دراسة الوظيفة البلاغية والدلالية للأوزان الصرفية في تبيين الإعجاز البياني للقرآن

الملخص

تُعَدُّ الكيفية البنيوية والتركيبية للمفردات في النظام الكتابي للغة مخططاتٍ صوتيةً في التعبير عن مختلف العواطف والحالات الإنسانية في النطاق اللامتناهي للغة القرآن، ومن الضروري التأمل في الدافع البلاغي والدلالي لاستخدامها، بوصف ذلك وجهًا آخر من وجوه الإعجاز البياني لهذا الكلام السماوي. كما أن الاهتمام بالبنى الصرفية للكلمات، فيما يتعلق بالرسالة، بوصفها أحد العناصر المحورية الأربعة للتواصل اللغوي الناجح (المرسل، المتلقي، الرسالة، وسياق الموقف)، يعد أمرًا بالغ الأهمية والضرورة. بناءً على هذا التصور، تسعى هذه الدراسة إلى فحص عدد من المفردات القرآنية وقراءاتها، بالاستعانة بقواعد علم الصرف في اللغة العربية وبالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، وذلك لبيان سبب استخدام بنية وقراءة معينة لكل مفردة، وتوضيح تأثير ذلك في إفادة رسالة المرسِل. يُظهر فحص البيانات القرآنية أنه قد استُخدمت في كلام الله المجيد بنى صرفية خاصة لوصف الحالات المختلفة، ولم يكن اختيارها هادفًا ويساعد في تحديد مراد الله فحسب، بل إن أي تغيير في أي من هذه البنى التصريفية وقراءتها سيؤدي إلى تغيير في تلقي الرسالة من قبل المتلقي. والجدير بالذكر أن اختيار البنى الصرفية يتأثر بعوامل مثل الانسجام مع السياق النصي، وسياق الموقف، والنظام الموسيقي.

۱. المقدمة

القرآن الكريم أثر خالد، تُفتح أبواب حكمته للمخاطبين بمرور الزمن، وتزداد قيمته البلاغية. هذا الكلام الرباني، الذي يُعد أسمى نموذج للفصاحة والبلاغة، يتمتع بخصائص لغوية مدهشة لفتت انتباه العلماء والباحثين في مختلف المجالات. ومن بين هذه الخصائص، يُعتبر الشكل البنيوي (البنية الصرفية) لكلمات القرآن أحد أهم وجوه الإعجاز البياني في هذا الكلام المقدس، ومعرفة المقاصد الكامنة وراء استخدام كل شكل من هذه الأشكال والبنى تستحق التأمل والتفكير؛ ففي القرآن الكريم، وُضعت كل بنية وقالب صرفي موجود في اللغة العربية لخدمة أغراض بلاغية ومفاهيم خاصة، وبمنتهى الدقة والجمال، بحيث إن أي تغيير أو استبدال لها سيخل بالمعنى المراد (شهبازي، ذوالفقاري، نظرة إلى لطائف البنية الصرفية لأوزان الجموع في القرآن الكريم، 1393: 117). لا شك أن من خصائص اللغة العربية تأثير الوزن والحركات في معاني الكلمات، لدرجة أن تغيير حركة الفتحة إلى الكسرة أو إضافة تشديد ونحوهما يمنح الكلمة دلالة جديدة. على سبيل المثال، دلالة وزن «فَعَلان» على الحركة والنشاط، واستعمال وزن «افتعال» في بيان أوج الصبر ونظائره، دليل على أن واضع اللغة العربية غالبًا ما كان يضع مدلول المفردات نصب عينيه ويجعلها محسوسة بالحواس. ومن هذا المنطلق، فإنه باستخدام توالي حركة الفتحة في «فعلان»، يلقي إلى المخاطب مفهوم الارتعاش والحركة والتقلب (فسوي فارسي، شرح شافية ابن الحاجب، 1386: 73)؛ وبإضافة حرف إلى بنية الكلمة وكذلك بالإبدال فيها، يعمّق دلالة الكلمة. ولهذا السبب، يُستخدم «الاصطبار» في الاستعمال العربي لإفادة أوج الصبر (الثعالبي، جواهر الحسان في تفسير القرآن، 1418: 29/4). بناءً على ما تقدم، تسعى هذه الدراسة، من خلال التأمل في علم التصريف ودراسة أوزان وقوالب المفردات الصرفية في اللغة العربية، إلى تبيين دور البنية المتنوعة للكلمات القرآنية وتغيراتها في إلقاء معانٍ بلاغية خاصة على القارئ. لا شك أنه لا يمكن حصر الكلمة في معناها التجريدي الموجود في المعاجم، بل إنها تتجاوز المعنى المنطقي لكل مفردة، إذ يحيط بها فضاء عاطفي يمنحها لونًا ورونقًا مؤقتًا يتناسب مع استخدامها (دايه، علم الدلالة العربي، 1996: 216-217). وعليه، فإن كلام الله المجيد، بما يتناسب مع كل فضاء عاطفي، يستخدم بنية خاصة لكل مفردة توضح درجة ضعف وقوة الأفعال وردود الأفعال. وبهذا التصور، سيتم في هذه المقالة دراسة البنية الصرفية لعدد من الأسماء والأفعال في القرآن الكريم، نظرًا لكثرة الأوزان الصرفية في اللغة العربية، وذلك لتقديم إجابة مناسبة للأسئلة التالية: 1. ما هو أهم سبب لاستخدام الآليات التصريفية المختلفة في القرآن الكريم؟ 2. ما هي العوامل المؤثرة في اختيار الشكل البنيوي (الصرفي) الخاص بالمفردات القرآنية؟

۲. منهج البحث

تتمثل أداة هذا البحث في كلام الله المجيد والبيانات القرآنية والمعاجم وكتب التفسير. كما أن طريقة جمع المعلومات والبيانات هي الطريقة المكتبية وفهم النص، والنظرة السائدة في هذا البحث هي نظرة نصية بحتة.

۳. خلفية البحث

منذ بداية نزول القرآن حتى الآن، كان علم اللغة أساسًا لمعرفة دلالات المفردات القرآنية والوعي بسر إعجاز القرآن، وقد بذل العلماء المسلمون منذ القرون الأولى جهودًا في مباحث لغة مفردات القرآن. إن إلقاء نظرة سريعة على المباحث اللغوية ودراسة المفردات حول القرآن الكريم يظهر أن علم التصريف كان في بدايته ممزوجًا بعلم النحو، وأن النحويين مثل سيبويه قد طرحوا مباحث صرفية إلى جانب المسائل النحوية في أعمالهم (طنطاوي، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، 1997: 41). وأخيرًا، قام أحد العلماء البارزين من البصرة، أبو عثمان المازني، في النصف الأول من القرن الثالث، بتأليف كتاب مستقل في علم التصريف لأول مرة. وبعده، اهتم الزجاج في أعماله بالمباحث الصرفية. وكذلك، كتب ابن جني كتاب «المصنف» في شرح «تصريف» المازني. ويُعد كتاب «الشافية في التصريف» لابن الحاجب من أشهر الأعمال الأخرى في علم التصريف، وهو في الواقع انعكاس لآراء ابن جني في «سر الصناعة» (فرزانه، نظرة في تاريخ علم الصرف ونقد ودراسة كتاب شافية لابن الحاجب، 1381: 107). وفي إطار المقالات، قام العديد من المؤلفين بالكتابة في مجال تصريف المفردات القرآنية، ومن ذلك مقالة «نظرة إلى لطائف البنية الصرفية لأوزان الجموع في القرآن الكريم» (1393)، وهي عمل مشترك لمحمود شهبازي وزهرا ذوالفقاري، وكذلك مقالة «تحليل التصوير الفني للبنى الصرفية للأفعال في ترجمات القرآن الكريم» (1394)، بقلم رضا أماني وأم البنين فرهادي وليلى زربخش. وفي الوقت نفسه، استطاع ظهور المدارس اللسانية الغربية اليوم أن يلفت انتباه الباحثين والدارسين لقواعد اللغة العربية؛ ففي الوقت الحاضر، يُعد كتاب «المنهج الصوتي للبنية العربية» لعبد الصبور شاهين (1980)، و«الصرف وعلم الأصوات» لديزيره سقال (1996)، و«قواعد الصرف الصوتية بين القدماء والمحدثين» لسعيد محمد شواهنه (2007) من بين أوائل الكتب التي تناولت علم الصرف في ارتباطه بالمسائل الصوتية. إن التأمل في الأبحاث التصريفية في مجال الدراسات القرآنية يظهر أن البحث في مجال دراسة الدلالة البلاغية والمعنوية لأوزان المفردات القرآنية الصرفية لا يزال في بداياته، وأن تبيين الإعجاز البياني لهذا الكلام السماوي والنقاط المتميزة فيه يتوقف على دراسة الجوانب الصوتية والصرفية والنحوية والبلاغية والدلالية لكل مفردة من مفردات هذا الكلام المقدس.

٤. علم التصريف

علم المفردات، وعلم الوحدات الصرفية (المورفولوجيا)، وبنية الكلمة، هي مصطلحات مختلفة تستخدم في مصادر اللسانيات الفارسية لمصطلح التصريف أو Morphology (طباطبائي، «صناعة الكلمات والقواعد»، 1394: 111). التصريف أو الصرف، مع مراعاة المبالغة (قرشي، قاموس قرآن، 1371: 124/4)، يعني في اللغة «إرجاع شيء من حالة إلى حالة أخرى، أو تبديله إلى غير نفسه» (راغب أصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 1374: 392/2). وبحسب المصطفوي، «أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو ردّ شيء من جهة إلى جهة أخرى أو تحويله إلى حالة أخرى»؛ فالدلالة الأصلية لهذه المادة هي الإرجاع أو التبديل (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، 1430: 282/6). وهذا المصطلح في الاصطلاح، هو جزء من قواعد اللغة العربية يُعنى بدراسة البنية الداخلية، والأشكال، والصيغ البنيوية للكلمات، والتغيرات مثل الحروف الأصلية والزائدة، والإبدال، والإعلال، والإدغام، والتحويل من الماضي إلى المضارع، وتغيير العدد وغيرها في الأفعال والأسماء المتمكنة خارج بنية الجملة (فرزانه، نظرة في تاريخ علم الصرف ونقد ودراسة كتاب شافية لابن الحاجب، 1381: 106؛ عبد المسيح، تابر، الخليل: معجم مصطلحات النحو العربي، 1990: 146). بشكل عام، تقوم بنية معظم الكلمات في أي لغة على ثلاثة عناصر: الجذر (المادة)، والصيغة (الوزن)، والمعنى الذي تدل عليه (أبو مغلي، في فقه اللغة وقضايا العربية، 1407: 65)؛ ومن بين هذه العناصر، تحظى الصيغة (الوزن) الصرفية بأهمية خاصة في اللغة العربية؛ فالوزن والبنية الصرفية بمثابة وعاء تُصب فيه الألفاظ ويستقر عليه المعنى (مبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، 1964: 115-117). كل اسم وفعل، عند وضعه في أوزان (أبنية) صرفية خاصة، يتخذ أشكالًا وصورًا مختلفة ويظهر بحمولة دلالية خاصة؛ بحيث لا يمكن تبديلها ببعضها البعض في بنية منظمة ومتماسكة كالقرآن.

٥. دراسة الوظيفة البلاغية والدلالية للبنية الصرفية للمفردات القرآنية

أ. استخدام البنية الصرفية «فَعَالَى»

لا شك أن اختيار المفردات القرآنية يتم بشكل هادف ومصحوب بلطائف دلالية مميزة، وتلعب عوامل مثل البنية الصرفية، والانسجام مع السياق النصي والموقفي(1)، والتوافق مع النظام الموسيقي، والعلاقات بين النصوص(2)، وغيرها، دورًا مهمًا في اختيار الكلمات. وزن «فَعَالَى» هو أحد البنى الصرفية التي استخدمها القرآن الكريم للتأكيد على وجوب رعاية الأيتام والانسجام مع السياق. فمن وجهة نظر القرآن، يجب على الجميع أن يحترموا الأيتام في تعاملاتهم الاجتماعية ويصونوا شخصيتهم، وألا يعتبروا فقدان الأب ضعفًا ومذلة، وألا يعاملوهم معاملة مهينة، وألا يغفلوا عن إكرامهم. ومن الآيات التي تؤكد على إكرام الأيتام والتعامل معهم بلطف، الآية التالية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ…﴾ (البقرة/220). بالتأمل في قواعد اللغة العربية، يمكن القول إن الشكل البنيوي (التصريفي) لكلمة «يتامى» يقدم للقارئ معنى العطف ورعاية الأيتام بطريقة مدهشة. كلمة «يتيم» في اللغة العربية تُجمع على صورتين: الأولى جمع تكسير للقلة (أيتام)، على وزن «أفعال»، والثانية جمع تكسير للكثرة على وزن «فَعَالَى»، (يتامى) (الجوهري، الصحاح، 1376: 2064/5). لم يُستخدم جمع القلة لهذه الكلمة في كلام الله المجيد، بل عبّر الله تعالى عن حالة الجمع بكلمة «يتامى» فقط. ويعتقد الكاتب أن سبب ذلك يمكن البحث عنه في المعنى الذي يدل عليه وزن «فعالى».

وفقًا لسيبويه، يختص هذا الوزن بالكلمات التي تدل على آفة، أو بلاء، أو ألم (سيبويه، الكتاب، 1977: 213/2)، مثل «سكارى»، «أيامى»، «حذارى»، «وجاعى»، وغيرها. لا شك أن تكرار حرف «الألف» الذي «يُنتج الاستمرار والامتداد» (ناصر، شرح صوتيات سيبويه، 2017: 142؛ كشميري، الابتكارات الصرفية في الصرف التطبيقي، 1395: 90) يزيد من استمرارية الألم ومقداره. وفقًا للمبادئ اللسانية العربية، فإن وجود حرف «الألف» في وزن الكلمة يلقي نوعًا من المبالغة والكثرة في معنى ذلك الوزن؛ لأن الفم عند نطق هذا الحرف يكون في أقصى درجات الانفتاح، ولا شك أن انفتاح الفم، بناءً على الغريزة الإنسانية، يستدعي إلى الذهن مفهومًا للعظمة، كما هو الحال عند التعجب حيث ينفتح الفم (نفس المصدر: 36). ولهذا السبب، يعتبر سيبويه «الألف» حرفًا هوائيًا؛ لأن مخرجه عند النطق يتسع أكثر من مخرج حرفي «الواو» و«الياء» وينفتح (سيبويه، الكتاب، 1977: 435/4). بناءً على ذلك، يبدو أن استخدام جمع «يتيم» على وزن «فعالى» قد يفيد بأن الله تعالى قد استخدم في مواضع مختلفة من كلامه السماوي كلمة مليئة بالعاطفة تجاه الأيتام، وباختيار هذه الكلمة، يسعى إلى إثارة مشاعر القراء في تعاملهم مع هؤلاء الأفراد. لا شك أن البشر يجب أن يراعوا في تعاملهم مع بعضهم البعض الكرامة الإنسانية، التي هي جوهرية لكل إنسان، ويجب أن يزداد هذا الإكرام ويُشدد عليه تجاه اليتيم بسبب كرامته المكتسبة من دين الإسلام. من الواضح أن الله الحكيم، باستخدام هذه التقنيات اللغوية البشرية، قد أودع معارف ومفاهيم سامية في النص السماوي للقرآن، يمكن الكشف عن بعض مفاهيمها من خلال الغوص فيها.

ب. استخدام البنية الصرفية «فَعَلان»

بنية «فعلان» هي إحدى الأشكال البنيوية (التصريفية) التي يستخدمها الكلام المجيد لبيان الإحساس بالخوف، حيث يصف الحالة النفسية لمنافقي المدينة فيقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب/19). في هذه الآية، التي تصور وجه المنافقين ببراعة كما في الآيات الأولى من سورة الأحزاب بمناسبة غزوة الأحزاب أو الخندق، يمكن مشاهدة وجه آخر من وجوه أهل النفاق. وهو أن المنافقين قبل حلول الحرب يتفاخرون بالشجاعة، ولكن في وقت العمل، تدور أعينهم من الخوف في محاجرها، كمن هو في سكرات الموت (مدرسي، تفسير هدايت، 1377: 230/10). وفقًا لنتائج علم النفس، فإن الخوف له أساس عصبي بيولوجي محدد. لذلك، يؤثر على الجهاز العصبي الذاتي ويسبب ردود فعل مفاجئة متعددة مثل رد فعل بؤبؤ العين على مستوى الأعضاء الحسية الخاصة (كجباف، رباني، علم نفس سلوك الخوف، 1381: 41-42). إن استخدام بنية «فَعَلان» في تبيين اضطراب وحركة بؤبؤ العين المستمرة، كأحد المكونات البيولوجية للخوف، يُعد مثالًا على التناسب بين الألفاظ ومعانيها في القرآن. ويمكن تحليل معنى هذه البنية في الفعل المضارع «تدور» (الدوران المطلق) واختياره بدلاً من فعل مثل «تطوف» (الدوران حول شيء ما). «تدور» من جذر «دور»، ويعرف بأنه حركة الشيء ورجوعه إلى مكانه الأول، و«دوران» هو مصدره (صاحب، المحيط في اللغة، 1414: 340/9). وبالتالي، فإن سبب استخدام «تدور» هو أن استمرارية الحركات القصيرة في وزن مصدر هذا الفعل (فَعَلان) يدل على استمرارية وتوالي وقوع معنى الفعل. ومن هنا، يبدو أن استخدام هذا الفعل، أكثر من أي فعل آخر، يفيد معنى الاضطراب. بالإضافة إلى ذلك، فإن زمن الفعل «تدور» إلى جانب وزنه يدل على مقدار الخوف والاضطراب. صيغة المضارع في «تدور» هي حكاية حال ماضٍ، وتُستخدم لتصوير شدة اضطراب وخوف المنافقين. «حكاية الحال الماضي هي وصف لوقائع الماضي بطريقة ترسم صورتها أمام أعين المخاطب، كما لو أنه يراها حية وفي لحظة وقوعها. هذا الشكل من الحكاية يدل على أهمية الحدث» (لاشين، لغة المنافقين في القرآن، 1405: 87/2؛ طهماسبي وآخرون، تحديات معرفة وترجمة مفهوم المبالغة في أفعال المزيد في القرآن الكريم، 1397: 44). وتجدر الإشارة إلى أن دلالة وزن «فَعَلان» على الحركة والنشاط يمكن ملاحظتها أيضًا في استخدام كلمة «حيوان» في آية ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ…﴾ (العنكبوت/64).

ج. استخدام البنية الصرفية «فُعَال»

استفاد الكلام المجيد من طرق متعددة للدلالة على الشعور بالتعجب في الخطاب القرآني، ومنها اختيار شكل بنيوي خاص. بنية «فُعَال» هي إحدى الصيغ التصريفية التي تدل بوزنها ورنينها على مفهوم التعجب والدهشة، كما في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص/5). من المسلم به أن الأشخاص المغرورين والأنانيين لا يقبلون النقد وهم «مطلقو الرؤية»؛ فهم لا يعترفون بشيء سوى ما يدركونه بأفكارهم المحدودة والناقصة، ويعتبرون ذلك معيارًا لتقييم كل القيم. وكان كفار قريش يتمتعون بمثل هذه الشخصيات. لذلك، عندما رفع النبي محمد ﷺ راية التوحيد في مكة وقام ضد الأصنام الصغيرة والكبيرة التي بلغ عددها 360 صنمًا، كانوا يتعجبون أحيانًا من أن نذيرًا قد جاء من بينهم، وأن ملكًا لم ينزل من السماء. وأحيانًا كانوا يتجاوزون هذه المرحلة، فينسبون إليه السحر والكذب بسبب مشاهدتهم للمعجزات التي لا يمكن إنكارها ونفوذه الخارق في الأفكار، وقيامه ضد التقاليد الخرافية والأفكار المنحطة التي كانت من مسلمات تلك البيئة، بالإضافة إلى ادعائه النبوة. وفي النهاية، عندما أعلن النبي دعوته التوحيدية وأسقط كل تلك الأصنام من الألوهية ودعا الناس إلى الإخلاص، كان هذا الأمر في نظرهم عظيمًا جدًا (مكارم شيرازي وآخرون، تفسير نمونه، 1374: 216/19). يبدو أن الكلام المجيد، في تبيين هذا القدر من الدهشة وحيرة الكفار، قد استخدم البنية الصرفية «فُعَال» بدلاً من استخدام الوزن الأصلي لهذا المفهوم «فعيل» (عجيب)، كما جاء في آية ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (ق/2). إن بنية «فُعَال» في قواعد اللغة العربية تُستخدم للمصادر التي تدل على «ألم» أو «صوت» (ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، 1964: 125/2). على سبيل المثال، مصدر «بكى» يعني نزول الدمع من العين؛ أما مصدر «بُكاء» فيطلق على الصوت الذي يُسمع عند البكاء، كما أن مصدر «دَور» يدل على الدوران كفعل؛ أما «دُوار» فيعني الدوخة (ابن دريد، جمهرة اللغة، 1988: 1027/2؛ سامرائي، معاني الأبنية في العربية، 1428: 23). لا شك أن الدافع الدلالي لاستخدام هذه البنية يجب البحث عنه في حركة الضمة ووجود حرف «الألف». بما أن الفتحة في الاستعمال العربي هي أخف الحركات، فإن وزن «فَعيل» سيكون من أخف الأوزان المستخدمة في الأسماء؛ أما «فُعَال» فهو أقوى منه، أولًا: لأن حركة الضمة تُعتبر حركة ثقيلة مقارنة بالفتحة (السيوطي، الأشباه والنظائر في النحو، 1411: 193/1)، وثانيًا: لأن مد الألف أطول من مد الياء. لذا، من المحتمل أن استخدام «عُجاب» بوجود حركة الضمة الثقيلة وحرف «الألف» يفيد دهشة مشركي قريش أكثر من كلمة «عجيب»؛ لأن محمد ﷺ بدعوته الناس إلى «الله»، قد قوّض في الواقع هيبة وسلطان الآلهة الزائفة في المجتمع الخرافي لعرب ذلك الزمان، وبادر إلى كسر المحرمات والمحظورات في تلك الفترة، وهذا الأمر كان يتطلب أقصى درجات الدهشة من المشركين، وكانوا يعتبرون فعله أبغض الأمراض. وتجدر الإشارة إلى أنه بمراجعة تلاوة الشيخ الحصري والشيخ النعناعي، يمكن ملاحظة تطابق اللحن البياني لهذين القارئين مع المعنى الكامن وراء استخدام هذه الكلمة. فالشيخ الحصري في تلاوته، باستخدام مقام البيات ورفع طبقة الصوت في الاستفهام التعجبي في بداية الآية ومد الصوت في كلمة «الآلهة»، يصور بجمال مقدار تعجب الكفار من فعل الرسول ﷺ في حصر الألوهية في الإله الواحد للعالم (الله)، ثم بخفض طبقات الصوت واستخدام الطبقات المنخفضة في كلمة «عجاب»، ينقل إلى المستمع ثقل ذهول وحيرة الكفار، كما لو أن أفواه الكفار قد بقيت مفتوحة من هذا الذهول ولا يستطيعون مواصلة الكلام؛ أما الشيخ النعناعي فيتلو هذه الآية من البداية إلى النهاية بارتفاع صوت ومد أقل، كما لو أن الكفار قد صُدموا منذ اللحظة الأولى لمواجهتهم بفعل الرسول ﷺ، وأن الحيرة والدهشة منعت أي رد فعل انفعالي شديد من جانبهم.

د. استخدام البنية الصرفية «فَعْلَلَة»

أبرز معنى تدل عليه البنية الصرفية «فعللة» في القرآن الكريم هو معنى عدم الثبات في كلمة «مذبذب» ضمن الآية التالية: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (النساء/142-143). وفقًا لقواعد اللغة العربية، تحكي الأفعال الرباعية المضاعفة عن ظاهرة متناوبة. لذلك، فإن الفعل الذي يُبنى على أساس ظاهرة متناوبة يشبه بطريقة ما تلك الظاهرة نفسها، والتكرار الموجود في اللفظ يحكي عن تكرار واستمرارية تلك الظاهرة عند وقوعها (كشميري، الابتكارات الصرفية في الصرف التطبيقي، 1395: 73). وبالتالي، فإن كلمة «مذبذب» من هذا القبيل. كلمة «مذبذب» هي اسم مفعول من مادة «ذبذب» وهي في الأساس اسم صوتي لحركة شيء معلق يتأثر بموجات الهواء، ثم استُعير هذا المعنى لكل اضطراب وحركة (راغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 1374: 4/2). ومن هنا، يُقال «مذبذب» للشيء المتحرك والأشخاص الحائرين والمترددين الذين يفتقرون إلى خطة. بناءً على ما قيل في البنية الصرفية لهذه الكلمة، ربما يمكن وضع استخدام مثل هذا الوزن والتعبير في مصاف التعبيرات اللطيفة التي استخدمها الكلام المجيد في وصف عدم ثبات المنافقين. فهؤلاء الأفراد غير مستقرين في إقامة العلاقات. «الشخصية غير المستقرة مستعدة لتغيير معتقداتها بسرعة ملحوظة تجاه من كانوا داعمين للخير لها، وتغيير دورها بسرعة» (داودنيا، تجليل، سراج خرمي، شخصية سودابة الحدودية في شاهنامه فردوسي، 1392: 83). بالإضافة إلى ذلك، كلمة «مذبذب» هي إشارة ضمنية إلى أن تذبذب المنافقين ممزوج بنغمة خاصة يُعرفون بها. لذا، لا يمكن عدم معرفة المنافقين؛ ويمكن أيضًا استنتاج هذه الحقيقة من هذا التعبير، وهو أنهم كجسم معلق ومتدلٍّ يفتقرون بطبيعتهم إلى اتجاه للحركة؛ وهذا الدافع المصلحي هو الذي يجعلهم يتأرجحون دائمًا من هذا الجانب إلى ذاك (مكارم شيرازي وآخرون، تفسير نمونه، 1374: 178/4). وتجدر الإشارة إلى أن السياق النصي له تأثير كبير في استخدام هذه البنية الصرفية؛ وبعبارة أخرى، وجود كلمات مثل «بين ذلك»، «لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء»، والإشارة إلى مسألة الرياء، تقتضي استخدام بنية تدل على تكرار الحركة وعدم الاستقرار.

هـ. استخدام البنية الصرفية «تَفَاعُل»

المعنى الأساسي لوزن «تفاعل» هو المشاركة، ولكنه يُستخدم بكثرة وبلا حدود في معانٍ أخرى حسب مقتضى الحال، مثل التظاهر، والمطاوعة، والتدرج، والتكرار (طه شلال، أوزان الفعل ومعانيها، 1971: 103). ومن هنا، فإن الكلمتين المفتاحيتين «تفاخر» و«تكاثر» في آية ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ…﴾ (الحديد/20) و«أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ» (التكاثر/1) تدلان على التكرار المستمر للفخر والمباهاة وطلب الزيادة والمنافسة في زيادة المال والمكانة الوهمية. التفاخر والتكاثر هما على التوالي من جذر «فخر» و«كثرة» ومن باب «تفاعل»، وهو أحد أبواب الثلاثي المزيد الذي يشكل أساسه نوعًا من الشعور بالتغلب على الآخرين وطلب التفوق (علاء الدين، ثقافة وحياة الكوثر والتكاثر (1)، 1388: 16). يقول الرضي الأستراباذي: إذا كان «تفاعل» يأتي أحيانًا بمعنى صيغة المجرد «فَعَلَ»، فإن «تفاعل» يكون مصحوبًا بالمبالغة في المعنى (الأستراباذي، شرح شافية ابن الحاجب، 1982: 103/1). ولهذا، يقول ابن عاشور في ذيل الآية 20 من سورة الحديد: إن استخدام «تكاثر» في هذه الآية يدل على المبالغة في الفعل ويلقي معنى شبيهًا بمعنى باب «مفاعلة»؛ فكأن فاعل «تفاخر» و«تكاثر» هو كمن يسعى إلى التفوق على غيره في الفخر والزيادة المطلوبة؛ ولكن بسبب كثرة الاستعمال ومرور الزمن، تغير معنى «تكاثر» من المعنى المقيد بطلب الزيادة المصحوب بالتغلب على الآخر، إلى معنى مطلق لطلب الزيادة والكثرة (ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1420: 363/27). يبدو أن الأستاذ مصطفى إسماعيل في تلاوته لهذه السورة باستخدام مقام البيات وارتفاع الصوت؛ وكذلك الأستاذ محمد شحات أنور، حاولا إظهار شدة طلب الزيادة واشتغال الناس بها. كما أنه بوصل كلمة «التكاثر» في الآية الأولى بكلمة «حتى» في الآية الثانية، يسعى إلى إظهار استمرارية هذا الطلب للزيادة. نقطة أخرى تؤكد معنى التكرار والمبالغة في كلمة «تكاثر» هي استخدام صيغة منتهى الجموع «مقابر» بدلاً من «قبور» في الآية الثانية من سورة التكاثر. لقد اعتبر أهل البلاغة وغالبية المفسرين أن سبب استخدام «مقابر» هو مراعاة التناغم اللفظي بين هذه الكلمة وكلمة «تكاثر»، وبعبارة أخرى، مراعاة النظام الموسيقي؛ ولكن وراء هذه النقطة البلاغية، توجد أيضًا نقطة دلالية دقيقة يقتضيها السياق. فاستخدام صيغة تصل بها الكلمة إلى نهاية الجمع يتوافق من الناحية المعنوية مع تكاثر محبي الدنيا، ويحكي عن نهاية شيء يتسابق من أجله محبو الدنيا للوصول إليه (بنت الشاطئ، إعجاز بياني قرآن، 1382: 293). كلمة أخرى تعرض مفهوم الكسل نتيجة طلب الزيادة من خلال تغييراتها البنيوية هي فعل «اثَّاقَلْتُمْ»، حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة/38). إن استخدام وزن «تفاعل» والتغيرات الصوتية فيه مثل الإبدال وتقليل الأصوات (الإدغام)، حسب قول التفتازاني «أن لهيئات تركيب الحروف أيضًا خواص…» (التفتازاني، المطول، 1424: 572)، له تأثير كبير على معنى كلمة «اثاقلتم» واختيارها في هذا السياق. الآية محل البحث تشير إلى حادثة غزوة تبوك التي وقعت في السنة التاسعة للهجرة؛ أي بعد حوالي عام من فتح مكة، وبما أن المواجهة في هذا الميدان كانت مع إحدى القوى العظمى في العالم آنذاك، وليس مع مجموعة عربية صغيرة أو كبيرة، فقد خشي جمع من المسلمين من الحضور في هذا الميدان (مكارم شيرازي وآخرون، تفسير نمونه، 1374: 414/7). كما أن البعض، تصورًا منهم لتأمين رفاهيتهم وأسرهم بطريقة أسهل وأسرع، حيث يقول تعالى: «لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ…» (التوبة/42)، لم يشاركوا في الحرب. ولهذا، يعاتبهم الله تعالى ويظهر التراخي الناجم عن طلبهم للزيادة، الذي ضحوا من أجله بأمر عظيم كالجهاد لمصلحتهم الشخصية، باستخدام الصيغة المدغمة «اثاقلتم»(3). يقول سيد قطب في جمال استخدام هذه الكلمة والمعنى المستفاد من إبدالها وإدغامها: لو جاءت هذه الكلمة بصيغتها غير المدغمة (تثاقلتم)، لضعف رنينها، ولزال الأثر المقصود الذي ينشأ من التصاق «التاء» و«الثاء» وتشكيل «ثاء» مشددة، والذي يدل على ثقل والتصاق المجموعة المتثاقلة والمتكاسلة بالأرض وتراخيهم عن الجهاد في سبيل الله (سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، 1360: 99). وقد قدم الشيخ النعناعي في تلاوته لهذه الآية، باستخدام طبقات الصوت المنخفضة، تلاوة جميلة ذات معنى. كما أن الشيخ شحات أنور، برفع وخفض درجات الصوت وسرعة تلاوة الجار والمجرور «إلى الأرض» بعد فعل «اثاقلتم»، يبدو وكأنه ينقل التصاق هذه المجموعة المتثاقلة والمتكاسلة بالأرض. وجود الحرف المشدد (الثاء) ودلالة حرف «الألف» على الاستمرار، وكذلك استخدام حرف الغاية «إلى» في تعبير «إلى الأرض»، يشير إلى أن طلب الزيادة وحب الدنيا لهذه المجموعة قد تسبب في أن يصبح أمر الجهاد ثقيلاً جدًا على أكتافهم ويثنيهم نحو الأرض، وبالتالي يتسبب في تراخيهم وتكاسلهم في المبادرة به. لذا، قد تخلق كلمة واحدة بلونها الصوتي الخاص، مع إلقاء الصورة المطلوبة، كمال التناغم.

و. استخدام البنية الصرفية «تَفَعُّل»

المعنى الأصلي لوزن «تَفَعُّل» هو مطاوعة باب «تفعيل»، ولكنه يُستخدم حسب مقتضى الحال في معانٍ أخرى مثل التدرج، والتكلف، والتجنب، والتلبس، والطلب، والاتخاذ، والانتساب، والشكاية، وغيرها (ابن حاجب، الإيضاح في شرح المفصل، 1402: 114/2). يشير الكلام المجيد في آية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ…﴾ (الأنعام/125) إلى إنسان، بسبب إصراره على معتقدات أسلافه الباطلة، يرى معتقداته صحيحة ويمتنع عن قبول معتقدات الآخرين الصحيحة، ويقاوم المعتقدات الصحيحة لدرجة أن سعة قلبه تضيق (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1374: 472/7). بناءً على ذلك، من المحتمل أن القرآن الكريم، باستخدام البنية الصرفية المدغمة «يصّعّد»، قد صور شدة امتناع الشخص الضال عن قبول كلام الحق. «يصّعّد» بمعنى الصعود والارتفاع، هو في الأصل «يتصعّد» من باب تفعل ويدل على التكلف. تحويل التاء إلى صاد وإدغام المتماثلين، بالإضافة إلى ثقل النطق، يمكن أن يظهر شدة الضغط الواقع على القفص الصدري. حرف الصاد، بالإضافة إلى صفة الاستعلاء (ارتفاع اللسان نحو سقف الحلق عند نطق الحرف)، له أيضًا صفة الإطباق. ولهذا، يتمتع بتفخيم أكبر. كما أن صفة الإطباق (أي انطباق سطح اللسان على تجويف سقف الحلق، بمعنى أن اللسان يأخذ شكل وهيئة قبة سقف الحلق؛ صراف كربلائي، الجديد في التجويد، 2003: 33) لها تأثير كبير في تبيين انسداد الرئتين وضغط الصدر. قصة هذا الإنسان تشبه قصة من يطير في السماء، وبسبب الهواء الأخف ونقص الأكسجين، يعاني من ضيق شديد في التنفس (قرشي، قاموس قرآن، 1371: 127/4). كلما صعد هذا الشخص أكثر في السماء، زاد شعوره بنقص الهواء وضيق التنفس، لدرجة أنه بسبب اضطراب الهواء والأكسجين، لا يجد سبيلًا للبقاء على قيد الحياة.

يعتقد الكاتب أنه يمكن ملاحظة هذا الشعور بالاختناق في استخدام الشكل البنيوي «ضَيِّق» بدلاً من «ضائق». الصفة المشبهة «ضَيِّق» على وزن «فَيْعِل» ووجود التصاق حرفي «الياء» في هذه الكلمة يدل على ثبات وعدم عروض صفة الضيق والضغط، على عكس كلمة «ضائق» في آية ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (هود/12) التي تعبر عن ضيق صدر الرسول ﷺ بشكل مؤقت. وقد جعل الشيخ المنشاوي في تلاوته لهذه الآية المعنى محورًا لتلاوته، وبالتأكيد على تشديد كلمتي «ضيّقا» و«يصّعّد»، يسعى إلى إظهار شدة الضغط الموجود على صدر الإنسان الضال. حذف أحد حرفي «التاء» في باب «تفعل» هو من التغييرات البنيوية الأخرى التي يمكن أن تحدث في تناسب اللفظ مع المعنى. يستخدم الكلام المجيد هذه التقنية الصرفية للإشارة إلى سرعة رد الفعل السلوكي عند تهييج الغضب، كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (الملك/8). كما هو ملاحظ، في الآية أعلاه، الفعل المضارع «تميّز» بمعنى «تتقطّع» و«تتفرّق»، قد عدل عن بنيته الأصلية «تتميّز»، وحذف «التاء» في بابي «تفعل» و«تفاعل» أمر جائز. ولهذا، من المحتمل أن حذف التاء في كلمة «تميّز» يدل على سرعة رد الفعل السلوكي في موقف الغضب، كما أن الفعل في حالة حذف تاء واحدة يُنطق أسرع.

ز. استخدام البنيتين الصرفيتين «فاعل» و«مفعل»

اسم الفاعل هو اسم يدل على وجه صدور الحدث أو الاتصاف به على ذات، سواء كان فعله ثلاثيًا أم غير ثلاثي. اسم الفاعل، مثل معظم الأسماء، عندما يدل على التأنيث، يلحقه تاء التأنيث، إلا في حالات نادرة لم يأت فيها مؤنثًا. ومن تلك الحالات، يمكن الإشارة إلى الصفات التي تختص بالإناث وتناسب طبيعتهن وتكوينهن، مثل: حامل، مُرضِع، حائض، طالق، لابن و… «ولدت الحامل وصارت مُرضِعًا» (حسن، النحو الوافي، 1375: 239/3 و 246). وفقًا لقواعد اللغة العربية، كلما دلت مثل هذه الصفات على معنيين، تُستخدم تاء التأنيث للتمييز بينهما، مثل «امرأة طاهر» (من الحيض) و«امرأة طاهرة» (من العيب)، وأحيانًا يكون سبب استخدام التاء هو إرادة الفعل، مثل: «امرأة حاملة»؛ أي المرأة التي هي اليوم حامل (ناظر الجيش، شرح التسهيل، 1428: 4619/9).

إن استخدام كلتا الحالتين المذكورتين في القرآن الكريم جاء لإفادة معنى خاص والانسجام مع سياق الآية. يقول الله تعالى في الآية الكريمة ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ…﴾ (الحج/2)، فقد استخدم صفة «مُرضع» مع التاء؛ لأن «مُرضِع» تُطلق على المرأة التي لها شأنية الإرضاع، حتى لو لم تكن في لحظة الوصف مشغولة بالإرضاع؛ أما «مرضعة» فتقال للمرأة التي هي في حال الإرضاع وقد وضعت ثديها في فم الطفل والطفل مشغول بالرضاعة (الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 1415: 39/3؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1374: 478/14). بناءً على ذلك، فإن استخدام البنية الصرفية «مرضعة» في الآية أبلغ من «مرضع»؛ لأنه يبيّن شدة هول وروع يوم القيامة، ويقول: إن وحشة ذلك اليوم شديدة وعظيمة لدرجة أنه عندما يأتي فجأة، فإن الأم التي وضعت ثديها في فم طفلها تسحبه وتغفل عنه (فخر الرازي، التفسير الكبير، 1420: 201/23). آية ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ (المزمل/18) من هذا القبيل. في الآية المذكورة، استُخدم اسم الفاعل «منفطر» بدون تاء للتناغم مع السياق؛ وبعبارة أخرى، سياق الآيات يدل على يوم القيامة الذي سيحدث في المستقبل. ولهذا، فإن استخدامه بدون تاء أنسب، ويفيد أن للسماء شأنية الانفطار. آيات ﴿…حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ…﴾ (يونس/22) و ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ…﴾ (الأنبياء/81) هي أيضًا من هذا القبيل.

الخاتمة

في الصفحات السابقة من هذا البحث، تمّت دراسة وتحليل وظيفة الأوزان التصريفية المختلفة في تبيين المعاني الخاصة لعدد من المفردات القرآنية، مع الاستناد إلى قواعد علم الصرف، وضمن بعض الآيات، تبيّن ما يلي:

  • البيئة اللغوية لكل بنية من البنى التصريفية التي تم اختيارها بشكل هادف، كانت مميزة عن غيرها من البنى المماثلة. ولهذا السبب، فإن أي تغيير في أي من هذه البنى التصريفية سيخل بالمفهوم المراد.
  • استخدام الكلمة في قوالب بنيوية مثل «فَعَلان»، «فَعلَلَة»، «فُعَال»، و«فَيْعِل» هو من الآليات التصريفية التي استخدمها الكلام المجيد في تبيين الحالات المختلفة من الشدة، والصعوبة، أو الاستمرارية والتكرار.
  • السياق النصي والموقفي ومراعاة النظام الموسيقي في الآيات من العوامل التي لها دور كبير في اختيار شكل بنيوي معين للكلمة بدلاً من أشكالها الأخرى.
  • يتطلب الفهم الدقيق للمعاني الخاصة للبنى التصريفية نظرية ذات قدرة تفسيرية عالية. وهذه القدرة في المباحث التقليدية لعلم الصرف لا تبدو كافية، ومن الضروري الاستفادة في المباحث الصرفية من دراسات اللسانيات المعاصرة في مجال علم الأصوات (الفونيتيك) وعلم وظائف الأصوات (الفونولوجيا).
  • مطابقة الصوت لمعنى المفردات في القرآن هي إحدى طرق التأثير الأكبر على المخاطب القرآني. ولهذا، فإن أحد الخصائص الممتازة للتلاوة هو الربط بين مفاهيم الآيات والمقام، وضرورة مراعاة هذا الأمر في إلقاء أفضل للرسالة أمر لا يمكن إنكاره.

الهوامش

1. كلمة «السياق» (Context/Content) هي إحدى الكلمات المفتاحية الهامة والمشتركة بين مختلف فروع وتخصصات دراسة استخدام اللغة. ينقسم السياق إلى قسمين: لغوي (نصي، Co-Text) وغير لغوي (خارجي، Context) (داوري أردكاني، الدلالة المتعددة، الإبهام والغموض في اللغة والأدب الفارسي، 1375: 38).

2. إحدى أكثر المباحث حساسية وجدية في مجال نقد النص هي العلاقات بين النصوص (التناص). وهذا يعني أن كل نص يشير إلى نصوص سابقة، وعندما تتم دراسة نصية، فإن الاهتمام بنوع العلاقة التي تربط هذه النصوص ببعضها البعض يحظى بأهمية. وفي تفسير القرآن، يُقصد بالتناص الاهتمام بالروابط السيميائية والدلالية التي يمكن أن تربط النصوص الأخرى بالقرآن (انظر: علوي مهر، عبد اللهي، علم الدلالة عند إيزوتسو في القرآن، مجلة دراسات القرآن الاستشراقية، الدورة 13، العدد 24، ربيع وصيف 1397؛ قائمي نيا، بيولوجيا النص، 1393: 436؛ باكتجي، نقد النص، 1397: 101).

3. «اثّاقَلَ» هي صيغة الإبدال والإدغام من «تثاقل». وفقًا لقواعد علم الصرف في اللغة العربية، كلما كانت فاء الفعل في بابي «تفعّل» و«تفاعل» أحد الحروف الاثني عشر «ت، ث، ج، د، ذ، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ»، يمكن تحويل تاء الباب إلى نفس جنس فاء الفعل وإدغامها فيها. ومن البديهي أنه في الحالات التي يؤدي فيها تطبيق هذه القاعدة إلى تسكين الحرف الأول من الكلمة، تُضاف همزة وصل مكسورة في بداية الكلمة لتجنب الابتداء بساكن (مدرس أفغاني، جامع المقدمات، 1422: 149).

Scroll to Top