والآن، مع افتراض قبولنا لحرمة إشاعة الفاحشة، من الواضح أنه إذا أمكن إثبات انطباق إشاعة الفاحشة على التصوير في بعض الحالات، فإن حكم هذا العنوان سيسري أيضًا على التصوير وتثبت حرمته؛ ولكن مجرد التصوير دون أن يُظهره المصور للآخرين أو ينشره في الفضاء الافتراضي أو الحقيقي، ليس مصداقًا لإشاعة الفاحشة ولا يصدق عليه تعريف الإشاعة، على الرغم من أنه قد يكون حرامًا من جهات أخرى.
نعم، إذا نشر المصور تلك الصورة بقصد إشاعة الفاحشة في المجتمع، أو كان التصوير ملازمًا لنشرها ولا يمكن الانفكاك عنه أبدًا – مثلًا، أن يُبث على الهواء مباشرة ولا يستطيع المصور منع انتشاره – فإنه سيكون حرامًا من جهة إشاعة الفاحشة.
كذلك، من الناحية القانونية، وفقًا للمادة 742 من قانون الجرائم الحاسوبية، كل من ينشر أو يوزع أو يتعامل مع محتويات فاحشة بواسطة أنظمة حاسوبية أو اتصالات أو وسائط بيانات، أو ينتجها أو يخزنها أو يحتفظ بها بقصد التجارة أو الإفساد، يُحكم عليه بالحبس من واحد وتسعين يومًا إلى سنتين أو بغرامة نقدية من خمسة ملايين ريال إلى أربعين مليون ريال أو بكلتا العقوبتين. وفي الحالات التي يشخص فيها القاضي أن الشخص المشيع مفسد في الأرض، يُحكم عليه بالإعدام. (قانون العقوبات الإسلامي، المادة 742، قانون الجرائم الحاسوبية). وأيضًا، بناءً على الفقرة (أ) من المادة 743، في حالة قيام شخص بتحريض أو ترغيب أو تهديد أو إغراء الآخرين للوصول إلى المحتويات الفاحشة، أو قام بخداعهم أو تسهيل الوصول إليها أو تعليمهم كيفية ذلك، يُحكم عليه بالحبس من 91 يومًا إلى سنة واحدة وبالغرامة النقدية. (الموقع الإلكتروني لفريق عمل تحديد محتوى الجريمة، الفقرة أ، المادة 743، من الفصل الرابع لقانون الجرائم الحاسوبية).
النتيجة هي أن تصوير جريمة ومعصية الآخرين يمكن أن يكون من مصاديق إشاعة الفاحشة. في الواقع، إذا كان التصوير بنية جعله قدوة وإعلاء شأن الفاحشة، فيمكن اعتباره حرامًا من باب إشاعة الفاحشة.
4-1-2. عناوين إيذاء المؤمن وإهانته وتحقيره وحفظ زلاته وعيوبه
في دين الإسلام، تم التأكيد بشدة على حفظ احترام المؤمن، وتم تحريم الأشياء التي تتنافى مع هذا الاحترام. ومن هذه المحرمات يمكن الإشارة إلى إيذاء المؤمن، وإهانته وتحقيره، وستر زلاته وعيوبه، وانتهاك حرمته، والقضاء على شخصيته وماء وجهه وكرامته (العاملي، 1416هـ، ج12، ص264-276).
والآن، يبدو أنه عندما يقوم شخص بتصوير معصية خفية للآخرين ويعرضها على مرأى الآخرين، فإنه بطبيعة الحال سيؤدي إلى تحقق أحد العناوين المذكورة، والحالات التي لا تؤدي إلى أي منها نادرة جدًا وكالعدم. لذلك، إذا شككنا في مورد ما، فطبقًا لقاعدة «الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب» التي يقبلها الكثير من العلماء (الحائري الأصفهاني، 1404هـ، ص445؛ الإيوانكيفي، ج1، ص64؛ الميرزا القمي، 1430هـ، ج1، ص62)، يجب إلحاقه بالموارد الغالبة.
بالطبع، هذه القاعدة تتعلق بتشخيص الموضوع؛ أي في الحالات التي لا نستطيع فيها تشخيص انطباق موضوع ما على مورد معين، نستخدم هذه القاعدة ونلحق ذلك المورد بموارده الغالبة. فلا ينبغي الظن بأن هذه القاعدة في تزاحم مع قاعدة الإباحة وأمثالها؛ لأن قواعد مثل قاعدة الإباحة تتعلق بمرحلة الحكم لا الموضوع.
فإذا اكتفى المصور بالتقاط الصورة أو الفيديو ومنع انتشارها ولم يفشها للآخرين، فإنه وإن لم يرق ماء وجه المؤمن عند الآخرين، لكنه على أي حال قد انتهك خصوصيته؛ لأنه ربما لا يرغب ذلك الشخص المذكور في أن تُكشف معصيته حتى عند هذا الشخص نفسه. بعبارة أخرى، إذا انتهك شخص خصوصية مؤمن، فقد ارتكب فعلاً حرامًا، حتى لو لم يرغب في إفشاء سره للآخرين. بالطبع، إذا أفشاه، فإن إثمه سيتضاعف؛ لأنه بالإضافة إلى انتهاك خصوصية المؤمن والتجسس على أمره، يكون قد تسبب في ذهاب ماء وجهه عند الآخرين أيضًا.
كذلك، من الناحية القانونية، إذا قمنا بنشر نصوص أو صورة لشخص بأي وسيلة، بما في ذلك المطبوعات والتصوير والفضاءات الافتراضية وغيرها، بشكل غير قانوني، فيجب إثبات ذلك بسند ودليل. وفي هذه الحالة، وفقًا للمادة 697 من قانون العقوبات الإسلامي، «كل من نسب إلى شخص أمراً صريحاً بواسطة أوراق مطبوعة أو مخطوطة أو عن طريق إدراجها في الصحف والمجلات أو الخطابة في المجامع أو بأي وسيلة أخرى، أو قام بنشرها، وكان ذلك الأمر يعتبر جريمة وفقاً للقانون، ولم يتمكن من إثبات صحة تلك المستندات، يُعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنة واحدة وما يصل إلى (74) جلدة، أو بإحداهما حسب الحالة، ما لم يكن موجباً للحد».
كما توجد قوانين لمنع الإفشاء، منها عدم قانونية التجسس في الأماكن الخاصة للأفراد دون حكم حكومي، وأنه لا يحق لأحد تصوير داخل منزل شخصي وأماكنه الخاصة، وقد تم تجريم هذا الموضوع. ويمكن ملاحظة والبحث في هذه الموضوعات في الأصول 22، 23، 24، 25 من الدستور.
4-1-3. عنوان أخذ الذريعة على المؤمن
أحد العناوين المنهي عنها في الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام هو أن يحفظ الإنسان إثمًا أو خطأً لمؤمن ليستخدمه ضده يومًا ما.
1. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام شَيْءٌ يَقُولُهُ النَّاسُ عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ. فَقَالَ: لَيْسَ حَيْثُ يَذْهَبُونَ، إِنَّمَا عُنِيَ عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَزِلَّ زَلَّةً، أَوْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُعَابُ عَلَيْهِ، فَيَحْفَظَ عَلَيْهِ لِيُعَيِّرَهُ بِهِ يَوْمًا مَا» (العاملي، 1416هـ، ج2، ص37).
قال حذيفة بن منصور: قلت للإمام الصادق عليه السلام: هناك قول يتردد على ألسنة الناس وهو: «عورة المؤمن على المؤمن حرام» (فهل المراد عورتهم المشهورة؟) فقال الإمام: ليس المعنى الذي يذهب إليه الناس (أي العورة التناسلية)، بل المراد أن يزل المؤمن زلة أو يتكلم بكلام يعاب عليه، فيحفظه شخص عليه ليعيره به يوماً ما.
2. بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ عَوْرَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ. فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ أَعْنِي سُفْلَيْهِ. فَقَالَ: لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إِنَّمَا هُوَ إِذَاعَةُ سِرِّهِ» (العاملي، 1416هـ، ج2، ص37).
عن عبد الله بن سنان (نُقل أنه) قال: قلت للإمام جعفر الصادق عليه السلام: هل عورة المؤمن على المؤمن حرام ومكروهة؟ قال: نعم. قلت: هل تقصد أسافله؟ قال: ليس كما تظن، بل هو إفشاء سره.
3. وَعَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ زَيْدِ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ، قَالَ: «لَيْسَ أَنْ يَنْكَشِفَ فَيَرَى مِنْهُ شَيْئاً، إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَزْرِيَ عَلَيْهِ أَوْ يَعِيبَهُ» (العاملي، 1416هـ، ج2، ص37).
روى زيد الشحام عن الإمام الصادق عليه السلام في قول ذلك العظيم: «عورة المؤمن على المؤمن حرام» أنه قال: ليس المقصود أن يكون المؤمن عارياً فيرى مؤمن آخر جزءاً من بدنه، بل المقصود أن يروي قصة تضره.
من الواضح أن هذا العمل قد يصدق أحيانًا على تصوير جريمة ومعصية الآخرين ويوجب حرمته.
4-1-4. عنوان الدفاع
مما سبق، علمنا أن حرمة تصوير المعاصي والجرائم الخفية للآخرين لا تقبل الشك، وتنطبق عليها عناوين محرمة مختلفة؛ ولكن في بعض الأحيان يوجد عنوان آخر يزيل هذه الحرمة. فمثلًا، قد يضطر الإنسان للدفاع عن نفسه في المحكمة إلى تصوير جريمة الآخرين حتى لا يقع هو في المشكلة.
فمثلًا، ورد في بعض الروايات أنه إذا دخل شخص إلى منزله ووجد زوجته في حالة زنا، يمكنه قتل الزوجة وذلك الزاني. بالطبع، إذا لم يستطع إثبات ذلك في المحكمة، يُقتص منه، ولكن لا إثم عليه. (العاملي، 1416هـ، ج82، ص14). والآن، إذا قام شخص بتصوير هذا الفعل الشنيع ليتمكن من استخدامه في المحكمة وينقذ نفسه من القصاص، فإن عمله لا إشكال فيه.
وهنا، من الجيد أن نلقي نظرة على مسألة التصوير من منظور القانون والحقوق أيضًا.
من الناحية القانونية الإيرانية، لا يوجد فعل يعتبر جريمة ما لم يُنص على عقوبة له بناءً على المادة 2 من قانون العقوبات الإسلامي؛ (المادة 2 من قانون العقوبات الإسلامي). ولكن بموجب القوانين المقررة في إيران، ومنها قانون السمعي والبصري والمادة 503 من قانون العقوبات الإسلامي، يُمنع تمامًا تسجيل الفيديو من الآخرين في ثلاث حالات، ويعتبر ارتكابها جريمة ويترتب عليه مسؤولية جنائية: تسجيل الفيديو من الحرم الخاص للأشخاص، وتسجيل الفيديو من التحصينات العسكرية والأمنية، وتسجيل الفيديو وإرساله للأجانب والرعايا الأجانب والدول الأجنبية المعادية لجمهورية إيران الإسلامية. (المادة 503 من قانون العقوبات الإسلامي).
كذلك، فيما يتعلق بالاستناد إلى الفيديو والصور في المحكمة، يجب أن نعلم أن: المشرّع قد ذكر جميع الأدلة، بما في ذلك الشهادة، والإقرار، والسند، وغيرها، تحت عنوان أدلة إثبات الدعوى. بالإضافة إلى هذه الأدلة، يُعتبر علم القاضي أيضًا في القوانين من جملة أدلة إثبات الدعوى.
بناءً على الدليل الأخير، كل ما يساعد في تكوين وعي وعلم لدى القاضي بشأن وقوع الجريمة أو الحادثة، يمكن الاستناد إليه. الصورة والصوت والفيديو أيضًا، إذا كانت تساعد في تكوين علم لدى القاضي مرتبط بموضوع الدعوى القضائية، فقد يتم الاستناد إليها.
المادة 199 من قانون الإجراءات المدنية للمحاكم العامة والثورية تنص على أنه: «في جميع المسائل الحقوقية، بالإضافة إلى النظر في الأدلة التي يستند إليها طرفا الدعوى، تقوم المحكمة بأي تحقيق أو إجراء لازم لكشف الحقيقة». (المادة 199 من قانون الإجراءات المدنية).
4-1-5. عنوان النهي عن المنكر
أحد الواجبات المسلم بها في الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.[3] والآن، هل يمكن تصور أن تصوير معصية الآخرين يكون أحيانًا مصداقًا لنهيهم عن تلك المعصية؟ أو حتى يُتصور أن هذا العمل يؤدي إلى دفع المعصية؟ يبدو أن مثل هذا الأمر ممكن؛ لأن بعض الأفراد إذا علموا أنه سيتم إعداد دليل ضدهم أو أنه يوجد دليل، فلن يقدموا أبدًا على ارتكاب المعصية أو تكرارها، بل سيتم منع ارتكاب المعصية أيضًا.
إذًا، قد يكون التصوير واجبًا أحيانًا بسبب انطباق عنوان النهي عن المنكر عليه، ولكن من الواضح أن هذا يكون في حالة مراعاة شروط النهي عن المنكر. مثلًا، أن يكون قد تم تجربة التذكير اللساني والأساليب الأخرى أولًا، ويكون الطريق الممكن الوحيد هو تصوير جريمته. وبالطبع، قد يمكن اعتبار تصوير الجريمة أحد مصاديق استخدام القوة والقدرة للنهي عن المنكر، وفي هذه الحالة، يتطلب استخدام القوة والقدرة، بناءً على رأي كثير من الفقهاء، إذنًا من الحاكم الشرعي.
النقطة المهمة هي أن نلاحظ أن التصوير بقصد النهي عن المنكر لا يجب أن يؤدي إلى إشاعة الفاحشة وتطبيع المعصية في أذهان المجتمع، فهذا العمل يؤدي إلى نقض الغرض. من الواضح أنه في حالة عدم الانتباه إلى هذه النقطة، سيكون لهذا العمل عواقب وخيمة ويؤدي إلى معاصٍ أكبر بكثير، مما يجعل حرمة هذا العمل قطعية؛ لذا، في هذا الخصوص، يجب على الفرد أن يكون لديه الدقة والتأمل الكافيين.
الشروط التي توجب وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي:
1. يجب أن يكون الآمر بالمعروف عالمًا بوجوب الفعل أو حرمته. أي أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يعرف المعروف والمنكر.
2. أن يكون تأثير الأمر والنهي محتملًا أو معلومًا في فعل المعروف وترك المنكر.
3. ألا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة وخوف على النفس والمال.
4. يجب أن يعلم الآمر والناهي أن الشخص باقٍ على معصيته. فإذا علم أنه ترك معصيته ولن يكررها، فلن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا عليه، أي إذا لم يتم النهي عن المنكر، فسيستمر المنكر.
5. ألا يؤدي إلى التجسس في سلوك الآخرين.
6. ألا يكون في التعامل مع المذنب ضرر أو مفسدة للآمر والناهي أو أقاربه وإخوانه في الدين، إلا إذا كانت الأمور المتعلقة بالمعروف والمنكر من الأمور التي أولاها الشارع المقدس اهتمامًا خاصًا، مثل حفظ الإسلام وشعائره وأمن الأنفس وأعراض المسلمين. بناءً على هذا، إذا كانت الشعائر الإسلامية أو أرواح عدد من المسلمين في خطر وفناء، فيجب مراعاة مبدأ الأهم والمهم، ومجرد تكبد الضرر لا يؤدي إلى سقوط الواجب.
4-2. تصوير الجريمة المشهودة
والآن حان الوقت لدراسة تصوير المعاصي والجرائم المشهودة من الناحية الشرعية والحقوقية. أحيانًا يرتكب الأشخاص المعصية أو الجريمة بطريقة تكون في مرأى الآخرين، بحيث يُطلق على جريمتهم عرفًا «جريمة مشهودة»؛ أي أنهم لا يبالون بكشفها، وجريمتهم يمكن مشاهدتها بسهولة من قبل الأفراد غير المرتبطين به.
على سبيل المثال، في زقاق أو شارع حيث يمر الناس، يرتكبونها. فهل تصوير مثل هذه المعصية والجريمة جائز شرعًا؟ يبدو أنه لكشف هذا الحكم، يجب أيضًا دراسة انطباق العناوين الشرعية على هذا الفعل.
تطبيق عنوان إشاعة الفاحشة
مع افتراض قبول حرمة إشاعة الفاحشة، كما ذكرنا في تطبيق عنوان إشاعة الفاحشة على تصوير الجرائم غير المشهودة، فإن مجرد التصوير دون أن يُظهره المصور للآخرين أو ينشره في الفضاء الافتراضي أو الحقيقي، ليس مصداقًا لإشاعة الفاحشة ولا يصدق عليه تعريف الإشاعة.
نعم، إذا نُشرت الصور المسجلة بنية إشاعة الفاحشة وتطبيع المعصية في المجتمع في الفضاء الحقيقي أو الافتراضي، فهي حرام، ومن الناحية القانونية سيتم التعامل معه وفقًا للمادة 742 من قانون الجرائم الحاسوبية؛ ولكن قد يكون نشر الصور أحيانًا بقصد النهي عن المنكر. مثلًا، أن يكون قد نهى الشخص المذنب أو المجرم باللسان ولم يعتنِ، ونتيجة لذلك لم يبقَ طريق لنهيه إلا بنشر صور عمله الإجرامي. وهنا يحدث تزاحم بين حرمة إشاعة الفاحشة ووجوب النهي عن المنكر. فيجب أن نرى أيهما أكثر أهمية.
يبدو أنه بالنظر إلى أن الهدف من النهي عن المنكر هو أن يكف الشخص المذنب عن معصيته، فلا يمكن عن طريق نشر صور معصيته فعل شيء يؤدي إلى تلوث عدد أكبر من الأفراد بتلك المعصية وتصبح المعصية عادية بالنسبة لهم؛ لأن هذا العمل يؤدي إلى نقض الغرض ويفسد الغرض من النهي عن المنكر. إذًا، في هذا التزاحم، تُقدّم حرمة إشاعة الفاحشة ويجب مراعاتها.
تطبيق عناوين مثل إيذاء المؤمن وإهانته وتحقيره وحفظ زلاته وعيوبه
كما قيل سابقًا، في دين الإسلام، تم التأكيد بشدة على حفظ احترام المؤمن، وتم تحريم الأشياء التي تتنافى مع هذا الاحترام. ومن هذه المحرمات يمكن الإشارة إلى إيذاء المؤمن، وإهانته وتحقيره، وحفظ زلاته وعيوبه، وانتهاك حرمته، والقضاء على شخصيته وماء وجهه وكرامته. فإذا تمكن تصوير الجرائم المشهودة من أن يكون مصداقًا لهذه الأمور، فبطبيعة الحال سيكتسب حكمها أيضًا.
ولكن من الواضح أن هذه العناوين غالبًا لا تصدق على الشخص الذي يرتكب المعصية والجريمة عمدًا في العلن؛ لأن الشخص الذي يرتكب جريمة بعلم وعمد أمام الرأي العام لا يخشى من رؤية جريمته ومعصيته، ولا يرى ماء وجهه وشخصيته في خطر من هذه الناحية. فعندما لا يسعى هو نفسه لستر معصيته ولا يقيم لنفسه حرمة، فكيف يمكن اعتبار تصوير جريمته مصداقًا لانتهاك حرمته وإراقة ماء وجهه؟! خاصة إذا كان هذا التصوير بقصد النهي عن المنكر أو سائر العناوين الواجبة.
نعم، قد لا يكون لدى شخص مشكلة في رؤية معصيته من قبل عدد محدود، ولكن انتشارها على مستوى المجتمع كله أو في الفضاء الافتراضي غير مرغوب فيه، أو أنه لا يرغب في التصوير أصلًا. من الواضح أنه في هذه الحالات، لا يجوز تصويره، إلا إذا صدق عليه عنوان أهم.
تطبيق عنوان أخذ الذريعة على المؤمن
أحد العناوين المنهي عنها في الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام هو أن يحفظ الإنسان إثمًا أو خطأً لمؤمن ليستخدمه ضده يومًا ما. يبدو أن انطباق أو عدم انطباق هذا العنوان هو أيضًا مثل العنوان السابق؛ أي أنه ممكن فقط في حالة صدق عنوان أهم هنا.
تطبيق عنوان الدفاع
علمنا أن حرمة تصوير المعاصي والجرائم الخفية للآخرين لا تقبل الشك وتنطبق عليها عناوين محرمة مختلفة؛ ولكن فيما يتعلق بالدفاع عن النفس سواء في الجرائم المشهودة أو غير المشهودة، فإن المسألة تختلف قليلًا. في الجرائم المشهودة، ستكون لديك الحرية الكاملة لنشر الجرائم للدفاع عن نفسك والآخرين. في الواقع، في الجرائم المشهودة، لديك أفضل إذن لنشر الصور والمستندات للدفاع عن نفسك ضد الاتهامات والأكاذيب التي تُنسب إليك.
بالاستناد إلى القانون: ذكر المشرع جميع الأدلة من إقرار وشهادة وسند وغيرها تحت عنوان أدلة إثبات الدعوى. بالإضافة إلى هذه الأدلة، يُعتبر علم القاضي أيضًا في القوانين من جملة أدلة إثبات الدعوى.
بناءً على الدليل الأخير، كل ما يساعد في تكوين وعي وعلم لدى القاضي بشأن وقوع الجريمة أو الحادثة، يمكن الاستناد إليه. الصورة والصوت والفيديو أيضًا، إذا كانت تساعد في تكوين علم لدى القاضي مرتبط بموضوع الدعوى القضائية، فقد يتم الاستناد إليها.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء: 148).
النتيجة هي أنه للدفاع عن النفس، يمكن استخدام جميع المستندات والأدلة المتاحة، وفي هذه الحالة، النشر، لا من الناحية الشرعية، يوجه إثمًا إلى الشخص الذي قدم المستندات، ولا من الناحية القانونية، يوجد مانع للفرد، وهذا الحكم يُستنبط صراحة من الآية أعلاه. كما أن توجيه انتباه القاضي إلى أبعاد الموضوع أمر مستحسن، بل واجب.
تطبيق عنوان النهي عن المنكر
كما قيل سابقًا، يمكن أن يندرج تصوير الجرائم غير المشهودة أو المشهودة تحت عنوان النهي عن المنكر، لذا فإن مسألة مشروعيته أو عدمها تحتاج إلى تفصيل أكبر.
سيقع تصوير الجرائم المشهودة، من تلك الجهة، تحت عنوان النهي عن المنكر، حيث يقوم الناهي عن المنكر بالتصوير بقصد ونية منع المعصية، لكي يدرك الشخص المجرم أنه سيتم إعداد دليل ضده أو أنه يوجد دليل؛ حتى لا يقدم أبدًا على ارتكاب المعصية أو تكرارها.
كذلك، النهي عن المنكر، كما نوقش في القول الأول، له شروط وضوابط خاصة، وأي عمل في هذا العنوان خارج عن الشروط والضوابط فهو غير مشروع ويحمل حرمة بحد ذاته.
إذًا، يمكن استنتاج أن تصوير الجرائم المشهودة للنهي عن المنكر يتبع نية الشخص ونوع استخدام المستندات التي تم الحصول عليها. يمكن استخدام المستندات التي تم الحصول عليها في مجالات محرمة أو في صالح المجتمع والشخص نفسه، فإذا كان التصوير في إطار الشروط والضوابط التي ذُكرت في القول الأول بخصوص النهي عن المنكر، فهو عمل مشروع، ويمكن في بعض الظروف إصدار حكم بوجوبه، وفي غير هذه الحالة، يمكن أن يكون التصوير عملًا غير مشروع سواء في القانون أو في الشريعة الإسلامية.
الاستنتاج
مما سبق، يمكن استخلاص النتائج التالية:
1. إذا قام شخص بتصوير جرائم ومعاصي الآخرين غير المشهودة التي تُرتكب سرًا، فإن هذا العمل من حيث التجسس في حياة الآخرين، وإيذاء المؤمن، وإهانته، وانتهاك حرمته، وأخذ الذريعة على المؤمن، قد يكون حرامًا؛ ولكن مجرد التصوير طالما لم يُنشر في المجتمع، لا يُعتبر إشاعة للفاحشة.
2. تصوير معاصي وجرائم الآخرين إذا كان بقصد استخدامها للدفاع عن النفس، فلا إشكال فيه؛ أي إذا احتمل شخص أنه قد يُتهم في المستقبل في محكمة ويستطيع بتصوير معصية الآخرين رفع التهمة عن نفسه، فيمكنه القيام بهذا العمل، بشرط أن يراعي باقي الشروط – مثل حفظ الصور عن نظر الناس العاديين وعدم نشرها، وغيرها.
3. في حالة تصوير معصية الآخرين بقصد نهيهم عن المنكر، فلا إشكال فيه؛ ولكن بشرط ألا يُنقض الغرض؛ أي إذا ترك شخص المنكر بمجرد تصويره، فيمكن ب تصويره توفير أرضية ترك المعصية له؛ ولكن إذا لم يكن مجرد التصوير كافيًا وكان نشر صور معصيته في المجتمع ضروريًا أيضًا، وكان نشرها يستلزم إشاعة الفاحشة أو تطبيع الجريمة، فمن الواضح أن مثل هذا العمل غير جائز؛ لأن الغرض من النهي عن المنكر يجب أن يكون تقليل المعصية لا انتشارها. فلا يمكن بوسيلة هي نفسها سبب لإشاعة المنكر، النهي عن المنكر.
قائمة المصادر
القرآن الكريم.
1. إيوان كيفي، محمد تقي بن عبد الرحيم، (بلا تا)، هداية المسترشدين في شرح معالم الدين، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
2. أردبيلي، محمد علي، (1392 ش)، حقوق جزاي عمومي، تهران: انتشارات ميزان، چاپ بيست و نهم.
3. پاينده، أبو القاسم، (1382 ش)، نهج الفصاحة، تهران: دنياي دانش.
4. حائري أصفهاني، محمد حسين بن عبد الرحيم، (1404 ق)، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، قم: دار إحياء العلوم الإسلامية.
5. حر عاملي، محمد بن الحسن، (1416 ق)، وسائل الشيعة، قم: آل البيت.
6. حلي، جعفر بن حسن، معروف بـ«محقق»، (1412 ق)، نكت النهاية ـ النهاية ونكتها، قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعة مدرسين حوزة علمية قم.
7. خسروي، غلام رضا، (1374 ش)، ترجمه و تحقيق مفردات ألفاظ قرآن، تهران: مرتضوى.
8. خويدكي، شرف الدين، (1388 ش)، كاشف الأستار، تهران: كتاب فروشي إسلامية.
9. دانش، حفيظ الله، (1392 ش)، حقوق جزاي عمومي، ج 2، كابل: انتشارات سيرت.
10. صانعي، برويز، (1377 ش)، حقوق جزاي عمومي، تهران: كنج دانش.
11. فراهيدي، خليل بن أحمد، (1409 ق)، كتاب العين، چاپ مهدي مخزومي وإبراهيم سامرائي، قم: مؤسسة دار الحجرة.
12. قانون آيين دادرسي
13. قانون مجازات إسلامي
14. قرائتي، محسن، (1377 ش)، گناه شناسي، تهران: مركز فرهنگي درسهايي از قرآن.
15. قريشي، سيد علي أكبر، (1364 ش)، قاموس قرآن، تهران: دار الكتب الإسلامية.
16. قمي، علي بن إبراهيم، (1404 ق)، تفسير قمي، قم: دار الكتاب.
17. كليني، محمد بن يعقوب، (1363 ش)، الكافي، تهران: كتب الإسلامية.
18. گرجي، أبو القاسم، (1385 ش)، مقالات حقوقي، تهران: دانشگاه تهران.
19. مكارم شيرازي، ناصر، (1362 ش)، تفسير نمونه، قم: دار الكتب الإسلامية.
20. ميرزاي قمي، أبو القاسم بن محمد حسن، (1430 ق)، القوانين المحكمة في الأصول، طبع جديد، قم: إحياء الكتب الإسلامية.
21. هاشمي شاهرودي، سيد محمود، (1395-1392 ش)، فرهنگ فقه مطابق مذهب أهل بيت عليهم السلام، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت عليهم السلام.
الهوامش
1. وكالة أنباء مهر، رمز الخبر 6056318، https://www.mehrnews.com/news/6056318.
2. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور/ 19). كذلك في روايات الشيعة، تمت إشارات كثيرة إلى مصاديق وآثار وبيان أحكام مرتبطة بإشاعة الفاحشة. في الروايات، يُعرّف مشيع الفاحشة كفاعلِها، والخروج من نار جهنم، والخروج من ولاية الله، وشيوع أمراض لم تكن في السابقين، من عواقبها. كما ذُكر في هذه الروايات أسباب لإشاعة الفاحشة مثل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإفشاء أسرار المؤمنين. (خويدكي، 1388ش، ج1، ص134). على سبيل المثال، نُقل عن الإمام علي والإمام الصادق عليهما السلام، أن من قال عن مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو من الذين قال الله عنهم: «إِنَّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». (القمي، 1404ق، ج2، ص100؛ الكليني، 1363ش، ج4، ص60).
3. هذا الواجب ورد في آيات متعددة من القرآن الكريم. منها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (التوبة: 71) و ﴿…وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 113-114).