الملخص: السلفية التكفيرية في مجال تفسير القرآن، مستندة إلى ظواهر الآيات والروايات وسيرة النبي وأصحابه، تلتزم بشدة بما ورثته من القدماء، وتحصر العقائد الإسلامية الصحيحة في “ظواهر” القرآن والسنة، وتتجنب أي تفسير عميق أو الاستفادة من العقل والعلم والفلسفة في تعاليم الدين وتطبيقها على مقتضيات العصر. إنهم ينكرون وجود المجاز في القرآن ، ومن خلال تفسير انتقائي للآيات، لا يسعون إلى تفسير آيات القرآن، بل يسعون إلى إيجاد عقائدهم الخاصة في القرآن ورد آراء المخالفين. لكن الظاهرية، بالإضافة إلى عدم كفايتها في تفسير القرآن، تتعارض مع آيات القرآن. وقد أدى التأكيد المفرط على النقل والرواية إلى دخول أحاديث ضعيفة إلى المصادر، والابتعاد عن العقلانية في التفسير، ومع التحيزات المسبقة، تُطبَّق الآيات على الروايات بطريقة خاطئة.
المقدمة
إن التعرف على الأبعاد المختلفة للمذهب السلفي، الذي تسبب في العقود الأخيرة في تحولات كبيرة، بل ومعضلات واسعة ليس فقط في العالم الإسلامي بل في جميع أنحاء العالم، يحظى بأهمية بالغة. إن أهم سمات السلفية التكفيرية هي استخدام العنف والاعتقاد الراسخ بفكر “التكفير” المتأثر بظروف بيئية خاصة، لا سيما في منطقة غرب آسيا، والتغيرات التاريخية الموجودة بين أهل السنة. ويمكن الإشارة أيضاً إلى النصوص الدينية، والتاريخ الإسلامي، والارتباط العميق بين الدين ووجود العديد من الآيات المتعلقة بالجهاد والحكم في القرآن، والتي استغلها الوهابية من خلال تفسير انتقائي وغير أصيل لهذه المباني، لتبرير أعمالهم المتطرفة وقتل الناس، وهو تفسير يتجاهل جزءاً كبيراً من الدين الإسلامي. لذا، فإن تحليل مباني هذا التيار ضروري لفهم فكره وسلوكه. التحليلات التي قدمت حول الجماعات السلفية التكفيرية كانت في الغالب نظرات عامة، ولم تتم دراسة المباني بمنهج خاص. ولذلك، فإن هذا البحث، بعنوان “التحليل النقدي للمباني التفسيرية للسلفية التكفيرية”، يسعى إلى فحص كل من هذه المباني ونقدها والتشكيك في صحتها، مع الاستناد إلى أقوال قادة التكفير وذكر نقاط جديرة بالتأمل.
المباني التفسيرية للسلفية التكفيرية
فهم القرآن الكريم والسنة النبوية، بوصفهما أهم مصادر التشريع الإسلامي، هو أمر منهجي وله ضوابطه الخاصة. ولهذا، فإن الاستناد إلى آيات القرآن والروايات دون ضابط محدد ودون استخدام منهج صحيح، ومجرد التعصبات الطائفية، يُعدّ مصداقاً بارزاً للتفسير بالرأي وهو أمر مذموم جداً. والتيارات التكفيرية، بنقلية مفرطة وتمسك بظواهر آيات قليلة دون الأخذ في الاعتبار الآيات المفسرة لها، وأحياناً بتفسير انتقائي لآيات القرآن، تتهم الآخرين بالشرك والبدعة.
أ) الظاهرية وعدم تأويل الآيات
التأويل من جذر “أول” بمعنى الرجوع، وقد جاء في اللغة بمعانٍ مختلفة. والرجوع إلى الحالة السابقة، والتغيير، والتفسير، والتوضيح من معاني التأويل التي ذكرها اللغويون (الفراهيدي، 1409: 627؛ ابن منظور، 1406: 11/33؛ ابن فارس، 1404: 4/504). وفي الاصطلاح أيضاً، بمعنى حمل اللفظ على المعنى المرجوح لدليل عقلي أو نقلي ثابت (فقهي زاده، 1385: 84). وفي تعريف التأويل الاصطلاحي، يوجد اختلاف بين العلماء، وقد تحدث عنه المفسرون أيضاً في سياق الآية السابعة من سورة آل عمران، لكن السلفيين، بسبب منهجهم الظاهري، نفوا التأويل، وقالوا: إن معنى التأويل عند السلف هو المعنى اللغوي أي العاقبة وتفسير الشيء (ابن تيمية، 1416: 3/55-5/55).
يرى ابن تيمية أن كلمة التأويل تستخدم بثلاثة معانٍ بسبب الاشتراك اللفظي:
- تحويل اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بسبب دليل أو قرينة مصاحبة له.
- معنى تفسير الكلام وبيان معناه، سواء كان هذا التفسير موافقاً لظاهر الكلام أو مخالفاً له.
- نفس المراد من الكلام: إذا كان الكلام طلبياً، فتأويله هو الفعل المطلوب، وإذا كان خبرياً، فتأويله هو الشيء الذي أخبر عنه.
يرى ابن تيمية أن التأويل في اللغة والاصطلاح هو بهذا المعنى الثالث. ثم يورد الآيات التي ورد فيها لفظ التأويل ويطبقها على هذا المعنى الثالث (ابن تيمية، 1408: 2/108-109). ويعارض ابن تيمية التأويل بالمعنى الأول، ويعتقد أن هذا المعنى لم يكن شائعاً عند سلف الأمة، وهو من اختراعات المتأخرين. ولذلك، لا ينبغي حمل موارد استعمال “التأويل” في القرآن والروايات على المعنى الأول. وادعى في موضع آخر أن كل هذه التأويلات بدعية، ولم يقل بها أحد من الصحابة والتابعين، وأنها تخالف ما هو معروف ومتواتر عن أئمة السنة والحديث (ابن تيمية، 1416: 5/409).
تبنى السلفيون منهج الظاهرية، وأنكروا التأويل، ويعتقدون أنه لو فُتح باب التأويل “لانهدم الدين”. إنهم يعتقدون أن كل ما قاله الله في القرآن يجب التمسك بظاهره. وتظهر ظاهرية ابن تيمية ومخالفته للتأويل في جميع مؤلفاته العديدة. ويقول في العقيدة الواسطية عن إيمان أهل السنة بصفات الخبرية: “أهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل” (ابن تيمية، 1412: 5-6). ويقول ابن تيمية في موضع آخر إن لفظ “الظاهر” في عرف المتأخرين أصبح مشتركاً. وإذا كان المقصود بتطبيق القرآن على ظاهره هو الظاهر المتعارف عليه في عرف سلف الأمة، دون تحريف الكلمات عن مواضعها، ودون إلحاد في أسماء الله، ودون قراءة القرآن والحديث على خلاف تفسير سلف الأمة، بل بتطبيقه على ما تقتضيه النصوص وتوافق عليه دلائل الكتاب والسنة، وأجمع عليه السلف، فهذا حق وصواب (هو، 1408: 2/249-250).
المفسر السلفي، بمنهج يتناول مسألة العقل، لا يقبل التأويل بمعنى الخروج عن المعنى الظاهري للكلمة (المغراوي، 1420: 1/502-508)، ويعتقد أن الآيات التي تتناول الصفات الإلهية ليست من المتشابهات، لأن السلف الصالح قد بينوا معناها (نفس المصدر: 430-445). ورغم أنه يترك فهم كنه وكيفية ذلك لله وفق منهج السلف (نفس المصدر: 365-369). ويعتمد ابن تيمية على هذه المباني، فيرى جميع الصفات والأفعال المذكورة لله في القرآن صحيحة وصائبة، ولا يجيز تأويلها. فهو يرى الله قابلاً للرؤية، ويرى أنه استوى على العرش، وله مكان ويد ووجه، ولتجنب التشبيه يقول إن جميع الصفات صحيحة وحقة، لكن كيفيتها مجهولة؛ ولذلك اعتقد أن الله فوق السموات، وأن جلوسه على العرش صحيح، وأن له يداً وقدماً ووجهاً… إلخ. ويضيف قيد “بلا كيف” لتجنب اتهام التشبيه والتجسيم (ابن تيمية، 1416: 3/24).
مصطفى شكري – قائد جماعة المسلمين – يرفض أي تأويل فيما يتعلق بالوعود الإلهية بنصر المؤمنين والانتصار العسكري على الكفار بأبسط وسائل الحرب (رفعت، 1991: 2/116). وينكر وجود الأسلحة الحديثة، ويستند إلى روايات منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيخبر عن معركة عظيمة بين المؤمنين والكفار في آخر الزمان، ويعتقد أن هذه المعركة ستحدث أيضاً بوسائل الحرب التي كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ويعارض تفسير السيف والحجر بالقنابل والمدافع العسكرية، وعلى خلاف الآخرين، لا يرى الدجال رمزاً للشر، ولا عيسى رمزاً للخير، ولا يأجوج ومأجوج رمزاً للمجاعة. ويقول: لا ينبغي تفسير الخيول التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ألوانها في آخر الزمان، بالدبابات (نفس المصدر: 131). ويتمسك شكري بمعنى كلمة “أمي” في الآية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً …﴾ (الجمعة/2)، ويقول: “الرسول الأمي هو في مقدمة هذه الأمة، وهي خير أمة اختيرت لبيان القرآن الكريم. ومن أراد أن يؤوّل لفظ “الأمية” بغير معناها الظاهري فليعلم أننا أمة “أمية”؛ لا نكتب ولا نحسب. ومعنى كلمة “الأمية” في كتب اللغة هو عدم القدرة على الكتابة والحساب، كما ورد في القاموس المحيط: “الأمي” هو الذي لا يكتب، أو الذي لم يتعلم الكتابة منذ ولادته وبقي على هذا الحال” (رفعت، 1991: 2/122).
يكتب ابن عثيمين، المفسر السلفي الوهابي، في تعداد عقائد السلفيين: “نحن نرى أن الله تعالى له وجه ذو جلال وإكرام، ويدان كريمتان، وعينان حقيقيتان، ثم يؤكد رأيه قائلاً: أهل السنة أجمعوا على أن عيني الله اثنتان!؟ ويؤيد ذلك الحديث النبوي عن الدجال الذي قال فيه: “الدجال أعور، وإن ربكم ليس بأعور”. ونحن نرى أن المؤمنين سيرون الله تعالى يوم القيامة بهاتين العينين” (ابن عثيمين، 1404: 5-6). ويرى أن الذين أولوا “قبضته” في الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر/67)، بمعنى التصرف، أنهم من أهل التحريف، ويقول: “لقد أرادوا بظنهم الفاسد وتأويلهم الباطل أن يبتعدوا عن الوقوع في التمثيل والتشبيه، في حين أن الملك والتصرف لله موجودان دائماً…. منهج أهل السنة والجماعة في مثل هذه الآيات هو أن التأويل غير جائز، بل الواجب هو قبول تلك الصفات بنفس المعنى الشائع في اللغة العربية؛ لأن الله تعالى خاطب نبيه والمؤمنين باللغة العربية، فنحن نقبل المعنى العربي للصفات؛ ولكن لا ينبغي لنا أن نحدد كيفيتها أو أن نشابهها أو نماثلها بصفات المخلوقين؛ ولذلك، فإن الذين يؤوّلون صفات الساق أو اليد وغيرها من الصفات، يتبعون في الحقيقة قولاً باطلاً لا برهان عليه، وليس لديهم تأييد لذلك من الله ولا من رسوله” (هو، 1417: 2/532).
ابن تيمية في تفسير الآية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، وبعد نقل هذا القول العلمي بأن الله ليس في جهة ولا مكان، قال: إن جميع المسلمين، سواء كانوا من أتباع المذاهب الأربعة أو غيرهم، متفقون على أن ذات الأحدية تُرى في الآخرة بالعين، ولكنها غير قابلة للرؤية في الدنيا. وقد اختلفوا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه في الدنيا أم لا؟ وفي تفسير الآية الكريمة يقول: قد تكون رؤية دون إدراك (ابن تيمية، 1406: 2/75).
يستدل ابن تيمية عقلياً على رؤية الله بأن شروط رؤية الأشياء هي أمور وجودية لا عدمية، وفي مقابل ذلك، شروط عدم رؤية الأشياء هي أمور عدمية؛ فمثلاً، كلما كانت الأشياء أضعف وأصغر، كانت إمكانية رؤيتها أقل، وكلما كانت أقوى وأكبر، وقوله: “أكمل”، كانت إمكانية رؤيتها أكبر. ولهذا، فإن الجمادات أحق بالرؤية من الظلمات والظلمة أحق بالرؤية من النور. والآن، بما أن الله أكبر وأكمل من كل شيء، فإمكانية رؤيته أكبر؛ أما عدم رؤيته في هذا الدنيا فلأن أبصارنا ضعيفة، ولهذا لم يتمكن موسى عليه السلام من رؤيته عندما تجلى الله على الجبل. أما في يوم القيامة، فستكون أبصار الناس أقوى، وبالتالي سيتمكنون من رؤية ربهم (نفس المصدر: 1/215).
النقد والتحليل
من الواضح أن وجهة النظر الظاهرية لا يمكن أن تكون كافية في تفسير القرآن؛ فالقرآن نفسه صرح بأن آياته الإلهية تنقسم إلى قسمين: محكمات ومتشابهات، والحل الأساسي ومنهج معرفة مجموع الكتاب هو أن تكون المحكمات مرجعاً ومرتكزاً للمتشابهات، وطريق الوقاية من الانحراف هو رد المتشابهات إلى المحكمات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران/7). وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن تكون الآيات المتشابهة وحدها موضوعاً للاستدلال، بل يجب تفسيرها في ضوء المحكمات التي هي أصول ومراجع معارف الكتاب.
كما أُشير سابقاً، يحتوي القرآن على متشابهات وردت في قالب التعبير الكنائي. إضافة إلى ذلك، ذكر القرآن نفسه أنه يحتوي على أمثال وتشبيهات، ولا يمكن نفي وجود بعض التعبيرات المجازية في القرآن: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد/17). كما أن حمل معنى بعض الآيات في القرآن على ظاهرها غير ممكن، مثل الآية الشريفة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران/10)، و: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر/88).
نقطة أخرى جديرة بالملاحظة هي أن التأويل أمر لا مفر منه، وقد لجأت كل فرقة ومذهب إلى التأويل في بعض الأحيان على الأقل، ولا مفر من ذلك. ويقول الفخر الرازي: “جميع الفرق الإسلامية تقر بأنه يجب تأويل بعض ظواهر القرآن والأخبار” (الرازي، 1993: 63). ولابن القيم أيضاً اعتراف بهذا الصدد، فيقول: “الحقيقة أن كل طائفة تؤوّل ما يخالف نحلتها وأصولها؛ والمعيار والمقياس عند كل طائفة فيما يقبل التأويل وما لا يقبل هو المذهب الذي اعتنقته، فكل ما يوافقه تثبته، وكل ما يخالفه تؤوّله” (ابن القيم، 1418: 34). على سبيل المثال: روى مسلم في صحيحه في باب فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام، عن سعد بن أبي وقاص، أن معاوية قال لسعد: “ما منعك أن تسب أبا تراب؟” (القشيري، بدون تاريخ: 4/1490). ولذلك، حاول شراح صحيح مسلم هنا تأويل هذه العبارة بأي طريقة كانت، وتحويلها عن ظاهرها، لكي لا يتم المساس بنظرية عدالة الصحابة. يقول النووي بعد ذكر هذه العبارة: “قال العلماء: الأحاديث التي يظهر فيها نقد وجرح على صحابي، يجب تأويلها”. ثم يذكر تأويلات حول هذه العبارة لا تتوافق مع ظاهرها ولا مع الحقائق التاريخية (النووي، 1407: 8/175).
نقطة أخرى مهمة هي أن ابن تيمية وقع في تناقض بشأن تأويل السلف، فهو أحياناً ينفي التأويل عن السلف، وفي مكان آخر يثبته (الهرري، 1428: 208). وكما نُقل عن بعض كبار الصحابة مثل ابن عباس أيضاً حالات من التأويل في القرآن (نفس المصدر: 178). ويورد القرطبي في تفسير الآية الثامنة من سورة الأعراف عن مجاهد والضحاك والأعمش من التابعين أنهم أخذوا “الوزن” بمعنى “العدل والقضاء” (القرطبي، 1364: 7/165). وكذلك الحسن البصري في آية: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر/22)، قدّر كلمة “أمر” فقال: “جاء أمر ربك…” (نفس المصدر: 20/55). وعلى هذا المنوال، يمكن تفسير الآيات الأخرى، مما يدل على أن ما قاله الظاهرية في تفسير الآيات محل النقاش بعيد عن الصواب، ولا وجه لمناقشتهم واختلافهم مع أهل التوحيد والتنزيه؛ كما أن حمل “القبضة” و”اليمين” و”الإصبع” على معنى الأعضاء والجوارح غير جائز.
النتيجة العملية لهذا الرأي هي السلوك العنيف وتصعيد الأحكام من قبل معتنقي السلفية. وقد أدى هذا المبدأ إلى جمود فكري في المسائل العقائدية والسياسية والعبادية والاجتماعية في السلفية. ورفض التأويل والتفسير في السلفية أدى إلى معارضة أي تفسير للقرآن؛ فليس لأحد أن يفسر القرآن على الإطلاق، حتى لو كان عالماً وأديباً ولديه معلومات واسعة في أدلة الفقه والنحو والأخبار والآثار، ويجب عليه الاقتصار على روايات النبي والصحابة والتابعين (الذهبي، بدون تاريخ: 1/183).
ب) التأكيد على النقل والرواية
من منظور المنهجية، تركز السلفية على النص، وتعود جذور فكرها إلى الحنابلة وأهل الحديث. أهل الحديث هم أقدم تيار نصي، يركز في تفسير القرآن على الحديث النبوي وأقوال الصحابة والتابعين. السمة الرئيسية لهؤلاء هي الاعتماد المفرط على النقل في منهج المعرفة، والظاهرية المفرطة في فهم وإدراك معنى ومقصود النصوص الدينية. مؤيدو منهج أهل الحديث أحياناً يسمون أنفسهم سلفيين وسلفية، ويركزون في تبيين المعارف الدينية، وخاصة تفسير آيات القرآن، على السنة والحديث، ويرون أن إدخال العقل في هذا الموضوع غير صحيح. وهم يعارضون بشدة العقلانيين وأهل الكلام، ودائماً ما يدخلون معهم في نزاع (البغدادي، 1424: 351-352).
لا شك أن نقلية أحمد بن حنبل ترتبط مباشرة بحديثيته؛ بعبارة أخرى، فإن النقلية في المنهج تؤدي إلى الحديثية في المعرفة. لم يكن أحمد يتبع النصوص والأخبار في فروع الدين فحسب، بل في الأصول أيضاً، وكان هذا الوضع في مواجهة رؤية المعتزلة الذين كانوا يمنحون العقل والتأويل مكانة عالية. ولم يكن أحمد يستخدم الرأي والقياس، وعند تعارض خبرين، لم يكن يلتفت إلى المرجحات، بل كان يجمع بينهما. ولهذا السبب، كان يصدر حكمين مختلفين في بعض الأحيان بسبب وجود خبرين حول المسألة. وبحسب ابن القيم: “إذا اختلف الصحابة في أمر، كان لأحمد بن حنبل فيه قولان” (ابن القيم، 1411: 1/29).
كان عبدالله، ابن الإمام أحمد بن حنبل، يقول عن أبيه: “الحديث الضعيف عندي خير من الرأي” (نفس المصدر: 88). وفي هذا المذهب أيضاً، بالإضافة إلى القرآن والسنة، أقوال الصحابة والتابعين حجة؛ وهم الذين – بحسب ادعاء السلفيين – فهمهم يفوق فهم جميع الأمة في العصور اللاحقة، وعلمهم بمقاصد النبي صلى الله عليه وسلم وقواعد الدين والشرع أكمل من علم جميع من جاء بعدهم أو سيأتي (هو، 1428: 159).
الحديثية المفرطة تؤدي في النهاية إلى النزاع مع الاجتهاد والرأي، وتؤدي إلى عداء العقل. ويقول أحمد: “لقد كان شديد المعارضة لأهل الرأي؛ أولئك الذين كانوا يجتهدون ويستنبطون الأحكام في الحالات التي لم يكن فيها نص صحيح موجوداً” (هو، 351-352). يقول محمد بن أحمد بن واصل المقري: سُئل أحمد عن الرأي (الاجتهاد)؟ فرفع صوته وقال: “لا يثبت شيء بالرأي أو الاجتهاد؛ عليكم بالقرآن والحديث والآثار (أقوال الصحابة والتابعين)” (نفس المصدر: 342).
في نظر السلفيين، فإن معظم الذين يخالفون نصوص الكتاب والسنة يحتجون بقياس فاسد أو نقل كاذب أو خطاب شيطاني، ويسمون القياس الفاسد بالعقل والضرورة، في حين أنه ليس عقلاً ولا ضرورة في الواقع، ويسمون النقل الكاذب نصاً وشرعاً، في حين أن الله والنبي لم يقولا به، وقد نسبوا كذباً إلى النبي، وليس هذا الواقع موجوداً في الواقع، ويسمون الخطاب الشيطاني إلهاماً وشهوداً ومكاشفة، في حين أنه من تزيينات وتنزيلات شيطانية (ابن تيمية، 1416: 13/64-68).
في نظرة السلفيين، كل ما أنزله الله وأبلغه النبي، كله موافق لعلم الله وإرادته. لذا، يجب على جميع الذين قبلوا الإسلام أن يصدقوا بها ولا يتساءلوا عنها. المهم هو أن تؤمن بهذه النصوص كما فعل العديد من الصحابة عندما وصلوا إلى آية أو لفظ في آية ولم يفهموا معناها، فتركوا الأمر إلى الله وسلموا، وآمنوا بالنص، بينما لم يفهموا معناه، وتركوا الأمر إلى الله ليفهمهم إياه (ابن تيمية، 1374: 333-380). بعبارة أخرى، من أهم الأمور التي توجد في ثنايا آثار السلفيين تبعاً للإيمان المحض بالكتاب والسنة هذه القاعدة: أنه في كل ما اختلف فيه وتنازع، سواء في الأصول أو الفروع، يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولرفع الاختلاف ومعرفة الحق والصواب، يجب جعل الكتاب والسنة هما المرجع (ابن تيمية، بدون تاريخ: 1/126). ويرى السلفيون أن الرد إلى الكتاب والسنة يعني الرجوع إلى كتاب الله لرفع الاختلاف، لذا إذا كان ذلك في القرآن، يجب الأخذ بكل ما يظهر من القرآن دون جدال، وإذا لم يكن في القرآن، فيجب الرجوع إلى سنة النبي، وبالتأكيد سيوجد شيء في السنة، سواء بنص أو بقياس وما شابه ذلك؛ لأن السلف ذموا الرأي والقياس الذي يخالف الكتاب والسنة، أما الرأي والنظر الذي لم يتضح موافقته أو مخالفته للكتاب والسنة، فيمكن العمل به عند الحاجة.
على سبيل المثال، يركز أحمد بن حنبل في المسائل الفرعية على ضرورة الإيمان والتسليم وعدم الاعتراض. ويقول في سياق حديث نزول الله إلى سماء الدنيا: “الأخبار المتواترة والآثار الصحيحة تؤكد أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة، فعليك أن تؤمن بذلك وتسلم ولا تعترض” (ابن حنبل، 1415: 20-21). ويقول ابن تيمية أيضاً عن مسألة مجيء الله المذكورة في آيات من القرآن، مثل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ (البقرة/211)، و: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر/22)، و: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (الأنعام/158): “حديث نزول الله إلى السماء الدنيا في كل ليلة من الأحاديث المعروفة التي ثبتت عند أهل الحديث، وقد روى مسلم في صحيحه حديث اقتراب الله في ليلة عرفة. ويقول: “أهل السنة متفقون على أن الله ينزل، ولكن لا يخلو العرش من الله بهذا النزول” (ابن تيمية، 1406: 1/262).
وفي سياق الآيات من الحادية عشرة إلى السادسة والعشرين من سورة المدثر، كفر ابن تيمية القائلين بحدوث كلام الله، وذكر أن كفر القائلين بحدوث كلام الله مشهور ومتواتر عن السلف (ابن تيمية، 1416: 21/281).
في مصادر أهل الحديث، جُمعت روايات كثيرة حول الصفات الخبرية مثل اليد والقدم والإصبع والصدر والوجه والضحك والصوت وكلام الله، وكلها تدل على تجسيم الله وتشبيهه، وقد جعلها علماء السلفية مصدراً ومبنى لتفسير العديد من الآيات القرآنية دون تمحيص عقلي لمحتواها (ابن قتيبة، 1393: 67). ابن قتيبة، أحد المدافعين الصريحين عن فكر الحشوية، يؤكد على جلوس الله على العرش فوق السماوات، ويكتب في تفسير: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة/255): “بعضهم يخاف من أن ينسبوا لله كرسياً أو سريراً، ويأولون العرش بشيء آخر؛ بينما العرب لا يعرفون للعرش معنى غير السرير، وكذلك يطلقون العرش على السقف الذي يُبنى والمظلة للآبار. وقد استخدم الله نفسه في القرآن العرش بمعنى السرير والسرير، فقال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي على عرش الملك (يوسف/100)” (ابن قتيبة، 1393: 67). سفيان بن عيينة من فقهاء أهل الحديث، كان يعتقد أن واجبنا تجاه الآيات التي تحتوي على الصفات الإلهية هو مجرد تلاوتها والصمت؛ وتفسير هذه الآيات هو هذا (البيهقي، 1401: 118).
النقد والتحليل
مما لا شك فيه أن الحديث، كطريق إلى السنة، يعد المصدر الثاني لمعرفة المعارف الإسلامية ومن أهم مصادر التشريع الفرعي، وتبيين الأصول وتفسير النصوص القرآنية، وقد حظي باهتمام الفقهاء والمتكلمين والمفسرين من مختلف الفرق الإسلامية، من الشيعة والسنة، والأشاعرة والمعتزلة، والإخبارية والأصولية، وغيرها، مع تفاوت في الشدة والضعف. ولكن كأول نقطة يجب القول: إن مذهب أهل الحديث، بالنظر إلى تاريخ الحديث ومكانة العقل والاجتهاد المعتبر، وهو الذي يثبت نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله، يواجه مشاكل جدية؛ ثانياً: فهم النصوص، ودلالة الأحاديث، ومحاولة رفع التعارضات بينها، قبل كل شيء، تحتاج إلى التعقل والتفكر. ومن ناحية أخرى، فإن إهمال العقل بشكل كامل، يعد مخالفة صريحة لآيات القرآن التي تأمر الناس بالتدبر والتعقل.
التأكيد المفرط على النقل والرواية يؤدي إلى كراهية السؤال في المسائل التي لا يوجد فيها حديث. كما حدث عندما سُئل مالك عن الآية الخامسة من سورة طه، فقال في رده: “استواء الله على العرش معلوم وكيفيته مجهولة؛ والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة” (ابن تيمية، 1416: 4/4، 17/373). وهذا يؤدي إلى عدم وجود مرونة في التفسير؛ بعبارة أخرى، فإن الفكر السلفي اشتهر بمواكبته الكاملة للماضي؛ لأن الفقه السلفي وفكره يقدمان إطاراً تشريعياً مطلقاً يتفوق على الزمان بأبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. وقد أدت هذه الخاصية إلى أن يفقد الفكر السلفي القدرة على الاستجابة المرنة لتغيرات العصر وتحدياته، وأن ينجذب نحو الماضي وخلافاته الكلامية وصلاحياته اللغوية (البُريدي، 2008: 50-51).
لقد كان هذا المذهب، بطريقة غير مباشرة، عاملاً في وضع الحديث أيضاً؛ لأن أتباع هذا المذهب كانوا يواجهون مسائل لا حصر لها لم يرد فيها نص، وبما أن أئمة هذا المذهب لم يعطوا قيمة للرأي، فقد لجأوا إلى وضع الحديث للخروج من هذا المأزق. ولهذا، انتشرت أحاديث موضوعة كثيرة في المجتمع (حجت: 1383: 100). بعبارة أخرى، أدى التركيز المفرط على الحديث إلى الاهتمام بالأحاديث الضعيفة والتساهل في شروط قبول الحديث وتقديمها على الرأي من جانب المحدثين. ويقول عبدالله، ابن أحمد بن حنبل: “سألت أبي: رجل يسكن في مدينة لا يجد فيها إلا محدثاً لا يستطيع تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، وأصحاب الرأي؛ إذا حدثت له مسألة، فماذا يفعل وإلى من يلجأ؟ قال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، فالحديث الضعيف أقوى من الرأي” (ابن القيم، 1411: 1/88). كما نسب ابن تيمية أن خبر الواحد يفيد العلم إلى جمهور العلماء ومنهم أبو حنيفة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد (هو، 1418: 62-63)، وتأثير حجية خبر الواحد في المباحث الاعتقادية والتفسيرية لا يمكن إنكاره.
ج) مخالفة العقلانية في التفسير
في مجال نظرية المعرفة، يقبل السلفيون فقط طريقة النقل، ويتجنبون العقل والحدس، ويعتقدون أن العقل والحدس لا يفعلان شيئاً سوى إظهار الباطل، وأن العقل لن يكون له أي فهم صحيح في باب الله والأمور الاعتقادية الأخرى. وفي نظرهم، يجب الرجوع فقط إلى الوحي والنقل (الكتاب والسنة وإجماع السلف)، والابتعاد عن العقلانيين والحدسيين؛ لأنهم يضلون الإنسان إلى الباطل. يعتقد السلفيون أنه لا تعارض بين العقل والنقل. وقد كتب ابن تيمية كتابه المعروف في درء تعارض العقل والنقل، والذي يدور محتواه كله حول أنه بما أن العقل ليس له طريق إلى فهم العوالم العلوية، فلا يمكن أن يتعارض فهمه أبداً مع النقل؛ بل العقل المقبول هو الذي يخدم دائماً تفسير الوحي، وإلا فإن ذلك العقل هو عقل يوناني لا يفعل شيئاً سوى البدعة.
يؤكد السلفيون أن الطرق العقلية ظهرت في الإسلام لاحقاً، ولم تكن معروفة في زمن الصحابة والتابعين بيقين. فإذا قلنا إن الطرق العقلية ضرورية لفهم العقائد، فإن معنى هذا القول هو أن السلف لم يفهموا العقائد فهماً صحيحاً ولم يدركوا أدلتها إدراكاً كاملاً. وفي هذا الصدد، يقول ابن تيمية: “يقولون لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يفهموا معنى الآيات التي أنزلت عليه لما فهم هو معنى كلامه من الأحاديث عن صفات الله، بل كان يقول كلاماً لا يعلم معناه” (ابن تيمية، 1995: 5/413). وللاستغناء عن العقل، يعتبر ابن تيمية عمل الصحابة مفسراً للكتاب والسنة. ويستند إلى طريقة أحمد بن حنبل، فيعتبر أي مخالفة لعمل الصحابة وتفسيرهم مخالفة للكتاب والسنة. ويرى ابن تيمية أنه لا يمكن لشيء أن يعارض الكتاب والسنة؛ لأن ما ثبت حقه – أي النصوص – لا يمكن أن يتعرض له العقل؛ العقل الذي فيه شك واضطراب (نفس المصدر: 155).
يعتقد صالح السرية، من قادة التكفير، أن أحد العوامل التي أدت إلى التعمق والتعمق في المسائل الدينية هي الأساليب العقلية. وقد دخلت الأساليب العقلية في فهم الكتاب والسنة إلى اللغة العربية بعد دخول الفلسفة اليونانية والهندية والفارسية؛ بينما كان الصحابة يقبلون المسائل الدينية بالإيمان والتسليم دون تعمق أو بحث (رفعت، 1991: 1/32). ويرى أن الملائكة والشياطين والجن تنتمي إلى عالم الغيب، وأن معرفة الإنسان لا تبلغها أكثر مما ورد في الكتاب والسنة. وأن النقاش في هذه المسائل خارج نطاق الكتاب والسنة باطل وعديم الفائدة وبدعة تستحق المحاربة (نفس المصدر: 34). وهو لا يقبل تفاسير الفقهاء والصوفية، لأنه يعتقد أنهم يذكرون أسراراً ورموزاً لآيات القرآن لا تتناسب مع ظاهرها. ويقبل التفسير الذي يعتمد على اللغة العربية البسيطة والأحاديث النبوية أو يتوافق مع فهم العصر الأول (نفس المصدر: 36). ويعتقد: “في التفسير الحقيقي للقرآن يجب الاعتماد على تطبيقات وفهم العصر الأول بسبب وصولهم إلى النقل الصحيح، ولهذا الغرض تفسير ابن كثير هو أفضل تفسير” (نفس المصدر).
جدير بالذكر أنه في نظر السلفيين، لا يصح أي من الأحاديث المتعلقة بفضل العقل، بل هي ضعيفة وموضوعة؛ كما أن “عبد الله بن باز (1910 – 1999م)، مفتي الوهابية السابق، على خلاف جميع الأدلة العقلية والتجريبية القطعية، لا يزال يؤكد على المعتقدات القرون وسطية المتعلقة بحركة الشمس وثبات الأرض، ويرى أن الاعتقاد بثبات الشمس وعدم حركتها كفر وضلالة” (ابن باز، 1402: 17). والمثير للدهشة أن “ناصر الألباني (1914 – 1999م)، في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة، أول حديث ردّه وأنكره وأعلن بطلانه هو: “الدين هو العقل ومن لا دين له لا عقل له”. ويؤكد في تتمة ذلك: “ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء وهي تدور بين الضعف والوضع” (الألباني، 1412: 52). ويعارض ابن تيمية في منهجه بشدة الفلسفة والمنطق، ويرى أنها كليات لا ثمرة لها ولا حقيقة وراءها (ابن تيمية، 1406: 122-147)، ومنذ أن انتشرت بين المسلمين، أدت إلى الإلحاد والزندقة (نفس المصدر: 261).
يشير شكري إلى العلم بـ “الفتنة”، ويصف العلم بأنه سبب التكبر والغطرسة والاستغناء عن البشر. ويرى شكري تفسير سورة العلق، التي نزلت أول مرة على النبي صلى الله عليه وسلم، بأنها تنظر إلى وتشرح مسار تشكل هذه الفتنة. ومن وجهة نظره، فإن الله في هذه السورة، باسمه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، يدعو العباد إلى تعلم أشياء تؤدي إلى عبادته: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، لكن العباد، بسبب فتنة العلم، انحرفوا عن العبادة وسلوك طريق الحق: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (رفعت، 1991: 2/123). ويصرح: “العلم الذي وضعه الله للبشر لكي لا يطغوا، والعلم الذي أوجبه النبي على كل مسلم، هو علم الآخرة، والمقصود منه عبادة الرب” (نفس المصدر: 2/124).
ابن تيمية، في سياق الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ …﴾ (الحج/52)، يتحدث عن أسطورة الغرانيق دون أن يتخذ خطوة في نقدها أو ردها (ابن تيمية، 1416: 21/281). وفي قصة هاروت وماروت، يذكر أحاديث تحكي عن سحر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من قبل اليهود.
النقد والتحليل
في مبحث مكانة العقل في القرآن، يطلب الله، على عكس فكر الأخباريين، من الناس استخدام عقولهم لفهم آيات القرآن والتكوين، ويذم من لا يستخدمها أو لا يستخدمها. كما أن ذكر العناوين في الأحاديث حول العقل كحجة باطنية، ورسول الحق، ووسيلة إدراك الخير، إلخ، يشير إلى أنه باستخدام العقل الصحيح، يصل الفرد إلى الهدف والحقيقة، ولا يخدعه أبداً. ولكن إنكار صلاحية الاستدلالات العقلية في المسائل العقائدية يؤدي إلى عدم إمكانية إثبات العديد من المسائل مثل لزوم معرفة الله وعدله… إلخ.
والجدير بالذكر أن استخدام الاستدلالات العقلية في التفسير يختلف عن حقيقة التفسير بالرأي الذي هو تطبيق آيات القرآن على هوى ورأي الشخص، دون الرجوع إلى القرائن العقلية والنقلية، وهو منهج مرغوب ومقبول عند العقلاء، ولم ينه عنه القرآن والروايات، بل تم التأكيد عليه وتأييده.
يمكن تلخيص بعض نتائج هذا التيار المعادي للعقل فيما يلي:
- تحكيم السنة غير المعتبرة على الآيات، وتطبيق الآيات على الروايات بطريقة خاطئة، والتمسك بالمتشابهات وعدم مراعاة أصل مرجعية المحكمات في تفسير الآيات المتشابهة، والاستناد دون ضابط إلى الروايات (مرجعية جميع الصحابة والتابعين وحتى تابعي التابعين).
على سبيل المثال، يقول الشيخ المعاصر السلفي ابن عثيمين: “لا شك أن طائفة من الصحابة سرقت وشربت الخمر وقذفت وزنت زناً محصناً وغير محصن، ولكن كل هذه الأعمال كانت مختفية إلى جانب فضائلهم ومحاسنهم، وقد أقيم الحد على بعضهم ككفارة لهم” (ابن عثيمين، 1413 ب: 2/292).
أوجد الوهابيون، برفضهم للعقل ومعتقداته، أجيالاً تعاني من التعصب الديني والعزلة، ولا تؤمن بدور العقل. وقد أدانوا الفلسفة والتيار العقلي المعتزلي، وكفروا الفكر الشيعي وغيره (البُريدي، 2008: 46).
هذا الفكر ملتزم بتحريم العلوم الغربية وتكفيرها، وسمته البارزة هي العزلة الحضارية والنظرة الضيقة إلى الأمور. على سبيل المثال، رفض الشيخ عبد العزيز بن باز، مفتي السعودية، كروية الأرض ودورانها حول الشمس، واستدل على حركة الشمس وثبات الأرض بأدلة نقلية وحسية!!! (ابن باز، 1402: 23-24). والجدير بالذكر أن جماعة السلفية التكفيرية، نظراً لعدم اعتبارها أحكام العقل في تفسير النصوص من جهة، والتساهل في قبول الأخبار من جهة أخرى، فتحت الباب أمام تدخل الروايات الضعيفة والمردودة في التفسير. cite_start.
د) إنكار استعمال المجاز في القرآن
إذا استُعمل اللفظ في غير المعنى الذي وُضع له في عرف التخاطب، فهو مجاز، وهذا الاستعمال يكون لوجود مناسبة بين المعنى الحقيقي والمجازي، ويكون الاستعمال المجازي مصحوباً بقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي (السيوطي، 1411: 2/90).
توجد ثلاث وجهات نظر مختلفة حول العلاقة بين اللفظ والمعنى في فهم وتفسير وتأويل وعلم دلالة القرآن الكريم بين المفسرين المسلمين. وبما أن فهم معنى أي نص يعتمد على معرفة الأركان الثلاثة “الكلام” و”المتكلم” و”المخاطب”، فقد تشكلت هذه المناهج الثلاثة بناءً على كيفية ارتباطها بهذه العناصر الثلاثة، وهي: 1. النصية الظاهرية. 2. الابتعاد عن القواعد الظاهرية. 3. التأويل العقلاني (توكلي وفقهي زاده، 1394: 54). السلفية تتبنى المنهج الأول، وتنكر وجود المجاز في القرآن، وتقول إن معنى جميع ألفاظ القرآن وألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم واضح وجلي، ولا يوجد فيها مجاز، وتعتقد أن كل كلمة وردت في القرآن يراد بها معناها الحقيقي. وبناءً على هذا المنهج، فإن ظاهر اللفظ هو السبيل الوحيد للكشف عن المعنى، ولا يمكن معرفة المعارف الدينية إلا من خلال ظواهر النصوص. وهذا المنهج عملياً ينفي أي تعمق وتدبر في النصوص الدينية. ويعتبر “الظاهرية” أتباع هذا الاتجاه، وهم معروفون اليوم بشكل أساسي ضمن التيار الفكري “السلفي”، ومن علمائهم ابن تيمية (نفس المصدر). يرى ابن تيمية أن تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز هو أمر حادث وبدعي. فلم يقسم أهل اللغة وعلماء السلف الكلام إلى حقيقة ومجاز، ولم يعتقدوا بهذه المسألة (ابن تيمية، 1995: 7/97-98). ولو قلنا بالمجاز في اللغة، فلا يوجد مجاز في القرآن.
يرى ابن تيمية أن اللفظ الذي يستخدم في معنيين أو أكثر لا يخرج عن ثلاث حالات: إما أن يكون حقيقة في أحدها ومجازاً في البقية، أو حقيقة في كلها على سبيل الاشتراك اللفظي، أو حقيقة في قدر مشترك بينها، وفي هذه الحالة هو من الأسماء المتواطئة (المشتركة المعنوية). وبما أن المجاز والاشتراك اللفظي خلاف الأصل، فإن الألفاظ التي تستخدم في أكثر من معنى هي كلها أسماء متواطئة، وجميع الأسماء العامة من هذا القبيل (ابن تيمية، 1416: 7/97-98). ويفسر ابن تيمية مواضع من آيات القرآن التي ادعي فيها المجاز بهذا البيان ومن باب الاشتراك المعنوي. في الواقع، هذا الاعتقاد نابع من ظاهرية ابن تيمية، ويريد بهذا الكلام أن يبرر عدم تأويل آيات صفات الله. وفي رأيه، لفهم الألفاظ الواردة في القرآن والحديث، يجب الرجوع إلى موارد استعمال نظائرها في القرآن والحديث، وعادتهم ولغتهم، ولا ينبغي حملها على عادات التخاطب التي حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن معروفة في زمنه وأصحابه (نفس المصدر: 100).
ابن القيم في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، تحدث عن المجاز بالتفصيل، وسماه “الطاغوت الثالث”. كلام ابن القيم عن المجاز يشبه كلام أستاذه ابن تيمية، لكن مسألة تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز، هي مسألة حادثة عند ابن تيمية. ويقيم ابن القيم في البداية أكثر من خمسين دليلاً على رد المجاز، ثم يتحدث بالتفصيل عن حالات من القرآن والحديث التي ادعي فيها المجاز، وينقض كل واحدة منها بأدلة متعددة (ابن القيم، 1418: 271-338). ويرى ابن القيم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز لا يخرج عن أربع حالات: إما أن يكون هذا التقسيم عقلياً أو شرعياً أو لغوياً أو اصطلاحياً. ويبطل الاحتمالات الثلاثة الأولى، ويذهب إلى أن هذا التقسيم اصطلاحي حدث بعد القرون الثلاثة الأولى، وكان مصدره المعتزلة والجهمية والمتكلمين المتأثرين بهم (نفس المصدر: 271-273).
لا يقبل ابن تيمية المجاز في الحذف، ويرى في أمثلة مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف/82) أن “القرية” تشمل كلاً من البناء وسكانه، ولا يلزم تقدير كلمة “أهل”؛ كما هو مشهور عند القائلين بالمجاز (ابن تيمية، 1416: 7/102-103).
ويرى الشنقيطي أن استخدام “القرية” وإرادة “أهل القرية” في مثال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ هو من أساليب اللغة العربية، كما أن تغيير الإعراب عند الحذف – بافتراض أن مضافاً قد حذف في ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ – هو من أساليب اللغة (الشنقيطي، بدون تاريخ: 10/35-36). وفي مثال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ cite_start يقول: العرب تستخدم “مثل” وتريد به الذات، وهذا أيضاً أسلوب من أساليب اللغة العربية (نفس المصدر: 36). ويقول أيضاً: العرب تستخدم “خفض الجناح” وهو كناية عن التواضع واللين، وهو أسلوب معروف (نفس المصدر: 38). ويعد أيضاً إسناد صفات الذات إلى بعض أعضاء الذات، مثل إسناد “الكذب” و”الخطيئة” إلى “الناصية” في سورة العلق (16)؛ أو إسناد “الخشوع” إلى “الوجوه” في سورة الغاشية (2)، من أساليب اللغة العربية (نفس المصدر: 40). ويقول أيضاً: إن نفي بعض الحقائق باعتبارها غير مفيدة – مثل قولهم عن الشيء القليل الفائدة “ليس بشيء” – هو أسلوب من أساليب اللغة العربية. (نفس المصدر: 48).
النقد والتحليل
اللغة العربية، كأي لغة أخرى، مليئة بالتعبيرات المجازية والكنائية والرمزية؛ والعربي الفصيح في محاوراته يستخدم جميع فنون الفصاحة والبلاغة والبديع. ولذا، فإن وجود الاستعمالات المجازية في لغة القرآن والحديث أمر طبيعي تماماً، بل لا مفر منه. ولهذا، فمن الطبيعي أن معاني الكلمات في اللغة العربية لا تقتصر على معانيها الأصلية، بل توسعت معانيها، كغيرها من اللغات، من خلال “المجاز” (فقهي زاده، 1389: 360-363). ومن الأمثلة على التعبيرات الكنائية المعروفة جداً في اللغة العربية، تعبير “اليد” و”القبضة” عن القدرة والعطاء وما شابه ذلك. وبناءً على ذلك، فإن تفسير “اليد” في الاستعمال القرآني بـ “اليد” ومعانيها المتناسبة لا يعتبر تأويلاً؛ على سبيل المثال، في الآية 29 من سورة الإسراء، المراد من “بسط يد” هو العطاء الكثير، والمراد من “غل يد” هو الامتناع عن العطاء والبخل والإمساك، ومعظم المفسرين متفقون على هذا المعنى. ولذا، يمكن القول إن المراد من ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ في الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ هو الامتناع عن الإنفاق والبخل، والمراد من “بسط يد” هو العطاء والكرم. إضافة إلى ذلك، فإن العبارة الأخيرة من الآية ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ترتبط بالآية محل البحث وتناسبها، وتدل على كرم الله وعطائه، وكما قال الزمخشري، العطاء. والمقصود من الآية ليس إثبات “اليد” و”الغل” و”البسط”، بل التنبيه على البخل و [من الزمخشري، 1407: 1/628]. وكذلك في الآية الشريفة: ﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ (التوبة/67)، جاء تعبير “قبض يد” في بيان بخل المنافقين، ومن الواضح أن المقصود من “قبض يد” ليس إغلاق الأصابع، بل بمعنى البخل والامتناع عن العطاء في سبيل الله، وفي المقابل، يستخدم تعبير “بسط يد” الذي يدل على كمال العطاء، على الرغم من أن البعض قد يستدل بآيات لم يرد فيها “بسط يد”، مثل: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران/26)، و ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (المؤمنون/88)، و ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران/73). وقد يقال إن “اليد” وردت على إطلاقها، لكن القرآن نفسه يرشدنا في هذا الصدد: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة/237). ومن الواضح أن “عقدة النكاح” ليست عقدة محسوسة تكون في يد أحد، بل المقصود بها أن أمر الزواج بيد من أشارت إليه الآية.
فيمكن القول أولاً: أن القول بأن المجاز والاشتراك اللفظي خلاف الأصل هو قول صحيح، ولكن النتيجة التي يخلص إليها ابن تيمية – وهي أن الألفاظ التي تستخدم في أكثر من معنى، هي كلها أسماء متواطئة – خاطئة؛ لأن سيرة العقلاء والعرف منذ البداية كانت على هذا النحو، أنه في حال وجود قرينة صارفة قوية، وكان هذا خلاف الأصل أوقع في النفوس، وكان له ميزة، ويدعمه دليل، في هذه الحالة، يفضل خلاف الأصل، والناس في جميع أنحاء العالم في محاوراتهم يعملون بهذه الطريقة، بل يعتبرونها نوعاً من الفن والامتياز. ثانياً، يعتبر أحمد بن حنبل “المعية” في الآية: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه/46)، و: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء/15)، مجازاً لغوياً، ويصرح بالمجاز (ابن حنبل، 1393: 18).
من المؤيدات التي يمكن الاستناد إليها في القول بالمجاز هو النقد الذي وجهه القرآن نفسه للفهم الظاهري لليهود. فبعد نزول آيات تدعو المؤمنين إلى إقراض الله قرضاً حسناً، فهم اليهود هذه الآيات فهماً ظاهرياً وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. وفي تتمة ذلك، هدد الله اليهود على قولهم وأفعالهم الأخرى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (آل عمران/181). ولو كان فهمهم الظاهري لآية القرض الحسن مبنياً على أن الله فقير صحيحاً، لما كان هناك وجه لتهديدهم بسبب هذا القول. ولذلك، من هذا التهديد يتضح أن المراد من القرض الحسن لله ليس معناه الظاهري، بل يجب فهمه على نحو مجازي. ولذلك، لإثبات المجاز يمكن الاستعانة بآيات القرآن نفسها (أبوزيد، 1412: 282).
كذلك، فإن رأي السلفية في وضع الألفاظ قابل للنقد. يجب أن نعلم أن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، ونحن نفهم الحقيقة والمجاز بعد الاستعمال. فإذا استُعمل لفظ في معنى، ثم استُعمل ذلك اللفظ بدون قرينة، علمنا أنه حقيقة، وإذا استُعمل مع قرينة، علمنا أنه مجاز (الراغب، 1379: 85).
إضافة إلى ذلك، في دراسة آثار ابن تيمية، توجد حالات ينقض فيها كلامه في المجاز، فمثلاً: ﴿وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ لِصَاحِبِهِ فِي الْغَارِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة/40). “كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد” (ابن تيمية، 1995: 7/40). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾. قيل: حبل الله هو دين الإسلام، وقيل: القرآن، وقيل: عهده، وقيل: طاعته وأمره، وقيل: جماعة المسلمين، وكل ذلك حق (نفس المصدر: 5/104). وقد نقل عن بعض كبار الصحابة، مثل ابن عباس، التصريح بالمجاز في القرآن (الهرري، 1428: 210).
هـ) التعامل الانتقائي مع الآراء المخالفة
تيارات التكفير، بالاعتماد المفرط على النقل والتمسك بظواهر بعض الآيات، دون الأخذ في الاعتبار الآيات المفسرة لها، وأحياناً بتفسير انتقائي لآيات القرآن، تتهم الآخرين بالشرك والبدعة. ويعد أحد الكتاب السلفيين في كتاب “منهج محمد بن عبد الوهاب في التفسير”، بعد ذمه التفسير بالرأي، تفاسير التيار السلفي الوهابي لابن عبد الوهاب من نوع التفسير بالرأي المحمود (الحسيني، بدون تاريخ: 96)، في حين أن التفسير بالرأي، أياً كان نوعه، مرفوض، ويجب الانتباه إلى أن التفسير بالرأي يختلف عن الاجتهاد المنضبط في التفسير والطريقة العقلية في التفسير.
ابن تيمية، مؤسس الفكر والعقيدة السلفية، بسبب تحيزه الباطل بأن الشيعة جماعة منحرفة وبدعية، يطعن في كل ما يتعلق بعقائد الشيعة، حتى لو كان محتواه موافقاً لآيات القرآن الكريم وصريح الروايات المعتبرة. وذكر أمثلة من محاولات ابن تيمية في هذا الصدد يدل على أنه لم يكن يسعى إلى كشف الحقيقة، بل كان يسعى إلى إثبات آرائه ورفض آراء المخالفين. ولكي يثبت أن المراد من “القربى” في آية المودة ليس أهل البيت خاصة (علي، فاطمة، الحسنان عليهم السلام)، ذكر أدلة تخالف تماماً تفسير السلف الصالح لتلك الآية. ومن ضمن أدلته التشكيك في صحة الأحاديث المتعلقة بمكية سورة الشورى، وتفسير “القربى” بجميع الأقارب والأرحام، واستثناء المنقطع في الآية، وما شابه ذلك، وقد رد عليه العلامة الأميني وغيره ردوداً قوية ومفصلة (القزويني، 1424: 188-197). وكما في تفسير آية التطهير، يقول صراحة إن هذه الإرادة لم تكن ضرورية وحتمية. بينما تشير القرائن والشواهد الداخلية للآية إلى أن الإرادة الإلهية لضمان وحماية بعض العباد من الخطأ والرجس كانت قطعية وحتمية (نفس المصدر: 181-185). ربما يكون أحد الأسباب التي جعلته يتناول تفسير الآيات بشكل انتقائي هو أنه لم يكن يسعى إلى تفسير آيات القرآن، بل كان يسعى إلى إيجاد عقائده الخاصة في القرآن ورفض آراء المخالفين. وكتاباه مجموع الفتاوى ومنهاج السنة مليئان بهذه الأمثلة.
يُعدّ السلفيون تفسير ابن جرير الطبري أفضل التفاسير وأكثرها قيمة، لكونه ينقل آراء السلف ويتمسك بها (الذهبي، بدون تاريخ: 1/208). ومع ذلك، فإن الطبري في تفسيره يروي مراراً عن التابعين، ويروي أيضاً روايات كثيرة عن أهل الكتاب؛ ولكن في فكر السلفيين، وبما أن التابعين مصونون من النقد، وبحسب قولهم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نقل الحديث عن بني إسرائيل: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”، فإن ذلك لا يضر بتفسير ابن جرير الطبري؛ على الرغم من أن قبول هذا الحديث، على الأقل في نطاق إطلاقه، سيكون صعباً جداً؛ ولكن بما أن هذه الأمور لها جذور في روايات السلف، فإن ذلك ليس ضعفاً في تفسيره، بل نقطة قوة. وبعد تفسير الطبري، يأتي تفسير ابن كثير في المرتبة الثانية عند السلفيين؛ لأنه، بحسب الذهبي، “يهتم ابن كثير بشكل خاص بذكر الروايات عن المفسرين، ويتحدث عن الجرح والتعديل حيثما اقتضت الحاجة” (الذهبي، بدون تاريخ: 1/441).
على أي حال، فإن السلفيين، في مقابل هذا المنهج الإيجابي تجاه التفاسير التي تورد أقوال السلف، يعتبرون أي نوع من التفسير لا يبنى على منهج السلف تفسيراً بالرأي ومضللاً. ويصف ابن القيم تفسير المعتزلة بأنه حمل معاني الآيات على الآراء بدلاً من حمل الآراء على معاني الآيات، ويرى أن جذور ذلك تكمن في ابتعاد المعتزلة عن آراء السلف (ابن القيم، 1411: 1/78). ومن السلفيين المعاصرين “الدكتور الذهبي” في كتاب التفسير والمفسرون، الذي استمد خطوط تفكيره الأساسية من ابن تيمية، يكتب متابعاً له: “الذين ينصرفون عن مذاهب الصحابة والتابعين في التفسير يقعون في أخطاء كثيرة، ويفسرون القرآن برأيهم وهواهم” (الذهبي، بدون تاريخ: 1/282).
في هذا البحث، نكتفي بذكر بضعة أمثلة من التفاسير الشخصية والانتقائية للآيات والروايات من قبل كبار قادة السلفية التكفيرية.
ابن تيمية، مع أنه عد تفسير محمد بن جرير الطبري من أصح التفاسير التي أوردت أقوال السلف بأسانيد صحيحة، إلا أنه لا يقبل أحاديث أوردها الطبري بأسانيد مختلفة. على سبيل المثال، في سياق الآية: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد/7)، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الآية: ﴿تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة/12): “أُذنك يا علي”. ويعتبر ابن تيمية هذا الحديث، بإجماع أهل العلم، مكذوباً وموضوعاً (ابن تيمية، 1406: 7/71). وفي شأن نزول الآية: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد/7)، يعتبر رواية “إنه علي” موضوعة، ووجوب تكذيبها ورفضها (نفس المصدر).
ابن كثير في سياق الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة/207)، لم يذكر الروايات المخالفة لرأيه، بل نقل روايات أخرى، ثم قال في النهاية: “أكثر الناس حملوا هذه الآية على كل مجاهد في سبيل الله” (ابن كثير، 1419: 1/421).
الآلوسي في تفسير الآية: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة/15)، بعد كلام طويل وعنيد، يقول: إن إضافة الطغيان إلى ضميرهم هي لكون هذا الفعل صدر منهم، ولكنه نشأ من قوة وهبها الله لهم، وتأثر بإذنه وإرادته؛ ولذلك، فإن التخصيص الذي يتحقق بالإضافة يكون لهذا السبب، وليس لمحل الصدور وأصل الاتصاف؛ لأن مفهوم الطغيان واضح ولا يحتاج إلى إضافة، وهذه الإضافة ليست لاعتبار وجود استقلال من جانب الفاعل لكي لا يحتاج إلى إذن القادر المتعال؛ لأن مثل هذا الاعتبار غير صحيح ومليء بالغبار. لذا، لا تخف من تعديل الزمخشري (الآلوسي، 1415: 1/148).
ابن عثيمين، الشيخ السلفي والتكفيري، في مقدمة تفسيره، يكتب: “مشاهير الصحابة هم الخلفاء الأربعة، إلا أن الخلفاء الثلاثة الأوائل، لانشغالهم بأمر الخلافة وعدم حاجتهم إلى النقل لكثرة المفسرين، رويت عنهم تفاسير قليلة جداً. ثم في تعريف مكانة ومنزلة الإمام علي عليه السلام، يستشهد بالحديث المعروف: “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي” (البخاري، 1401: 4416؛ القشيري، بدون تاريخ: ح 6218)، ويقول: “الرسول لم يجعله خليفة إلا في غزوة تبوك حيث جعله خليفته على أهله؟!” (ابن عثيمين، 1413 أ: المقدمة). وسيدرك القارئ الفطن أن هذا التفسير لا يتوافق أبداً مع ذيل الحديث الذي يقول: “إلا أنه لا نبي بعدي”، الذي يدل بوضوح على خلافة تامة له عليه السلام إلا في النبوة.
يشرح ابن عثيمين معتقده حول جميع الصحابة، ويقول: “كلام الصحابة بعد القرآن وكلام النبي مرجع لفهم وتفسير الآيات؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، والأهم من ذلك، أنهم جميعاً أصدق الناس في طلب الحق بعد الأنبياء!” ومن البديهي أن هو نفسه يعلم أن بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أناساً مثل خالد بن الوليد، والوليد بن عقبة، و… كانوا موجودين، وهذا كلامه مبالغ فيه جداً أكثر من تعديل جميع الصحابة (نفس المصدر).
النقد والتحليل
فهم القرآن الكريم والسنة النبوية، بوصفهما أهم مصادر التشريع الإسلامي، أمر منهجي وله ضوابطه الخاصة. ولذلك، فإن الاستناد إلى آيات القرآن والروايات دون ضابط محدد ودون استخدام منهج صحيح، ومجرد التعصبات الطائفية، يعد مصداقاً بارزاً للتفسير بالرأي وهو أمر مذموم جداً.
ونتيجة لهذا التعصب، أولاً: ستكون تفاسير الصحابة والتابعين ذات حجية خاصة، وثانياً: ستكتسب التفاسير الأخرى حدوداً وتقييمات خاصة، وهذا يؤدي في المرتبة الأولى إلى التستر على الحقائق، ثم الحكم بالضلالة والبدعة على التفاسير التي ترد فيها روايات من السلف تتحدى بطريقة ما المبادئ الكلامية للسلفيين، وقد أشير إلى مثال على ذلك في المواضيع السابقة. ولكن في طبعة أخرى من نفس الكتاب (دار الكتب العلمية، 1415)، حُذف الحديث المذكور، غافلاً عن أن الآلوسي بعد هذا الحديث، ذكر حديثاً غير مستند “أصحابي كالنجوم”، وتناول شرح حديث السفينة، الذي يشهد على الحذف المتعمد لحديث السفينة. ومن تأثيرات هذا الرأي تفسير الأحداث القائم على المؤامرة وسيطرة هذا الفكر القائم على المؤامرة على تفسير وتحليل السلفيين للأحداث. فالسلفية تفسر جميع الأحداث الجارية في العالم في ضوء المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين؛ وتعتبر جميع الآراء الأخرى مثل المصالح السياسية والعلاقات الدولية غير معتبرة. وقد دعا ضيق أفق الفكر السلفي إلى التعامل مع الحداثة كأسلوب جديد في الحرب ضد الإسلام. وفي هذا الإطار الفكري، صدرت مجموعة من المؤلفات التي تهاجم الحداثة وتحذر منها بشدة (عارضي، 1434: 147-143).
تحريف المصادر الروائية والعبث بها هو من عيوب هذا المنهج التفسيري الأخرى. فإحدى الطرق التي يستخدمها التيار السلفي عندما يعجز عن التحريف المعنوي لإضفاء المصداقية على نفسه، هي التحريف اللفظي والعبث بالمصادر الأصلية بأشكال مختلفة. على سبيل المثال، روى الآلوسي في روح المعاني حديث السفينة على النحو التالي: “مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق” (الآلوسي، بدون تاريخ: 13/32).
البحث والنتائج
من أهم مباني التفسير السلفي التكفيري هو التمسك بظاهر نصوص القرآن والسنة ومخالفة التأويل. فهم يعتمدون على المعنى الظاهري للنصوص الدينية، وبغض النظر عن أي تفسير أو تأويل، يبررون أنشطتهم وأحكامهم الشرعية وواجباتهم. وهم يؤكدون على النقل ويعارضون العلم والمعرفة الحديثة، وكذلك وجود المجاز في القرآن، الأمر الذي ينكره معظم علماء القرآن، ويعتقدون أن القادة التكفيريين أنفسهم وقعوا في التناقض. فالتيارات التكفيرية، بالاعتماد المفرط على النقل والتمسك بظواهر بعض الآيات، دون الأخذ في الاعتبار الآيات المفسرة لها، وأحياناً بتفسير انتقائي لآيات القرآن، تفرض تفسيرها الخاص على القرآن وتتهم الآخرين بالشرك والبدعة.
المصادر
- ابن تيمية، أحمد (بدون تاريخ). اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم. تحقيق ناصر بن عبد الكريم. رياض: مكتبة الرشد.
- ابن قيم الجوزية، م (1411هـ). إعلام الموقعين عن رب العالمين. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.
- (1428هـ). الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. جدة: مجمع الفقه الإسلامي.
- (1418هـ). مختصر الصواعق المرسلة. بيروت: دار الفكر.
- ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمرو (1419هـ). تفسير القرآن العظيم (ابن كثير). الطبعة الأولى. تحقيق محمد حسين شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون.
- ابن منظور، م (1405هـ). لسان العرب. قم: نشر أدب الحوزة.
- أبوزيد، نصر حامد (1412هـ). الخطاب الديني رؤية نقدية نحو إنتاج وعي علمي بدلالة النصوص الدينية. بيروت: دار المنتخب العربي.
- الآلوسي، سيد محمود (بدون تاريخ). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. تحقيق أبي الثناء شهاب الدين البغدادي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- الآلوسي، سيد محمود (1415هـ). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم. الطبعة الأولى. تحقيق علي عبد الباري عطية. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الألباني، محمد ناصر الدين (1421هـ). سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة. الطبعة الأولى. رياض: دار النشر مكتبة.
- ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (1393هـ). تأويل مختلف الحديث. بيروت: دار الجيل.
- (1408هـ). التفسير الكبير.
- (1406هـ). منهاج السنة. المدينة: جامعة محمد بن سعود.
- (1411هـ). درء تعارض العقل والنقل. المدينة: نشر جامعة محمد بن سعود.
- (1412هـ). العقيدة الواسطية. تحقيق محمد بن عبد العزيز بن مانع. رياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث والإفتاء.
- (1995م/1416هـ). مجموع فتاوى ورسائل. تحقيق عبد الرحمن بن محمد. السعودية: مجمع الملك فهد.
- (1374هـ). مجموعة التفسير. شيخ الإسلام ابن تيمية. بومباي: [ناشر غير معروف].
- (1413ب). مجموع فتاوى ابن عثيمين. السعودية: دار الوطن.
- ابن حنبل (الشيباني)، أحمد (1415هـ). أصول السنة ضمن عقائد أئمة السلف. المحقق فواز أحمد زمرلي. بيروت: دار الكتاب العربي.
- (1393هـ). الرد على الزنادقة والجهمية. تحقيق محمد حسن راشد. القاهرة: المطبعة السلفية.
- ابن فارس، الف (1404هـ). معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام محمد هارون. [مكان غير معروف]: مكتبة الإعلام الإسلامي.
- الذهبي، محمد حسين (بدون تاريخ). التفسير والمفسرون. [مكان غير معروف]: مكتبة الوهبة.
- البخاري، محمد (1401هـ). صحيح البخاري. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
- الرازي، فخر الدين (1993م). أساس التقديس. مقدمة محمد العريبي. بيروت: دار الفكر اللبناني.
- البريدي، عبد الله (2008م). السلفية والليبرالية اغتيال الإبداع في ثقافتنا العربية. الطبعة الأولى. المغرب: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
- الراغبي، محمد علي (1379هـ.ش.). نقد دیدگاه سلفیه درباره مجاز در قرآن. صحيفة مبين، العدد 24.
- البغدادي، عبد القاهر (1424هـ). الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية. بيروت: دار المعرفة.
- رفعت، سيد أحمد (1991م). النبي المسلح. لندن: رياض الريس للكتب والنشر.
- بن باز، عبد العزيز (1402هـ). الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب. الطبعة الأولى. رياض: مكتبة الرياض الحديثة.
- الزمخشري، محمود (1407هـ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الكتاب العربي.
- البيهقي، أحمد بن الحسين (1401هـ). الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث. بيروت: دار الآفاق الجديدة.
- السيوطي، عبد الرحمن (1411هـ). الإتقان في علوم القرآن. بيروت: مؤسسة الأعلمي.
- توكلي، نرجس؛ فقهي زاده، عبد الهادي (1394هـ.ش.). “رويكردهای معنايی به وقوع مجاز در متون روايی و تأثير آن در فهم و ترجمه صحيح روايات”. مجلة “مطالعات فهم حديث”: السنة العاشرة، العدد الثاني (المتوالي 20)، ربيع وصيف 1403 هـ.ش.
- الشنقيطي، محمد أمين (بدون تاريخ). منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز. طبع في أضواء البيان.
- حجت، هادي (1383هـ.ش.). “أصحاب حديث، حديثگرایی و حديثزدگی”. فصلنامه علوم حديث، السنة التاسعة، العدد 4، متوالي 9834.
- العارضي، إحسان (1434هـ). جدل الحداثة وما بعد الحداثة في الفكر الإسلامي المعاصر. الطبعة الأولى. [مكان غير معروف]: مؤسسة مثل الثقافية.
- الحسيني، مسعد بن مساعد (بدون تاريخ). منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التفسير. المدينة: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
- العثيمين، محمد بن صالح (1417هـ). القول المفيد على كتاب التوحيد. رياض: دار ابن جوزي.
- الفراهيدي، خ (1409هـ). كتاب العين. تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة دار الهجرة.
- (1404هـ). عقيدة أهل السنة والجماعة. رياض: دار الوطن للنشر.
- (1413هـ.أ). تفسير ابن عثيمين. رياض: دار الثريا.
- فقهي زاده، عبد الهادي (1389هـ.ش.). علامه مجلسی و فهم حديث. قم: بوستان كتاب.
- فقهي زاده، عبد الهادي (1385هـ.ش.). “مجلسی و تاویل روایات”. پژوهش زبانهای خارجی، العدد 2.
- القرطبي، محمد بن أحمد (1364هـ.ش.). الجامع لأحكام القرآن. الطبعة الأولى. طهران: انتشارات ناصر خسرو.
- القزويني، محمد حسن (1424هـ). الإمامة الكبرى والخلافة العظمى. بيروت: دار القاري.
- القشيري النيسابوري، مسلم (بدون تاريخ). صحيح مسلم. بيروت: دار الفكر.
- المغراوي، محمد (1420هـ). المفسرون بين التأويل والإثبات. بيروت: الرسالة.
- النووي، محي الدين بن شرف (1407هـ). صحيح مسلم بشرح النووي. بيروت: دار الكتاب العربي.
- الهرري، عبد الله (1428هـ). المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد ابن تيمية. بيروت: شركة دار المشاريع.