دراسة سند ومتن رواية «المباهتة»

الملخص

المباهتة عنوان فقهي مأخوذ من عبارة «باهتوهم» في رواية من كتاب الكافي. حديث المباهتة صحيح من حيث السند، وقد استُدل به في الكتب الفقهية أيضاً. وقد أثار الترديد في معنى المباهتة رأيين عامين بين الفقهاء. ففريق من الفقهاء اعتبروه من باب البهتان وترجموا المباهتة بالاتهام، وحكموا بجواز الكذب على أهل الريب والبدع استناداً إلى هذا الحديث؛ إلا أن فريقاً آخر فسّروه بمعنى «الإقناع وإقامة الأدلة المحكمة في مواجهة المخالفين»، وبالتالي رفضوا جواز بهتان أهل الشك وأصحاب البدع. هذا البحث من جهة، يرفض رأي الفريق الثاني ضمن تحليل وتبيين المتن، ومن جهة أخرى، يردّ نظرية الفريق الأول من خلال الدراسة الدلالية لهذا الحديث، بالاعتماد على العقل الأخلاقي المؤيد بالآيات والروايات. وفي النهاية، يعتبر هذا البحث الرواية فاقدة لشرائط الاعتبار على الرغم من صحة سندها، لأن قبولها يستلزم وهن الدين ورسم صورة غير صحيحة عن التعاليم الإسلامية ذات المحور الأخلاقي.

۱. طرح المسألة

إن أهم سبيل للوصول إلى التعاليم الدينية بعد القرآن الكريم هو سنة المعصوم (ع) التي وردت في قالب آلاف الأحاديث في العديد من كتب الروايات. إلا أن الاستفادة من هذا الكنز الثمين من الروايات تتطلب مقدمات كدراسة السند والدلالة، نظراً لكون الأحاديث عرضة للآفات واحتمال التصحيف والتحريف والتقطيع وغيرها.

في خضم الروايات الموجودة في المصادر الحديثية، قد نجد أحياناً أحاديث يواجه قبولها المطلق بعض المشكلات، منها أن العمل بمضمون الرواية لا ينسجم مع الروح الأخلاقية لسنة المعصومين (ع)؛ والحديث التالي يمكن أن يكون نموذجاً لهذه الحالات:

«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ وَالْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَ أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ وَ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَ الْوَقِيعَةَ وَبَاهِتُوهُمْ كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الْإِسْلَامِ وَيَحْذَرُهُمُ النَّاسُ وَ لَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ بِدَعِهِمْ يَكْتُب اللَّهُ لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ وَيَرْفَع لَكُمْ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَةِ»؛

«إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم. يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة» (الكليني، 1365 هـ ش: 2، 375).

تهدف هذه المقالة إلى دراسة سند ودلالة هذا الحديث. الجدير بالذكر أنه سبق نشر مقالة بعنوان «دراسة فقهية قانونية للمباهتة الإعلامية» في فصلية الحقوق الإسلامية لعلي مراد حيدري، ولم يتم في تلك المقالة الالتفات إلى التحليل السندي والمحتوائي للرواية. كما أن مقالة «جواز تهمت و افترا به مخالفان در فقه» لمحمد سروش محلاتي قد تناولت الجوانب الفقهية المختلفة؛ وفي مقالة «تأملی در مدلول روایت موسوم به مباهته» في مجلة «تحقيقات علوم قرآن و حدیث»، فإنه بالإضافة إلى عدم الالتفات إلى التحليل السندي ووظيفة هذه الرواية، فقد توصلت إلى معنى يشكك فيه كاتبا هذه المقالة.

۲. دراسة المتن والسند

۱-۲. صيغ النقل

لم تُشاهد هذه الرواية في مصادر أهل السنة، وضمن المصادر الشيعية المتقدمة الموجودة، وردت فقط في كتاب الكافي.1 وقد تم ذكر نقل الكافي سابقًا، أما المصنفات الأخرى فقد كررت نقلها بنفس الطريق مع اختلاف طفيف:

في كتاب الحدود والتعزيرات من وسائل الشيعة، نُقلت هذه الرواية، وبدلًا من «باهتوهم» جاءت «أهينوهم» (المقدس النجفي، بلا تا: 1، 248). يبدو أن هذا إما خطأ من مقرر درس آية الله الگلپایگاني والأصل هو «باهتوهم» كما ورد في وسائل الشيعة (1414 ق، 16: 267)، أو أنه نقل بالمعنى، أي أنه فهم أن المقصود بـ«باهتوهم» هو «أهينوهم» أي أهينوهم. في تنبيه الخواطر (مجموعة ورام)، جاء بدلًا من «باهتوهم» كلمة «ناهبوهم» (ورام بن أبي فراس، 1410 ق، 2: 162)، والتي بالإضافة إلى ضعف إرسال السند، يُحتمل أن تكون تصحيفًا لكلمة «باهتوهم».

الروايات المختلفة المذكورة سابقًا، كلها تُحدث تغييرًا في معنى حديث المباهتة. لكن بعض الاختلافات في النقل لا تؤدي إلى تغيير في المعنى، مثل «أهل البدع و الريب» بدلًا من «أهل الريب و البدع»، و«لئلا يطمعوا»، و«حتى لا يطمعوا»، و«كيلا يطغوا»، و«لئلا يطغوا» بدلًا من «كيلا يطمعوا»، و«تحذرهم» بدلًا من «يحذرهم»، و«و لا يتعلموا» بدلًا من «لا يتعلمون» (الكليني، 1387 هـ ش، 4:123).

۲-۲. تقييم سلسلة السند

في سلسلة أسانيد هذا الحديث، تظهر أسماء أربعة رجال، جميعهم موثقون في كتب الرجال، ولم يرد في حق أي منهم تضعيف في أي من كتب الرجال:

محمد بن يحيى أبو جعفر العطار القمي: من مشايخ الشيعة في زمانه، ثقة، عين، وله روايات كثيرة (النجاشي، 1416 ق، 353).

السيد الخوئي بعد نقل وتأييد كلام النجاشي يقول: هو من أساتذة الكليني في قم، يروي عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (الخوئي، 1410 ق، 18: 30-31 و 367 و 379).

محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، أبو جعفر الزيات الهمداني: «كوفي؛ ثقة» (الطوسي، 1356 ق، 400؛ همو، 1381 ق، 379). السيد الخوئي ضمن توثيقه، يعتبر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أحد شيوخه (15: 400 و 431).

أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي: آية الله الخوئي يصف البزنطي الذي روى عن شيوخ مثل داود بن سرحان بأنه ذو مكانة عظيمة عند الإمام الكاظم (ع) والإمام الرضا (ع)، وضمن نقله لرواية الكشي، يعده من أصحاب الإجماع (2: 231 و 7: 106). وهو أيضًا ثقة وجليل عند ابن داود والعلامة الحلي (ابن داود 1383 ق، 39؛ الحلي، 1411 ق: 13).

داود بن سرحان العطار: المتقدمون والمتأخرون من كبار علماء الرجال كالنجاشي وابن داود والسيد الخوئي يعتبرونه ثقة. وقد تلقى العلم من محضر الإمام الصادق (ع) (النجاشي، 159؛ ابن داود، 144؛ الخوئي: 7: 105).

بناءً على ذلك، الحديث متصل السند وصحيح السند.

۳-۲. الاستدلال بالحديث في كتب الفقه

في كثير من الكتب الفقهية المتخصصة، يُلاحظ الاستدلال بهذا الحديث (انظر: العاملي، 1413 ق، 14: 434؛ السبزواري، 1381 ش، 1: 437؛ الفاضل الهندي، 10: 523؛ الجزائري، بلا تا، 31؛ النجفي، 1367 ش، 41: 412). وقد تناول كل منهم شرحه وتبيينه. ونظراً لأن تبيين الفقهاء لهذه الرواية متفاوت، نشير إلى أهمها:

الشهيد الثاني (ت 966 ق) في كتاب مسالك الأفهام، وهو شرح شرائع الإسلام للمحقق الحلي، في باب «التعريض بما يكرهه المواجه» يقول: «الفاسق الذي يجاهر بفسقه لا حرمة له بدليل صحيحة داود بن سرحان» (1413 ق: 14: 434). في التحفة السنية، السيد عبد الله الجزائري (بلا تا، 31) والحدائق الناضرة، الشيخ يوسف البحراني (بلا تا، 18: 164) أيضاً، أشارا إلى هذا الحديث بصحيحة داود بن سرحان واستدلا به كذلك.

محمد باقر السبزواري، في كفاية الفقه، في باب «الغيبة وهجاء المؤمنين»، يعدد تسعة موارد من استثناءات الغيبة المحرمة، وتحت الرقم الرابع الذي هو «تحذير المسلم من الوقوع في الخطر والشر ونصح المستشير»، يقول: «من هذا القبيل غيبة أهل البدع. الكليني روى بطريق صحيح عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: قال رسول الله (ص): «… وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم. يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة» (السبزواري، 1381 ش، 1: 437. انظر أيضاً: الفاضل الهندي الذي يستند إلى قواعد الأحكام للعلامة الحلي، 1416 ق: 10: 523).

صاحب الجواهر، في باب «بيان ما يوجب القذف»، يرى أن القاذف مأجور، مع فارق أنه يحكم بوجوب البهتان، ويعتبر تاركه عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحقاً للجلد والتعزير. ثم يستثني حالة واحدة من المطلب الأخير ويقول: «نعم، إذا كان البهتان الذي يوجهه للشاكين والمبتدعين من الأمور التي لم يرتكبها المتهم، فإنه لا يوجب التعزير، لأنه في حديث حسن2، عن الحلبي عن الصادق (ع)، أنه نهى عن قذف غير المسلم وبهتانه إلا في الأمور التي ارتكبها غير المسلم» (1367 ش، 41: 412. انظر أيضاً: الشيخ الأنصاري، 1420 ق، 1: 353).

المرحوم الخوانساري في جامع المدارك، في باب حد القذف – أي اتهام بالزنا واللواط وما شابه ذلك – وأحكام وشروط القذف، بالاستناد إلى الرواية المذكورة، يقول: «أما في حالة المجاهرة، فلا حاجة لحد ولا تعزير. ويبدو أنه لا خلاف في هذا الحكم» (1355 ق: 7: 98).3

إن آراء الفقهاء حول جواز اتهام أهل البدع تضاعف من ضرورة تحليل ودراسة هذه الرواية.

۴-۲. دراسة الجانب الدلالي لحديث المباهتة

۱-۴-۲. تبيين لغوي لمفردات الحديث

أهل الريب: «الريب» في اللغة له معانٍ متعددة مثل تقلبات الدهر وحوادث الزمان – كريْب المنون – والشك، والشبهة، والتردد، ومثل «لا ريب فيه» (الفراهيدي، 1410 ق، 8: 287؛ ابن منظور، 1414 ق، 1: 442). والمراد بأهل الريب هم أولئك الذين يثيرون الشكوك في الدين ويوقعون الناس في التردد بإلقاء الشبهات (المجلسي، محمد تقي، 1403 ق، 71: 202).

البدع: جمع مكسر لـ«بدعة»، وفي اللغة تعني الابتكار (ابن منظور، 1414 ق، 8: 6)؛ أما البدعة في الدين – وهي المراد في هذا الحديث – فغالباً ما تُعرّف بأنها «إدخال ما ليس من الدين فيه» (معروف حسني، 1978 م: 148). البدعة في اللغة تعني العمل الجديد، وعادة ما تطلق على عمل لا سابق له يدل على نوع من الحسن والكمال في فاعله (الفراهيدي، 1410 ق، 2: 54؛ ابن منظور، 1414 ق، 8: 6). يعتبر ابن حجر العسقلاني البدعة أمراً حادثاً لا دليل عليه في الشريعة (بلا تا، 13: 212). عرّف السيد المرتضى البدعة بأنها زيادة أو نقصان في مدلولات النصوص الدينية ونسبة هذا الأمر إلى الدين (بلا تا، 2: 264). يمكن اعتبار عنصري التصرف في الدين وعدم وجود أصل للفعل في الدين المبين من الأركان الأساسية للبدعة.

السب: الفحش والشتم (ابن منظور، 1414 ق، 1: 455).

القول: بمعنى الحديث والكلام. والمراد به هنا الكلام السيئ والذم (نفسه: 11، 573).

الوقيعة: لها معانٍ متعددة، ولكن عندما تستخدم للإنسان، فإنها تعني العيب والغيبة (نفسه، 8: 405؛ المصطفوي، 1360 ش، 13: 178-179؛ حسني البيرجندي، 1379 ش، 835).

المباهتة: هذه الكلمة مصدر ثلاثي مزيد، من باب المفاعلة من «بهت». جذر «ب ه ت» يحمل معاني متنوعة مثل الكذب، والتحيير (ابن منظور، 1414 ق، 2: 12-13)، ونسبة القبيح والسيئ (الفراهيدي، 1410 ق، 4: 35؛ ابن الأثير، 1364 ش، 1: 165). هذه الكلمة في الأصل تعني الحيرة والدهشة.

(المصطفوي، 1360، 1: 345-346؛ ابن فارس، 1399 ق، 1: 307). التحير المطلق، سواء كان بسبب ما يسمعه مثل: «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» (البقرة: 258)، حيث أن الاستدلال الذي نطق به إبراهيم (ع) أبهت النمرود، أو مثل كلام ابن الجوزي بعد سماع كلام واعظ كاذب ووضّاع للحديث: «وَ مَا زَالَ يَذْكُرُ مِنْ هَذَا الْفَنَّ مِنَ الْكَذِبِ الْبَارِدِ حَتَّى بَهَتُّ أَنَا مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ» (ابن الجوزي، 1409 ق، 106). أو بسبب ما يراه، مثل حيرة الوليد بن عبد الملك عندما رأى ثياب الحرير والمجوهرات الثمينة على موسى بن نصير وأصحابه: «فلما نَظَرَ إِلَيْهِمْ الْوَلِيدُ وَ هُوَ يَخْطُبُ النَّاسِ عَلَى مِنْبَرِ جَامِعِ دِمَشْقَ بُهِتَ إِلَيْهِمْ لِمَا رَأَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَرِيرِ وَ الْجَوَاهِرِ وَ الزِّينَةِ الْبَالِغَةِ» (ابن كثير، 1408 ق، 9: 196).

أو من الحياء: اذا بُهِتَ مِن الحياء (ابن ناصف، 1905 م، 1: 225) أو لأسباب أخرى مثل الدعاء المنسوب للإمام السجاد (ع): «فإني قد بهت وتَحيَّرْتُ مِن كثرة الذُّنوبِ مَع العصيان» (المجلسي، 1403 ق، 91: 138). وعندما يُتهم شخص بفعل سيئ لم يرتكبه وينسب إليه، فإنه يتحير ويتيه؛ وهذا يسمى بهتاناً (المصطفوي، 1360 ش، 1: 345-346).

أما «باهت» فتعني البهتان والكذب والاتهام الباطل بحيث يُصاب بالحيرة والدهشة (الحسيني، 1375 ش، 2: 192؛ ابن منظور، 2: 12؛ الزبيدي، 1414 ق، 3: 19). لأهمية هذه الكلمة في حديث المباهتة، نستعرض آراء بعض العلماء:

القاضي عياض في حديث آخر قال: «أن الْيَهُود قوم بُهت بِضَمِ الْبَاءِ وَالْهَاءِ وَإِن تَسْأَلَهُمْ عني يبهتوني». يبهتوني يعني يبهتونني بالقول الباطل – يباهتون بقول الْبَاطِل فِي الْوَجْه – (بلا تا، 1: 102).

نشوان بن سعيد الحميري: (باهت) فلاناً يعني واجهه بالبهتان. قَالُوا فلان يباحث فيباهت؛ أي يقال فلان يباحث ويبهت (1420 ق، 1: 649).

جمال الدين محمد بن عبد الله: «بهوت» جمع «بهت»، ويطلق على من يكثر من بهتان الناس، أي ينسب إليهم ما ليس بصادق فيهم (جمال الدين، 1404 ق، 1: 76).

ابن منظور: باهته أي واجهه بالبهتان وهو بريء منه (1414 ق، 2: 12-13).

محمد بن يعقوب الفيروزآبادي: بهوت هو نفسه مُباهت (1426 ق، 148).

ابن معصوم المدني: باهت في الأمر يعني بهت وبالغ فيه (المدني الشيرازي، 1384 ش، 3: 187).

مرتضى الزبيدي: «بهوت» – مثل صبور – هو نفسه المباهت: قد باهته، بينهما مُباهَتَةٌ، وكما جاء في الأساس: عادته أن يُباحِثَ فَيُباهِت. و لا تباهتوا و لا تماقتوا [كلها بمعنى المباهتة]. والمراد من المباهتة، هو من يوقع السامع في الحيرة بالكذب عليه (1414 ق، 3: 19، انظر أيضاً الزمخشري: 55).4

أحمد مختار عمر: باهَتَ خَصمه أي حيره بافتراء عليه، وقابله بالكذب (1429 ق، 253).

لكن بعض المحدثين والفقهاء ترجموا المباهتة بـ«المجادلة وإسكات الخصم عن الكلام بالاستدلال»، مثل:

الملا محسن الفيض الكاشاني: «باهتوهم أي جادلوهم وأسكتوهم وأقطعوا الكلام عليهم»؛ باهتوهم أي جادلوهم وأسكتوهم واقطعوا كلامهم (1406 ق، 1: 245).

الملا محمد صالح المازندراني: لعل المراد بـ«باهتوهم» مثل آية «فبهت الذي كفر» هو إيقاع الحيرة بالاحتجاجات البليغة (1421 ق، 10: 43).

والمرحوم علي أكبر غفاري، مع ذكره البهتان كأحد المعاني المحتملة لـ«باهتوهم»، يرجح معنى استخدام الأدلة القاطعة التي تحير المخالف (1367 ش، ذيل هذه الرواية).

ولكن هذا المعنى لا يبدو صحيحًا لثلاثة أسباب:

أ) في كتب اللغة، جذر «ب هـ ت» يعني الحيرة والارتباك، وكما مر، يمكن أن تكون للحيرة أسباب مختلفة. سياق الآية «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» يوضح أن ذهول النمرود كان بسبب سماع الدليل القاطع من إبراهيم؛ لكن تخصيص كلمة «باهت» في سائر الاستعمالات بمعنى التحير بسبب سماع الاستدلال فقط، ونبذ سائر أسباب الحيرة والدهشة، هو أمر لا دليل عليه، وترجيح بلا مرجح. ففي هذه الآية، وبسبب القرينة – السياق – فإن حيرة النمرود ودهشته كانت نتيجة لما سمعه، وهذا لا علاقة له بالحالات الأخرى من الدهشة الناتجة عن الرؤية أو الحالات العاطفية الأخرى مثل الخجل والحياء، وتعميم المعنى اللغوي لـ«بهت» ليشمل فقط سماع الاستدلال في سائر الموارد هو أمر لا دليل عليه. بالإضافة إلى ذلك، وبتصريح اللغويين – كما مر – فإن «بهت» عندما يأتي على باب المفاعلة، يختص بمعنى البهتان والكذب.

ب) اقتران هذه الكلمة بكلمات مثل السب، والفحش، والذم، والوقيعة، والغيبة، كعقوبة شديدة للمبتدعين ومثيري الشبهات، بهدف منعهم من إحداث شرخ وفساد في الإسلام وتحذير المسلمين منهم، لا يترك مجالًا لترجمتها بالاستدلال والاحتجاج. فالسياق والأجواء المشحونة بالغضب والقهر قبل هذه الكلمة لا تتناسب مع رسم فضاء منطقي وعقلاني والاستفادة من العلم والاستدلال.

ج) استعمال هذه الكلمة مؤيد تمامًا لمعنى البهتان:5

ثلاثةٌ مَا اجتمعنَ فِي حَرٍّ: مُباهتة الرّجالِ وغيبتهم وملال أهل المودة (الأندلسي، 1425 ق، 1: 5؛ راغب الأصفهاني، 1420 ق، 2: 743).

وَإِمَّا مكابر يَنْسِبُ إِلَيْنَا مَا لَا تَقُولُه مُباهتَةً و جَرَاءَةً عَلَى الْكَذِبِ وَ عَجزاً عن مُعارضة الحق (ابن حزم، بلا تا؛ 5: 59).

أَ تَأْخُذُونَهُ بُهتاناً وَ إِثْماً مُبيناً أي: مباهتين وآثمين (ابن عجيبة، 1419 ق، 1: 484. انظر أيضاً ذيل هذه الآية في تفاسير مثل مجمع البيان، التبيان في تفسير القرآن، مفاتيح الغيب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ومقتنيات الدرر وملتقطات الثمر).

خارج كتب اللغة، لا يوجد حتى مورد واحد استُخدمت فيه «المباهتة» بمعنى إبهات بالاستدلال؛ ولهذا السبب ترجم كثير من المحدثين والفقهاء «باهتوهم» بمعنى الكذب والبهتان.

يكتب السيد الخوئي: هجاء المبتدع بما ليس فيه من العيوب، يُعد من الكلام الكاذب، وهو حرام بدليل الكتاب والسنة – كما مر في مبحث حرمة الكذب – إلا لمصلحة ضرورية تقتضي جواز بهتانهم ونسبة أمور ليست فيهم إليهم، من أجل فضحهم؛ وتلك المصلحة هي تبيين مكانتهم للمؤمنين ضعاف الإيمان، لئلا يفتتنوا بأفكارهم الخبيثة وأغراضهم الدنيئة، وعلى هذا المحمل تحمل رواية المعصوم (ع): «وَ باهتوهم كي لا يطعموا في الإسلام»، أي افتروا عليهم كي لا يطمعوا في القضاء على الإسلام (المقدسي النجفي، بلا تا؛ التوحيدي، 1377 ش؛ كريمي الجهرمي، 1412 ق، 12: 148؛ روحاني، بلا تا، 21: 86).

۲-۴-۲. نقد الآراء

من التبعات السيئة لتجويز المباهتة، تجويز الأساليب السيئة للوصول إلى الغايات الحسنة، والالتزام بأن «الغايات تبرر الوسائل»؛ وأنه يمكن ويجب الوصول إلى الهدف بأي وسيلة وواسطة. قبول هذا التوجه يستلزم وهن الدين ورسم صورة غير مرغوب فيها عن تعاليم الإسلام ذات المحور الأخلاقي.

الاعتماد على العنف الصريح كأسلوب مقبول لمواجهة الغزو الثقافي، وإجازة كبار رجال الدين بكسر ونهب وتعذيب وتقييد، واغتيال الشخص والشخصية بهدف قمع فكر المخالفين، والترويج لقراءة فاشية للدين من أجل إحكام القبضة على الدين، بأسلوب ومبدأ ميكافيلي يرى أن الهدف يبرر الوسيلة، كلها تحفة ضئيلة من قبول هذا الحديث. بينما ينقل البرقي عن رسول الله (ص) أنه قال: «إذا ظهرت البِدَعُ في أُمَّتى فَليُظهِر العالم علمه» (البرقي، 1371 ش، 1: 321). إذن، فإن سبيل مواجهة المبتدع هو الاستدلال والاستفادة من علم العلماء، لا البهتان والغيبة.

التدقيق في صدر الرواية أيضًا لا يحل مشكلة تبرير «باهتوهم» بمعنى إقامة الدليل القاطع وإسكات المخالف. فالأمر بالإكثار من السب يتعارض أيضًا مع العقل الأخلاقي لتعاليم الدين.

۳-۴-۲. التعارض مع الآيات والروايات

من الضروري في هذا الشأن النظر بعين العناية إلى لطائف القرآن وإشارات الروايات من منطلق حرص ديني وأخلاقي. يبدو أن هذا الفهم للرواية يتعارض مع آيات القرآن التي توصي بالمعاملة الحسنة والتعامل الطيب مع الخصم:

«وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (فصلت: 34).

«ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل: 125).

«وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» (البقرة: 83).

«وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا» (الفرقان: 72).

«وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (الأنعام: 108).

«وَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» (الزخرف: 89).

«وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ» (الجاثية: 7).

«لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (الممتحنة: 8-9).

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة: 8). هذه الآية الشريفة، مع التوصية بمراعاة العدل، تذكّر بأن عداوة قوم وبغضهم لا ينبغي أن يؤدي إلى الخروج عن العدل والسلوك العادل، وقد اعتبرت هذا التصرف خروجًا عن التقوى.

الأمر بالإكثار من الشتم والذم يتعارض أيضًا مع تعاليم الدين؛ فالروايات في باب النهي عن الكذب والفحش والبهتان كثيرة، ولا شك أن لسان بعضها «آبٍ عن التخصيص».6 يقول النبي الأكرم (ص):

«لا تَسُبُّوا الناس فتكتسبوا العَداوَةَ بَينَهم» (البروجردي، 1399 ش، 13: 429).

في معركة صفين، عندما سمع أمير المؤمنين (ع) أن أصحابه يسبون أهل الشام والجناح المقابل، قال: «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر. وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به» (نهج البلاغة، الخطبة 206).

ويقول أيضاً: «لا قِحَةَ كَالبَهت»؛ أي لا وقاحة مثل البهتان (الليثي الواسطي، 1376 ش: 536).

بلا شك، استنادًا إلى الآيات والروايات، لم يستخدم الأنبياء الإلهيون أبدًا البهتان والشتم وأمثالهما في مواجهة مخالفيهم، بل كان البهتان بالجنون والسحر والكهانة وغيرها سلاح مخالفيهم.

۵-۲. رأي العلماء

من بين الفقهاء الذين عارضوا بشدة النظريات القائمة على حديث المباهتة، المقدس الأردبيلي. يعتقد أن المسلم الذي ينتقد عقيدة كافر ويعترض عليها، لا يمكنه إلا استخدام الدليل المنطقي ضده، وليس له الحق في نسبة الباطل إليه أو قذفه، حتى أنه لا يجوز له أن يجعل قبائحه الظاهرية أو عيوبه الباطنية سببًا للشتم ومخاطبته بـ: يا أبرص، ولو كان أبرصًا في الواقع، أو أن يصفه بالغبي والوضيع. لا يحق للمسلم أن يكذب على دين الكافر وعقيدته، وأن ينسب إليه القباحات والعيوب التي لا وجود لها فيه واقعًا. ويستفاد من قواعد الشهيد نفس هذا المعنى.

والمرحوم الشعراني يقول بما يشبه قول المرحوم الأردبيلي: «بعض العوام يفترون على أهل البدع وينسبون إليهم جملًا كفرية كذبًا ليسقطوهم من أعين الناس، ولكن هذا العمل خطأ وبهتان وحرام – كما أشير إليه سابقًا في كلام الشهيد» (المازندراني، 1421 ق، 10: 43).

العلامة الحلي في قواعد الأحكام يرى أن نسبة الكذب إلى شخص وضيع تستوجب التعزير ويكتب: «… مع فرض أن النسب الكاذبة نُسبت إليه، ففي هذه الحالة يثبت التعزير» (1413 ق، 3: 544 و 548).

الشهيد الثاني في شرح اللمعة يرى أن مواجهة مثل هذا الشخص جائزة فقط في مجال بيان الحقائق، لا الكذب والافتراء. أي أنه يجيز الغيبة ولكن لا يجيز البهتان ونسبة الباطل (1398 ق، 9: 176).

يقول الشهيد المطهري في هذا الصدد: «إحدى الطرق التي ضُرب بها الدين من جوانب مختلفة هي عدم مراعاة هذا المبدأ، وهو أنه كما يجب أن يكون هدفنا مقدسًا، يجب أن تكون الوسائل التي نستخدمها لهذا الهدف المقدس مقدسة أيضًا؛ مثلًا، لا يجب أن نكذب، لا يجب أن نغتاب، لا يجب أن نتهم. ليس فقط من أجل أنفسنا لا يجب أن نكذب، بل لا يجب أن نكذب لصالح الدين أيضًا، أي لا يجب أن نكون بلا دين لصالح الدين، لأن الكذب هو انعدام الدين. الكذب لصالح الدين هو انعدام الدين لصالح الدين. البهتان لصالح الدين هو انعدام الدين لصالح الدين، الغيبة لصالح الدين هو انعدام الدين لصالح الدين» (1368 ش، 139-140). ويشير بإيجاز إلى حديث المباهتة فيقول: «استفاد البعض من هذا الحديث بهذه الطريقة: إذا رأيتم أهل البدع، فالكذب جائز، أي نسبة تريدون أن تنسبوها إليهم، أي كذبة تريدون أن تكذبوها، أي من أجل قمع أهل البدع وهو هدف مقدس، استخدموا هذه الوسيلة غير المقدسة وهي الكذب، وهذا الأمر يتسع دائرته أيضًا. الناس العقلاء لا يقولون مثل هذا الكلام أبدًا. الناس غير العقلاء يبحثون أحيانًا عن ذرائع» (نفسه، 128).

السيد مكارم الشيرازي، في معرض طرحه لسؤال ما إذا كان يجوز في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد أهل البدع أن نتهمهم بالباطل وننسب إليهم ما ليس فيهم، يقول: «البعض يجيزون ذلك بدليل صحيحة داود بن سرحان – حديث المباهتة؛ ولكن هذه النظرية لها إشكالات كثيرة، مثل أن الكذب له حرمة ذاتية، ولا يجوز الوصول إلى الحق بالباطل. أحد الآثار السيئة المترتبة على كشف بطلان وعدم واقعية التهم، هو أن مكانة أهل الحق تتزعزع وتضعف. فتح مثل هذا الباب يسبب فسادًا كبيرًا، لأن الذين يسعون لإزالة المخالف بأي طريقة، يستفيدون بسهولة من الطرق غير الصحيحة، وهذا بحد ذاته يسبب تشويه سمعة الإسلام» (1415 ق، 407-409). وفي تفسير الأمثل تحت الآيات 4 إلى 6 من سورة غافر يكتب: «السخرية، الاستهزاء، التهديد، والافتراء هي مجموعة الأساليب التي كان يستخدمها الظالمون الضالون في مواجهة دعوة الأنبياء، ولكن الاستدلال المصحوب بالعاطفة والصداقة والرأفة هو أسلوب الأنبياء في مواجهة الخصم» (1374 ش، 15: 192).

العلامة الطباطبائي يقول في هذا الشأن: «دعوة الدين حق، وليس لها هدف سوى الحق. فإذا توسلت هذه الدعوة بالباطل، فإنها تؤيد الباطل، وبالنتيجة تصبح دعوة إلى الباطل لا دعوة إلى الحق» (1417 ق، 4: 155).

۳. الفقه والأخلاق

علاقة الفقه بالأخلاق من الموضوعات التي لها جذور في الثقافة الإسلامية وتتمتع بتاريخ طويل. من أول وأهم المسائل التي جذبت انتباه المتكلمين وأثارت الخلافات الكلامية، هي تبرير صفات الله، خاصة في مجال العدل والتوحيد. بالطبع ليس كبحث في باب الأخلاق وفلسفة الأخلاق، بل فقط لبيان أوصاف وأفعال الله والوصول إلى نظرية متماسكة في باب الإلهيات.

بشهادة مؤرخي الفكر الإسلامي، كان أحد أول النزاعات الكلامية التي نشأت في القرون الهجرية الأولى في العالم الإسلامي، هو النزاع حول طبيعة وماهية أو منشأ الحسن والقبح. في هذا الموضوع، انقسم المتكلمون المسلمون إلى مجموعتين: الأشاعرة من جهة، والمعتزلة والعدلية من جهة أخرى.

يعتقد العدلية أن حسن وقبح الأفعال، ومنها السلوكيات الأخلاقية، هما أمران ذاتيان وعقليان. أما الأشاعرة فيعتقدون أن «الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه» (الأمين، بلا تا، 1: 109؛ الأنصاري، 1383 ش، 21؛ النائيني، 1376 ش، 3: 57).

ذاتية حسن وقبح الأفعال تعني أن بعض الأفعال تتصف بالحسن أو القبح في ذاتها وبغض النظر عن إرادة وحكم الله، وعقليتها تعني أن العقل بذاته وبغض النظر عن الوحي والنقل يمكنه أن يعرف ويدرك ويصدق بحسن وقبح الأفعال (الحيدري، 1428 ق، 3: 235).

بعبارة أخرى، الشيعة – العدلية – يعتقدون أن وصف الحسن والقبح الأخلاقي للأفعال، في عالم الثبوت ومقام التحقق، لا يعتمد على الإرادة والتشريع الإلهي، ويمكن تعريف مفهوم الحسن والقبح دون الرجوع إلى إرادة وأمر الله. لمعرفة تصديقية الحسن والقبح، لا نحتاج إلى مساعدة الوحي والشرع، وعلم الأخلاق حيث يحكم العقل بشكل مستقل، هو علم قائم بذاته، وهو جزء من العلوم العقلية لا العلوم النقلية؛ وإذا جاء حكم شرعي، فهو مجرد إرشاد إلى حكم العقل وتأييد له، لا حكم تأسيسي ومولوي (الصدر، 1417 ق، 4: 58).

كما أشير، كان أصل نزاع العدلية والأشاعرة حول صفات الله، لا أفعال الإنسان. كان الأشاعرة يؤمنون بتوحيد الله وقدرته المطلقة بمعنى أن لا شيء يحد من قدرته وإرادته ولا يُفرض عليه شيء، وذاتية الحسن والقبح تتعارض مع كليهما.

عند الأشاعرة، كون الله «فعال لما يشاء» لا يتوافق مع نظرية الحسن والقبح الذاتي للأفعال ووجود قوانين أخلاقية مستقلة عن إرادة الله. ولهذا يعتقدون أن القيم الأخلاقية تنبع من إرادة الله وتابعة لها. مثلًا، البهتان قبيح لأن الله نهى عنه، وإذا أمر الله به لأصبح حسنًا؛ إذن حسن وقبح الأفعال ليسا ذاتيين بل شرعيين، وعلم الأخلاق هو علم نقلي (التفتازاني، 1401 ق، 2: 148-154؛ الرازي، 1412 ق، 1: 123-139؛ الآمدي، 1401 ق، 91؛ ابن الجوزية، 1425 ق، 146).

في المقابل، يقول العدلية: «الله عادل» يكتسب معنى عندما يكون للعدالة معيار مستقل عن إرادة الله، بحيث يمكن نسبة هذا الوصف إليه بسبب وجود وتحقق ذلك المعيار في أفعاله (الحائري، 1404 ق، 316؛ الحكيم، 1414 ق، 2: 163-185؛ الطهراني، 1416 ق، 16-17: 462-466).

خلاصة القول أن الأشاعرة والعدلية كلاهما شعروا أن صفات الله، لكونها مطلقة، تبدو متعارضة مع بعضها البعض؛ وكان نزاعهما في الحقيقة حول كيفية التوفيق بين التوحيد والعدل. العدلية أنفسهم انقسموا إلى قسمين رئيسيين: الأصوليون والأخباريون. وكان النزاع بين هاتين المجموعتين بعد قبول الحسن والقبح الذاتي للأفعال، حول ما إذا كان العقل يستطيع إدراك وجوه الحسن والقبح بشكل مستقل عن تعاليم الشارع وبياناته أم لا؟ وإذا أدرك، فهل يجب على الإنسان الالتزام به دون بيان من الشارع أم لا، مطلقًا أم في بعض الحالات؟ وبعبارة أخرى، هل هناك تلازم بين حكم العقل وحكم الشرع أم لا؟ (المظفر، 1403 ق، 2: 269-270).

في هذا الموضوع، كل الأصوليين اعتبروا العقل قادرًا على إدراك حسن وقبح الأفعال فقط في المستقلات العقلية، وباستثناء صاحب الفصول، حكموا جميعًا بالتلازم بين حكم العقل والشرع، وآمنوا بـ«كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» (نفسه)؛ أي موضوع يحكم العقل بحسنه وقبحه، إما بطريقة تجعل جميع العقلاء دون الحاجة إلى الدين بمجرد مواجهة الموضوع دون أي تردد – لأنه يسبب كمال أو نقص الإنسان أو يسبب بقاء نسل الإنسان أو يضر بالحفاظ على نظام المجتمع الإنساني – يحكمون بحسنه وقبحه. هذه الفئة تسمى «المستقلات العقلية». الفئة الثانية هي التي يرى العقل أنها تقتضي الحسن والقبح، مثل احترام الصديق وتحقيره؛ فاحترام الصديق في حد ذاته حسن وجيد عند العقل، أو تحقيره في حد ذاته قبيح. ولكن في الحالة الأولى إذا تسبب في إيذاء شخص آخر، أو في الحالة الثانية إذا تسبب تحقيره في إنقاذ حياته، فإن العقل يعتبر تحقيره حسنًا وتعظيمه قبيحًا (نفسه، 2: 285).

المعايير التي ذُكرت لمعرفة الفئة الأولى محدودة؛ فكل عاقل حتى لو كان كافرًا أو ملحدًا ومنكرًا يفهمها دون الحاجة إلى الشرع (نفسه، 2: 272-284)، ولكن مصاديقها ذُكرت من قبل العلماء بشكل متنوع؛ وجوب قضاء الدين ورد الأمانة، العدل، الإنصاف، حسن الصدق النافع، قبح الظلم، قبح الكذب دون ضرورة، حسن الإحسان (الأمين، بلا تا، 111).

أما قبح استخدام البهتان والسب والكلام الجارح المهين، والنسب الباطلة، وزرع بذور الخصومة لتقوية بنيان الدين، أليس من المستقلات العقلية؟ إذا ادعى متصدو الأديان والمذاهب وأتباعهم أن طريقة التعامل مع بعضهم البعض هي المباهتة واستخدام سيف الاتهام وتشويه السمعة وتجريد الآخر من اسمه؛ فإن النزاع سيشمل الأرض كلها، وسينهار نظام المجتمع الإنساني، وسيكون نسل الإنسان في خطر بسبب الحروب والصراعات.

ما مضى يستند إلى فرض أننا نضيق نطاق أهل الريب والبدعة بحيث يشمل فقط الأفراد خارج المذهب؛ أما إذا كان واسعًا كما قال بعض الفقهاء، ليشمل حتى أفراد المذاهب الداخلية (السبزواري، 1413 ق، 6: 134). فإنه ليس فقط جائزًا وله ثواب، بل واجب (التوحيدي، 1377 ش، 1: 443 و 549). يا له من زمن مشؤوم يجب على البشرية أن تعيشه. بعبارة أخرى، العقل بسبب عدم وجود مرجع لتمييز الحق من الباطل ومعرفة أهل الريب والبدعة مع وجود خلافات بين المذاهب وخلافات داخل المذهب، يحكم حكمًا قطعيًا ببطلان أسلوب السب والمباهتة في مواجهة البشر مع بعضهم البعض.

نهاية القول هي أن تلك الفئة من الفقهاء الذين استندوا إلى حديث المباهتة، نظرًا لأن العدلية يؤمنون بتقدم العقل على النقل – على الأقل في المستقلات العقلية – ويقدمون العدالة على الشريعة، من الضروري، خاصة في تنظيم العلاقات الاجتماعية، أن يبدأوا أولًا بكشف حكم الله العادل، ثم بناءً على ذلك، يفهمون الشريعة ويفسرون النصوص الشرعية.7

۴. الاستنتاج

۱- حديث المباهتة من حيث السند، وفقًا لقواعد تصحيح الحديث، صحيح.

۲- هذه الرواية هي خبر واحد انفرد بنقله المرحوم الكليني، ولم ترد في سائر المصادر الحديثية المتقدمة، وليس لها مكانة كبيرة في كتب الفقهاء والمحدثين حتى القرن العاشر الهجري، ولكنها شاعت بين فقهاء الإمامية المتأخرين.

۳- في فهم كلمة «باهتوهم» في هذه الرواية، ترجم فريق من الفقهاء المباهتة بـ«البهتان»، واستنادًا إلى هذا الحديث، حكموا بجواز الكذب على أهل الريب والبدعة؛ في المقابل، فسرها البعض الآخر بمعنى «الإقناع وإقامة الأدلة المحكمة» في مواجهة المخالفين، ونتيجة لذلك رفضوا جواز بهتان الشكاك والمبتدعين. رأي الفريق الثاني غير مقبول بناءً على تبيين المتن ودلالة الرواية. والدراسة الدلالية لهذا الحديث، بالاعتماد على العقل الأخلاقي المؤيد بالآيات والروايات، ترد أيضًا نظرية الفريق الأول.

۴- هذا الحديث، على الرغم من صحة سنده، فاقد لشرائط الاعتبار.

۵- أمور مثل الإكثار والمبالغة في الفحش، والذم، والغيبة، والأمر الأكثر مرارة وقتامة وهو البهتان على مثيري الشبهات والمبتدعين، تتناقض مع العقل الأخلاقي المؤيد بالثقافة القرآنية والروايات وسيرة النبي الأكرم (ص) وكبار رجال الدين. مضمون الرواية يتعارض مع آيات القرآن وسائر روايات المعصومين وسيرتهم العملية.

۶- مركز اختلاف العدلية والأشاعرة من جهة، والأصوليين والأخباريين من جهة أخرى، هو حول الحسن والقبح الذاتي للأفعال والأخلاق وإدراك الحسن والقبح بواسطة العقل والملازمة بين حكم العقل والشرع. قبح البهتان من المستقلات العقلية، وحكم بعض فقهاء الشيعة بجواز البهتان كأسلوب لمواجهة المخالفين هو، عمليًا، خروج عن العدلية ودخول في مسلك الأشعرية.

الهوامش

1. على الرغم من صحة السند، لم يورد المرحوم محمد باقر البهبودي هذه الرواية في كتابه «صحيح الكافي» (راجع: البهبودي، 1401 ق، 118-119).

2. الجدير بالذكر أن اسم الحلبي غير موجود في سند الآثار الموجودة، وسبب تسميته بالحسن هو وجود الحلبي.

3. انظر أيضاً: التوحيدي، 1377 ش، 1: 443؛ الخوئي، 1366 ش، 1: 289.

4. هذه العبارة وردت في كتاب أساس البلاغة للزمخشري هكذا: «عادته أن يباحث فيباهت» من «باحث» – أي تحادث – وليس من «بحث» – أي بحث وناظر، تحدث، جادل وناقش] (راجع: الزمخشري، 1402 ق، 32).

5. كما أنه لا يمكن تفسير كلمة «بهت» في الجمل التالية إلا بمعنى البهتان، وذلك بقرينة السياق: قال أبو هريرة عن النبي (ص): «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس المسلمة بغير حق، أو بهت مؤمن، وفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق» (ابن أبي حاتم، 1427 ق، 2: 86)؛ «ويحرم بهت واغتياب نميمة وإفشاء سر ثم لعن مقيد» (الحنبلي، 1414 ق، 1: 102)؛ «وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الإنجيل» (ابن كثير، 1408 ق، 2: 111).

6. التعبير المذكور، الذي يستخدم كثيرًا في كتب الأصول والفقه الاستدلالي، يعني أن بعض العمومات والمطلقات غير قابلة للتخصيص والتقييد. ملاك ومنشأ إباء هذه الأدلة عن التخصيص أو التقييد متفاوت، وأحدها هو الحالة التي يكون فيها مضمون العام إرشادًا إلى حكم عقلي يقيني، لأن الأحكام العقلية لا تقبل التخصيص، مثل الآيات التي يأمر مضمونها بالعدل وينهى عن الظلم. لمزيد من المعلومات راجع: (فرهنگ فقه مطابق مذهب اهل بيت عليهم السلام، الهاشمي الشاهرودي، 1426 ق، 1: 203).

7. ما جرى في النزاع بين الأصوليين والأخباريين – خاصة بعد محمد أمين الأسترآبادي – على الشيعة، هو شهادة صادقة على استخدام بعض الأساليب غير الأخلاقية بين بعض علماء الشيعة لإقصاء علماء الشيعة الآخرين المخالفين لهم (راجع: البحراني، بلا تا؛ 98؛ الخوانساري، بلا تا: 2: 126 و 4: 270).

Scroll to Top