تقييم تواتر القراءات من منظور آية الله الفاضل اللنكراني

ملخص

يُعدُّ مبحث القراءات وتواترها من أهم مباحث علوم القرآن؛ حيث يسعى المؤيدون لتواتر القراءات إلى إثبات ضرورته بالأدلة التي يقيمونها، إلا أن أدلتهم لم تحظَ بالقبول. ويُعتبر آية الله الفاضل اللنكراني من بين المخالفين لتواتر القراءات، حيث يقوم بنقد أدلة المؤيدين بعد عرضها.

أحد أهم الاستدلالات التي تمسك بها القائلون بالتواتر هو التلازم بين تواتر القرآن وتواتر القراءات. فقد افترضوا أن القرآن والقراءات متحدان، وبناءً على ذلك ادعوا ضرورة تواتر القراءات. ولكن الشيخ الفاضل أنكر وجود هذا التلازم بنقودٍ من قبيل عدم التلازم بين تواتر أصل القضية وخصوصياتها، وخدش في أدلتهم. من جهة أخرى، ومن خلال عرض آراء المؤيدين والمخالفين لتواتر القراءات، ثبت عدم وجود إجماع على هذه النظرية.

يرى الشيخ الفاضل أن تواتر أصل القرآن أمر لازم وضروري، ومن بين قراءات القرآن، لا يصحح إلا قراءة واحدة، وهي القراءة المعهودة والمشهورة بين المسلمين.

من خلال دراسات آية الله الفاضل، يتضح أنه لا يوجد دليل معتبر لإثبات تواتر القراءات.

مقدمة

يمثل نزول القرآن بداية الحركة العالمية للنبي الأكرم (ص) لهداية البشرية. فالقرآن، بوصفه آخر الكتب السماوية، قد أدى بآياته المعجزة دوراً لا بديل له في التطور الفكري والثقافي للمجتمع المسلم. ولهذا السبب، أولى النبي وأصحابه اهتماماً بالغاً بحفظه وتدوينه، ليبقى هذا المصدر الإلهي مصوناً من أي تحريف.

يعتقد الغالبية العظمى من الباحثين في الدراسات القرآنية أن نص القرآن قد وصل إلينا بالتواتر. ومن بين طرق إثبات تواتر القرآن التي شاعت بين علماء الإسلام، تواتر القراءات. وقد حظيت هذه النظرية بقبول معظم علماء أهل السنة وعدد قليل من علماء الشيعة، خاصة في القرن السادس الهجري (السبكي، رفع الحاجب، ١٤١٩: ٢/ ٩١ – ٩٣؛ الطباطبائي، مفاتيح الأصول، ١٢٩٦: ٣٢٢؛ ابن الجزري، منجد المقرئين، ١٤١٩: ٨٠). وما يستفاد من آثار وكتب علماء السلف هو أن تواتر القراءات لم يكن محل اتفاق بين الباحثين والمحققين في علوم القرآن، ولهذا السبب، تصدى لنقد هذه النظرية أمثال فخر الرازي (فخر الرازي، تفسير، ١٤٢٠: ١/ ٧٠)، وابن الحاجب (السبكي، رفع الحاجب، ١٤١٩: ٢/ ٩١).

يعد تواتر القراءات أحد أهم مباحث علوم القرآن، وله نفيًا أو إثباتًا تأثير كبير في فهم وتفسير آيات القرآن.

في العصر الحاضر، خاض بعض علماء الشيعة في هذا الموضوع ودرسوه ونقدوه. ومن بين الذين تناولوا مسألة تواتر القراءات ببحث جاد، الفقيه الشهير آية الله الشيخ محمد فاضل اللنكراني.

في هذا المقال، سنبدأ بتوضيح مصطلحي “التواتر” و”القراءات”، ثم من خلال عرض آراء علماء السنة والشيعة، سيتم شرح رأي آية الله الفاضل (قده) بشأن تواتر القراءات بشكل وافٍ.

تعريف التواتر

قبل كل شيء، من الضروري دراسة مصطلحي “التواتر” و”القراءات” من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية.

١. التواتر في اللغة

هذه الكلمة مشتقة من “و – ت – ر”. كلمة “وتر/وَتْر” تعني “الفرد”، وتأتي بمعنى التتابع والتوالي (الفراهيدي، كتاب العين، ١٤٠٥: ٨/ ١٣٢). وتُستخدم كلمة “تواتر” عندما يظهر أفراد شيء ما الواحد تلو الآخر بشكل غير متصل (ابن منظور، لسان العرب، ١٤٠٤: ٥ / ٢٧٣).

٢. التواتر في الاصطلاح

التواتر في اصطلاح علم الحديث هو خبر جماعة يمتنع اتفاقهم على الكذب (الزركشي، البحر المحيط، ١٤٢١: ٣/ ٢٩٦).

وقد عرّف البعض التواتر بأنه صفة للخبر الذي، بالإضافة إلى الشرط المذكور، يتطلب شرطًا آخر لتحققه، وهو حصول العلم بمضمون الخبر (السيد المرتضى، الذريعة، ١٣٨٤: ٢/ ٤٨٨ – ٤٨٩).

وقد أراد الباحثون في علوم القرآن هذا المعنى نفسه من التواتر؛ فهم يعتبرون القراءة المتواترة هي القراءة التي لم يتواطأ رواتها على الكذب (السيوطي، الإتقان، ١٤٢١: ١/ ٢٦١).

تعريف القراءات

١. القراءات في اللغة

ذكر علماء اللغة لكلمة “قراءة” معانٍ مختلفة، نشير إلى بعضها:

– يرى بعض أهل اللغة أن المعنى الأصلي لـ”قراءة” هو الجمع (ابن منظور، لسان العرب، ١٤٠٤: ١/ ٢٨).

بناءً على هذا المعنى، لا يكون “اللفظ” و”التلاوة” جزءًا من المعنى الأصلي؛ بل من حيث إن القارئ عند قراءة القرآن يضم الكلمات والحروف بعضها إلى بعض، تُستعمل القراءة في معنى اللفظ.

– في المقابل، فسّر البعض “القراءة” بمعنى اللفظ والتلاوة. ووفقًا لهذا المعنى، يكون اللفظ هو المعنى الأصلي لمادة “قرأ”. وقد كتب صبحي صالح في هذا الصدد: «”قرأ” بمعنى “تلا” كانت شائعة بين عرب الجاهلية» (صالح، مباحث في علوم القرآن، ١٣٧٢: ١٩ – ٢٠).

٢. القراءة في الاصطلاح

ذُكرت تعريفات متعددة لمصطلح “قراءة” في كتب علوم القرآن، ونشير هنا إلى نموذجين منها:

– يقول ابن الجزري في هذا الصدد: «القراءة هي علم بكيفية أداء كلمات القرآن والاختلاف في كيفية ذلك» (ابن الجزري، منجد المقرئين، ١٤١٩: ٤٩).

– تعريف آخر حظي باهتمام علماء القراءات وهو تعريف الزركشي؛ حيث يرى أن «القراءة هي الاختلاف المتعلق بألفاظ وعبارات الوحي المنزل على نبي الإسلام، وهذا الاختلاف يتصل بحروف وكلمات القرآن وكيفيتها، من قبيل التخفيف والتشريع وأمثال ذلك، مما نقله القراء» (الزركشي، البرهان، ١٤١٠: ١/ ٤٦٥).

٣ – آراء العلماء حول تواتر القراءات

مع دخول نظرية تواتر القراءات في مباحث علوم القرآن، بدأت تظهر آراء مؤيدة ومعارضة من قبل الباحثين المسلمين، من الشيعة وأهل السنة على حد سواء. ولهذا السبب، من الضروري دراسة آراء العلماء والباحثين من الشيعة وأهل السنة كل على حدة.

١. علماء الشيعة

أولاً – المؤيدون للتواتر

من بين الباحثين الشيعة، قبل بعض العلماء بتواتر القراءات. ويرى هؤلاء أن القراءات السبع المشهورة، ووفقًا لبعضهم القراءات العشر، قد نُقلت بالتواتر عن النبي الأكرم (ص).

من بين الذين يعتقدون بتواتر القراءات السبع، العلامة الحلي (ره) (الحلي، نهاية الأحكام، ١٤٢٠: ١/ ٤٦٥؛ الحلي، تذكرة الفقهاء، ١٤١٤: ٥/ ٦٤). وقد صرح بذلك في العديد من كتبه. كما أن البعض مثل الشهيد الأول (العاملي، ذكرى الشيعة، ١٤١٩: ٣/ ٣٠٥)، والشهيد الثاني (العاملي، حقائق الإيمان، ١٣٧٨: ٢٣١) قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وقالوا بتواتر القراءات العشر.

ثانياً – المخالفون للتواتر

على الرغم من موافقة البعض على تواتر القراءات، إلا أن عددًا كبيرًا من علماء الشيعة قد أنكروا هذه المسألة واعتبروها باطلة. وفيما يلي نشير إلى بعض أهمهم:

الشيخ الصدوق: ينفي بصراحة تامة تواتر القراءات، ويعتبره منافيًا لمعتقدات الشيعة؛ لأن نزول القرآن على قراءة واحدة يُعد من معتقدات الشيعة (الصدوق، اعتقادات، ١٤١٤: ٨٦).

الشيخ الطوسي: اعتبر في مقدمة تفسير التبيان تواتر القراءات باطلًا (الطوسي، التبيان، ١٤٣٠: ١/ ٧).

أمين الإسلام الطبرسي: قبل في مقدمة تفسير مجمع البيان بنزول القرآن على قراءة واحدة (الطبرسي، مجمع البيان، ١٤١٥: ١/ ٣٨).

الشيخ الرضي: هو من بين الذين صرحوا بعدم تواتر القراءات (الرضي، شرح الرضي، ١٣٩٥: ٢/ ٢٦١).

السيد نعمة الله الجزائري: ينتقد آية الله الجزائري بالتفصيل أدلة القائلين بالتواتر، ويثبت رأي الشيعة القائم على نزول القرآن بقراءة واحدة (الجزائري، الأنوار النعمانية، ١٤٠٤: ٢/ ٣٥٦).

العلامة المجلسي: يقول العلامة المجلسي في ذيل رواية تشير إلى نزول القرآن بقراءات متواترة: «هذا القول مخالف لمذهب الشيعة، وعقيدة الشيعة هي نزول القرآن بقراءة واحدة» (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٨٢/ ٦٥ و٦٦).

الشيخ الأنصاري: يرى هو الآخر أن تواتر القراءات أمر باطل، ويرد أدلة المؤيدين (الأنصاري، كتاب الصلاة، ١٤١٥: ١/ ٣٦٢ و٣٦٣).

الآخوند الخراساني: يصرّح ببطلان القول بالتواتر (الخراساني، كفاية الأصول، ١٤٠٩: ٢٥٨).

العلامة البلاغي: يرد في كتابه التفسيري نظرية تواتر القراءات (البلاغي، آلاء الرحمن، ١٤٢٠: ١/ ٣٠).

آية الله الخوئي: يرى السيد الخوئي، تبعًا لكبار العلماء، أن التواتر باطل، ويعتقد أن أكثر علماء الشيعة وأهل السنة لا يقبلون بهذا القول (الخوئي، البيان، ١٤٣٠: ١٢٣).

العلامة الطباطبائي: يعتبر القراءات السبع في حدود الشهرة، وينفي تواترها (الطباطبائي، قرآن در إسلام، ١٣٨٨: ١٤٢).

العلامة معرفت: يرى آية الله معرفت أن القراءة المتواترة بين عامة المسلمين صحيحة، ويعتبر باقي القراءات شاذة؛ ولهذا السبب يرد تواتر القراءات (معرفت، التمهيد، ١٤١٠: ٢/ ١٤٥).

آية الله الفاضل اللنكراني: هو من الفقهاء الذين يرون أن تواتر القراءات أمر مردود، ولإثبات قوله، ذكر أدلة القائلين به ونقدها (الفاضل اللنكراني، مدخل التفسير، ١٣٩٦: ١٣٤). وفيما يلي سيتم شرح رأيه بشكل مستقل.

٢. علماء أهل السنة

أولاً – المؤيدون للتواتر

النووي أحد علماء أهل السنة في القرن السابع الهجري؛ يذكر أن تواتر القراءات السبع قول صحيح، وأن من يشكك فيه إما أنه مخطئ أو جاهل بالمسألة (قابة، القرائات القرآنية، ١٩٩٩: ١٨٨).

الزرقاني: يؤيد القول بأن القراءات العشر متواترة، ويقدم أدلة لإثبات رأيه (الزرقاني، مناهل العرفان، بيتا: ١/ ٤٣٣ و٤٣٤).

حسن بن محمد بن محمود العطار: يرى أيضًا أن القراءات العشر متواترة ويؤكد على ذلك، وينتقد آراء المخالفين مثل ابن الحاجب (عطار الشافعي، حاشية العطار، بيتا: ١/ ٢٩٧ و٢٩٩).

ثانياً – المخالفون للتواتر

من بين أوائل علماء أهل السنة الذين شككوا في تواتر القراءات ابن جرير الطبري؛ فقد رد في مواضع متعددة من تفسيره بعض القراءات السبع، مما يدل على عدم قوله بتواتر القراءات (الطبري، جامع البيان، ١٤١٢: ٢/ ١٨).

الزركشي: يثبت تواتر القراءات إلى أئمة القراءات، ولكنه لا يعتبرها متواترة إلى زمن رسول الله (ص) (الزركشي، البرهان، ١٤١٠: ١/ ٤٦٦).

الشيخ وليد بن راشد السعيدان: لا يشترط التواتر في القراءات، ويكتفي بصحة السند (السعيدان، تعريف الطلاب، بيتا: ١/ ١٥).

المعتزلة: نُسب في كتب متعددة إلى المعتزلة أنهم لا يقبلون بتواتر القراءات (الزركشي، البرهان، ١٤١٠: ١/ ٢٠٩).

مكي بن أبي طالب: يشير إلى عدم تواتر القراءات بقوله إن القراءات التي لها سند صحيح ولكنها لا تتوافق مع رسم المصحف تُعد من أخبار الآحاد (مكي بن أبي طالب، كتاب التبصرة، ١٤٠٢: ١٥٠ – ١٥٤).

ابن الجزري: يكتب في كتاب النشر في القراءات العشر: «يوجد بين القراءات السبع قراءات شاذة، وهذا قول كان يميل إليه علماء السلف» (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بي تا: ١/ ٩ و١٠).

مكي الجريسي: يشترط هو الآخر لقبول القراءة صحة السند، ولا يقبل بتواتر القراءات (مكي جريسي، نهاية القول، ١٤٢٣: ١٦).

محمد بن صالح بن محمد العثيمين: يرى أن معيار قبول القراءة هو صحة السند ومطابقته للمصحف العثماني، ولا يصحح التواتر (العثيمين، الشرح الممتع، ١٤٢٨: ٣/ ٨٢ و٨٣).

الشيخ حمد بن عبد الله الحمد: يرى هو الآخر أن صحة السند هي المعيار لقبول القراءة (حمد، شرح زاد المستقنع، بيتا: ٥/ ٥٩).

دور القراءات في التفسير

أحد أهم الأصول التفسيرية الأساسية هو أن المفسر يجب أن يفسر القرآن بناءً على القراءة التي نزلت بها آيات الوحي. وبناءً على ذلك، يجب على الباحث والمفسر الحقيقي للقرآن أن يتبنى أساسًا علميًا فيما يتعلق بالقراءات ليتمكن من تقديم فهم شامل وكامل للقرآن؛ لأن القول بتواتر القراءات أو رده يلعب في بعض الحالات دورًا كبيرًا في دلالة آيات القرآن (مؤدب، مباني تفسير در قرآن، ١٣٩٦: ٧٩).

وقد قسم بعض العلماء البارزين في التفسير وعلوم القرآن، مثل ابن عاشور، القراءات إلى نوعين:

أ) ما لا دور له ولا تأثير في التفسير، مثل الاختلاف في وجوه نطق الحروف و…، وفائدة هذه المسائل هي تحديد كيفية نطق العرب في مخارج وصفات الحروف واختلاف لهجاتهم.

ب) الاختلافات المؤثرة في التفسير، مثل الاختلاف في كلمة «مالك» و«ملك»، «يَصدّون» و«يصُدّون»، «يطَّهَّرنَ» و«يَطهُرنَ»؛ في هذه الحالات، تؤدي القراءات المختلفة إلى معانٍ متباينة للآية (ابن عاشور، التحرير والتنوير، ١٤٢٠: ١/ ٥١ ـ ٥٦).

رأي آية الله الفاضل اللنكراني حول تواتر القراءات

١. دراسة ثبوت تواتر القراءات

بعد تقديمه لمقدمة حول تواتر أصل القرآن (فاضل لنكراني، مدخل التفسير، ١٣٩٦: ١٢٥)، يدخل الشيخ الفاضل في بحث تواتر القراءات ويقسمه إلى قسمين:

أولاً – دراسة ثبوت تواتر القراءات عن المشايخ من منظور آية الله الفاضل اللنكراني

يوضح في هذا الصدد: إذا كان المراد من تواتر القراءات السبع أو العشر هو التواتر عن طريق المشايخ والقراء، أي أن تكون أسانيد القراءات إلى رواتها يقينية بسبب إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، فالجواب يكون كالتالي:

أ) ما يظهر من أسانيد هؤلاء القراء هو أن رواة القراءة عن المشايخ كانوا راويين اثنين، نقلا القراءة عن أساتذتهم إما مباشرة أو بواسطة. إذن، بهذا الشرط، لم يتحقق التواتر في طبقة الرواة الأوائل لهذه القراءات.

ب) على فرض أن التواتر قد تحقق في جميع الطبقات، فإن هذه الروايات المتواترة ليس لها أي أثر عملي بالنسبة لنا، لأن رأي واجتهاد شخص ما، حتى لو نُقل بالتواتر، لا يثبت حجيته علينا (نفس المصدر، ١٣٠).

ثانياً – دراسة ثبوت تواتر القراءات عن النبي (ص) من منظور آية الله الفاضل اللنكراني

يتابع آية الله الفاضل قائلاً: إذا كان المراد من تواتر القراءات هو التواتر عن طريق النبي الأكرم (ص) – كما هو ظاهر كلام القائلين بالتواتر – بمعنى أن النبي قد قرأ القرآن بهذه القراءات المختلفة، ففي رد هذا الادعاء تُطرح خمس نقاط:

أ) بناءً على ما سبق، لم يثبت التواتر عن طريق المشايخ والرواة الأصليين لهذه القراءات، فكيف يثبت التواتر عن طريق النبي (ص)؟

ب) على فرض ثبوت التواتر إلى المشايخ والقراء، فإن كلام المدعي لا يزال غير صحيح، ولا يثبت التواتر إلى رسول الله (ص)، لأنه وإن كان السند متصلًا إلى المشايخ، إلا أنه بعد القراء ينقطع السند إلى النبي. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو كان السند متصلًا إلى رسول الله، فإن التواتر لا يثبت، لأنه في طبقة المشايخ والقراء لم يتحقق وصف التواتر (كونهم جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب)، إذ لا يوجد في هذه المرتبة من السند أكثر من راوٍ واحد، وهو شيخ وقارئ تلك القراءة.

ج) لقد رجّح المشايخ والقراء في مقام الاحتجاج قراءة على أخرى، في حين أنه مع فرض تواتر القراءات، لا معنى لترجيح إحداها والإعراض عن الأخرى؛ لأنه بعد موافقة قراءة النبي (ص) لجميع القراءات، لا يبقى مجال للمقارنة بينها.

د) نسبة القراءات إلى القراء ومشايخهم تتنافى مع كونها متواترة عن طريق النبي (ص)؛ لأنه لو كانت هذه القراءات صادرة عن النبي الكريم، لما كان هناك معنى لإضافتها إلى هؤلاء الأشخاص. ولهذا السبب، فإن نفس هذه النسبة للقراءات إلى المشايخ دليل قطعي على عدم تواترها عن طريق النبي (ص).

هـ) شهادة كثير من محققي أهل السنة بعدم تواتر القراءات، وكذلك إنكارهم واعتراضهم على بعض القراءات، هي دليل قاطع على عدم ثبوت التواتر في القراءات؛ لأنه لو كان أمر ما متواترًا عن النبي (ص)، لما جاز إنكاره والاعتراض عليه (نفس المصدر، ١٣١).

٢. أدلة المؤيدين للتواتر ونقدها من منظور آية الله الفاضل اللنكراني

أولاً – دراسة ادعاء الإجماع على تواتر القراءات ونقده

استدل المؤيدون للتواتر لإثبات قولهم بإجماع العلماء والمفكرين المتقدمين والمتأخرين. ويعتقد البعض، مثل الشيخ الحر العاملي، أن مسألة تواتر القراءات محل اتفاق بين المسلمين، شيعة وسنة (العاملي، ذكرى الشيعة، ١٤٢٦: ١٠٦).

الإجماع يكون حجة عند المستدل عندما تتفق أمة النبي (ص) بأكملها على هذا الأمر، في حين يوجد بين المسلمين مخالفون كثر ينكرون تواتر القراءات. ففي الأمة الإسلامية، ينكر أكثر الإمامية وعدد كبير من محققي أهل السنة هذه المسألة. فكيف يدعي المستدل الإجماع؟ (فاضل لنكراني، مدخل التفسير، ١٣٩٦: ١٣٦).

ثانياً – دراسة ادعاء اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن ونقده

الدليل الآخر الذي استند إليه القائلون بالتواتر هو أنه بالنظر إلى الروايات والنقولات التاريخية، أولى الصحابة والتابعون اهتمامًا كبيرًا بالقرآن، ومنذ حياة النبي (ص) إلى العصور التالية، كان هناك اهتمام خاص بنقل القرآن. ومن لازم هذه النقولات، تواتر القرآن، وفي النهاية، تواتر القراءات.

يجيب الشيخ الفاضل على هذا الاستدلال قائلاً:

أ) هذا الدليل لا ينسجم مع مدعاهم؛ لأن المدعى هو تواتر القراءات، بينما الدليل يقتضي تواتر أصل القرآن. وبعبارة أخرى، الدليل لا ينسجم مع المدعى؛ فمن الواضح أن تواتر أصل القرآن لا يثبت تواتر القراءات السبع أو العشر.

ب) مقتضى هذا الدليل هو تواتر أصل القرآن، لا تواتر كيفية قراءته؛ خاصة أن مستند بعض القراء كان اجتهادات شخصية أو سماعًا. بالإضافة إلى ذلك، حدثت شهرة القراءات السبع في القرن الثالث، وقبل القرن الثالث لم يكن هناك أثر لهذه القراءات. وما يستفاد من النقولات التاريخية هو أن أبا بكر أحمد بن موسى بن العباس بن المجاهد كان أول من أضفى الطابع الرسمي على القراءات السبع. وقد طابق البعض، بناءً على أحاديث “سبعة أحرف”، القراءات السبع بهذه الروايات. وفي هذا الصدد، يكتب أبو محمد مكي: «نُقلت عن أئمة القراءات قراءات تفوق القراءات السبع شأنًا ورتبة. فكيف توهموا أن القراءات السبع هي نفسها السبعة أحرف؟» مع هذه الأوصاف، كيف أدى اهتمام الصحابة والتابعين إلى تواتر القراءات السبع؟ (فاضل لنكراني، ١٣٩٦: ١٣٧).

ثالثاً – دراسة ادعاء الملازمة بين تواتر القرآن والقراءات ونقده

الدليل الثالث الذي تمسك به المؤيدون للتواتر هو الملازمة بين تواتر أصل القرآن وتواتر القراءات وعدم الانفكاك بينهما. وبما أنه قد سُجل للقرآن أكثر من قراءة، فإن تواتر القرآن يعني بالضرورة تواتر القراءات. وهم يعتقدون أن القرآن وصل إلينا متواترًا بفضل الحفاظ والقراء المشهورين، في حين أن القراءة لا تنفك عن أصل القرآن. فكما أن أصل القرآن متواتر، كذلك القراءات متواترة.

ويرد آية الله الفاضل (قده) على هذا الاستدلال قائلاً:

أ) لا توجد أي ملازمة بين تواتر أصل مسألة أو قضية وبين خصوصياتها؛ لأنه في كثير من الحالات يكون أصل القضية مسلمًا به، ولكن يوجد اختلاف في خصوصياتها. على سبيل المثال، أصل قضية هجرة النبي (ص) أو أصل واقعة كربلاء قطعي ومتواتر، ولكن يوجد اختلاف في خصوصياتهما. وفيما يتعلق بالقرآن أيضًا، لا تثبت هذه الملازمة.

ب) القول بأن أصل القرآن وصل إلينا بفضل الحفاظ والقراء ليس صحيحًا؛ لأن لازم هذا القول هو أن أصل القرآن لم يصل إلينا متواترًا أيضًا، لأنه في طبقة الحفاظ والقراء لم يتحقق شرط التواتر (كونهم جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب). بل إن أصل القرآن وصل إلينا بسبب التواتر بين المسلمين، ولم يكن للقراء دور في هذه القضية. إذن، ادعاء الملازمة بين تواتر أصل القرآن والقراءات هو ادعاء بلا دليل (نفس المصدر، ١٣٩ – ١٤٠).

رابعاً – دراسة ادعاء أن اختلاف القراءات يؤدي إلى الاختلاف في أصل القرآن ونقده

الدليل الأخير الذي بيّنه الشيخ الفاضل في كتاب مدخل التفسير هو أن اختلاف القراءات يعود أحيانًا إلى الاختلاف في أصل الكلمة، مثل الاختلاف في كلمتي «مالك» و«ملك». في هذه الحالة، إذا لم نقل بتواتر القراءات، فسيستلزم ذلك أن بعض القرآن ليس متواترًا. وقد طرح هذا الدليل ابن الحاجب، ووافقه عليه عدد من الباحثين في الدراسات القرآنية.

أ) إذا كان مراد المدعي هو تواتر خصوص القراءات السبع، فإن الدليل الذي ذكره يقتضي تواتر جميع القراءات، خاصة أن بعض محققي أهل السنة صرحوا بوجود قراءات غير القراءات السبع تفوقها رتبة ومكانة، كما صرح بذلك أبو محمد مكي. إذن، الدليل الذي قدمه المستدل لا يثبت مدعاه، ولازم قوله هو أن تكون جميع القراءات متواترة دون أن يكون لإحداها رجحان أو ميزة على الأخرى (نفس المصدر، ١٤٠).

ب) إذا كان مراد المدعي هو تواتر جميع القراءات – بالإضافة إلى أن هذا ادعاء باطل لأن أحدًا لم يدّع مثل هذا القول – فلا توجد ملازمة مع عدم تواتر القرآن؛ لأن هذا الاختلاف له حالتان:

١. الاختلاف في تمام الكلمة، أي أن يكون الاختلاف في المادة والهيئة معًا. في هذه الحالة، يوجد مخرج، ويمكن تقديم تبريرات مقبولة.

٢. الاختلاف في الهيئة فقط، مثل المثال الذي ذكره المستدل «مالك، ملك». في هذه الحالة، في مادة الكلمة، أي «م – ل – ك»، يكون تواتر القرآن ثابتًا، ولكن يوجد اختلاف في هيئة الكلمة وكيفيتها. وهذا الاختلاف لا يتنافى مع التواتر في مادة تلك الكلمة (نفس المصدر، ١٣٩٦: ١٤٠ – ١٤١).

رأي آية الله الفاضل اللنكراني حول تواتر القرآن والقراءة الواحدة

آية الله الفاضل من الذين يرون أن تواتر القرآن أمر لازم وضروري. وهو يثبت ضرورة تواتر القرآن بالتمسك بدليل أن القرآن هو المعجزة الخالدة الإلهية، لأن مثل هذه المعجزة توفر دافعًا لنقلها وضبطها على نطاق واسع. ويؤكد قوله بتواتر كلام الله من خلال بيان أن القرآن كتاب لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله (نفس المصدر، ١٣٩).

آية الله الفاضل ينكر تواتر القراءات، وفي المقابل يؤكد على أن القراءة المعتمدة والمنسوبة إلى النبي (ص) والمتواترة هي القراءة المعهودة والمشهورة بين المسلمين (فاضل لنكراني، دفاع از حریم قرآن، ١٣٨١: ١٤).

النتيجة

مسألة تواتر القراءات محل خلاف بين الباحثين في الدراسات القرآنية، وقد تمسك المؤيدون والمخالفون لهذه النظرية بأدلة لإثبات آرائهم. وآية الله الفاضل من بين المخالفين لتواتر القراءات، وقد ذكر أدلة المؤيدين ورد عليها بشكل منفصل ومبرهن.

من أهم الأدلة التي تمسك بها كثير من العلماء ونقلها الشيخ الفاضل كأدلة لمؤيدي التواتر، هو إثبات تواتر القراءات عن طريق تواتر أصل القرآن. ولكن من خلال المباحث المطروحة، اتضح أن ادعاء تواتر القراءات قول غير صحيح، ولا توجد ملازمة بين تواتر القرآن والقراءات. ومن جهة أخرى، فإن ادعاء الإجماع بشأن تواتر القراءات قول لا أساس له؛ لأن لهذه النظرية مخالفين كثر من علماء الشيعة وأهل السنة.

يعتقد آية الله الفاضل أن كون القرآن معجزة أبدية قد أدى إلى نقل هذا الكتاب السماوي بشكل متواتر وعلى نطاق واسع. ومن جهة أخرى، مع إنكاره لتواتر القراءات، يرى أن القراءة التي يمكن الاستناد إليها هي القراءة المعهودة والمشهورة بين المسلمين.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: ١٩/٠٥/١٣٩٨ وتاريخ القبول: ١٢/٠٧/١٣٩٨.

2. أستاذ ورئيس قسم وعضو هيئة التدريس بجامعة قم: reza@moaddab.ir

3. باحث في المستوى الرابع التخصصي في التفسير وعلوم القرآن للأئمة الأطهار (الكاتب المسؤول): Seyedhassansagadi@gmail.com

Scroll to Top