تقييم القراءات بمعيار اللغة العربية ومؤشرات اختيار القراءة الصحيحة

الملخص

أدى ثراء الأدب القرآني إلى تدوين القواعد الأدبية والنحوية للغة العربية، وأثّر بدوره على علم القراءة. ثم أصبح الأسلوب الأدبي أساساً لتقييم القراءات بمعيار اللغة العربية واختيار القراءة الصحيحة. تتلخص المراحل التاريخية لتقييم القراءات بمعيار اللغة العربية وأهم نتائجها على النحو التالي: 1- في عصر التابعين حتى ظهور ابن مجاهد، لم تكن القواعد النحوية منضبطة. بعد تدوين القواعد، انتشر نقد القراءات بمعيار اللغة العربية وشاعت مباحث الاجتهاد في القراءة. 2- في عصر ما بعد ابن مجاهد حتى ظهور ابن الجزري، شاعت القراءات السبع واكتسبت مشروعيتها، وتزايدت أهمية فن القراءات. ازدهر سوق البحث في القراءات بمنهجية متعصبة وذات نزعة تقديسية. تبلورت رؤيتان في نقد القراءات بمعيار اللغة العربية: رؤية تقدس القراءات اعتقاداً بوحانيتها، ورؤية نقدية. 3- في عصر ما بعد ابن الجزري حتى العصر الحاضر، شاع الاعتقاد بوحانية القراءات. بُذلت الجهود لتوجيه القراءات الضعيفة بالحد الأدنى من المقاييس الأدبية. كما أن تأليف كتب قيمة في علم القراءة وتطوره وتبلور مؤشرات قرائية، يُعد من وقائع هذه الفترة. في هذا البحث، نسعى من خلال منهج تاريخي تحليلي إلى دراسة المراحل الثلاث المذكورة، وفي ضوئها نبيّن المؤشرات القرائية لمعرفة واختيار القراءة الصحيحة والأرجح. منهج البحث في هذه المقالة هو وصفي تحليلي، مع الاستفادة من المصادر المكتبية.

المقدمة

منذ بدء نزول القرآن الكريم، بذل النبي الأكرم ﷺ جهداً وافراً في تعلم آياته وتلاوتها على الوجه الصحيح، وكان يشجع المسلمين باستمرار على القراءة الصحيحة وحفظ القرآن. حتى إنه كان يعيّن بعض الصحابة مثل «عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل» لتعليم المسلمين قراءة القرآن. كما كان يولي منزلة خاصة لمن تعلموا القرآن. وكان الصحابة أيضاً يولون عناية خاصة ودقة فائقة لقراءة القرآن الصحيح، وإذا حدث أدنى اختلاف لم يهدأ لهم بال حتى يتم تصحيحه (راميار، تاريخ القرآن، 1379: 87).

هذه الدقة كانت أساس اهتمام الأجيال اللاحقة بمراعاة قراءة القرآن الصحيحة. بعد وفاة رسول الله ﷺ، ظهرت خلافات بين أصحابه في قراءة وكلمات القرآن، وانتقل هذا الأمر إلى قراءة المسلمين الجدد في مختلف البلاد الإسلامية آنذاك، وكذلك إلى مصاحف الصحابة الأوائل. فكان أهل كل منطقة من بلاد الإسلام يقرؤون القرآن كما تعلموه من كبارهم. استمر هذا الوضع حتى خلافة عثمان بن عفان (ت 35 هـ) – الخليفة الثالث – وفي عهده اشتدت الخلافات في القراءات. فقام بتوحيد المصاحف، وكلّف مجموعة من الصحابة مثل زيد بن ثابت وأُبي بن كعب بهذه المهمة. فجمعوا من بين المصاحف السابقة مصحفاً واحداً – المصحف الإمام – وأرسلوا نسخة منه إلى كل بلد من بلاد الإسلام ليقرأ المسلمون بمقتضاه، وأمروا بترك المصاحف الأخرى. وأرسلوا مع كل مصحف شخصاً ليعلّم الناس قراءة المصحف الجديد (حجتي، پژوهشي در تاريخ قرآن كريم، 1386: 284).

في القرون التالية، تفاقمت مسألة الاختلاف في القراءة وتعدد القراءات إلى درجة أنه في أوائل القرن الثالث الهجري، قام كبير قراء بغداد – أحمد بن موسى – المعروف بابن مجاهد (ت 324 هـ)، بتأليف كتاب «السبعة في القراءات» بمنهج يهدف إلى حصر القراءات في سبع قراءات – (تسبيع القراءات) – وقد طرح لأول مرة معيار الاختيار في القراءات تحت عنوان معرفة القراءة الصحيحة، واستمر هذا النهج بعده (مير محمدي، تاريخ و علوم قرآن، 1378: 86).

بعد ابن مجاهد وحتى العصر الحاضر، طرح العلماء المسلمون معايير لتمييز القراءة الصحيحة عن غيرها، وكان معيار اللغة العربية من أبرزها.

طرح الإشكالية

نزل القرآن الكريم من عند الله الجليل بواسطة جبريل الأمين وبقراءة واحدة على النبي الأكرم ﷺ. يقول الإمام الصادق (ع): «القُرآنُ وَاحِدٌ نَزِلَ مِن عِندِ الوَاحِدِ وَلَكِنَّ الإِخْتِلَافَ يَجِيءُ مِن قِبَلِ الرُّوَاةِ» (الكليني، أصول الكافي، 1391: 2/ 631). في زمن رسول الله ﷺ، كلما حدث اختلاف في أداء القراءة الصحيحة للقرآن، كان المسلمون يرجعون إلى النبي ﷺ أو يستمعون إليه أو إلى من يثقون بهم ليتعلموا كيفية القراءة الصحيحة. أما في العصور اللاحقة، عندما برزت ظاهرة اختلاف القراءة بين القراء والرواة، أصبح الاهتمام بوجود قراءات مختلفة في زمن واحد أمراً غير مقبول، على الرغم من أن كلمات القرآن الخاصة يمكن أن تُقرأ بعدة طرق، وكل منها قد يكون وجهاً مقبولاً. وبالطبع، يتفق غالبية المسلمين على أن بعض وجوه القراءات الواردة عن القراء غير مقبولة، وأن اجتهادهم كان له دور في ظهورها. وقد واجه علماء القراءة هذه المسألة وتعدد القراءات، فطرحوا موضوع معايير الاختيار في القراءات وانتقاء القراءة الصحيحة بناءً على مجموعة من المعايير. ومع ذلك، فإن موضوع الاختيار في القراءات له تاريخ طويل يمتد بقدم تاريخ الاختلاف في القراءات نفسها. فالاختيار واختلاف القراءات مرتبطان ارتباطاً وثيقاً؛ لأن الاختيار والانتقاء يكون معقولاً عند وجود اختلاف.

نظراً لأهمية الموضوع ودراسة تاريخه بعد وفاة النبي الأكرم ﷺ وظهور الاختلافات في قراءة بعض كلمات القرآن، كان المعيار الوحيد لتمييز القراءة الصحيحة آنذاك هو النقل الشفوي عن النبي ﷺ. وفي زمن خلافة عثمان، حيث اشتدت الاختلافات في قراءة كلمات القرآن، طُرح معيار رسم المصحف أو الرسم الخطي العثماني. مع مرور الزمن، لم يتمكن هذان المعياران من أن يكونا فعالين تماماً في تمييز القراءة الصحيحة؛ لذا، مهّد الاجتهاد في اختيار وحتى اختراع قراءات تتوافق مع معياري النقل الشفوي ورسم المصحف الطريق لظهور معيار اللغة العربية. ومنذ ذلك الحين، أخذ القراء في الاعتبار قواعد اللغة العربية في اختيارهم للقراءات إلى جانب المعيارين الآخرين.

يهدف هذا البحث إلى دراسة القراءات بناءً على الأدلة التاريخية بمعيار اللغة العربية وبمحورية الأسلوب الأدبي، وتبيين مؤشرات اختيار القراءة الصحيحة بأسلوب التحليل العقلي والنقلي، والإجابة عن الأسئلة التالية:

1. ما هي التقلبات التي شهدها تقييم القراءات بمعيار اللغة العربية من الماضي حتى الآن؟

2. كيف كانت رؤية علماء القراءة تجاه استخدام معيار اللغة العربية ومنهجهم في تقييم القراءات؟

3. ما هي أسباب الاختلاف في تبلور مفهوم تقييم القراءات بمعيار اللغة العربية في مختلف الفترات التاريخية؟

4. ما هي المؤشرات العقلية والنقلية لاختيار القراءة الصحيحة بمحورية معيار اللغة العربية؟

دراسة المفاهيم والمصطلحات التخصصية

يوجد في علم القراءة مصطلحات ومفاهيم تخصصية. لذا، نبيّن بعضاً من هذه المصطلحات والمفاهيم التي تبدو ضرورية.

1. القراءة ونشأتها

أول علم نشأ بين المسلمين هو «علم قراءة القرآن»، وكانوا يسعون فقط لتعلم القرآن. يبحث هذا العلم في صور نظم كلام الله، من حيث وجوه الاختلافات المشهورة المتقنة، والمراد منه تحصيل ملكة ضبط الاختلاف المشهور المتقن وطريقة القراءة الصحيحة طبقاً لقراءة القراء الذين يصل سند قراءتهم إلى رسول الله ﷺ (قابة، القراءات القرآنية تاريخها، ثبوتها وحجتها وأحكامها، 1999: 185؛ فضلي، القراءات القرآنية تاريخها وتعريفها، 1430: 205).

كلمة (قراءة) في اللغة، وهي جمع (قراءات)، مصدرها (قرأ) بمعنى قراءة النص مع التلفظ بكلماته أو النظر في النص وقراءته دون تلفظ (الشرتوني، أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد، 1403: 2/ 976)؛ أما (القراءة) في الاصطلاح، فقد استخدمت في ثلاثة معانٍ:

أ. قراءة القرآن بصوت عالٍ، وعلم وفن قراءة القرآن (ابن عباد، المحيط في اللغة، 1414: 6/9).

ب. الشكل الخاص لقراءة كل كلمة وعبارة في القرآن. وبهذا المعنى، يُطلق شكل الجمع (قراءات) على المجموعة الكاملة من القراءات المختلفة (الداني، التيسير في القراءات السبع، 1416: 195). ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة/ 17-19).

ج. قراءة القرآن بناءً على إحدى الروايات المنسوبة إلى قراء بارزين أو مدارس قرائية في القرنين الهجريين الأولين؛ مثل قراءة عاصم، أو قراءة نافع، أو قراءة أهل الكوفة (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 98).

2. القراءة المشهورة والشاذة

القراءة التي تتوفر فيها شروط الصحة الثلاثة، وهي مطابقة رسم المصاحف العثمانية وموافقة قواعد اللغة العربية، تسمى «القراءة المشهورة» (الداني، جامع البيان في القراءات السبع، 1428: 33). قراءات القراء السبعة والعشرة هي قراءات مشهورة. وكل قراءة تفقد أحد الأركان المذكورة في القراءات المشهورة تسمى «قراءة شاذة» (ابن درستويه، الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد، 1403: 2/ 114؛ راجع: قباقبي، إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز في القراءات الأربع عشرة، 1424: 170؛ الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1401: 102).

3. القراءة المتواترة

في اللغة، من جذر (وتر) بمعنى التتابع (الزمخشري، أساس البلاغة، 1979: 1/ 665). في سياق القرآن، أرسل الله الأنبياء واحداً تلو الآخر لهداية البشر: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون/ 44). مصطلح القراءة المتواترة دخل علم القراءة منذ القرن السابع الهجري، ولم يكن شائعاً بين القراء قبل ذلك (راجع: عوض هبشان، التواتر في القراءات القرآنية وما أثير حوله من الشبهات، 1434: 24؛ مؤدب ومحمدي فرد، بررسي انگاره تواتر قرائات، 1393: 14).

4. القراءات السبع والقراءات العشر

عرّف ابن مجاهد (ت 324 هـ) قراءة سبعة من القراء المشهورين بناءً على خمس مناطق قرائية، وهم: نافع بن عبد الرحمن أبو نعيم (ت 169 هـ) من المدينة، وعبد الله بن كثير الداري (ت 120 هـ) من مكة، وعاصم بن أبي النجود الأسدي (ت 127 هـ)، وحمزة بن حبيب الزيات (ت 156 هـ)، وعلي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ) من الكوفة، وأبو عمرو بن العلاء المازني (ت 154 هـ) من البصرة، وعبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118 هـ) من الشام (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 1345: 1/ 174 و 193). اشتهر هؤلاء القراء السبعة فيما بعد بالقراء السبعة، وقراءاتهم بالقراءات السبع.

في القرون التالية، أضيفت قراءة ثلاثة قراء آخرين كقراءات صحيحة إلى القراء السابقين، وأصبحوا يعرفون بالقراء العشرة، وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع (ت 130 هـ) من المدينة، وخلف بن هشام البزار (ت 229 هـ) من الكوفة، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت 205 هـ) من البصرة (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1932: 1/ 165).

5. اختيار القراءات

الاختيار في اللغة، من أصل (خير) ويدل على العطف والميل، والاختيار على وزن (افتعال) هو اسم للشيء المختار، وهو بمعنى الانتقاء والاصطفاء (ابن منظور، لسان العرب، 1405: 4/ 264). وهو يعني حلاً من بين حلول مختلفة لموضوع معين، مع مراعاة المقاييس والأساليب التطبيقية التي يتم بها الانتقاء (الدوسري، مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات، 1429: 51). ويُقال لقبول الرأي الأرجح والوجه المختار في موضوع ما (الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1412: 161). أما في اصطلاح علوم القرآن وتاريخ القراءات، فهو الوجه أو الحرف الذي يختاره القارئ من بين ما روي له، مع بذل جهوده الخاصة في الاختيار والانتقاء (أبو شامة، إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع للإمام الشاطبي، 1981: 256).

غنى الأدب القرآني وتشكل قواعد اللغة العربية

أدب كل أمة هو مرآة لثقافتها الوطنية ويعكس الظروف البيئية والفكرية السائدة في تلك الأمة. لقد تشكل المجتمع العربي قبل الإسلام في بيئة متأثرة بجفاف وقسوة الصحراء وحياة البداوة، وقد انعكست هذه الظروف بوضوح في بنية شخصيتهم. من ناحية أخرى، أدت عزلة القبائل العربية وانفصالها عن الأمم المتحضرة الأخرى إلى ترسيخ الأفكار التقليدية والعادات الموروثة والتوجهات القبلية لديهم، مما جعلهم قبائل متناثرة تعاني من مشاكل كالفقر والأمية وانتشار الأمراض النفسية والجسدية. كان نشر الإيمان والعمل الصالح في ظل الأخلاق الحسنة وتقدير النماذج الإنسانية السامية من أفضل استراتيجيات القرآن لترسيخ الروحانية في الثقافة العامة للمجتمع العربي، ونتيجة لذلك، تزين الأدب أيضاً بالفضائل الأخلاقية. بالنظر إلى المشاكل الأخلاقية والسلوكية للعرب في الجاهلية، كانت هناك أسباب وعوامل للانحطاط، بل والانقراض في ثقافة وأدب العرب (راجع: الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 43/1).

من هذا المنطلق، يُعد القرآن الكريم عاملاً ومعرفاً مؤثراً للغة العربية الفصيحة؛ لأنه نزل بلسان عربي مبين ليتدبروا في آياته: ﴿هَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل/103)؛ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء/195)؛ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف/3)، في حين كانت العوامل المناهضة للحضارة والإنسانية كافية للقضاء على الثقافة العربية. من جهة أخرى، أدت الحاجة إلى معرفة الألفاظ والعبارات غير المألوفة في القرآن وكلام النبي ﷺ وأئمة الدين إلى اهتمام العلماء بمعرفة اللغة العربية. ولولا هذا الشعور، لم تكن الخدمات الروحية للقرآن لهذه الثقافة لتحافظ على الأدب العربي من الزوال فحسب، بل أدت هذه الخدمات إلى حفظه وازدهاره وتطوره، بحيث انتشر هذا الأدب في ظل الفتوحات الإسلامية متجاوزاً حدود شبه الجزيرة العربية ليصل إلى أبعد نقاط العالم، وحتى في المناطق التي لم تكن لها معرفة سابقة باللغة والأدب العربي، نشأ مثقفون وعلماء بنوا فيما بعد الحضارة الإسلامية.

نظراً لما سبق، فإن دقة المسلمين في قراءة القرآن الصحيحة وتجنب الخطأ فيها كانت سبباً في نشأة علم النحو في الأدب العربي. ووفقاً للروايات التاريخية، فإن رجلاً قرأ في حضرة أبي الأسود الدؤلي (ت 69 هـ) آية ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة/3)، فقرأ كلمة «رَسُولُهُ» بالجر، مما يفيد معنى غير صحيح وهو براءة الله من رسوله. فلما سمع أبو الأسود هذه القراءة التي تدل على جهل القارئ بقواعد اللغة العربية، أبلغ الإمام علياً (ع) بالحادثة، فأمره الإمام بتدوين علم النحو بعد أن بيّن له نقاطاً أساسية من قواعد العربية (معرفت، تاريخ قرآن، 1375: 46).

وهكذا، انطلقت الشرارات الأولى لتشكل قواعد اللغة العربية. وبالطبع، فإن الغرض من الأدب العربي هو الأدب الفصيح والأصيل للقرآن الكريم الذي كان له أثر في جميع شؤون حياة المسلمين وساهم في توجيه وتنمية سائر العلوم، خاصة علم القراءة.

تأثير الأدب القرآني على العلوم وعلم القراءة

إن الاهتمام بالمكونات الأدبية للقرآن، والبحث والاختلاف في كيفية النطق الصحيح للكلمات، يؤدي إلى معانٍ مختلفة قد تسبب أحياناً تعارضاً بين قراءتين في باب اختيار وترجيح إحداهما على الأخرى، مما يطرح تفسيراً خاصاً يكون لهذا الاختلاف أثر في استنباط الأحكام الفقهية أيضاً. على سبيل المثال:

أ. في تفسير القرآن، في آية ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة/37)، (آدَمُ) مرفوع فاعل و(كَلِمَاتٍ) منصوب مفعول. وفي قراءة أخرى، قُرئت (آدَمَ) منصوبة و(كَلِمَاتُ) مرفوعة، بمعنى أن الكلمات أنقذت آدم من غضب ربه (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1419: 257).

ب. في الأحكام الفقهية: في آية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء/43) حيث قُرئت (لَمَسْتُم) بالثلاثي المجرد، اختلف الفقهاء بناءً على هذه القراءة في انتقاض وضوء اللامس؛ فبناءً على القراءة المشهورة «لَامَسْتُم» التي هي من موجبات الوضوء أو التيمم، يكون المراد الجماع؛ ولكن بناءً على القراءة الأخرى «لَمَسْتُم»، يكون مجرد تماس الرجل بالمرأة مبطلاً للوضوء أو التيمم (ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح، 1990: 234).

ج. بالطبع، أدت الأبحاث والدراسات المختلفة في هذا المجال والنقاشات في آراء العلماء إلى ظهور دراسات متنوعة أخرى في علم القراءة وعلم النحو. على سبيل المثال: «الإبانة عن معاني القراءات» لمكي بن أبي طالب (ت 437 هـ)، «أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية» لعبد العال سالم مكرم، «القراءات وأثرها في التفسير والأحكام» لمحمد عمر بازمول، «قواعد الترجيح عند المفسرين» لخالد السبت (قابة، القراءات القرآنية، تاريخها، ثبوتها وحجتها وأحكامها، 1999: 202).

العلاقة المتبادلة بين الأدب العربي والقراءات

بما أن قواعد اللغة العربية وُضعت لأول مرة على يد أبي الأسود الدؤلي (ت 69 هـ) بأمر من الإمام علي (ع)، وبعده قام علماء كبار مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) رائد «علم العروض»، ونصر بن عاصم الليثي (ت 89 هـ)، ويحيى بن يعمر العدواني (ت 90 هـ)، وأبي عمرو بن العلاء المازني البصري (ت 154 هـ)، وأبي بشر عمرو بن عثمان سيبويه (ت 180 هـ)، وعلي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ)، ويحيى بن زياد الفراء (ت 207 هـ)، والأخفش (ت 211 هـ) بنشر علم النحو في ارتباطه بقراءة القرآن (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407: 112).

كان استخدام معيار اللغة العربية لدى العلماء مختلفاً باختلاف السياقات الزمنية والمكانية. على سبيل المثال، كان نحاة البصرة ينقدون القراءات بمنهج قياسي ويرفضون كل قراءة لا تتوافق مع قواعدهم في اللغة العربية. بينما كان نحاة الكوفة يولون اعتباراً أكبر للجانب النقلي للقراءات ولم يكونوا يرفضون قراءة بسهولة. وبالطبع، لا يمكن تعميم هذا القول على جميع القراء. ورغم أن المدرسة النحوية البصرية كانت لها اختلافات مع المدرسة النحوية الكوفية؛ إلا أن مدرسة البصرة في الاستشهاد بأقوال وأشعار العرب كانت تقبل فقط كلام العربي البدوي الفصيح. بينما مدرسة الكوفة كانت تأخذ في الاعتبار نطاقاً أوسع في نقل الأشعار والروايات واللغات المختلفة والاستشهاد بها، وتولي اهتماماً لجميع القبائل في هذا الشأن. كان كل من قراء البصرة والكوفة، متأثرين بالبيئة الاجتماعية والعلمية، يقبلون أو يرفضون القراءات بالاعتماد على معيار اللغة العربية، ومن هذا المنطلق، لم يكن هناك فرق بينهم (صغير، محمود أحمد، القرءات الشاذة وتوجيهها النحوي، 1999: 523).

بالنظر إلى الشخصيات النحوية والقرائية الأولى ونشأة علم النحو، كان هناك ارتباط وثيق بالقراءات؛ لأن العلماء كانوا يدرسون القراءات بالإضافة إلى معياري النقل الشفوي ورسم المصحف، من حيث القواعد الأدبية والنحوية أيضاً. ونظراً لأن القرآن نزل باللغة العربية، على الرغم من أن قواعد هذه اللغة لم تكن قد دُونت في زمن النزول؛ إلا أنه لم يكن هناك شك في صحة وفصاحة الكلمات المنزلة من عند الله. إن تزايد عدد الاختلافات في قراءة القرآن وضرورة تمييز القراءة الصحيحة من غير الصحيحة هو ما أدى إلى اجتهاد القراء في مجال القواعد العربية.

من مفاخر أمة الإسلام التي تبعث على العزة، في سبيل صيانة نص القرآن المنزل على رسول الله ﷺ على مر التاريخ، أن المسلمين، رغم تنوع أفكارهم وآرائهم ومذاهبهم، منذ العصر الأول – عصر الصحابة – وحتى اليوم وعلى مر تاريخ الإسلام، اهتموا دائماً بحفظ نص القرآن الأصيل. لقد ائتمنوا القرآن بنفس الحروف والكلمات والترتيب والبنية والقراءة التي تلقوها عن النبي ﷺ، جيلاً بعد جيل. القرآن الذي يتلى اليوم هو نفس النص الذي كان يتلوه مسلمو صدر الإسلام، وهذا النص القرآني هو نفس القرآن الذي تلقاه المسلمون الحقيقيون في العصر الإسلامي الأول من لسان الرسول الأكرم ﷺ؛ دون أي تغيير أو تحريف. وهذا الأمر، بالإضافة إلى الإرادة الإلهية بحفظ القرآن – (الحجر/9) – يرتبط بشكل ما بالعلاقة العميقة والجذرية للأدب القرآني المتميز بعلم القراءة.

الأسلوب الأدبي، معيار تقييم القراءات

بناءً على الشواهد التاريخية، استخدم علماء القراءة الأسلوب الأدبي لتقييم القراءات واختيار القراءة الصحيحة. أساس عملهم في هذا الأسلوب يعتمد على أدب اللغة العربية وفصاحتها. أي أنهم يختارون وجهاً من وجوه القراءات يكون الأكثر مطابقة للقواعد، والأشهر، والأفصح من الناحية النحوية والإعرابية في الأدب. بعبارة أخرى؛ منهج القراء في هذا الأسلوب هو اختيار القراءة الموافقة والمناسبة للغة ولهجة قريش الفصيحة. على سبيل المثال: يقول ابن مجاهد: «قراءة ابن محيصن المكي (ت 123 هـ)، تخالف قراءة إجماع أهل بلده، بل قراءة عامة أهل بلده هي قراءة عبد الله بن كثير المكي (ت 120 هـ). لأن قراءة ابن كثير قائمة على الفصاحة في اللغة العربية» (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1932: 2/ 167).

مثال آخر، ينقل الأزهري عن الزجاج: «في عبارة ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ (البقرة/40)، حرف الياء في «نِعْمَتِي» مفتوح لأن ما بعده ساكن، ولام (الَّتِي) هي لام التعريف التي يكثر استعمالها في الكلام. فإذن قراءة الياء بالفتح تم اختيارها بسبب قاعدة التقاء الساكنين، إذا كانت الياء وبعدها حرف ساكن، فإن فتح الياء هو أدق قاعدة في اللغة العربية؛ وإن كان يجوز حذف الياء بسبب التقاء الساكنين: «نِعْمَتِ الَّتِي»» (الأزهري، شرح التصريح على التوضيح، 1421: 4/ 63).

إذن، سبب اختيار قراءة «نِعْمَتِيَ» بفتح الياء هو أن القاعدة المذكورة في اللغة العربية أقوى وأدق للوصول إلى القراءة الصحيحة؛ ولكن، هناك من يعتقد مثل فخر الرازي (ت 596 هـ) – المفسر والفقيه والمؤرخ في القرن السادس الهجري – أن القرآن لا ينبغي أن يُقاس بقواعد اللغة العربية؛ لأن هذه القواعد متأثرة بالقرآن نفسه. وهو يعتبر القراءات متواترة ولا يقبل بسهولة نقد القراءات بواسطة قواعد اللغة العربية؛ لأنه يعتقد أنه من العجيب أن يحاول بعض النحاة تأييد عبارات القرآن بآثار مثل الشعر والأبيات المجهولة. ويرى أن القرآن نفسه أليق بتأييد صحة القواعد النحوية (فخر الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، 1420: 9/ 401).

بالطبع، في الرد عليه يمكن القول: أولاً، كانت قواعد اللغة العربية موجودة بشكل غير مكتوب قبل نزول القرآن؛ ثانياً، استُخدم معيار اللغة العربية في ارتباطه بالقرآن الكريم بعد ظهور قراءات مختلفة واتساع نطاق الخلافات. في الواقع، كان استخدام هذا المعيار من قبل علماء اللغة العربية لتمييز القراءات غير الصحيحة ومنع دخولها إلى ساحة قراءة القرآن. من جهة أخرى، الاستشهاد بقراءات القرآن لبيان صحة قاعدة نحوية هو مسألة أخرى ولا يتعارض مع كون اللغة العربية معياراً.

والقول الآخر هو أن تقييم القراءات بقواعد اللغة العربية لا يعني فرضها على القرآن، بل يعني أن القواعد هي معيار للوصول إلى حقيقة القرآن الكريم. كل قراءة تتطابق مع اللهجة الأفصح، والقواعد الأصيلة والأكثر شيوعاً في العربية، وتتوفر فيها سائر شروط الصحة؛ فهي كاشفة عن كونها من القرآن. على سبيل المثال، أحمد بن حنبل – إمام أهل السنة الحنابلة – (ت 241 هـ) كان ينتقد قراءة حمزة الكوفي؛ لأنه كان يرى قراءته بسبب المدود والسكتات المتتالية خارجة عن إطار أساليب البيان الأصيلة والفصيحة للعربية (السجستاني، المصاحف، 1355: 490).

المراحل التاريخية لتقييم القراءات بمعيار اللغة العربية

كان تعامل علماء القراءة مع معيار اللغة العربية ومنهجهم في ذلك مختلفاً في الفترات التاريخية المختلفة، وشرح وتفصيل ذلك كالتالي:

1. عصر التابعين حتى ظهور ابن مجاهد

بعد تدوين القواعد النحوية وظهور العلماء في هذا العلم في الكوفة والبصرة وسائر المدن الإسلامية، انتشر تدريجياً تقييم القراءات بمعيار اللغة العربية. كان تعامل القراء مع معيار اللغة العربية في قبول ورفض القراءات في هذا العصر كالتالي:

أ. اكتساب معيار اللغة العربية صفة رسمية إلى جانب سائر المعايير لقبول أو رفض القراءات؛ لأن كل قراءة لكي تُعتبر صحيحة ومقبولة كان يجب أن تكون قابلة للتوجيه بالقواعد اللغوية. على سبيل المثال: علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ) من القراء السبعة ونحاة الكوفة، كان يقدم أدلة لاختيار قراءاته تتفق جميعها مع قواعد اللغة وبناها النحوية الكوفية؛ لأن المسائل النحوية كانت ذات أهمية كبيرة لديه. على سبيل المثال، كان يقرأ كلمة «يَقُولَ» في آية ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (البقرة/214) بـ «يَقُولُ» بالرفع – ومن بين القراء السبعة، كان نافع المدني (ت 169 هـ) وحده يقرؤها بـ «يَقُولَ» بالنصب – ؛ لكن الكسائي بعد ذلك، وبناءً على نفس معيار اللغة العربية، غير قراءته من حالة الرفع إلى حالة النصب؛ لأن «زلزلة» في الآية المذكورة، تُعتبر فعلاً متطاولاً (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 181).

يُلاحظ أن معيار اللغة العربية كان ذا أهمية لدرجة أنه كان يمكن أن يغير رأي أحد أكبر وأشهر القراء من قراءة إلى أخرى.

ب. كان القراء يستندون في آرائهم إلى القواعد النحوية ويفضلون قراءات على أخرى ويتخلون عن غيرها، وكان من الممكن أن لا يكون الوجه المقبول لديهم مقبولاً لدى الآخرين أو يُعتبر وجهاً ضعيفاً. على سبيل المثال، أبو عمرو بن العلاء البصري (ت 154 هـ) في تقييم وترجيح القراءات، كان يستفيد من قواعد اللغة العربية الأصيلة. فقد كان لا يجيز قراءة «نَتَّخَذَ» لأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت 130 هـ) في آية ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (الفرقان/18) ويقول: «لو كانت قراءة «نَتَّخَذَ» صحيحة، لكان يجب حذف «من» الثانية وتكون الآية «أن نتخذ من دونك أولياء»» (النحاس، إعراب القرآن، 1421: 3/ 107).

ج. لم يكن تصنيف النحاة إلى مدرستين، أثرية وقياسية، مطروحاً في هذا العصر. وذلك لسببين، أولاً: لم يكن هناك تعصب خاص تجاه القراءات المختلفة، وكانوا يختارون القراءات بناءً على قواعدهم اللغوية مع مراعاة المعايير الأخرى؛ ثانياً: لم تكن قواعد اللغة العربية قد بلغت بعد الرصانة والفخامة اللازمة ولم تصل إلى مرحلة الاستقرار الحالية.

د. الاهتمام المفرط من بعض القراء بمعيار اللغة العربية وعدم الاهتمام الكافي بالمعايير الأخرى لقبول القراءة، مثل الرسم الخطي العثماني. على سبيل المثال: محمد بن محيصن السهمي (ت 123 هـ) من قراء مكة المشهورين في عصره، كان يقرأ آية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ (الأنعام/2) بحذف «ثُمَّ» وبصيغة «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ لِيَقْضِيَ أَجَلاً» (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1419: 260)، وهو ما يتعارض صراحة مع رسم المصحف العثماني. ترك عامة المسلمين قراءته، واهتمامهم بقراءة القارئ المعاصر والبلدي له – عبد الله بن كثير المكي (ت 120 ق) – واختيار قراءة ابن كثير من قبل ابن مجاهد (ت 324 ق) في مسألة تسبيع القراءات؛ كانت من تبعات قراءة ابن محيصن. بالطبع، التقارير المتعلقة بقراءة ابن محيصن من جهة، تظهر نماذج بارزة لأهمية وتطبيق معيار اللغة العربية بين قراء القرون السابقة، ومن جهة أخرى، تعبر عن نوع من رد الفعل الذكي للمجتمع القرآني في مواجهة التطرف والاجتهادات لبعض القراء.

هـ. كان بعض القراء يختارون قراءة بناءً على معيار اللغة العربية لا تتوافق مع قراءة عامة المسلمين. على سبيل المثال: عيسى بن عمر الثقفي (ت 149 هـ) من القراء والنحاة المشهورين في البصرة، الذي ربّى تلاميذ مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) وكان رائداً في عصره في علم اللغة والنحو، كان لديه ولع شديد بإعراب النصب. بحيث أنه كلما كان هناك إمكانية لنصب كلمة، كان يطبقها في قراءته. مثل: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (المسد/4)، ﴿الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي﴾ (النور/2) و ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (هود/78) (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1932: 1/ 613).

كانت مباحث الاجتهاد في قراءة القرآن بناءً على قواعد اللغة العربية شائعة بين علماء هذا العصر.

و. لم يكن تقييم القراءات باللغة العربية بشكل مطلق كافياً لقبول القراءة، بل كانت قوة وفصاحة القراءات اللغوية ذات أهمية أيضاً. على سبيل المثال، أبو بشر عمرو بن عثمان سيبويه (ت 180 هـ) من نحاة وقراء إيران المشهورين في البصرة، كان يراعي معيار اللغة العربية في قراءته، حيث قبل قراءة عبارة «كُنْ فَيَكُونُ» برفع النون في «فَيَكُونُ»، وهي القراءة المشهورة، واعتبر قراءة هذه الكلمة بالنصب «فَيَكُونَ» ضعيفة وأجازها فقط في ضرورات الشعر (سيبويه، الكامل، 1408: 3/ 39).

ز. يُعد تقييم القراءات باللغة العربية الفصيحة معياراً فعالاً لتمييز القراءة الصحيحة وترجيحها على سائر القراءات. على سبيل المثال: محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) أحد أبرز الباحثين في القراءة والمفسرين في القرنين الثالث والرابع الهجريين، قرأ كلمة «يعقوب» في آية ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود/71) بالرفع «يعقوبُ» وقال: «أصح القراءات عندي قراءة الرفع، لأن هذا الوجه معروف ومشهور عند العرب ولا ينكره علماء اللغة العربية؛ وقراءة قراء الأمصار تمت على أساسه. ومع ذلك، فإن قراءة النصب لها وجه لا أستحسنه؛ لأن كتاب الله نزل بأفصح لغة عربية» (الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 1420: 15/ 397).

مثال آخر: إبراهيم بن محمد الزجاج (ت 311 هـ) من الشخصيات المهمة في علوم النحو واللغة والقراءة قبل ابن مجاهد (ت 324 هـ) (الزركلي، الأعلام، 2002: 1/ 40). يرى قراءة كلمة «يغفر» في آية ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران/31) بإظهار حرف الراء صحيحة ويقول: «ظن بعض النحاة أن حرف الراء في كلمة «يغفر» يُدغم في حرف اللام في كلمة «لكم»، وهذا خطأ واضح. هذه القراءة غير صحيحة من حيث قواعد اللغة العربية؛ لأن حرف اللام وحرف النون يُدغمان في حرف الراء، مثل «هل رأيت» و«من رأيت»؛ أما حرف الراء فلا يُدغم في حرف اللام في عبارات مثل «مر لي بشيء»؛ لأن حرف الراء حرف مكرر، وعند الإدغام في حرف اللام؛ تفقد صفة التكرير. وهذا الرأي محل إجماع النحاة الموثوقين» (الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، 1408: 1/ 398).

ما ذُكر كان نماذج لتقييم وترجيح وإنكار القراءات بمحورية معيار اللغة العربية، والذي قام به قراء هذا العصر.

2. عصر ما بعد ابن مجاهد حتى ظهور ابن الجزري

على الرغم من أن ابن مجاهد عرّف القراءات السبع باستخدام معيار محوري للقراءة وأصبحت مقبولة؛ إلا أن العلماء بعده قاموا بإجراءات في هذا المجال.

أ. شيوع ومشروعية القراءات السبع تدريجياً بواسطة علماء آخرين، على سبيل المثال: ابن خالويه (ت 370 هـ) تلميذ ابن مجاهد – كان يعتبر موافقة اللغة العربية من أهم معاييره في تقييم واختيار القراءات. بعد قرن من ابن مجاهد، قام عالم يُدعى مكي بن أبي طالب القيسي (ت 437 هـ) بدراسة القراءات بالمعايير الثلاثة: قوة الوجه في اللغة العربية، مطابقة رسم المصحف، وإجماع العامة عليها. وقد استدل في كتبه كثيراً بمعيار اللغة العربية في اختيار القراءات (مكي، الكشف عن وجوه القراءات السبع، 1394: 1/ 388 – 325).

ب. في أوائل القرن الخامس الهجري، ظهرت أهمية متزايدة لفن القراءات السبع وازدهر سوق البحث القرائي بمنهج متعصب وتقديسي للقراءات. على سبيل المثال، ظهور عالم مثل عثمان بن سعيد المعروف بأبي عمرو الداني (ت 444 هـ) الذي ألف كتاب (التيسير في القراءات السبع) وعرّف فيه قراءات القراء السبعة ورواتهم. أصبح هذا الكتاب منذ ذلك الحين محور علم القراءات وأدى إلى التقديس التدريجي للقراءات السبع (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، 1419: 1/ 250).

بعد ذلك، ظهرت رؤيتان في هذا العصر: الرؤية الأولى التي كانت تنقد القراءات بمعايير مختلفة منها معيار اللغة العربية ولم تكن تقدس القراءات. علماء مثل: جار الله الزمخشري (ت 538 هـ)، ابن عطية الأندلسي (ت 541 هـ)، أبو شامة المقدسي (ت 665 هـ). والرؤية الثانية التي كانت تقدس القراءات السبع وتعتبرها وحياً. علماء مثل ابن مالك (ت 672 هـ)، أبو حيان الأندلسي (ت 745 هـ) وبدر الدين الزركشي (ت 794 هـ) (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1957: 1/ 469 – 470) يمكن ذكرهم.

3. عصر ما بعد ابن الجزري حتى العصر الحاضر

في هذا العصر، ظهر ابن الجزري (ت 833 هـ) وهو من أبرز علماء القراءة، ومن أهم توجهات هذا العصر يمكن ذكر ما يلي:

أ. التساهل في قبول القراءات، وتوجيهها بمراعاة الحد الأدنى من معايير اللغة العربية. حتى الوجه الضعيف في معيار اللغة العربية، هو مطابقة القراءة لوجه من وجوه النحو. سواء كان ذلك الوجه أفصح أم فصيحاً؛ سواء أجمع عليه أم اختلف فيه.

ب. طرح فكرة أن مجرد الضعف في اللغة العربية ليس سبباً لرد قراءة، وصحة النقل عن طريق القراء المشهورين يدل على اعتبار القراءة الضعيفة من حيث القواعد الصرفية والنحوية. في هذا السياق، استشهد ابن الجزري بأمثلة من القراءات الضعيفة من حيث القواعد العربية، على سبيل المثال: الجمع بين ساكنين في حرف «ت» بواسطة أبي الحسن محمد البزي (ت 250 هـ) – راوي قراءة عبد الله بن كثير – (قراءة «ت» المشددة عند الوصل في بداية الأفعال المضارعة التي كان أصلها حرفي «ت» وحذف أحدهما؛ مثل ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (الملك/8)؛ ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ (البقرة/267)؛ ﴿وَقُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ (التوبة/52)) أو إدغام أبي عمرو البصري الكبير في مواضع مثل ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الحمد/3-4) و ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة/2)، إدغام حرف «ت» في حرف «ط» وتشديد «ط» في ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ (الكهف/97) بواسطة حمزة الكوفي (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 1345: 1/ 10). اعتبر ابن الجزري نقلها وقبولها عن طريق القراء المشهورين دليلاً على عدم اعتبار كلام النحاة في الطعن في القراءات المذكورة.

ج. إضافة قيد «ولو بوجه» إلى معيار اللغة العربية في توجيه العديد من القراءات الضعيفة من حيث القواعد العربية، شاع بفضل ابن الجزري، بحيث حاول العلماء بعده بكل طريقة ممكنة توجيه القراءات الضعيفة لغوياً. على سبيل المثال: القراءات التي كان كثير من النحاة في الماضي يرفضونها، قام باحثون في القراءة مثل شهاب الدين أحمد بن عبد الغني الدمياطي في كتاب «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» وعلي النوري الصفاقسي في كتاب «غيث النفع في القراءات السبع» بتوجيهها بشروحاتهم وتوجيهاتهم.

د. شيوع الاعتقاد بوحانية قراءات القرآن من قبل أهل السنة بعد ابن الجزري، مما لم يترك مجالاً للقراء لاستخدام معيار اللغة العربية، واقتصر استخدامه فقط في توجيه القراءات العشر. «في هذه الحالة، ومع قيد «ولو بوجه»، لا توجد قراءة شاذة إلا ويمكن تصور وجه لها ولو كان ضعيفاً وبعيداً جداً» (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1391: 2/ 152).

هـ. يكتفي علماء أهل السنة المعاصرون، تقليداً لابن الجزري، بقبول القراءة بوجه من وجوه اللغة العربية، ويعتبرون جميع القراءات العشر مستوفية لشرط الاختيار باللغة العربية بهذا المعنى. معيار اللغة العربية بالنسبة للمعاصرين من أهل السنة، مثله مثل سائر المعايير كرسم المصحف، ليس له تطبيق عملي، ولا يتجاوز كونه معياراً نمطياً ونظرياً لتوجيه القراءات العشر؛ لأنهم قبلوا مسبقاً، تقليداً للسابقين، كل قراءة من القراءات العشر، ولم يكن لمعايير القراءة المحورية أي تأثير في قبولهم أو عدم قبولهم للقراءات.

تبلور مؤشرات اختيار القراءة الصحيحة بمحورية معيار الأدب القرآني

إن التأثير الأكبر لاهتمام القراء والعلماء بمعيار اللغة العربية في تقييم القراءات هو تبلور مؤشرات اختيار القراءة الصحيحة. بناءً على ما ذُكر حتى الآن، ألف العلماء المسلمون في مجال تقييم القراءات بالمعيار الأدبي كتباً، على سبيل المثال: «التيسير في القراءات السبع» لعثمان بن سعيد المعروف بأبي عمرو الداني (ت 444 هـ)، «حرز الأماني ووجه التهاني»، المعروف بـ «الشاطبية»، تأليف أبي القاسم فيره بن خلف الشاطبي (ت 590 هـ)، «النشر في القراءات العشر» لمحمد بن يوسف؛ المعروف بابن الجزري (ت 833 هـ)؛ التي كُتب عليها ثلاثون، ومائة، ومائة وخمسون شرحاً على التوالي» (فلاته، الاختيار عند القراء، مفهومه، مراحله وأثره في القراءات، 1421: 252). «بعد كتاب «السبعة» وطرح معايير الاختيار في انتقاء قراءة القراء بواسطة ابن مجاهد، قام علماء آخرون مثل أبو بكر بن السراج (ت 316 هـ) بتأليف كتاب «علل سبعة بن مجاهد»، و«الحجة في علل القراءات السبع» لابن درستويه، المعروف بأبي علي الفارسي (ت 377 هـ)؛ ثم تلميذه، عثمان بن جني المعروف بابن جني (ت 392 هـ) بتبيين وجوه القراءات الشاذة في كتابه «المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح» (نفس المصدر: 252).

تآليف العلماء المذكورين، بالإضافة إلى أنها ساهمت في توسيع علم قراءة القرآن بشكل أكبر، إلا أن الاهتمام بالمعيار الأدبي في تقييم القراءات من قبلهم كان له نتيجة مهمة أخرى تمثلت في تبلور وتشكل مؤشرات اختيار القراءة الصحيحة، استناداً إلى فئتين من الأدلة العقلية والنقلية.

1. الأدلة العقلية لاختيار القراءة الصحيحة

بما أن العقل هو أحد معايير المعرفة البشرية، فبالرجوع إليه، يمكن أن يكون محكاً جيداً لمعرفة القراءة الصحيحة من سائر القراءات، وفي هذا المجال، يرشدنا إلى الحالات التالية:

1-1. استحالة الإعراض عن قراءة النبي الأكرم ﷺ

القراءة الصحيحة للآيات التي قُرئت بقراءة واحدة منذ زمن النزول حتى الآن، هي نفس القراءة المعتادة في تلك الآيات؛ لأن القراءة المعتادة في تلك الآيات لا يمكن أن تكون إلا القراءة التي تلا بها رسول الله ﷺ تلك الآيات، واحتمال أن تكون قراءته غير هذه القراءة؛ يستلزم أن لا أحد من المسلمين، حتى في عصر رسول الله ﷺ وزمن نزول الآيات، اتبعه، وأنه بالتزامن مع نزول الآيات، اختُرعت قراءة أخرى وجميع المسلمين، حتى مسلمي عصره والعصر الحاضر، في زمن النزول أيضاً، اتبعوا تلك القراءة المخترعة، وهذه الظاهرة مستحيلة.

2-1. عدم التعارض مع البراهين العقلية

يجب ألا تتعارض القراءة مع حجة أقوى؛ لأنه بناءً على قانون «التعادل والتراجيح» في علم الأصول، تكون القراءة حجة ومعتبرة إذا لم تتعارض مع حجة أقوى منها.

أ. بشأن قراءة ورش (ت 197 ق) وقالون (ت 220 ق) – راويا قراءة نافع المدني – وكذلك قراءة قراء مثل ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري في آية ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة/9)، قرأوا كلمة «يَخْدَعُونَ» بـ «يُخَادِعُونَ»، وهو خطأ واضح (بورفرزيب، تهذيب القراءة، 1368: 256)؛ لأن قراءة «يُخَادِعُونَ» تعني أنهم (المنافقون) يحاولون خداع أنفسهم؛ بينما لا يحاول أحد خداع نفسه، ولكن أحياناً يُخدع شخص ما؛ مثل المنافقين الذين يريدون خداع المؤمنين، ولكن في الحقيقة؛ يخدعون أنفسهم ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر/43)؛ المكر السيئ لا يحيق إلا بصاحبه.

لذلك، فإن قراءة عاصم الكوفي وراوييه – شعبة (ت 193 ق) وحفص (ت 180 ق) – وكذلك سائر الكوفيين الذين قرأوا «يَخْدَعُونَ» صحيحة؛ لأنها قراءة متوافقة مع القراءة المعروفة والشائعة لدى عامة المسلمين.

ب. «عاصم وحمزة والكسائي في آية ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة/10) قرأوا عبارة «بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ» بالتخفيف ومن باب الثلاثي المجرد، ولكن القراء الآخرين قرأوا «يُكَذِّبُونَ» – بالتشديد» (القسطلاني، لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1980: 298). القراءة بالتخفيف أقرب إلى سياق الآية؛ لأن المنافق في ظاهره لا يكذّب، ولكن كلامه كذب؛ كما جاء في آية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون/1)؛ وقوله ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ شاهد على هذا المعنى.

في هذا الصدد، توجد أمثلة أخرى، ولكن تجنباً لإطالة البحث، نمتنع عن ذكرها.

2. الأدلة النقلية لاختيار القراءة الصحيحة

أحد المكونات والمؤشرات الأخرى لمعرفة واختيار القراءة الصحيحة هو الأدلة النقلية، والتي تستند إلى العوامل التالية:

1-2. النص الصريح وتواتر النص القرآني

إن الحقيقة الواضحة لصيانة حقيقة كلمات وآيات القرآن الكريم بنفس الثبات والاستمرارية من زمن النزول إلى يوم القيامة من قبل الله، بحيث تكون مصدر عزة للأمة الإسلامية في كل زمان هي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر/9)؛ ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (الزمر/28)؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ (الكهف/1)؛ القرآن كتاب من عند الله منيع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت/41-42).

بتأمل قليل في إعادة قراءة المصاحف القديمة – خاصة المصاحف الموجودة في بلاد المشرق الإسلامي التي كانت مهد الحضارة العلمية – ومقارنتها بالمصاحف الخطية والمطبوعة اليوم؛ يظهر أن أسلوب الكتابة، وتسجيل البنية، ومادة الكلمات وأمثالها في كليهما متماثل.

هذه الحقائق كلها أدلة واضحة على وحدة نهج جميع المسلمين في جميع العصور تجاه القرآن. حتى اختلاف القراء على مر التاريخ لم يستطع إحداث أي تغيير في الكلمات ورسمها.

من مفاخر أمة الإسلام التي تبعث على العزة، صيانة نص القرآن المنزل على رسول الله ﷺ على مر التاريخ. المسلمون، رغم تنوع أفكارهم وآرائهم ومذاهبهم، منذ العصر الأول – عصر الصحابة – وحتى اليوم وعلى مر تاريخ الإسلام، اهتموا دائماً بحفظ نص القرآن الأصيل. لقد ائتمنوا القرآن بنفس الحروف والكلمات والترتيب والبنية والقراءة التي تلقوها عن النبي ﷺ، جيلاً بعد جيل. القرآن الذي يتلى اليوم هو نفس النص الذي كان يتلوه مسلمو صدر الإسلام، وهذا النص القرآني هو نفس القرآن الذي تلقاه المسلمون الحقيقيون في العصر الإسلامي الأول من لسان الرسول الأكرم ﷺ دون أي تغيير أو تحريف.

2-2. القراءة العامة وتأكيد أهل البيت (ع) على الالتزام العملي بها

أ. سأل شخص أبا عمرو: كيف تقرأ آيات ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (الفجر/25-26)؟ – كان يقصد هل تقرأ الفعل «لَا يُعَذِّبُ» مبنياً للمجهول أم للمعلوم؟ – فقال أبو عمرو: «لَا يُعَذِّبُ» – فعل معلوم – وهي القراءة المشهورة. فقال ذلك الشخص: ولكن رُوي عن رسول الله ﷺ «لَا يُعَذَّبُ» – فعل مجهول؟ فقال: لو قال أحد إنه سمع هذه القراءة من النبي ﷺ لما قبلتها؛ لأني لا أقبل قراءة واحدة تخالف القراءة العامة (الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 1373: 2/ 452).

ب. قرأ شخص في حضرة الإمام الصادق (ع) آيات من القرآن تختلف عن قراءة الناس. فقال له الإمام (ع): «كَفَّ عَنْ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ اقْرَأْ كَمَا يَقْرَأُ النَّاسُ»؛ أي اترك هذه القراءة واقرأ القرآن كما يقرؤه الناس (الكليني، أصول الكافي، 1391: 2/ 482). نهى الإمام ذلك الشخص عن قراءة القرآن بوجوه مختلفة وأمره بأن يلتزم بالقراءة العامة للمسلمين. وقال الإمام الباقر (ع): «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ بِعَرَبِيَّتِهِ وَإِيَّاكُمْ وَالنَّبْرَ فِيهِ، يعني الهمز؛ أي تعلموا القرآن بكيفيته العربية واحذروا من النبر في القرآن – المبالغة في إظهار الهمزة» (الكليني، أصول الكافي، 1391: 2/ 490). وقال الإمام الجواد (ع): «لا يستوي عند الله إنسانان، ومعيار الأفضلية هو أدب الكلام. وأفضليته عند الله هي أن يقرأ القرآن كما أُنزل» (الحر العاملي، وسائل الشيعة في تحصيل مسائل الشريعة، 1411: 4/ 866).

يعتبر أبو عمرو القراءة العامة معياراً لتمييز القراءة الصحيحة ويرفض القراءات الأخرى ولا يرى جواز قبولها. إذن، معيار القراءة الصحيحة هو القراءة العامة. إن اهتمام أهل البيت (ع) الخاص بمراعاة حدود اللغة العربية الفصيحة واللهجة الشائعة للقرآن التي هي أصالته في القراءة الصحيحة، هو للحفاظ عليه من أي تغيير وقراءة خاطئة ومنع أي تحريف فيه.

3-2. التوافق مع المصحف الموجود ورسم كلمات القرآن

كان الصحابة والتابعون يقرؤون القرآن بطريقتهم ولهجتهم، وهذا لم يكن يشكل مشكلة لهم وللقراء بعدهم الذين كانوا على دراية بنص القرآن وتأويله (السجستاني، المصاحف، 1355: 169). ولكن الله، بحسن اختياره للأجيال القادمة، أتاح مصحفاً يتوافق مع آخر نزول على رسول الله ﷺ. إذا كانت قراءة القرآن مخالفة لرسم المصحف الموجود جائزة، لكانت كتابة القرآن أيضاً جائزة بالنقصان والزيادة والتقديم والتأخير؛ بينما كبار الدين لا يجيزون ذلك (ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، 1417: 385). وهذا يدل على أن مصحف عامة المسلمين هو معيار لمعرفة صحة القراءة.

رسم بعض كلمات القرآن الذي دُون مخالفاً للرسم الشائع؛ ولكن رغم كل التقلبات على مر الزمن، لم يغيره أي قارئ أو كاتب. اختلافات القراء في العصور اللاحقة، والتطور في قواعد الكتابة، لم تؤثر في تغيير طريقة كتابة الكلمات الأولى. عامة المسلمين، اتباعاً لأسلافهم، كانوا يقرؤون بنفس الشكل الذي حفظوا به تلك القراءة جيلاً بعد جيل. كلمات «كِتَابِيَهْ»، «حِسَابِيَهْ»، «مَالِيَهْ»، «سُلْطَانِيَهْ» (الحاقة/19-20-26-28-29) بهاء السكت، في الكتابة والنطق، مثبتة وتُلفظ. ياء المتكلم المفتوحة دون أن يكون للقراء تأثير عليها. حرف الياء في كلمة «الداعِ» – المعرفة بـ «الألف واللام» – وياء المتكلم من كلمة «دَعَانِ» في آية ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة/186) محذوفة (حيدر، تاريخ القرآن وحقائق، 1398: 166). عامة المسلمين على مر الزمن قرأوا هكذا وثبتوها بهذا الشكل في مصاحفهم، وهذا يدل على أن للقرآن حقيقة ثابتة صانها المسلمون بعيداً عن متناول القراء.

4-2. الإعراب الأول للقرآن، الأدب الأصيل والقواعد الفصيحة للغة العربية

من خلال دراسة تاريخ القرآن والفترات التي مرت عليه، يتضح أن نص القرآن الحالي، بوضعه الراهن؛ هو نتاج جهود كبار وعلماء الإسلام. الذين سعوا في حفظ وضبط القرآن وتنظيمه بأفضل وجه في التنقيط، والإعراب، والجمال، ولم يدخروا جهداً. كبار مثل أبي الأسود الدؤلي (ت 69 هـ) الذي بأمر من الإمام علي (ع)، أسس موضوع إعراب القرآن، وقام بتنقيطه تلميذاه، نصر بن عاصم الليثي (ت 89 هـ) ويحيى بن يعمر العدواني (ت 90 هـ). وزخرفة المصحف وكتابته بخط جميل قام بها خالد بن أبي الهياج (ت 100 هـ) الذي كان من أصحاب الإمام علي (ع). وضع الحركات بالشكل الحالي هو نتاج جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ). وهو أول من وضع علامات التجويد والكتابة القرآنية، مثل الهمزة، والتشديد، والروم، والإشمام وغيرها. وهؤلاء من علماء الشيعة البارزين (أمين، أعيان الشيعة، بيتا: 185).

أ. قرأ أبو عمرو كلمات «بَارِئِكُمْ»، «أَمْرَكُمْ» ونظائرها في جميع أنحاء القرآن بسكون الهمزة. توجيه هذه القراءة هو تشبيه حركة الإعراب بحركة البناء وصعوبة نطق حركات متتالية، حيث سُكنت حركة الإعراب لتسهيل النطق. هذه القراءة ضعيفة وغير مستحسنة؛ لأن حركة الإعراب تختلف عن حركة البناء. حركة الإعراب تدل على معنى، ولكن حركة البناء لا تدل على معنى. حركة الإعراب تتغير بتغير وظيفة ومعنى الكلمة، فلا ينبغي تغيير إعراب الكلمة (مكي، الكشف عن وجوه القراءات السبع، 1394: 1/ 263)؛ لأن قراءة تسكين الهمزة تتعارض مع القواعد الأصيلة للغة العربية.

ب. قرأ عاصم وحمزة والكسائي عبارة «أَنْ يُصْلِحَا» في آية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء/128) بالياء واللام: «أَنْ يَصْلِحَا». بينما قرأ سائر القراء «أَنْ يَصَّالَحَا». «صلح» و «بين» تأتيان معاً. مثل آية ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات/9). لو كان هناك وجه لاستعمال «أَنْ يَصَّالَحَا»، لكان مصدرها من لفظها وقيل: «إصلاحاً»؛ ولكن العرب الفصحاء يستعملون الاسم موضع المصدر، بناءً على آية ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ (آل عمران/37) حيث لم يأت «إنباتاً» بدلاً من «نباتاً» (شريعت، چهارده روايت در قرائت قرآن، 1370: 174).

بالطبع، هناك أمثلة أخرى تشمل في اختيارها الأدلة العقلية والنقلية، مثل آية ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الأعراف/57)؛ هو الذي يرسل الرياح بشارة أمام (مطر) رحمته. من بين القراء المشهورين، عاصم الكوفي وحده قرأ كلمة «بشراً» في الآية المذكورة بـ «بُشْراً»؛ أما الآخرون فقرأوها «نُشْراً» (ابن خالويه، الحجة في القرائات السبع، 1417: 285)؛ لأن ما ينشر، أي يحيي الأرض الميتة؛ هو الماء الذي ينزل من السماء، و«الرياح» تبشر؛ كما جاء في آية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (الروم/46)؛ ومن آيات (عظمة) الله أن يرسل الرياح مبشرات (لنزل المطر) ليذيقكم من رحمته.

الخاتمة

1. بالنظر إلى الشخصيات النحوية والقرائية في القرون الهجرية الأولى ومع نزول القرآن، أدى الغنى الذاتي لأدب القرآن إلى تشكل قواعد اللغة العربية الأدبية والنحوية.

2. أثر أدب القرآن على العلوم التفسيرية والفقهية، وخاصة علم القراءة، وأدى إلى تأليف كتب وتقديم آراء قيمة من قبل علماء هذه العلوم.

3. بعد تدوين العلوم الأدبية المتأثرة بأدب القرآن، أصبح الأسلوب الأدبي معياراً لتقييم قراءات القرآن ليتم اختيار أفصح وأصح القراءات.

4. تشكلت المراحل التاريخية لتقييم القراءات بمعيار اللغة العربية، قبل تعريف القراء السبعة من قبل ابن مجاهد وبعده، في ثلاث مراحل.

5. في عصر التابعين حتى ظهور ابن مجاهد، لم يكن استخدام معيار اللغة العربية بين العلماء في القرون الإسلامية الأولى وقبل عصره ذا قواعد منضبطة. بعد تدوين القواعد النحوية وظهور العلماء في هذا العلم في الكوفة والبصرة وسائر المدن الإسلامية، انتشر تدريجياً نقد القراءات بمعيار اللغة العربية. كان تعامل القراء مع معيار اللغة العربية في قبول ورفض القراءات كالتالي: كان معيار اللغة العربية ذا أهمية لدرجة أنه كان يمكن أن يغير فجأة رأي أحد أكبر وأشهر القراء من قراءة إلى أخرى. لم يكن تصنيف النحاة إلى مدرستين، أثرية وقياسية، في هذا العصر ذا أهمية كبيرة. وذلك لأنه لم يكن هناك بعد تعصب خاص تجاه القراءات المختلفة، وكانوا يختارون القراءات بناءً على قواعدهم اللغوية مع مراعاة المعايير الأخرى. لم تكن قواعد اللغة العربية قد بلغت بعد الرصانة والفخامة اللازمة ولم تصل إلى مرحلة الاستقرار الحالية. كانت مباحث الاجتهاد في قراءة القرآن بناءً على قواعد اللغة العربية شائعة بين علماء هذا العصر.

6. في عصر ما بعد ابن مجاهد حتى ظهور ابن الجزري، بدأ شيوع ومشروعية القراءات السبع تدريجياً بواسطة علماء آخرين، بحيث أنه في أوائل القرن الخامس الهجري، ازدادت أهمية فن القراءات السبع وازدهر سوق البحث القرائي بمنهج متعصب وتقديسي للقراءات. ظهرت رؤيتان في هذا العصر، الرؤية الأولى التي كانت تنقد القراءات بمعايير مختلفة منها معيار اللغة العربية ولم تكن تقدس القراءات. والرؤية الثانية التي كانت تقدس القراءات السبع وتعتبرها وحياً.

7. في عصر ما بعد ابن الجزري حتى العصر الحاضر، مع ظهور ابن الجزري وطرح آرائه الخاصة والمثيرة للتأمل والتي ما زالت سارية حتى العصر الحاضر، مثل الاعتقاد بوحانية القراءات العشر، والسعي في توجيه القراءات، وترتيب وتنظيم المعايير بمراعاة الحد الأدنى من معايير اللغة العربية، حتى الوجه الضعيف في معيار اللغة العربية، ومطابقة القراءة لوجه من وجوه النحو، سواء كان ذلك الوجه أفصح أم فصيحاً، سواء أجمع عليه أم اختلف فيه. مجرد الضعف في اللغة العربية لم يكن سبباً لرد قراءة، وصحة النقل عن طريق القراء المشهورين يدل على اعتبار القراءة الضعيفة من حيث القواعد الصرفية والنحوية، ونقلها وقبولها عن طريق القراء المشهورين، دليل على عدم اعتبار كلام النحاة في الطعن في القراءات المذكورة. إضافة قيد «ولو بوجه» إلى معيار اللغة العربية في توجيه العديد من القراءات الضعيفة من حيث القواعد العربية، التي حاول العلماء بعد ابن الجزري بكل طريقة ممكنة توجيه القراءات الضعيفة لغوياً. الاعتقاد القطعي بوحانية قراءات القرآن من قبل أهل السنة بعد ابن الجزري في هذا العصر، لم يترك مجالاً للقراء لاستخدام معيار اللغة العربية، واقتصر استخدامه فقط في توجيه القراءات العشر. معيار اللغة العربية بالنسبة للمعاصرين من أهل السنة، مثله مثل سائر المعايير كرسم المصحف، يقتصر على كونه معياراً نمطياً ونظرياً لتوجيه القراءات العشر.

8. أدى تقييم القراءات بالمعيار الأدبي القرآني من قبل علماء القراءة إلى آثار مثل تأليف كتب قيمة في علم قراءة القرآن وتطوره، وكذلك تسبب في تشكل مؤشرات اختيار القراءة الصحيحة.

9. المؤشرات المتشكلة من الاهتمام بالمعيار الأدبي القرآني في سبيل معرفة واختيار القراءة الصحيحة والأرجح، تستند إلى أدلة عقلية، تشمل استحالة الإعراض عن قراءة النبي الأكرم ﷺ، وعدم التعارض مع البراهين العقلية، وأدلة نقلية، تشمل النص الصريح وتواتر النص القرآني، والقراءة العامة وتأكيد أهل البيت (ع) على الالتزام العملي بها، والتوافق مع المصحف الموجود ورسم كلمات القرآن، والإعراب الأول، والأدب الأصيل والقواعد الفصيحة للغة العربية.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 1398/10/12 وتاريخ القبول: 1399/03/16.

2. أستاذ مساعد، قسم علوم القرآن والحديث، فرع تويسركان، جامعة آزاد الإسلامية، تويسركان، إيران (المؤلف المسؤول): a.h.ehteshami47@gmail.com

3. طالب دكتوراه في الإلهيات والمعارف الإسلامية، تخصص علوم القرآن والحديث، فرع همدان، جامعة آزاد الإسلامية، همدان، إيران: mas.abbasi59@gmail.com

4. أستاذ مساعد، قسم علوم القرآن والحديث، فرع همدان، جامعة آزاد الإسلامية، همدان، إيران: hoseinihamid2@gmail.com

Scroll to Top