الملخص
إن لکتابة مصحف الإمام علي (ع) والقول بتوقیفیة بنیة القرآن الکریم أنصاراً کثیرین لدى الفریقین. من جهة أخرى، یبدو أن الاعتقاد بکون جمع مصحف الإمام علي (ع) ترتیبُه تنزیلي یتعارض مع القول بتوقیفیة بنیة القرآن؛ بعبارة أخرى، یُعتبر أمیر المؤمنین (ع) أول جامع للقرآن، ویعتقد بعض الباحثین في القرآن أنه (ع) قد رتب سور مصحفه حسب ترتیب النزول، ومن جهة أخرى یعتقدون أن بنیة جمع القرآن توقیفیة وتعود جذورها إلى الوحي الإلهي. وهذا یعني أن الإمام علي (ع) بوصفه أول وأبرز تلامیذ الرسول الأکرم (ص) قد عمل خلافاً للأمر الإلهي والسیرة النبویة. وفي تحلیل هذه المسألة، لا سبیل إلا إحصاء واستخراج نظریات علماء الفریقین وتحلیل الروایات والمستندات التاریخیة. وبهذا الهدف، ومن خلال المنهج التحلیلي النقدي للروایات والمستندات التاریخیة المتعلقة بالمضمون، تم بحث کیفیة جمع مصحف أمیر المؤمنین (ع)، وبحذف الروایات المتشابهة والمکررة، تم التوصل إلى نتیجة مفادها أن الترتیب التنزیلي لمصحف الإمام (ع) على أساس ترتیب النزول لیس قابلاً للإثبات إلى حد کبیر من خلال متن ومفهوم الروایات والشواهد التاریخیة. وفي جمع الروایات، وبدلاً من هذا الفهم، یمکن القول بوجود رؤیتین: الرؤیة التأکیدیة التي تعني أن مصحف الإمام (ع) کامل لا نقص فیه، والرؤیة التکمیلیة التي تعني اشتمال المصحف على إضافات تفسیریة وشأن نزول الآیات.
۱. طرح الإشکالیة
لا شک في أن علي بن أبي طالب (ع) کان من کُتّاب القرآن الکریم وحفّاظه وقرّائه المشهورین، ومن أصحاب الرسول الأکرم (ص) وتلامذته الخاصین، کما نُقل على لسانه: «مَا نَزَلَتْ آیَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) إِلَّا أَقْرَأَنِیهَا وَ أَمْلَاهَا عَلَیَّ فَکَتَبْتُهَا بِخَطِّی» (صدوق، ۱۳۹۵ش، ۱: ۲۸۴). من جهة أخرى، تُعدّ ‘کتابة القرآن’ من الموضوعات التي حظیت بالاهتمام منذ صدر الإسلام باهتمام رسول الله (ص) وأصحابه، ولطالما کانت محط اهتمام الباحثین في القرآن، وتعتبر کیفیة جمع القرآن من الموضوعات التاریخیة الشائکة في تاریخ القرآن.
ومن جهة أخرى، توجد في الروایات والمستندات التاریخیة ظاهرة تُعرف بـ ‘مصحف علي (ع)’، الذي تم جمعه وتقدیمه، حسب تعبیر الروایات، بترتیب نزول الآیات، أي ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’، وهذا الموضوع یتعارض مع توقیفیة ترتیب السور من قِبل الرسول الأکرم (ص)، وهو الترتیب المعتمد والمتداول بین المسلمین حتى یومنا هذا.
في المقابل، هناك فریق من المحققین یعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن مصحف علي (ع) جُمع على أساس ترتیب النزول، بینما یقول فریق آخر من العلماء بتوقیفیة ترتیب سور القرآن الکریم (الترتیب الحالي للسور)؛ وبالنظر إلى أن کثیرًا من الباحثین في القرآن یعتقدون أن الترتیب الحالي قائم على رأي النبي (ص) أو على الأقل أن جزءًا کبیرًا منه قد تم ترتیبه في حیاة الرسول الأکرم (ص) (راجع: الخوئي، بی تا، ۳۲۱-۳۴۶)، یُطرح هنا السؤال: کیف یمکن للإمام علي (ع) أن یرتب آیات وسور القرآن خلافًا للرسول الأکرم (ص)، لیس وفق الترتیب المتعارف علیه في زمن النبي (ص)، بل وفق ترتیب نزول السور؟ فی حین أن الإمام نفسه لم یتابع هذا الترتیب في فترة خلافته وحکمه، ولم یُشر في أي من بیانات الأئمة إلى مثل هذا الترتیب. ومن البدیهي أن الالتزام بالترتیب التنزیلي لمصحف الإمام علي (ع) یترتب علیه عواقب وشبهات متعددة؛ بمعنى أن ترتیب السور في هذا المصحف حسب النزول یخالف السیرة النبویة، وإذا کان الترتیب التنزیلي هو اختیار الإمام علي (ع) حقًا، فلماذا لم یصرّ على هذا الترتیب، ولماذا صمت أمام جمع القرآن من قبل الخلفاء؟
ثانیًا، إن الاعتماد على هذا القول قد یستلزم الاعتقاد بتحریف القرآن الکریم، لأنه کما ذُکر، وفقًا للنظریة المشهورة، فإن سور القرآن قد جُمعت تقریباً خلاف ترتیب النزول، وبطبیعة الحال بأمر من الرسول الأکرم (ص) وتحت إشرافه، والترتیب التنزیلي لمصحف الإمام علي (ع) خلافًا لأمر النبي وأمره الإلهي، یعتبر نوعًا من التحریف في ترتیب وتغییر مواضع سور القرآن من قبل الإمام علي (ع) (راجع: فیض کاشاني، ۱۳۷۷ش، ۱۳۰). بناءً على ذلک، فإن لهذه الفئة من الإشکالات الناتجة عن الاعتقاد بالترتیب التنزیلي آثارًا غیر مرغوبة، سیتم بحثها وتحلیلها في هذا المقال من خلال دراسة المستندات التاریخیة والروائیة.
في الإجابة على هذه الشبهة والسؤال، تُطرح فرضیات متعددة:
۱. الروایات والمستندات التاریخیة التي تشیر إلى ترتیب سور القرآن حسب النزول في مصحف علي (ع) صحیحة، ولکن الترتیب الحالي والمتداول للسور هو اجتهادي وقد تم من قبل الصحابة والتابعین. وبناءً علیه، فإن أمیر المؤمنین (ع) لم یخالف نهج الرسول الأکرم (ص) في تنظیم السور.
۲. بالنظر إلى أن روایات الترتیب التنزیلي للسور والآیات في مصحف الإمام علي (ع) غیر واضحة ومجملة، فإنها لا تتنافى مع نظریة توقیفیة القرآن الکریم وترتیبه على هذا الأساس والمنوال، فلا یوجد دلیل على أن مصحف الإمام علي (ع) لم یُجمع وفقًا لسیرة رسول الله (ص).
۳. من خلال التدقیق في الروایات والمستندات التاریخیة، لا یمکن الجزم بکیفیة ترتیب السور في مصحف الإمام علي (ع)، والقدر المتیقن من محتوى هذا المصحف هو أنه یحتوي على إضافات بعنوان شأن النزول وتفسیر آیات القرآن.
۴. بالنظر إلى تعابیر مثل ‘کَمَا أَمَرَنِي وَأَوْصَانِي’، و’کَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ’، و’کَمَلاً مُشْتَمِلاً عَلَى التَّأْوِيلِ، وَالتَّنْزِيلِ’، و’کُلُّهُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ’، و’لَمْ یَسْقُطْ علیه حَرْفٌ وَاحِدٌ’ الواردة في الروایات، یمکن ترجیح وقبول إحدى الرؤیتین التالیتین بدلًا من رؤیة تدوین مصحف الإمام علي (ع) حسب ترتیب النزول: الرؤیة التأکیدیة (بمعنى کمال المصحف بدون نقص أو زیادة)، والرؤیة التکمیلیة (بمعنى اشتماله على التفسیر والتأویل وسبب النزول).
إن موضوع مصحف الإمام علي (ع) محط اهتمام العدید من الباحثین في القرآن، وقد کُتبت حوله کتب ومقالات ودراسات کثیرة. من أهم الکتب في هذا المجال یمکن الإشارة إلى کتاب ‘حقائق هامة حول القرآن الکریم’ للسید جعفر مرتضى العاملي. وقد تناول في الفصل الرابع من کتابه کیفیة مصحف الإمام علي (ع)، وقدم نصوصًا دقیقة بشکل منطقي، وأجاب على الشبهات المتعلقة بمصحف الإمام علي (ع). یعتقد هذا المحقق أن الإمام علي (ع) لم یخالف الرسول (ص) في ترتیب المصحف، ولکنه لا یعتبر ترتیب جمیع سور القرآن الحالیة توقیفیًا، ویرى أن قراءة القرآن حسب تنزیله تعني إدخال التفسیر والزیادة في القرآن. من جهة أخرى، توجد دراسة للدکتور جعفر نکونام بعنوان ‘پژوهشی در مصحف امام علی (ع)’، حیث یبحث مسألة توقیفیة ترتیب سور مصحف الإمام، ویشرحها في الفصل الرابع، ویستنتج من خلال عرض الأدلة أن الترتیب التوقیفي والمؤید من النبي (ص) هو نفسه ترتیب مصحف الإمام علي (ع). وهناک مقال آخر للدکتور فقهي زاده وزملائه بعنوان ‘روابط برون سوره ای از دیدگاه علامه طباطبایی’ (۱۳۹۲ش)، یتناول بشکل موسع مبحث ترتیب النص الوحیاني وتناسب السور، خاصة من منظور العلامة الطباطبائي. بناءً على هذا المقال، فإن تفسیر المیزان یعتبر الترتیب الحالي لسور القرآن اجتهادیًا، وفي المقابل یعتبر الترتیب الوحیاني للقرآن هو نفسه ترتیب النزول.
في مقال للدکتور أحمد علي ناصح بعنوان ‘کاربرد روایات در اثبات چینش توقیفی آیات’ (۱۳۸۱ش)، وباستخدام الروایات، یتم إثبات الترتیب الوحیاني للآیات، ولا سبیل إلا القول بتوقیفیة الآیات. في هذا المقال، وبالاعتماد على روایات مختلفة، تم بحث کیفیة ترتیب الآیات وتناسبها مع السور، ومن خلال تصنیف وتحلیل الروایات، تم التوصل إلى أن ترتیب الآیات کان توقیفیًا. وهناک مقال آخر بعنوان ‘نقد و بررسی روایات اهل سنت پیرامون مصحف امام علی’ (۱۳۹۰ش) نشره مهدي عبادي، یشیر إلى أن الإمام علي (ع) هو أول من جمع القرآن بعد وفاة الرسول (ص)، وأن هذا المصحف الثمین من وجهة نظر أهل السنة یحتوي على الکثیر من التفسیر والأحکام. کما أن مقال ‘واکاوی روایات شیعی در ترتیب نزولی بودن مصحف امام علی (ع)’ (۱۳۹۴ش) لمحمد علي تجري وزملائه قد بحث في کیفیة تنظیم وترتیب مصحف الإمام، وتوصل إلى نتیجة مفادها أنه یجب تفویض العلم بذلک إلى أهل البیت. أما المقال الحالي فیتناول موضوع مصحف الإمام علي (ع) وکیفیة ترتیبه بتوسع، ویقدم رؤیتین جدیدتین مستفادتین من الروایات والمستندات التاریخیة، ویسعى إلى تقدیم مقاربة جدیدة في هذا الصدد.
ومن الجدیر بالذکر أن مقال ‘نقد و بررسی آراء اهل سنت درباره ترتیب نزولی مصحف علی’ لمحدثه مقیمي نژاد وزملائها في مجلة ‘حدیث پژوهی’ یوضح أن روایات أهل السنة لا تدل على الترتیب التنزیلي لمصحف الإمام علي (ع). کذلک في مقال بعنوان ‘مصحف امام علی’ لبهاء الدین خرمشاهي في مجلة ‘بینات’، العدد السابع، العدد ۲۸، تمت الإشارة بشکل مجمل إلى المصادر التي یمکن الرجوع إلیها لإجراء دراسة وتحقیق أعمق حول مصحف علي (ع).
على الرغم من الخلفیة البحثیة لهذا الموضوع والدراسات العدیدة التي أُنجزت في مجال مصحف الإمام علي (ع)، ورغم أن کون مصحف علي (ع) تنزیلیًا وکذلک توقیفیة بنیة القرآن له أنصار کثیرون، إلا أن أيًا من المقالات لم تعالج شبهة ‘تعارض کون مصحف علي (ع) تنزیلیًا مع توقیفیة بنیة القرآن’ أو ‘حل شبهة التخلف عن السیرة النبویة’. لذا، یسعى المؤلفون في هذه الدراسة، من خلال نظرة جدیدة وفي إطار بحث حدیثي، إلى حل هذا التعارض وإلقاء مزید من الضوء على هذا المصحف الثمین.
۲. دراسة المفهوم
۱-۲. المصحف
المصحف على وزن ‘مَفْعَل’ من جذر ‘صَحَفَ’، ویعني الشیء الذي یُکتب فیه، وجمعه صَحَائِفُ وصُحُفٌ وصُحْفٌ (ابن منظور، ۱۴۱۴ق، ۹: ۱۸۶)، وهو جامع الکتابات بین دفتین (الفراهیدي، ۱۴۱۰ق، ۲: ۹۷۱). وفي معنى کلمتي ‘المُصْحَفُ’ و’المِصْحَفُ’، یمکن القول بأن الشیء الذي یجمع الأوراق المکتوبة ویکون في الوقت نفسه مجلّدًا هو المصحف. وقیل عن الهروي: یُسمى المصحف مصحفًا لأنه أُصْحِفَ أي جُعل جامعًا للصحف المکتوبة بین دفتین (ابن منظور، ۱۴۱۴ق، ۹: ۱۸۶).
ویؤکد أحمد بن فارس أیضًا على معنى هذه الکلمة بأن ‘صُحُف’ في الأصل تُطلق على انبساط الشیء واتساعه، ولذلک أُطلق على الوجه المنبسط ‘صحیفة’، وعلى الصفحة التي یُکتب فیها شیء ‘صحیفة’، ولأن الدفتر والکتاب لهما مساحة مفتوحة للکتابة سُمّیا صحیفة (۱۳۹۹ش، ۳: ۳۳۴). ویشیر بعض اللغویین أیضًا إلى هذه النقطة، ویطلقون اسم الصحیفة على قطعة من الجلد أو الورق یُکتب علیها شیء (الزمخشري، ۱۳۹۹ش، ۲۴۹).
صاحب کتاب ‘التحقیق’ باجتهاده اللغوي یبین معنى الصحیفة والمصحف کالتالي: ‘الصحیفة والمصحف في اللغة تعني الانبساط أو وجود مساحة (تسطح) لبعض الأشیاء للکتابة، سواء کان ذلک الشیء معدنًا أو جلدًا أو ورقًا. وحیث إن أدوات الکتابة تطورت عبر التاریخ؛ فمنذ البدایة استُخدم الطین والتراب والحجر والنحاس والأوراق والخشب وجلود الأشجار والجلود المدبوغة لبعض الحیوانات مثل الغزلان والبقر والإبل، وکذلک الورق للکتابة، فإن اسم المصحف والصحیفة یُطلق على کل هذه الأدوات إذا استُخدمت للکتابة’ (مصطفوي، ۱۳۶۰ش، ۶: ۲۲۷).
من هنا، فإن المصحف لم یکن له وعاء خاص، بل یُطلق على مجموعة من الأوراق التي تُستخدم للکتابة، وإذا ذُکرت بعض الکتب الدینیة قبل القرآن بلفظ ‘صُحُف’ و’مصحف’، فذلک لأنها کانت مجموعة من الألواح التي انعکست فیها بیانات أنبیاء مثل إبراهیم (ع) وموسى (ع) (راجع: الأعلى: ۱۸-۱۹). ووفقًا لرأي لغویین مثل الطریحي، یمکن استنتاج أن معنى کلمة ‘مصحف’ هو الکتاب ومجموعة الأوراق المکتوبة التي توضع في مجلد واحد أو بین دفتین (راجع: الطریحي، ۱۳۷۵ش، ۵: ۵۹؛ الفراهیدي، ۱۴۱۰ق، ۸: ۱۱). وقد أُطلق هذا اللفظ على القرآن أیضًا، ولکن لا یختص بالقرآن بأي حال من الأحوال، بل له عموم؛ فیمکن إطلاق لفظ ‘المصحف’ على أي کتاب أو مکتوب، وإذا اعتبر البعض أن المصحف یعني القرآن، فذلک من باب بیان المصداق، والمصادیق لیست حصریة (أظهري مبارکبوري، ۱۳۸۴ش، ۱۴).
۲-۲. جمع القرآن
یُستخدم تعبیر ‘جمع القرآن’ بمعانٍ مختلفة تتناسب مع المقصود. ‘الجمع’ عادةً ما یُترجم بمعنى الجمع وإضافة شيء إلى شيء آخر (قرشي، ۱۳۷۷ش، ۳: ۴۷). صاحب کتاب ‘العین’ یعتبر ‘الجمع’ مصدرًا، ویفسر اسم جماعة من الناس بأنه ‘جمع’ (الفراهیدي، ۱۴۱۰ق، ۱: ۲۳۹)، وبعضهم یعرّفه بمعنى ‘جَمَعَ الشَّیْءَ عَنْ تَفْرِقَةٍ’؛ (أي جمع شیئًا من تفرّق) (ابن منظور، ۱۴۱۴ق، ۸: ۵۳). کما یعرّفه الراغب الأصفهاني بأنه تقریب وضم بعض الشيء إلى بعضه الآخر (۱۴۱۲ق، ۴۰۹).
یمکن توسیع المعنى الاصطلاحي لجمع القرآن وتعریفه بشکل أوسع: ‘في الاصطلاح التاریخي للقرآن، یشمل ‘الجمع’ حسب الزمان ومقتضى الکلام معاني مختلفة، وفي مراحل مختلفة، کان له هذه المعاني: ۱- الجمع بمعنى الحفظ عن ظهر قلب. ومن هنا، کان یُطلق على الصحابة الذین حفظوا القرآن ‘حفّاظ القرآن’ أو ‘جمّاع القرآن’. هذه هي المرحلة الأولى من جمع القرآن. ۲- أحیانًا یکون الجمع بمعنى الکتابة، ولکن الآیات تُکتب متفرقة وغیر مجموعة في مجلد واحد، وبعض السور تکون مرتبة أیضًا. هذه هي الخطوة الثانیة من الجمع. ۳- وفي أحیان أخرى، یکون المقصود بالجمع والتدوین کتابة القرآن في مجموعة واحدة مع ترتیب الآیات والسور. هذه هي المرحلة الثالثة التي تستمر لبعض الوقت. ۴- وعندما یُطلق الجمع أو التدوین على جمع نص مرتب حسب القراءة المتواترة، فهذه هي المراحل الأربع التي مر بها تألیف وتدوین الآیات في مجموعة معینة’ (راجع: رامیار، ۱۳۶۹ش، ۲۱۲).
بالنظر إلى تصریح أهل اللغة والباحثین في القرآن بإمکان توسیع الدائرة المفهومیة لکلمة ‘جمع’، فإن حصر معنى جمع القرآن في ‘الحفظ’ أو ‘الکتابة’ لا یبدو صحیحًا، لأنه ترجیح بلا مرجح، ویمکن اعتبار شمول معنى کلمة ‘جمع’ للمراحل الأربع التي تشمل الجمع والتألیف أو التنظیم الشکلي والظاهري الدقیق في مجموعة معینة.
۳. توقیفیة أو اجتهادیة ترتیب السور الحالي للقرآن
إن کیفیة ترتیب ومکان کل سورة في القرآن له أهمیة بالغة، لأنه کلام الله تعالى، وهذا الموضوع لن یکون قلیل الأثر في فهم واستنباط مقاصد الله سبحانه. والسؤال الذي یخطر في ذهن المتسائل من مخاطبي القرآن هو: هل لم یکن لدى الله الحکیم عند نزول آیات القرآن وتعیین السور خطة لترتیب کل منها؟ بعبارة أخرى، هل اهتم الرسول الأکرم (ص) في حیاته بموضع وکیفیة ترتیب السور بجانب بعضها البعض، أم أنه أوکل هذا الأمر إلى الصحابة؟ إن تعبیري ‘توقیفي’ و’اجتهادي’ في ترتیب السور یذکران بهذه النقطة المهمة في جمع القرآن الکریم. وفي هذه المسألة، توجد ثلاث وجهات نظر مهمة ومنتشرة:
۱. ترتیب السور توقیفي ومستند إلى النبي (ص)؛
۲. اجتهادي ومستند إلى الصحابة؛
۳. في جزء منه وحیاني وفي جزء آخر اجتهادي.
بالطبع، ما یهمنا في هذا البحث هو رفع التعارض بین توقیفیة ترتیب السور بواسطة الرسول الأکرم (ص) ومصحف الإمام علي (ع).
۱-۳. وحیانیة وتوقیفیة الترتیب الحالي للقرآن، الأصل القرآني
فیما یتعلق بتنظیم السور في قالب مصحف، یجب القول إنه لا شک أن آیات وسور القرآن المجید لها ترتیب مرضيّ عند الله، وهو ثابت في اللوح المحفوظ ونزل على نبیه. من جهة أخرى، یصف الله تعالى کلامه کله بأنه وحدة متکاملة ویشیر إلیه بضمیر الإشارة المفرد: ‘هَذَا الْقُرْآنُ’ (الأنعام: ۱۹)، ‘هَذَا کِتَابٌ’ (الأنعام: ۱۵۵)، ولا یذکر القرآن في أي موضع من کلامه بضمیر الجمع أو بتعابیر مثل: ‘هَؤُلَاءِ السُّوَرُ’، ‘هَذِهِ السُّوَرُ’. وهذا الأمر عن الکتاب الإلهي کان واضحًا جدًا لدرجة أن الناس المعاصرین لنزول القرآن کانوا یفهمونه هکذا ویتحدثون عنه هکذا: ‘وَالْکِتَابِ الْمُبِینِ’ (الزخرف: ۲). هذه الآیات تظهر أن القرآن کتاب منسجم وواحد، ولیس مجموعة متفرقة من السور! ‘کِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ’ (البقرة: ۸۹)؛ أي أن تعبیر ‘الکتاب’ في القرآن یدل على مجموعة الآیات والسور، وهذه الفئة من التعابیر تدل على نظرة جامعة للقرآن. (راجع: محقق نهاوندي، ۱۳۸۶ش، ۱: ۱۲).
یصرح آیة الله الخوئي في هذا الصدد: في حدیث الثقلین: ‘إِنِّی تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ’، عُبِّر عن القرآن الکریم بـ’الکتاب’، ویُستفاد من هذه التسمیة أن القرآن في زمن الرسول الأکرم (ص) کان مجموعًا ومدونًا في شکل کتاب، لأنه لو لم یکن کذلک، لما أُطلق على الآیات المتفرقة في الصدور والألواح وقطع الأوراق وعظام أکتاف الحیوانات اسم ‘کتاب’ إلا على نحو المجاز (الخوئي، بی تا، ۳۳۸). من جهة أخرى، وفي مقابل هذا الرأي، لم یتم تنظیم وکتابة القرآن بشکله الحالي في وقت واحد، بل تم على مر الزمن وبأیدي أشخاص مختلفین؛ ترتیب ونظم وعدد الآیات في کل سورة تم في حیاة النبي (ص) وبأمره، وهو توقیفي ویجب قبوله تعبدًا. کل سورة تبدأ بنزول ‘بسم الله الرحمن الرحیم’، وتُسجل الآیات فیها حسب ترتیب النزول، ولکن نظم وترتیب السور تم بعد وفاة النبي. ومن بین الذین قبلوا هذه النظریة المحقق المعاصر آیة الله معرفت. (راجع: معرفت، ۱۴۱۵ق، ۱: ۲۷۲-۲۸۲).
یجب الانتباه إلى أن الخلط الذي وقع بین أنصار جمع القرآن بعد النبي الأکرم (ص) هو أنهم على ما یبدو قد اعتبروا جمع القرآن من الکتابات المتفرقة بین الدفتین هو نفسه ترتیب السور في زمن النبي الأکرم (ص). الحقیقة هي أن السور في حیاة النبي (ص) کانت مرتبة بهذا الشکل الحالي أو بترتیب قریب جدًا منه – مثلًا بتبدیل سورة أو سورتین مع سورة مجاورة – إما بأمر النبي (ص) أو بمرأى منه ومنظره. والقبول بأن النبي (ص) لم یهتم بترتیب السور – ولیس بوضعها بین الدفتین – لمن له معرفة ولو إجمالیة بتاريخ نزول السور وحیاة النبي (ص) والجو السائد في المدینة، هو بمثابة قبول شبه المستحیل. إطلاق ‘کتاب الله’ في الآیات الشریفة والروایات المتواترة على هذه المجموعة المرتبة والمنظمة یوضح جیدًا أن نظمها وترتیبها وتألیفها من عند الله تبارک وتعالى، وکل هذه الأمور توصلنا إلى الیقین بأن ترتیب السور لم یکن برغبة وهوى الصحابة والسلف، بل کان تنفیذًا لجامع القرآن بأمر الوحي الإلهي وإشارة رسوله. أمر آخر هو أن معارف الإسلام، بوصفها آخر شریعة إلهیة وناسخة لجمیع الشرائع السابقة، کان یجب أن تکون في مأمن من تحریف ومعاداة المعاندین. لذلک، لا یمکن أبدًا قبول أن الرسول الأکرم (ص) اکتفى بحفظ القرآن في صدور الناس وترک کتاب الله بشکل غیر منظم. فلا بد أن الرسول الأکرم (ص)، بوصفه العقل الکل والکل عقل، قد اهتم اهتمامًا جادًا بترتیب وجمع القرآن في حیاته، وجمع القرآن في حیاته.
بتعبیر أحد المحققین: ‘بین عقلاء العالم، العرف هو أنه عندما یؤلفون کتابًا، یهتمون ببنیة وترتیب محتویاته کما یهتمون بألفاظه ومحتواه وبنیته، ولا ینشر أي مؤلف شیئًا ککتاب وتألیف إلا إذا حدد نظم وترتیب أجزائه وفصوله أیضًا. وهذا لأن نظم وترتیب أجزاء وفصول الکتاب جزء لا یتجزأ منه، ولا یمکن تصور کتاب بدون نظم خاص لأجزائه وفصوله. فإذا کان عرف عقلاء العالم یحکم بأن نظم أجزاء وفصول الکتاب جزء لا یتجزأ منه وأن منشئ هذا النظم هو مؤلف الکتاب نفسه، فإن هذا القانون نفسه یجري کمبدأ أولي على القرآن أیضًا، إلا إذا کان قصد الله في ترتیب فصول کتابه شیئًا مخالفًا لعرف عقلاء العالم، وفي هذه الحالة یجب أن یبین ذلک للإنسان الذي أرسل إلیه الکتاب، لئلا یقع في خطأ في فهم القرآن’ (برزگر، ۱۳۹۷ش، ۴۵).
۲-۳. رأي العلماء حول دلالة الروایات على جمع وترتیب القرآن في زمن الرسول الأکرم (ص)
یعتقد الکثیرون أن الترتیب الحالي لسور القرآن یعود إلى إرشاد النبي (ص)، وأن هذا الترتیب کان موجودًا في عهده. من بین هؤلاء الأفراد ابن الأنباري، والکرماني، والسید المرتضى، والشیخ الصدوق؛ یکتب ابن الأنباري في کتاب ‘الرد على من خالف مصحف عثمان’: ‘أنزل الله القرآن کله إلى سماء الدنیا، ثم فرّقه في بضع وعشرین سنة، وکانت السور تنزل لأمر یحدث، والآیة جوابًا لمستخبر، ویوقف جبرئیل النبي (ص) على موضع الآیة والسورة. فاتساق السور کاتساق الآیات والحروف، کله عن النبي (ص). فمن قدّم سورة أو أخّرها، فقد أفسد نظم القرآن’ (نقلًا عن السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۱۷؛ القرطبي، ۱۳۶۴ش، ۱: ۶۰).
یکتب الکرماني في ‘البرهان’: ‘ترتیب السور هکذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتیب، وکان (ص) یعرض على جبرئیل کل سنة ما کان یجتمع عنده منه، وعرضه علیه في السنة التي توفي فیها مرتین. وکان آخر آیة نزلت ‘وَاتَّقُوا یَوْماً تُرْجَعُونَ فِیهِ إِلَى اللَّهِ’، فأمره جبرئیل أن یضعها بین آیتی الربا والدین’ (نقلًا عن السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۱۷).
بناءً على قول الآلوسي، هذا قول نُقل عن جماعة کبیرة (الآلوسي، ۱۴۱۵ق، ۱: ۲۵). ومن بین الذین یقولون بتوقیفیة ترتیب السور أبو جعفر النحاس، وابن الحصار، وابن حجر (السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۱۸-۲۱۹). ومن علماء أهل السنة المتأخرین والمعاصرین، یعتقد الکثیرون أن ترتیب السور توقیفي، منهم الآلوسي، والزرقاني، وصبحي الصالح (راجع: خرقاني، ۱۳۷۸ش، ۹).
ومن علماء الإمامیة، یصرح السید المرتضى: ‘إن القرآن کان على عهد رسول الله (ص) مجموعًا مؤلفًا على ما هو علیه الآن، واستدل على ذلک بأن القرآن کان یُدرس ویُحفظ جمیعه في ذلک الزمان، حتى عُیّن جماعة من الصحابة لحفظه، وکان یُعرض على النبي (ص) ویتلى علیه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن کعب وغیرهما ختموا القرآن على النبي (ص) عدة ختمات، وکل ذلک بأدنى تأمل یدل على أنه کان مجموعًا مرتبًا غیر مبتور ولا مبثوث’ (نقلًا عن معرفت، ۱۴۱۵ق، ۱: ۲۸۳). بالإضافة إلى السید المرتضى، أکد العدید من علماء الشیعة، سواء في الماضي أو الحاضر، على جمع القرآن في زمن النبي (ص)، منهم الصدوق، والطبرسي، وفتح الله الکاشاني، وسید ابن طاووس، والشیخ الحر العاملي، والعلامة شرف الدین، وآیة الله الخوئي، ومحمد تقي الشریعتي، والعلامة السید مرتضى العسکري، وآیة الله حسن زاده آملي، والدکتور محمد حسین علي الصغیر، وعلي الکوراني (راجع: خرقاني، ۱۳۷۸ش، ۹).
من خلال التأمل في الجدول التالي، تتضح شهرة القول بتوقیفیة الترتیب الحالي للقرآن لدى المحققین:
الجدول ۱: القائلون من الفریقین بتوقیفیة الترتیب الحالي لسور القرآن
أهل السنة:
۱. ابن الأنباري في کتاب الرد على من خالف مصحف عثمان (نقلًا عن السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۱۷؛ القرطبي، ۱۳۶۴ش، ۱: ۶۰).
۲. الکرماني في کتاب البرهان (نقلًا عن السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۱۷).
۳. الباقلاني (نقلًا عن ابن عاشور، بی تا، ۱: ۸۶).
۴. أبو جعفر النحاس، ابن الحصار وابن حجر (نقلًا عن السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۱۸-۲۱۹).
۵. السید محمود الآلوسي في کتاب تفسیر روح المعاني (۱۴۱۵ق، ۱: ۲۵).
۶. الزرقاني في کتاب مناهل العرفان (بی تا، ۱: ۲۳۹-۲۴۰).
۷. صبحي صالح في کتاب مباحث في علوم القرآن (۱۳۷۲ش، ۷۰-۷۱).
الشیعة:
۱. السید المرتضى (نقلًا عن الطبرسي، ۱۳۷۲ش، ۱: ۱۵؛ معرفت، ۱۴۲۸ق، ۱: ۲۸۳).
۲. الشیخ الصدوق في کتاب اعتقادات (۱۳۷۱ش، ۸۲).
۳. الطبرسي في کتاب مجمع البیان في تفسیر القرآن (۱۳۷۲ش، ۱: ۱۳).
۴. فتح الله الکاشاني في کتاب منهج الصادقین (۱۳۳۶ش، ۱: ۱۳).
۵. سید ابن طاووس في کتاب سعد السعود (۱۳۶۹ش، ۳۹-۴۰).
۶. الشیخ الحر العاملي في کتاب الفصول المهمة (نقلًا عن: ابن صباغ، بی تا، ۱۶۶).
۷. العلامة شرف الدین في کتاب أجوبة مسائل موسى جار الله (۱۴۱۶ق، ۳۹-۴۰).
۸. آیة الله الموسوي الخوئي (راجع: بی تا، ۲۳۹-۲۵۹).
۹. محمد تقي الشریعتي في کتاب تفسیر نوین (۱۳۹۱ش، ۱۶).
۱۰. آیة الله حسن زاده آملي في کتاب قرآن هرگز تحریف نشده (۱۳۷۶ش، ۲۶).
۱۱. علي الکوراني في کتاب گردآوری القرآن (۱۴۱۸ق، ۲۳۱).
۳-۳. رؤیة الترتیب التنزیلي لمصحف الإمام علي (ع)
إن أصل وجود مصحف الإمام علي (ع) من المسلمات، ولا شک فیه؛ حیث أقرّت المصادر المعتبرة وعلماء الفریقین بوجود مثل هذا المصحف (الطبرسي، ۱۴۰۳ق، ۱: ۲۵۷؛ ابن سعد، ۱۴۱۰ق، ۲: ۲۵۷-۲۵۸). ولکن ترتیب السور وکیفیة تنظیم ومحتوى هذا المصحف موضع بحث ونقاش بین محققي علوم القرآن.
یشیر الشیخ المفید في کتاب ‘المسائل السرویة’ تلمیحًا إلى هذا الموضوع ویکتب: ‘في مصحف علي (ع)، قُدّم المکي على المدني، والمنسوخ على الناسخ، ووُضع کل شيء منه في موضعه الحقیقي’ (المفید، ۱۴۱۳ق، ۷۹). ونُقل عن ابن جزي أیضًا أن الإمام علي (ع) جمع القرآن على ترتیب نزوله (ابن جزي، ۱۴۱۶ق، ۱: ۱۳). ولهذا القول انتشار واسع بین مفکري الفریقین، حتى إن له قائلین في العصر الحاضر، وأصبح هذا الأمر مقبولًا (الموسوي الخوئي، بی تا، ۲۲۳).
الجدول ۲: القائلون بنزولیة ترتیب مصحف الإمام علي (ع) من الشیعة
المتقدمون: ۱. الشیخ المفید في کتاب المسائل السرویّة (۱۴۱۳ق، ۷۹).
المتأخرون: ۱. العلامة المجلسي في کتاب بحار الأنوار (۱۴۰۳ق، ۷۴: ۸۹). ونیز در کتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (۱۴۰۴ق، ۳۱: ۳).
المعاصرون:
۱. أبو عبد الله الزنجاني في کتاب تاریخ القرآن (۱۴۰۴ق، ۵۴).
۲. العلامة البلاغي النجفي في کتاب آلاء الرحمن في تفسیر القرآن (۱۴۲۰ق، ۱: ۱۸).
۳. العلامة الطباطبائي في کتاب تفسیر المیزان (۱۴۱۷ق، ۱۲: ۱۲۶).
۴. آیة الله الموسوي الخوئي في کتاب البیان في تفسیر القرآن (بی تا، ۲۲۳).
۵. الأستاذ معرفت في کتاب التمهید في علوم القرآن (۱۴۱۵ق، ۱: ۲۹۲).
۶. السید جعفر مرتضى العاملي في کتاب ‘حقائق هامة حول القرآن الکریم’ (۱۴۱۳ق، ۱۶۰).
۷. محمود رامیار في کتاب تاریخ القرآن (۱۳۶۹ش، ۳۷۱).
۸. السید محمد باقر الحجتي في کتاب پژوهشی در تاریخ قرآن کریم (۱۳۷۲ش، ۳۹۰).
۹. مهدي بازرکان في کتاب سیر تحول قرآن (۱۳۸۵ش، ۱: ۳۶).
۱۰. جعفر نکونام في مقالة ‘بررسی جدیدترین نظریه درباره ترتیب نزول آیات’ (۱۳۸۶ش، ۲: ۲۰-۳۵).
الجدول ۳: القائلون بنزولیة ترتیب مصحف الإمام علي (ع) من أهل السنة
علماء القرن التاسع: ۱. ابن جزي في کتاب ‘التسهیل لعلوم التنزیل’ (۱۴۱۶ق، ۱: ۱۳). ۲. ابن الخطیب في کتاب ‘الفرقان جمع القرآن وگردآوری هجائه ورسمه تلاوته وقرائاته وجوب ترجمته واذاعته’ (بی تا، ۴۷). ۳. ابن حجر العسقلاني (۱۳۷۹ش، ۹: ۴۲).
القرن الرابع: هذا الرأي منسوب أیضًا إلى ابن فارس نقلًا عن (السیوطي، ۱۴۲۱ق، ۱: ۲۲۰).
القرون المعاصرة: علماء أهل السنة في عصرنا في هذا المجال غالبًا ما نقلوا عن علمائهم المتقدمین، مثل: (راجع: صابر، ۱۴۲۰ق، ۶۷ نقلًا عن ابن فارس؛ الرافعي، ۱۴۲۱ق، ۳۰ نقلًا عن ابن فارس). بعض المعاصرین أیضًا اکتفوا بتکرار الألفاظ دون ذکر مصدر، مثل: (راجع: الزرقاني، ۱۴۱۵ق، ۱: ۳۴۶).
کما التزم البعض الصمت حول محتوى وترتیب مصحف الإمام.
الجدول ۴: القائلون بعدم نزولیة مصحف الإمام علي (ع) والذین صمتوا في هذا الموضوع
المتقدمون: الشیخ الصدوق في کتاب اعتقادات إمامیة (۱۴۱۴ق، ۸۶).
المتأخرون:
۱. فرشچیان في کتاب إمام علي ومبانی علوم قرآني (۱۳۸۷ش، ۸۲).
۲. إیازي في کتاب مصحف إمام علي (۱۳۸۰ش، ۸۷).
۳. ناصحیان في مقالة ‘مصحف إمام علي از منظر احادیث’ (۱۳۸۹ش، ۸۲).
۴. الأستاذ مهدوي راد في مقالة ‘میراث مکتوب علوي’ (۱۳۸۴ش، ۱۰۰).
۵. تجري وزملاؤه في مقالة ‘واکاوی روایات شیعی درباره تنزیلی بودن مصحف امام علی’ (۱۳۹۴ش، ۸).
۶. آیة الله الخوئي في کتاب البیان في تفسیر القرآن (بی تا، ۳۰۴).
۱-۳-۳. استدلال موافقي الترتیب التنزیلي لمصحف الإمام علي (ع)
لقد اعتقد الباحثون القرآنیون، بالتمسک بروایات، بالترتیب التنزیلي لمصحف الإمام علي (ع)؛ بعبارة أخرى، لقد فهموا من تعابیر مثل ‘کَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ’ و ‘کَمَا أُنْزِلَ’ أن مصحف الإمام علي (ع) یستند إلى نفس الترتیب الذي نزل به القرآن (بهجت پور، ۱۳۹۲ش، ۱۰۱). وبالطبع، لم یؤکد البعض على هذا الرأي بشکل واضح، بل فهموا تعبیر ‘کَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ’ بشکل غیر مباشر بمعنى ترتیب النزول (رامیار، ۱۳۶۹ش، ۳۷۱). وفي روایة أخرى، یوجد تعبیر أکثر صراحة مقارنة بالروایات السابقة، حیث نقل سعید بن المسیب عن أمیر المؤمنین (ع) أنه قال: ‘سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَنْ ثَوَابِ الْقُرْآنِ فَأَخْبَرَنِي بِثَوَابِ سُورَةٍ سُورَةٍ عَلَى نَحْوِ مَا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَ سَاقَ الْحَدِیثَ إِلَى أَنْ عَدَّ سُورَةَ هَلْ أَتَى فِي السُّوَرِ الْمَدَنِیَّةِ بَعْدَ إِحْدَى عَشَرَةَ سُورَةً’ (الطبرسي، ۱۳۷۲ش، ۱۰: ۲۷؛ جعفري، ۱۳۹۲ش، ۱۴) واستفادوا بسهولة من هذا التعبیر ترتیب النزول (نکونام، ۱۳۸۲ش، ۱۵۳) وعبارة ‘کما نزل’ بالقدر المتیقن تعني ‘الترتیب حسب النزول’ (تجری وزملاؤه، ۱۳۹۴ش، ۷).
۱-۱-۳-۳. نقد الاستدلال
في نقد هذا الاستدلال، یمکن استخدام معانٍ أخرى من تعبیر ‘کَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ’ و ‘کَمَا أُنْزِلَ’. في هذا الجزء، سنستعرض جمیع الفهوم الأخرى لهذین التعبیرین:
۱. أحد ناقدي تعبیر ‘کما أنزل’ اعتبر هذا التعبیر في هذه المجموعة من الروایات بمعنى ‘وجود جمیع الآیات الإلهیة بدون نقص أو زیادة’، ویشیر إلى روایات أخرى یقول فیها أمیر المؤمنین عن مصحفه: ‘هَذَا کِتَابُ رَبِّکُمْ کَمَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِیِّکُمْ، لَمْ یَزِدْ فِیهِ حَرْفٌ وَلَمْ یَنْقُصْ مِنْهُ حَرْفٌ’ (صدوق، ۱۴۱۴ق، ۸۶). وقد فهم من عبارة ‘لم یزد فیه حرف ولم ینقص فیه حرف’ في هذه القصة معنى ‘جمیع آیات القرآن بدون نقص أو زیادة’ (فرشچیان، ۱۳۸۷ش، ۸۲). ویکتب ناقد آخر: ‘أن یکون نازلًا بهذا الشکل لا یلزم أن یکون بمعنى الترتیب، بل یمکن أن یکون بمعنى القراءة في ضبط الکلمات ومراعاة اللهجة’ (إیازي، ۱۳۸۰ش، ۸۷).
۲. مصحف الإمام علي (ع) کان مطابقًا من جمیع الجهات للقرآن الذي أنزله الله تعالى على النبي (ص) ولم یکن فیه خطأ إملائي (ناصحیان، ۱۳۸۹ش، ۸۲).
۳. یذکر الأستاذ مهدوي راد احتمالین آخرین من تعبیر ‘کَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ’: ۱- مفاد العبارة هو أن عليًا (ع) نظم القرآن حسب ترتیب النزول؛ ۲- أن عليًا (ع) نظم القرآن بناءً على کل ما أوحي به إلى النبي (ص)، أي ما هو آیات إلهیة وقرآنیة ووجهها الإعجازي، وما نزل بشکل تفسیر وتأویل وبیان لهذه الآیات (مهدوي راد، ۱۳۸۴ش، ۱۰۰).
۴. یحلل محقق آخر الأمر کالتالي: ‘یجب القول بنوع من التوسع المعنائي لعبارتي ‘کتاب الله’ و ‘القرآن’ الواردتین في هذه الروایات، واعتبارهما عبارتین عن ألفاظ الوحي وتفسیرها وبیانها بشکل منفصل؛ أي لأنه ورد في القصة أن الإمام علي (ع) جمع القرآن على أساس ما أنزله الله، بعبارة أخرى، جمع کلًا من القرآن الملفوظ والقرآن الذي هو في الحقیقة تفسیر للقرآن الملفوظ، على أساس ما أنزله الله’ (تجری وزملاؤه، ۱۳۹۴ش، ۸).
۴. دراسة ترتیب مصحف أمیر المؤمنین (ع) بناءً على متن الروایات والشواهد التاریخیة
بناءً على تتبع شامل، تم العثور على حوالي أربعین روایة في هذا الباب من مصادر الفریقین، حیث حکم أنصار نزولیة مصحف علي (ع) بترتیبه التنزیلي بناءً على نظرة أولیة. لذلک، في هذا القسم، وبحذف الروایات المتشابهة والمکررة، سنتناول تقریر ودراسة دلالات أهم الروایات والشواهد التاریخیة لترتیب مصحف أمیر المؤمنین (ع):
۱-۴. تقریر الروایات ودراستها واحدة تلو الأخرى
الروایة والتقریر الأول
قال الإمام الصادق (ع): ‘أَخْرَجَهُ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّاسِ حِينَ فَرَغَ مِنْهُ وَ کَتَبَهُ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا کِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ کَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ’ (الصفار، ۱۴۰۴ق، ۱: ۲۴۶؛ الکلیني، ۲: ۶۳۳). عندما فرغ الإمام علي (ع) من کتابة وتدوین القرآن، عرضه على الناس وقال: هذا کتاب الله کما أنزله على محمد.
الدراسة
على الرغم من أنه یمکن استنباط جمع القرآن على أساس النزول من هذه القصة، إلا أن هذا التقریر لا یحتوي على دلالة صریحة على الترتیب التنزیلي لمصحف أمیر المؤمنین. ثانیًا، یمکن أن یحمل تعبیر ‘کما أنزله الله’ معنى آخر، کما أن تعبیر ‘ظاهره وباطنه’ في الروایة الخامسة له دلالة أکبر على هذا الموضوع. الروایة الأولى تدل على أن هذا المصحف جُمع بدون نقص أو زیادة، کما أنزل الله القرآن على نبیه بدون نقص أو زیادة؛ لأن في تعبیر ‘کما أنزله الله’ ضمیر ‘الهاء’ یعود إلى الکتاب، والکتاب یعني أیضًا؛ مجموعة القوانین والحدود والشریعة، وما جمعه أمیر المؤمنین (ع)، بالإضافة إلى ألفاظ الوحي، یحتوي على إضافات مرتبطة بقوانین شریعة الإسلام وفي مقام تشریح وتبیین لها، ومتناسب مع مفهوم الکتاب.
الروایة والتقریر الثاني
نُقل عن الإمام علي (ع) أنه قال في وصف مصحفه: ‘قَالَ عَلِيٌّ: کَمَا أَمَرَنِي وَأَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ کَمَا أُنْزِلَ؛ هذا کتاب الله الذي ألفته، بناءً على أمر ووصیة النبي الأکرم (ص) وکما نزل’ (المجلسي، بی تا، ۲۸: ۳۸).
الدراسة
یشیر هذا التقریر إلى أمر ووصیة الرسول الأکرم (ص) لأمیر المؤمنین (ع) بتألیف القرآن، فیمکن اعتباره مبینًا وشارحًا ومکملًا للروایة السابقة، ویخرجه إلى حد ما من الإجمال. بعبارة أخرى، جمع مصحف الإمام علي (ع) بناءً على ‘مَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ متوافق ومنسجم مع أمر النبي (ص)؛ ‘کَمَا أَمَرَنِي وَأَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ’. وعلى الأقل، یمکن القول بأن أمیر المؤمنین (ع) ألف وجمع کتاب الله وفقًا لأمر الرسول الأکرم (ص) بالشکل والقالب الذي جمعه الرسول الأکرم (ص). کما یُعلم من هذه الروایة أن الإمام علي (ع) اتبع أمر الرسول الأکرم (ص) ونظم کل ما نزل علیه، ولیس أن مصحفه کان موافقًا لترتیب النزول. من جهة أخرى، یمکن أن تحتمل هذه الروایة معنى آخر مثل الجمع بدون نقص أو زیادة؛ لأن الإمام علي (ع) کان في مقام امتثال أمر رسول الله (ص)، والجمع بدون نقص أو زیادة یعتبر نوعًا من اتباع وصیة الرسول الأکرم (ص).
الروایة والتقریر الثالث
في روایة، قال الإمام علي (ع): ‘إِنِّی لَمْ أَزَلْ مُشْتَغِلاً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ بِغُسْلِهِ وَ کَفْنِهِ وَ دَفْنِهِ ثُمَّ اشْتَغَلْتُ بِکِتَابِ اللَّهِ حَتَّى جَمَعْتُهُ فَهَذَا کِتَابُ اللَّهِ عِنْدِي مَجْمُوعاً لَمْ یَسْقُطْ عَنِّی حَرْفٌ وَاحِدٌ… إِنَّ کُلَّ آیَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ جَلَّ وَ عَلَا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ عِنْدِي بِإِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ خَطِّ یَدِي وَ تَأْوِیلَ کُلِّ آیَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ کُلَّ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ حُکْمٍ أَوْ شَیْءٍ تَحْتَاجُ إِلَیْهِ الْأُمَّةُ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَةِ مَکْتُوبٌ بِإِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ خَطِّ یَدِي حَتَّى أَرْشِ الْخَدْشِ’ (الطبرسي، ۱۴۰۳ق، ۱: ۱۵۳). إني بعد وفاة النبي الأکرم (ص) انشغلت بغسله وتکفینه ودفنه ثم انشغلت بکتاب الله حتى جمعته. فهذا کتاب الله عندي مجموع لم یسقط منه حرف واحد. إن کل آیة أنزلها الله على محمد (ص) عندي بإملاء منه وخط یدي، وکذلک تأویل کل الآیات وکل حلال وحرام أو حد أو حکم أو أي شيء تحتاجه الأمة إلى یوم القیامة، حتى أرش الخدش، موجود عندي بإملاء منه وخط یدي.
الدراسة
هذا التقریر، بعد شرح إجراءات الإمام علي (ع) بعد وفاة النبي (ص)، وخاصة بتعبیر ‘مَجْمُوعاً لَمْ یَسْقُطْ علیه حَرْفٌ وَاحِدٌ’، یشیر إلى أنه لم یقع أي نقص في جمع مصحف الإمام علي (ع). کما یؤکد على جامعیته المحتوائیة والتفسیریة، ولا یشیر أبدًا إلى ترتیب جمعه.
الروایة والتقریر الرابع
في احتجاج واستدلال أمیر المؤمنین (ع) مع زندیق أو رجل أنکر الله، ورد: ‘کَمَلاً مُشْتَمِلاً عَلَى التَّأْوِيلِ، وَ التَّنْزِيلِ، وَ الْمُحْکَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ، وَ النَّاسِخِ وَ الْمَنْسُوخِ وَ لَمْ یَسْقُطْ مِنْهُ حَرْفٌ أَلِفٌ وَ لَا لَامٌ، فَلَمْ یَقْبَلُوا ذَلِکَ’ (المجلسي، بی تا، ۹۳: ۳۹۷؛ فیض کاشاني، ۱۴۱۵ق، ۱۱)؛ جاء بکتاب الله کاملًا یحتوي على التأویل والتنزیل والمحکم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، ولم یسقط منه حتى حرف ألف أو لام، ولکن الناس لم یقبلوه.
الدراسة
أولًا، هذه الروایة لا تصرح بترتیب تنزیلي لمصحف الإمام علي (ع). ثانیًا، تشیر إلى مجموعة التأویل والتنزیل والناسخ والمنسوخ للقرآن، وهو تعبیر آخر عن جامعیة مصحف الإمام وکماله من حیث المفهوم والتفسیر. بعبارة أخرى، ما یُستفاد من هذا التقریر هو أن مصحف أمیر المؤمنین (ع) بجانب ألفاظ الآیات، یحتوي على إضافات بشکل بیان للنسخ والتشابه أو تأویل الآیات، وأنه جُمع بدقة تامة وبدون أي نقص. کما أنه من الواضح أن اشتماله على الناسخ والمنسوخ لا یدل صراحة على ترتیبهما بحیث یتقدم المنسوخ على الناسخ.
الروایة والتقریر الخامس
یروي المرحوم الکلیني بأسانیده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: ‘مَا یَسْتَطِیعُ أَحَدٌ أَنْ یَدَّعِیَ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ کُلَّهُ ظَاهِرَهُ وَ بَاطِنَهُ غَیْرُ الْأَوْصِیَاءِ’ (الکلیني، بی تا، ۲: ۲۲۸)؛ لا یستطیع أحد أن یدعي أن عنده کل القرآن ظاهره وباطنه، إلا الأوصیاء (الأئمة المعصومون).
الدراسة
هذا التقریر ذو مفهوم شامل یشمل کل ما جمعه الأئمة في جمع وتدوین القرآن، ولکنه یظهر مفهوم جامعیة مصحف الإمام أکثر من أي شيء آخر. أمر آخر هو أن هذه الروایة لا تشیر حتى إلى الترتیب التنزیلي لمصحف الإمام. من تعبیر ‘ظَاهِرَهُ وَ بَاطِنَهُ’، یمکن فهم أن جمیع معارف القرآن عند الأئمة (ع)، وهي ودائع الإمامة لدیهم وتعد جزءًا من علمهم، ولا یُسمح للبشر الآخرین بالوصول إلیها.
الروایة والتقریر السادس
یروي الکلیني بأسانیده عن جابر أنه سمع الإمام الباقر (ع) یقول: ‘مَا ادَّعَى أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ کُلَّهُ کَمَا أُنْزِلَ إِلَّا کَذَّابٌ وَ مَا جَمَعَهُ وَ حَفِظَهُ کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ (ع)’ (الکلیني، بی تا، ۱: ۲۲۸)؛ ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن کله کما أُنزل إلا کذاب، وما جمعه وحفظه کما أنزل الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.
الدراسة
بالنظر إلى عبارات هذه الروایة، یمکن تفسیر وشرح تعبیر ‘ظَاهِرَهُ وَ بَاطِنَهُ’ في الروایة السابقة، لأن هذه الروایة تشیر إلى أن ما جمعه الإمام علي (ع) کان جامعًا وکاملًا، ولا یستطیع أحد أن یدعي أنه یستطیع جمع کل ما نزل على النبي (ص) مثله. بناءً علیه، فإن مصحف الإمام علي (ع) کان یشمل ظاهر وباطن آیات القرآن، وهذا هو معنى جامعیة مصحف الإمام الذي یشمل التفسیر وشأن نزول الآیات أیضًا.
الروایة والتقریر السابع
نُقل عن الإمام الحسن (ع) أنه قال: ‘إِنَّ الْعِلْمَ فِینَا وَ نَحْنُ أَهْلُهُ وَ هُوَ عِنْدَنَا مَجْمُوعٌ کُلُّهُ بِحَذَافِیرِهِ وَ إِنَّهُ لَا یَحْدُثُ شَیْءٌ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَةِ حَتَّى أَرْشِ الْخَدْشِ إِلَّا وَ هُوَ عِنْدَنَا مَکْتُوبٌ بِإِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ خَطِّ عَلِيٍّ (ع) بِیَدِهِ’ (الکلیني، بی تا، ۱: ۲۳۸؛ المجلسي، بی تا، ۴۴: ۹۷؛ الطبرسي، ۱۴۰۳ق، ۲: ۲۸۷)؛ کل العلم بکل جوانبه عندنا ونحن أهله، ولا یحدث شيء إلى یوم القیامة حتى أرش الخدش إلا وهو عندنا مکتوب بإملاء رسول الله (ص) وبخط الإمام علي (ع).
الدراسة
هذه الروایة، کما هو واضح، تدل على جامعیة علم أهل البیت بکل کلیاته وجزئیاته نتیجة تعلم الإمام علي (ع) من النبي (ص)، ولیس على کون مصحف الإمام تنزیلیًا.
۱-۱-۴. خلاصة الروایات الکلیة
کما رأینا (على فرض قبول توقیفیة ترتیب السور)، لا توجد صراحة في أي من هذه الروایات حول مسألة کیفیة ترتیب القرآن في هذا المصحف، ولکن ما یُلاحظ في هذه الروایات هو السمة البارزة التي یصف بها أهل البیت (ع) مصحف الإمام علي (ع)، وهي سمة ‘احتوائه على جمیع حقائق القرآن’. الروایة الثالثة تعد هذا المصحف ‘حاویًا للتنزیل والتأویل وکل الأحکام والحدود المطلوبة’، والروایة الثانیة یمکن أن تؤید فهم ‘بدون نقص أو زیادة’؛ کما قال: ‘قَدْ أَلَّفْتُهُ کَمَا أَمَرَنِي وَ أَوْصَانِي’. هذه الروایة تشیر إلى أن الإمام علي (ع) لا یمکن أن یخالف رأي النبي (ص)، لأن جزءًا کبیرًا من سور القرآن قد نُظم من قبل النبي (ص)، وعمليًا لم یکن ممکنًا لأحد مخالفته. التقریر السابع أیضًا یعتبره ‘حاویًا لکل المعارف وإجابة لکل المسائل المستحدثة’. ومن هنا یتضح أن الروایات التي تشبه النقل الأول والثاني والتي تصف سمة هذا المصحف بعبارة ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ قد تناولت نفس السمة ولکن بعبارة أخرى. هذه الروایات تظهر أن مصحف علي (ع) کان یحتوي على إضافات إلى القرآن الذي جمعه الرسول (ص)، وبناءً علیه، لا یوجد في الروایات کلام واضح وحاسم حول کیفیة ترتیب السور.
بناءً علیه، فإن الروایات المتعلقة بمصحف الإمام علي (ع) تختلف فقط في التعبیر، وکلها تشیر إلى السمة الأساسیة لهذا المصحف. هذه السمة تُبیّن مرة بعبارات مثل ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’، أن هذا المصحف یحتوي على جمیع الحقائق النازلة من عند الله بدون نقص أو زیادة، ومرة أخرى بأوصاف مثل ‘شامل للتنزیل والتأویل’، و’حاوي للعلوم المطلوبة’، و’مبین للأحکام والحدود’، مما یوضح أن جمیع الحقائق النازلة، أي تنزیل وتأویل القرآن، موجودة معًا في هذا المصحف (برزگر، ۱۳۹۷ش، ۲۹).
۲-۴. المستندات التاریخیة
المستند الأول: أول تقریر من ابن سعد في کتاب ‘الطبقات الکبرى’. ینقل عن محمد بن سیرین حول مصحف علي (ع): ‘زَعَمُوا أَنَّهُ کَتَبَهُ عَلَى تَنْزِیلِهِ’ (ابن سعد، ۱۴۱۰ق، ۲: ۲۵۸)؛ زعموا أن أمیر المؤمنین (ع) جمع القرآن حسب تنزیله.
النقد والدراسة
أولًا، في هذا النقل، أصحاب هذا الرأي غیر معروفین. ثانیًا، لیس من المعلوم ما إذا کان هذا القول یقینًا ناتجًا عن مشاهدة عینیة للمصحف أم أنه مجرد ظن وتخمین واستنتاج من المسموعات (برزگر، ۱۳۹۷ش، ۲۲). ثالثًا، الظن والتخمین لا یغنیان الإنسان عن الحق والواقع، ولیسا کاشفین عن الواقع. رابعًا، ‘التنزیل’ لفظًا یعني الشیء الذي نزل کالقرآن، ولا ینبغي خلط هذا اللفظ بالاصطلاح الجدید الذي یستخدمه المتأخرون (راجع: الخوئي، بی تا، ۳۰۴).
المستند الثاني: ینقل ابن ضریس في هذا الخصوص نقلًا آخر عن محمد بن سیرین. في هذا النقل، یسأل ابن سیرین عکرمة هل کُتب هذا المصحف على ترتیب النزول؟ فیقول عکرمة: لو اجتمع الجن والإنس على أن یؤلفوه هذا التألیف ما استطاعوا. ثم یؤید ابن سیرین کلام عکرمة (ابن ضریس، ۱۴۰۸ق، ۱: ۳۶). یقول الیعقوبي إن الإمام علي (ع) قسم مصحفه إلى سبعة أجزاء: الجزء الأول: البقرة، یوسف، العنکبوت. الجزء الثاني: آل عمران، هود و… (الیعقوبي، بی تا، ۱۳۵-۱۳۶).
النقد والدراسة
بناءً على هذا، فإن کل ما نُقل عن الآخرین مثل ابن جزي: ‘جَمَعَهُ عَلَى تَرْتِیبِ نُزُولِهِ’، لا یعدو کونه حدسًا وتخمینًا، لأنه هو نفسه لم یذکر سند هذا القول، وبعد ذکره یقول: لم یوجد هذا المصحف. وهذا القول أیضًا لم یُنقل بناءً على رؤیة فرد أو جماعة من الأفراد، ولکن على فرض قبوله، فإنه لا یثبت تدوین هذا المصحف على ترتیب النزول، لأن الأجزاء المذکورة لها ترتیب واضح غیر ترتیب النزول.
یکتب السید مرتضى العسکري في کتاب ‘القرآن الکریم وروایات المدرستین’: ‘لم یر مصحف علي (ع) أحد غیر أئمة أهل البیت (ع)، وکل من نقل شیئًا عن هذا المصحف غیرهم، فقد رمى رمیة في الظلام وکلامه غیر مقبول’ (۱۴۲۴ق، ۲: ۴۱۳).
في الحقیقة، لم یر ترتیب مصحف علي (ع) أحد سوى الإمام نفسه وأئمة الأطهار (ع)، لأن الإمام علي (ع) بعد أن أطلع السلطة الحاکمة على وجود مثل هذا المصحف وامتناعهم عن قبوله، أقسم بأنه لن یروه بعد ذلک (الصفار، ۱۴۰۴ق، ۱: ۱۹۳)، وهذا المصحف، وفقًا لوصیة النبي الأکرم (ص)، انتقل بالإرث من الإمام علي (ع) إلى الأئمة من بعده. إذن، کان مصحف الإمام علي (ع) بعیدًا عن متناول عامة الناس، ولم یره أحد، والأقوال التي تُقدم کمستندات تاریخیة تفتقر إلى سند یقيني ولن تکون مفیدة للعلم.
الحاصل أنه بناءً على الإشکالات الواردة على المستندات التاریخیة، لا یمکن في هذا القسم الحکم بترتیب مصحف الإمام علي (ع) على أساس ترتیب النزول.
للوصول إلى الرأي المختار، من الضروري دراسة الفرضیات المطروحة في بیان المسألة، لنبین الرأي المطلوب ضمن تحلیل الفرضیات.
۵. اختبار الفرضیات للوصول إلى الرأي الأفضل
۱-۵. تقویم الفرضیة الأولى
الروایات والمستندات التاریخیة الدالة على ترتیب سور القرآن الکریم حسب النزول في مصحف الإمام علي (ع) صحیحة، ولکن الترتیب الحالي والمتداول للسور اجتهادي وقد تم من قبل الصحابة والتابعین. بناءً علیه، فإن أمیر المؤمنین (ع) لم یخالف نهج الرسول الأکرم (ص) في تنظیم السور.
مع الأخذ في الاعتبار الفرضیة الأولى التي تدور حول کون ترتیب القرآن اجتهادیًا، فإننا بالضرورة سنعتقد بنوع من التحریف في القرآن الکریم، وهذا النوع من التحریف یعود إلى أن مجموعة من الباحثین في القرآن مثل الحجتي (۱۳۷۲ش، ۲۳۱-۲۳۲)، والعاملي (۱۳۷۴ش، ۱۱۱-۱۱۳)، والزرکشي (۱۴۰۸ق، ۱: ۲۳۸-۲۴۰)، ورامیار (۱۳۶۹ش، ۲۸۱)، یعتقدون أن الرسول الأکرم (ص) في حیاته اهتم بجمع وتدوین جزء کبیر من الآیات والسور، ولکنه في مقابل الإمام علي (ع) لترتیب مصحفه خالف السیرة العملیة لرسول الله (ص)، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن بعض الباحثين في القرآن یعتبرون الاختلاف البنیوي مع القرآن الذي جمعه الرسول الأکرم (ص) نوعًا من التحریف. مثلًا، یذکر النیسابوري في تفسیره أنه في زمن رسول الله (ص) کان القرآن مجموعًا، لأنه ما نزلت آیة إلا وأمر النبي (ص) کُتّاب الوحي بوضعها في مکان محدد من القرآن، وما نزلت سورة إلا وأمر کاتب الوحي بوضعها بجانب سورة معینة. وقد ذکر ابن عباس هذا الموضوع أیضًا، حیث کان النبي (ص) بعد نزول کل سورة یستدعي کاتب الوحي ویقول له: ضع هذه السورة في المکان الفلاني، وکان النبي (ص) یسمي ذلک المکان. حتى إن النیسابوري یعتقد بجمع وترتیب القرآن في زمن النبي (ص) ویقول: من اعتقد أن الترتیب الموجود لسور القرآن من أعمال عثمان، فقد أسقط کتاب الله عن الحجیة واعتقد بتصحیفه وتحریفه (نقلًا عن فیض کاشاني، ۱۳۷۷ش، ۱۳۰).
۲-۵. تقویم الفرضیة الثانیة
نظرًا لأن روایات ترتیب النزول للسور والآیات في مصحف الإمام علي (ع) غیر واضحة ومجملة، ومع نظریة التوقیفیة والترتیب الحالي للقرآن الکریم على أساس ترتیب السور من الأکبر إلى الأصغر، فلا یوجد تعارض، وبالتالي لا یوجد دلیل على أن مصحف الإمام علي (ع) لم یُجمع وفقًا لسیرة رسول الله (ص).
لقد قلنا إنه إذا کانت الروایات والمستندات التاریخیة دالة على جمع مصحف الإمام علي (ع) على ترتیب النزول، فإن هذا یعني مخالفة عملیة من أمیر المؤمنین (ع) لسیرة ومنهج النبي (ص) في جمع القرآن، ویتعارض مع تصریحات الإمام المتکررة بتبعیته ومتابعته للنبي (ص) دون قید أو شرط. في حین أنه بالرجوع إلى متن الروایات – کما قلنا في دراستها – فإن عبارتي ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ و ‘أَلَّفْتُهُ کَمَا أَمَرَنِي’ فقط قد تفیدان مفهوم الجمع التنزیلي، ولا شک أن دلالتهما لیست قطعیة، ویمکن القول فقط بوجود إبهام في هذا الخصوص. مع وجود هذا المفهوم، یمکن من خلال جمع دلالات روایات هذا الموضوع اعتبار معنیین آخرین، أي الفهم التأکیدي والفهم التکمیلي.
۳-۵. تقویم الفرضیة الثالثة
من خلال التدقیق في الروایات والمستندات التاریخیة، لا یمکن الجزم بکیفیة ترتیب السور في مصحف علي (ع)، والقدر المتیقن من محتوى مصحف علي (ع) هو أنه کان یحتوي على إضافات بعنوان شأن النزول وتفسیر آیات القرآن.
إذا کانت هناک شکوك حول ترتیب جمع السور والآیات في مصحف علي (ع)، فهذا لا یعني تجاهل باقي المفاهیم. بالنظر إلى الاهتمام الجاد والطویل للإمام بجمع المصحف (رامیار، ۱۳۶۹ش، ۳۶۸)، من الطبیعي أنه في فترة ستة أشهر، تم جمع أو تنظیم محتوى أکبر من حجم مصحف قرآني خالص من قبل الإمام (ع)، وبقرینة النص والمحتوى وفضاء صدور مجموع هذه الروایات التفسیریة، فإن أهم جزء من هذه الإضافات والإفاضات هو شأن النزول وتفسیر وتأویل الآیات.
۴-۵. تقویم الفرضیة الرابعة
بالنظر إلى تعابیر مثل: ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’، ‘کَمَا أَمَرَنِي وَأَوْصَانِي’، ‘کَمَلًا مُشْتَمِلًا عَلَى التَّأْوِيلِ وَالتَّنْزِيلِ’، ‘کُلُّهُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ’، و ‘لَمْ یَسْقُطْ علیه حَرْفٌ وَاحِدٌ’ في الروایات، یمکن قبول الفهم التأکیدي (بکون مصحف علي (ع) بدون نقص أو زیادة) والفهم التکمیلي (باشتماله على التفسیر والتأویل وسبب النزول).
أ. الفهم التأکیدي (التألیف بدون نقص أو زیادة)
یمکن أن یشیر تعبیر ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ إلى الجمع ‘وفقًا للنزول’، ‘وفقًا للواقع’، و ‘بدون أي نقص أو زیادة’. هذه العبارة تدل على التأکید على جمع القرآن بدون نقص أو زیادة وکمال مصحف الإمام علي (ع)، ولیس على ترتیبه حسب النزول.
وکمؤید لهذا القول، في روایة عن الإمام الباقر (ع)، یُعتبر جمع وحفظ القرآن بسمة ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ خاصًا فقط بالأئمة المعصومین (ع): ‘عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ یَقُولُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ یَقُولُ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ کُلَّهُ کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا کَذَّابٌ وَ مَا جَمَعَهُ وَ مَا حَفِظَهُ کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ’ (الصفار، ۱۴۰۴ق، ۱: ۱۹۳)؛ توضیح ذلک هو أنه لو کان معنى ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ هو معرفة ترتیب نزول القرآن بمعنى لفظ الآیات والسور، فإن هذا العلم لیس خاصًا بأئمة الأطهار (ع)، بل على الأقل کبار صحابة النبي الأکرم (ص) الذین کان بعضهم من کُتّاب وحفّاظ القرآن، کانوا یمتلکون هذه السمة. من جهة أخرى، في حدیث آخر قریب المضمون من الحدیث السابق، ورد: ‘عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا یَسْتَطِیعُ أَحَدٌ أَنْ یَدَّعِیَ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ کُلَّهُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ غَیْرُ الْأَوْصِیَاءِ’ (نفس المصدر). کما ترون، في الحدیث الثاني، جاءت عبارة ‘ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ’ בדיוק مکان عبارة ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’، وهذا یعني أن عبارة ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ تعني ‘حاویًا لظاهر وباطن ما أنزله الله’ (بدون نقص أو زیادة)، ومؤید هذا القول هو الروایة الرابعة من أمیر المؤمنین (ع) حیث قال: ‘لَمْ یَسْقُطْ مِنْهُ حَرْفٌ أَلِفٌ وَلَا لَامٌ’.
ب. الفهم التکمیلي
من خلال الجمع المحتوائي للروایات، لا یمکننا الوصول بشکل قاطع إلى نزولیة مصحف أمیر المؤمنین (ع)، بل یمکن استنباط أن المقصود بـ ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ أو ‘کما نزل’ هو اشتمال مصحف الإمام على معلومات مرافقة للآیات مثل شأن النزول، والتفسیر، وتأویل الآیات.
بعبارة أخرى، یجب ملاحظة السعة المعنائیة لجمع القرآن، بمعنى أن الجمع لا یعني فقط وضع ألفاظ الوحي بجانب بعضها البعض، ومن معانیه الأخرى الشرح والتبیین، کما یتضح من روایات مثل: ‘مَا یَسْتَطِیعُ أَحَدٌ أَنْ یَدَّعِیَ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ کُلَّهُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ غَیْرُ الْأَوْصِیَاءِ’ (الکلیني، بی تا، ۲: ۲۲۸)، حیث إن أحد معاني الجمع هو تدوین المفاهیم والآیات، خاصة شأن النزول وتفسیر آیات القرآن.
بناءً علیه، من خلال التوسع المعنائي لجمع القرآن وعدم کفاءة نص الروایات في إفادة قطعیة لترتیب تنزیلي لمصحف الإمام علي (ع) والدلالات الواضحة لألفاظ الروایات المتعلقة بکمال ونقصان ووضوح هذا المصحف، یُفتح الطریق نحو اختیار الفرضیة الأرجح، أي الفرضیة الرابعة القائمة على قبول الفهم التأکیدي أو الفهم التکمیلي.
۶. الخلاصة والاستنتاج
بالنظر إلى الرأي المشهور حول کیفیة ترتیب السور في مصحف الإمام علي (ع) والشبهة المترتبة علیه، مبنیة على مخالفة الإمام (ع) للترتیب النبوي للقرآن، تم في هذا المقال، ضمن تبیین أهم الآراء حول توقیفیة أو اجتهادیة ترتیب جمع الوحي، ومراجعة متن ودلالة الروایات المرتبطة، طرح فرضیات وتم تقویمها بالترتیب التالي:
۱. إذا اعتبرنا الترتیب الحالي للقرآن اجتهادیًا، حتى مع قبول الروایات المشعرة بالترتیب التنزیلي لهذا المصحف، تنتفي مخالفة علي (ع) لسیرة النبي (ص) في جمع القرآن.
۲. إذا اعتبرنا ترتیب السور الحالي توقیفیًا، بالنظر إلى عدم وضوح الروایات المذکورة، خاصة تعابیر مثل ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’ و ‘کَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ’، فلا یُستفاد تخلف الإمام عن نهج رسول الله (ص).
۳. في فهم الروایات المرتبطة بمصحف الإمام علي (ع)، القدر المتیقن هو أنه کان یحتوي على إضافات مثل: التفسیر والتأویل وسبب النزول.
۴. وجود عبارات مثل ‘کَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ’، ‘کَمَا أَمَرَنِي وَأَوْصَانِي’، ‘کَمَلًا مُشْتَمِلًا عَلَى التَّأْوِيلِ وَالتَّنْزِيلِ’، ‘کُلُّهُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ’، و ‘لَمْ یَسْقُطْ علیه حَرْفٌ وَاحِدٌ’ یثبت أن الرؤیتین، الفهم التأکیدي – بمعنى کون المصحف بدون نقص أو زیادة بالنسبة لواقع الآیات والسور النازلة – والفهم التکمیلي – بمعنى اشتمال مصحف الإمام على إضافات مثل شأن النزول وبیان المصادیق والتفسیر والتأویل – لهما أولویة وأرجحیة على الرأي المشهور – القائم على اختلاف ترتیب السور في هذا المصحف عن المصحف الرائج بعد النبي (ص) حتى الآن.
الهوامش
۱. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحدیث بجامعة کاشان. abasi1234@gmail.com
۲. طالب دکتوراه في فرع علوم القرآن والحدیث بجامعة کاشان (المؤلف المسؤول). seyyedmosavi1375@gmail.com
المصادر والمراجع
القرآن الکریم.
الآلوسي، السید محمود، تفسیر روح المعاني في تفسیر القرآن العظیم، بیروت، دار الکتب العلمیة، ۱۴۱۵ق.
ابن جزي، محمد بن أحمد، التسهیل لعلوم التنزیل، بیروت، دار الأرقم، ۱۴۱۶ق.
ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الکبرى، بیروت، دار الکتب، ۱۴۱۰ق.
ابن ضریس، محمد بن أیوب، فضائل القرآن وما أنزل القرآن بمکة وما أنزل بالمدینة، دمشق، دار الفکر، ۱۴۰۸ق.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاییس اللغة، بیروت، دار الفکر، ۱۳۹۹ش.
ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب، بیروت، دار صادر، ۱۴۱۴ق.
أظهري مبارکبوري، کرار حسین، حقائق پیرامون مصحف فاطمة، قم، مرکز جهانی علوم اسلامی مدرسة فقه ومعارف اسلامی، ۱۳۸۴ش.
إیازي، سید محمد علي، مصحف إمام علي، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ۱۳۸۰ش.
برزگر، محمد، پایان نامه ‘چینش نظام مند سوره ها در قرآن کریم’، قم، جامعة المذاهب الإسلامیة، ۱۳۹۷ش.
بهجت پور، عبد الکریم، تفسیر تنزیلی (مبانی، قواعد وفوائد)، طهران، معهد الثقافة والفکر الإسلامي، ۱۳۹۲ش.
تجری، محمد علي وزملاؤه، ‘واکاوی روایات شیعی در ترتیب نزولی بودن مصحف إمام علي’، آموزه های قرآنی، ۱۳۹۴ش، العدد ۲۲، صص ۳-۲۹.
جعفري، آرثر، مقدمتان في علوم القرآن، القاهرة، مکتبة الخانجي، ۱۳۹۲ش.
الحجتي، سید محمد باقر، پژوهشی در تاریخی قرآن کریم، طهران، مکتب نشر الثقافة الإسلامیة، ۱۳۶۰ش.
خرقاني، حسن، وحیانی بودن ساختار القرآن، مشهد، پژوهش های قرآنی ویژه نامه إمام خمیني، ۱۳۷۸ش.
الخوئي، سید أبو القاسم، البیان في تفسیر القرآن، مؤسسة إحیاء آثار إمام خوئي، بی جا، بی تا.
راغب الأصفهاني، حسین بن محمد، المفردات في غریب القرآن، دمشق، دار الشامیة، ۱۴۱۲ق.
رامیار، محمود، تاریخ قرآن، طهران، أمیرکبیر، ۱۳۶۹ش.
الزرکشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، بیروت، دار الفکر، ۱۴۰۸ق.
الزمخشري، محمود بن عمر، بنیاد البلاغة، بیروت، دار صادر، ۱۳۹۹ش.
السیوطي، جلال الدین، الإتقان في علوم القرآن، بیروت، دار الکتب العربي، ۱۴۲۱ق.
الصدوق، محمد بن علي، کمال الدین وتمام النعمة، طهران، دار الکتب الإسلامیة، الطبعة الثانیة، ۱۳۹۵ق.
___________، اعتقادات إمامیة، قم، مؤتمر الشیخ المفید، الطبعة الثانیة، ۱۴۱۴ق.
الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد، قم، مکتبة آیة الله المرعشي النجفي، ۱۴۰۴ق.
الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج على أهل اللجاج، مشهد، نشر المرتضى، ۱۴۰۳ق.
الطریحي، فخر الدین بن محمد، مجمع البحرین، طهران، المکتبة المرتضویة، ۱۳۷۵ش.
العاملي، سید جعفر مرتضى، الحقائق الهامة حول القرآن الکریم، بیروت، دار الصفوة، بی تا.
العسکري، سید مرتضى، القرآن الکریم وروایات المدرستین، قم، کلیة أصول الدین، ۱۴۲۴ق.
الفراهیدي، خلیل بن أحمد، العین، قم، هجرت، ۱۴۱۰ق.
فرشچیان، رضا، إمام علي (ع) ومبانی علوم قرآني، کرمان، جامعة شهید باهنر، ۱۳۸۷ش.
فیض الکاشاني، ملا محسن، علم الیقین في أصول الدین، قم، بیدار، ۱۳۷۷ش.
___________، تفسیر الصافي، طهران، صدر، ۱۴۱۵ق.
القرشي، سید علي أکبر، تفسیر أحسن الحدیث، طهران، بنیاد بعثت، الطبعة الثالثة، ۱۳۷۷ش.
القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحکام القرآن، طهران، ناصر خسرو، ۱۳۶۴ش.
الکلیني، محمد بن یعقوب، أصول الکافي، طهران، دار الکتب الإسلامیة، بی تا.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار في أخبار الأئمة الأطهار، بیروت، دار إحیاء التراث العربي، بی تا.
المصطفوي، حسن، التحقیق في کلمات القرآن، طهران، ترجمة ونشر کتاب، ۱۳۶۰ش.
معرفت، محمد هادي، التمهید في علوم القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ۱۴۱۵ق.
المفید، محمد بن محمد، المسائل السرویة، قم، المؤتمر العالمي للشیخ المفید، ۱۴۱۳ق.
مهدوي راد، محمد علي، ‘میراث مکتوب علوي’، علوم حدیث، ۱۳۸۴ش، الأعداد ۳۷-۳۸، صص ۸۷-۱۰۶.
ناصحیان، علي أصغر، ‘مصحف علي از منظر احادیث’، آموزه های قرآنی، ۱۳۸۹ش، العدد ۱۲، صص ۷۳-۹۸.
نکونام، جعفر، پژوهشی در مصحف إمام علي (ع)، رشت، کتاب مبین، ۱۳۸۲ش.
نهاوندي، محمد، نفحات الرحمن في تفسیر القرآن، قم، بنیاد بعثت، ۱۳۸۶ش.
الیعقوبي، أحمد بن أبي یعقوب، تاریخ الیعقوبي، بیروت، دار صادر، بی تا.