الملخص
يتناول كتاب «الغلوّ: مدخل إلى أفكار وعقائد الغلاة في الدين» من تأليف نعمة الله صالحي نجف آبادي، مباحث تدور حول تاريخ نشأة تيار الغلو، والشخصيات والأحداث المؤثرة، ودراسة نماذج من الروايات المشكوك في غلوها. وقد سعى المؤلف في هذا الكتاب إلى بيان شدة تغلغل الغلاة في التراث الإسلامي من خلال عرض نشاطات أشخاص مثل أبي الخطاب، وتحذير القراء من المضامين الغالية فيه؛ ولكن لا بد من القول بأنه قد وقع في زلات في هذا المسار؛ من قبيل عدم الاهتمام الكافي باعتبار وكمية الأحاديث المشابهة وتأثير طرق تنقيح الأحاديث في دفع الأضرار المحتملة. يقدم صالحي نجف آبادي في دراسة بعض الوقائع استنتاجات لا يمكن استخلاصها من تلك الوقائع أساساً، والتقارير التاريخية إما ساكتة عن ذلك، أو أن ما يذكره لا يعدو كونه احتمالاً واحداً إلى جانب احتمالات أخرى دون وجود دليل قطعي على إثباته. ومع أن بعض انتقاداته على طائفة من الأحاديث يمكن قبولها، إلا أنه في موارد مثل علم الإمام الحسين (ع) بشهادته، ومعنى أمية النبي الأكرم (ص)، وعدد آيات القرآن الكريم، قد وصف روايات بأنها غالية ومن نتاج تلاعب الغلاة، مع أنه أولاً لا يوجد دليل كافٍ على وصفها بالغلو، وثانياً، ليس مضمونها منحصراً في تلك الرواية أو ذلك الراوي بعينه حتى يمكن رد المضمون برده.
۱. طرح المسألة
تُعَدُّ دراسة الغُلُوّ والمضامين الغالية من الموضوعات المهمة في مجموعة الأبحاث الحديثية، وقد حظيت باهتمام جاد للدور الذي يمكن أن تلعبه في تحريف العقائد والمعتقدات (للاطلاع على دور الغلو في تضعيفات علم الرجال، انظر: الحسيني الشيرازي، ۱۳۹۸ش، ۳۹۳-۴۱۷). وفي هذا السياق، عمد البعض، سواء عن قصد أو عن غير قصد، إلى نسبة عدد من عقائد الغُلاة إلى الشيعة، ووجهوا اتهامات كثيرة للأئمة (ع) وشيعتهم؛ في حين أن أئمة الشيعة قد نبذوا الغلاة بأشكال مختلفة (في هذا المجال، انظر: صفري، ۱۳۹۱ش، ۱۵۲-۱۶۹).
منذ بداية ظهور الفرق الغالية، كُتبت الكتب والرسائل في الرد على الغلاة من قبل أصحاب الأئمة (ع) وعلماء الشيعة وبعض علماء أهل السنة (للاطلاع على نماذج من هذه الموارد، انظر: الطهراني، ۱۴۰۸ق، ۱۰: ۲۱۲-۲۱۴، الأرقام ۵۸۵-۵۹۹؛ ابن النديم، ۱۴۱۷ق، ۲۷۳؛ النجاشي، بي تا، ۵۸، الرقمين ۱۳۶-۱۳۷، ۶۴، الرقم ۱۴۸، ۶۹، الرقم ۱۶۶، ۷۴، الرقم ۱۷۸، ۱۷۷، الرقم ۴۶۷، ۲۵۳، الرقم ۶۶۴، ۳۵۴، الرقم ۹۴۸؛ الطوسي، الفهرست، ۱۲، الرقم ۳۶، ۴۶، الرقم ۱۵۰، ۵۸، الرقم ۲۲۰، ۱۲۴، الرقم ۵۵۲؛ صفري، ۱۳۹۱ش، ۱۹). ومن أقدم ما كُتب من قبل الشيعة في بيان عقائد الغُلاة وهو متاح اليوم، يمكن الإشارة إلى «فرق الشيعة» للنوبختي، و«المقالات والفرق» للأشعري القمي، و«بيان الأديان في شرح أديان ومذاهب جاهلي وإسلامي» للحسيني العلوي (صفري، ۱۳۹۱ش، ۲۰).
أحد الكتب التي نُشرت في السنوات الأخيرة (۱۳۸۴ش) حول موضوع الغلو هو «غلوّ (مدخل إلى أفكار وعقائد الغلاة في الدين)» من تأليف نعمة الله صالحي نجف آبادي (المتوفى ۱۳۸۵ش). يذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أموراً تُظهر أن الغلاة قد تمكنوا من تحقيق نجاح كبير في مسعاهم، وأنهم خدعوا جماعة كبيرة من الماضي حتى الآن. ولأنه يعتقد أن مذهب الغلو قد انتشر في كل مكان وشمل الأستاذ والتلميذ، فإنه يسعى لمواجهة هذا التيار (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۱-۱۶). هذا الكتاب، الذي يقع في حوالي ۱۸۰ صفحة من القطع الرقعي، يتكون من فصلين. في الفصل الأول، يتناول الكتاب بشكل أساسي معنى الغلو، وتاريخه، ونماذج مختلفة منه، وأهداف الغلاة. وفي الفصل الثاني، يركز بشكل أكبر على دراسة الغلاة ضمن ثلاث فئات: أعداء الأئمة (ع)، طلاب اللذات، وأصدقاء الأئمة (ع) السذج.
ما دفع إلى تقديم نظرة نقدية لهذا الكتاب في إطار هذا المقال هو طبيعة أداء صالحي في بعض أحكامه، مما يشوب بطبيعة الحال بعض نتائجه واستنتاجاته. وفي هذا السياق، تتمثل الانتقادات الموجهة لآرائه في كتاب الغلو في الآتي:
۱- الاعتماد المفرط على وجود راوٍ متهم أو مشهور بالضعف للحكم بعدم اعتبار بعض الأحاديث؛ دون دراسة تفرده أو عدم تفرده بمضمونها؛ ۲- عدم دراسة وتحديد مصير الروايات الأخرى المرتبطة بالحديث موضع النقد؛ ۳- عدم الاهتمام الكافي بسنن نقل وتداول الأحاديث وتقييم فعاليتها في مقام تنقيح الأحاديث؛ ۴- عدم دراسة وتحديد مصير الاحتمالات مثل اختلاف النسخ أو وجود معنى آخر في نقد الحديث.
وفيما يتعلق بخلفية البحث حول آراء صالحي نجف آبادي في مجموع أعماله، يمكن ذكر الموارد التالية:
– رسالة الدكتوراه «بررسی وتحلیل مبانی و روشهای نقد حدیث از دیدگاه آیت الله صالحی نجف آبادی» لعلي حسن بيگي، التي تناولت بالبحث في جميع آثاره بما في ذلك كتاب «غلو»، أسلوب تعامل صالحي مع الحديث ومبانيه في نقد الحديث، وأشارت إلى حوالي ۱۶۰ نموذجاً، مع بيان بعض إشكالات صالحي في الحكم في بعض الأحيان.
– مقالة «نقد کتاب عصای موسی در مسأله نفی آگاهی ائمه (ع) از جزئیات وفات خود» لمحمدهادي ملازاده، التي تناولت تقرير صالحي لستة أدلة على عدم علم الأئمة (ع) بجزئيات شهادتهم، وقامت بنقدها من خلال عرض شواهد قرآنية وروائية.
– رسالة الدكتوراه «اصالت حدیث شیعه در موضوع مقامات ائمه (ع) (نصب الاهی، علوم موهوب و کرامات)» لرضا قرباني، التي تناولت ضمن دراسة ظاهرة الدس والوضع في الحديث الشيعي، طرح ودراسة نظرات صالحي حول رواج النسخ المزورة من كتب الحديث.
– أطروحة «بررسی علل گسترش غلو در جامعه از منظر متون دینی ومتفکران شیعی» لأكبر مرادي، التي تناولت في جزء منها عرض آراء صالحي حول الغلو والدوافع المرتبطة به.
– كتاب «بررسی غلوّ و نقدی بر صالحی نجف آبادی» من تأليف «قدرت الله حسيني شاه مرادي»، الذي أشار فيه إلى أقوال صالحي ونقد جزءاً من أقواله وأدلته.
۲. النقد والتحليل
۱-۲. آراء صالحي نجف آبادي حول مدى تغلغل الغلو في الحديث الشيعي
يرى صالحي بخصوص دخول المضامين الغالية في كتب الحديث أن الغلاة كانوا يصبون أفكارهم في قالب الحديث، وقد كلفوا أناساً ليظهروا أنفسهم بمظهر الموالين للأئمة (ع) وبهذه الواسطة يصلون إلى كتب أصحاب الأئمة (ع). كانوا يستعيرون الكتب بحجة نسخها ويدخلون أخباراً موضوعة في الكتب المنسوخة، في حين لم يكن الناس يعلمون أن هذه الأخبار موضوعة، وأن النسخ المشوبة باسم أصحاب الأئمة (ع) كانت تنتشر في مختلف المدن وتجد رواجاً، دون أن يكون لأصحاب الكتب علم بهذا الضرر (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۱-۱۲، ۷۸-۷۹، ۱۰۵-۱۰۶، ۱۲۰-۱۲۱).
النماذج التاريخية التي يعتمد عليها صالحي في هذا المجال هي التقارير المتعلقة بنشاط أفراد مثل «المغيرة بن سعيد»، «أبي سمينة»، و«أبي الخطاب» (انظر: نفسه، ۱۱-۱۲، ۱۱۴-۱۱۵، ۱۲۰-۱۲۱، ۱۲۴-۱۲۵، ۱۳۹-۱۴۳، ۱۵۳). يقول صالحي عن أبي سمينة: إن علماء الرجال قد وصفوه بالغالي والكذاب، وكان قد كذب في الكوفة حتى اشتهر بالكذب، ثم جاء إلى قم واشتهر بالغلو وبدأ حياته متخفياً (انظر: نفسه، ۱۲۴-۱۲۵). ومن وجهة نظر صالحي، «بما أن أبا سمينة نفسه قد ألف عدة كتب، فقد كان من السهل جداً عليه أن يضع أحاديث ويدخلها في كتبه» (نفسه، ۱۲۵).
كما يشير صالحي إلى حادثة عرض الأحاديث من قبل يونس بن عبد الرحمن على الإمام الرضا (ع) وإنكاره لعدد كبير منها (للاطلاع على التقرير المتعلق بذلك، انظر: الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۲۲۴-۲۲۵، الرقم ۴۰۱) ويكتب: كثير من أصحاب الإمام الصادق (ع) الذين أخذ يونس بن عبد الرحمن كتب حديثهم ونسخها، كانوا هم أنفسهم حاضرين في العراق ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن الأحاديث الموضوعة قد وجدت طريقها إلى نسخ من كتبهم. خلال فترة إمامة الإمام الكاظم (ع) التي دامت حوالي ۳۵ عاماً، لم يكن أصحاب الأئمة (ع) يعلمون أن كثيراً من روايات كتب حديث أصحاب الإمام الصادق (ع) قد وضعت من قبل أتباع أبي الخطاب، أو إن كانوا يعلمون، لم يفكروا في عرض الكتب على الإمام (ع)، أو إن فكروا، لم يكونوا قادرين على القيام بالتنقيح اللازم وجمع الأحاديث الموضوعة؛ لأنه بفرض عرض الكتب على الأئمة (ع) وفصل الأحاديث الموضوعة، كان أتباع أبي الخطاب مرة أخرى يدخلون أحاديث موضوعة في الكتب، وكانت الأحاديث الموضوعة تتزايد باستمرار، وكان من الممكن أن لا تمحى (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲۳-۱۲۴؛ أيضاً انظر: نفسه، ۱۲۱-۱۲۹). إن وقوع الوضع والتحريف في الأحاديث ليس أمراً قابلاً للإنكار، ولا يمكن الادعاء بأن الأحاديث الموجودة، بشكل قاطع، خالية من أي وضع أو تحريف، ولكن يجب أن يؤخذ نطاق تأثير كل تيار في الاعتبار بما يتناسب معه. صحيح أن أبا الخطاب والمغيرة بن سعيد وأتباعهما كانوا يدخلون أحاديث موضوعة في كتب أصحاب الأئمة (ع) وينسبون إليهم أقوالاً كاذبة وتمكنوا من جذب أفراد (انظر: الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۲۲۵، الرقم ۴۰۲، ۲۲۸، الرقم ۴۰۷، ۲۹۳-۲۹۴، الرقم ۵۱۸، ۲۹۶، الرقم ۵۲۴، ۲۹۷، الرقم ۵۲۵، ۳۰۶، الرقم ۵۵۱، ۳۰۷، الرقم ۵۵۴)، ولكن هناك أمور تستحق الاعتبار لمواجهة مثل هذه التيارات ويجب أن تؤخذ في الاعتبار عند الحكم (للاطلاع على نموذج نقد تقرير الدس والتحريف، انظر: الحسيني الشيرازي، ۱۳۹۸ش، ۴۹۷-۵۳۶؛ گرامي، ۱۳۹۶ش، ۲۳۶-۲۴۴؛ قرباني، ۱۳۹۳ش، ۵۵-۵۹):
أ- ذكر بعض الرواة ليرجع إليهم من قبل الإمام (ع)
من الأمور المهمة في دراسة مدى تأثير تيار الغلو والدس والتحريف، هو ذكر بعض الرواة من قبل الإمام الصادق (ع) للرجوع إليهم، وهي حركة قد لا تكون قابلة للإثبات بشكل واسع وشامل، ولكنها بالإضافة إلى مواقف الأئمة (ع) وتحذيراتهم (للاطلاع على نماذج، انظر: صفري، ۱۳۹۱ش، ۱۵۳-۱۶۷؛ اسفندياري، ۱۳۷۴ش، ۲۶۱-۲۷۹)، كانت وسيلة لمكافحة التيار المنحرف للغلاة (للاطلاع على أهم أفراد هذه القائمة، انظر: الحسيني الشيرازي، ۱۳۹۸ش، ۵۱۹)؛ على سبيل المثال، يروي الكشي عن «عبد الله بن أبي يعفور» قوله: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَاعَةٍ أَلْقَاكَ وَلَا يُمْكِنُ الْقُدُومُ، وَ يَجِيءُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَيَسْأَلُنِي وَ لَيْسَ عِنْدِي كُلَّمَا يَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ الثَّقَفِي فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي وَ كَانَ عِنْدَهُ وَجِيهاً» (الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۱۶۱-۱۶۲، الرقم ۲۷۳).
ب- الرواج النسبي للمدونات الحديثية بين الشيعة
ظاهرة أخرى يمكن أن تحد من التأثير المدمر للتيارات المذكورة، هي توجه أصحاب الأئمة (ع) نحو المدونات الحديثية في عصر الصادقين (ع) حيث بلغ الرواج مستوى أعلى.1 وقد ذكر بعض الباحثين (انظر: پاكتچي، ۱۳۹۱ش، ۲۰: ۲۴۳) أن أصل كون الإمام الصادق (ع) له آثار مكتوبة ليس أمراً بعيداً عن المتوقع؛ ومن شواهد هذا الرواج، الصورة التي تقدمها البيانات من الكتابات الحديثية في فترة الإمام الصادق (ع)، ومنها: ۱. الكتب المنسوبة إلى الإمام الصادق (ع) مثل: توحيد المفضل، الإهليلجة، تفسير الإمام الصادق (ع)، ومصباح الشريعة. ۲. كتب بعنوان «كتاب الحج» التي تم تدوينها بناءً على الرواية والسماع المباشر من الإمام. ۳. المدونات التي نقلها بعض الرواة مباشرة عن الإمام الصادق (ع). ۴. تقارير عن مدونات بعنوان «نوادر» نقلاً عن الإمام الصادق (ع) (في هذا المجال، انظر: گرامي، ۱۳۹۶ش، ۱۵۱-۱۵۴؛ پاكتچي، ۱۳۹۱ش، ۲۰: ۲۴۳؛ للاطلاع على نموذج الاهتمام بالكتابة لدى بعض الرواة، انظر: الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۵۸۵، الرقم ۱۰۹۵).
ج- الإجازة، والمقابلة، وعرض المدونات الحديثية في سيرة الرواة
التقارير الموجودة عن سيرة الرواة في تحمل ونقل الحديث (للاطلاع على نماذج، انظر: الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۵۲، ح۶، ۵۳، ح۱۵؛ النجاشي، بي تا، ۲۵۸، الرقم ۶۷۶) تشير إلى أن رواة الحديث كانوا يبذلون جهوداً لتنقيح الحديث من الروايات الموضوعة، ودور هذه الموانع في منع دخول الحديث الموضوع لا يمكن إغفاله. على سبيل المثال، يشير النجاشي في ترجمة «حريز بن عبد الله» الذي كان من أصحاب الإمام الصادق (ع)، إلى نقل الكتاب عن طريق القراءة (النجاشي، بي تا، ۱۴۵، الرقم ۳۷۵). ومثال آخر هو كلام «المتوكل بن هارون» الذي يقول: إنه قابل النسخة المستلمة من الصحيفة السجادية من «يحيى» (ابن زيد بن علي) مع النسخة التي كانت عند الإمام الصادق (ع) وبكتابة الإمام الباقر (ع) ولم يجد أي اختلاف (انظر: علي بن الحسين (ع)، ۱۳۸۳ش، ۲۸). كما نُقل أن الإمام الصادق (ع) طلب من «عنبسة بن مصعب» أن يعيد ما سمعه من أبي الخطاب، وبعد سماع كلامه، قاموا برده (انظر: الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۲۹۱-۲۹۲، الرقم ۵۱۵).
د- استثناء الغلو والتخليط
يعتقد صالحي أن وضع الحديث لم يكن مقتصراً على أبي الخطاب وأتباعه، بل كان هناك أفراد في العصور اللاحقة مثل أبي سمينة يضعون الحديث ويدخلون تلك المواد في كتب الحديث. صالحي، بعد نقل رأي علماء الرجال حول ضعف أبي سمينة، يكتب أنه بما أنه ألف عدة كتب بنفسه، كان من السهل جداً عليه أن يضع أحاديث ويدخلها في كتبه (صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲۴-۱۲۵). يُعد أبو سمينة من الرواة الضعفاء عند الشيعة (انظر: النجاشي، بي تا، ۳۳۲، الرقم ۸۹۴؛ الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۵۴۶، الرقم ۱۰۳۳؛ الغضائري، ۱۴۳۵ق، ۹۴، الرقم ۱۳۴) وهو موجود في سند ۳۸۶ رواية من الكتب الأربعة (الحسيني الشيرازي، ۱۳۹۸ش، ۵۱، الهامش ۱؛ أيضاً انظر: كرمي، ۱۳۹۷ش، ۷۷) وفي طرق الكتب أيضاً كان له حضور كراوٍ وواسطة (في هذا المجال، انظر: سند، ۱۴۳۷ق، ۴۱۵-۴۱۷).
اتهام أبي سمينة بالكذب والغلو لا يعني بطبيعة الحال أن جميع مروياته موضوعة أو غالية (للاطلاع على مرويات أبي سمينة الإمامية، انظر: الحسيني الشيرازي، ۱۳۹۸ش، ۶۱۱-۶۲۰) وأن الرواة لم يستثنوا شيئاً في النقل عنه؛ فكلام الشيخ الطوسي والعلامة الحلي في ترجمة أبي سمينة (انظر: الطوسي، الفهرست، ۱۴۶، الرقم ۶۱۴؛ الحلي، ۱۴۲۲ق، ۳۹۸، الرقم ۱۶۰۳) يدل على وجود استثناء بخصوص الروايات الواردة عن أبي سمينة فيما يتعلق بالغلو، والتدليس، والتخليط، والمفاهيم المتفردة (للاطلاع على نماذج الاستثناء في كتب الفهرست، انظر: عمادي، ۱۳۹۴ش، ۲۲۶-۲۲۹).
۲-۲. دلالة الرواية المتعلقة بعرض يونس بن عبد الرحمن الأحاديث على الإمام الرضا (ع)
يذكر صالحي رواية كشاهد على عمق فاجعة وضع الحديث واتساع حيلة أتباع أبي الخطاب (صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۱۹، ۱۲۱). ويكتب أن فقيهاً فطناً مثل يونس بن عبد الرحمن يسافر إلى العراق ويحصل على أحاديث من أصحاب الإمام الصادق (ع)، وبعد عودته، حيث يوفق لزيارة الإمام الرضا (ع)، يعرض تلك الأحاديث عليه حتى إذا كان فيها حديث غير معتبر ينبهه الإمام، فإذا بالإمام (ع) يبطل ويرد عدداً كبيراً منها وينسبها إلى أبي الخطاب (نفسه، ۱۲۱). استنتج صالحي نقاطاً من هذه الرواية (نفسه، ۱۲۲-۱۲۷، النقاط ۱-۸) لا يمكن استنتاجها منها، والاستناد إلى هذه الرواية غير كافٍ لتلك النتائج.
يكتب صالحي أن يونس بن عبد الرحمن لم يستطع أن يميز وجود أحاديث موضوعة بين تلك الأحاديث (نفسه، ۱۲۲) وأن رواة تلك الأحاديث كانوا من وجهة نظر يونس ثقات ومعتمدين، وهذه الأحاديث كانت لها أسانيد صحيحة ومعتبرة؛ مثلاً، كانت الأحاديث تُنقل عن أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، وفضيل بن يسار (نفسه، ۱۲۲، ۱۲۷). ولكن في متن الرواية (انظر: الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۲۲۴-۲۲۵، الرقم ۴۰۱)، لا يوجد شاهد كافٍ على قول صالحي بأن يونس كان مطمئناً للأحاديث التي حصل عليها، أو أن هذه الأحاديث كانت صحيحة ومعتبرة من وجهة نظره، أو أن الأحاديث محل البحث كانت صحيحة السند. صحة الحديث بناءً على صحة السند هو معيار طرحه المتأخرون (انظر: حسين پوري، ۱۳۹۳ش، ۲۳-۲۴؛ غفاري صفت، ۱۳۹۳ش، ۳۰)، والمصادفة أن يونس كان أحياناً يروي عن أفراد مثل «صالح بن سهل»، «عمرو بن شمر»، و«داوود بن كثير» (الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۱۵۹، ح۱۰؛ ۲: ۱۰۸، ح۱۰، ۱۶۳، ح۲۰، ۳۰۷، ح۶، ۳: ۲۳۴، ح۴)، الذين وُصِفوا بالضعف (انظر: الغضائري، ۱۴۳۵ق، ۶۹، الرقم ۶۹، ۷۴، الرقم ۷۸، ۵۸، الرقم ۴۶؛ النجاشي، بي تا، ۲۸۷، الرقم ۷۶۵، ۱۵۶، الرقم ۴۱۰). إن الانتباه إلى رواج سنة العرض قبل عصر الإمام الرضا (ع) (انظر: گرامي، ۱۳۹۶ش، ۱۵۵؛ طباطبائي، ۱۳۹۰ش، ۲۳۴) وكذلك نماذج أخرى من عرض الكتب بواسطة يونس بن عبد الرحمن (انظر: الكليني، ۱۳۶۳ش، ۷: ۳۲۴، ح۹، ۳۱۱، ح۱) يمكن أن تعد أدلة أخرى على عدم دقة استنتاج صالحي.
يقول صالحي: بما أن يونس بن عبد الرحمن لم يحدد الأحاديث التي ردها الإمام الرضا (ع)، فإن كثيراً من الناس في القرون اللاحقة سينخدعون بتلك الأحاديث نفسها، لأن تلك الكتب التي تحتوي على أحاديث موضوعة لم تختفِ، ونسخها كانت موجودة في العراق وتتكاثر (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲۵-۱۲۶). ويقول أيضاً: في ذلك الزمان، لم يكن الأمر بحيث أن كل من أراد قراءة أحاديث كتاب ما يأخذ نسخة إلى المؤلف ويقرأها عليه دورة كاملة أو يطابقها مع نسخة وقعها المؤلف، بل كان معظم الناس يكتفون برؤية اسم المؤلف على غلاف الكتاب فيأخذونه ويستنسخونه. يونس بن عبد الرحمن أيضاً عندما ذهب إلى العراق، لم يسأل أولاً هل هذه الكتب مطابقة للنسخة الأصلية أم لا، لم يسأل هل وصلت بتوقيع المؤلف أم لا، بل اكتفى بأنه رأى أسماء مؤلفيها على أغلفة هذه الكتب (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲۵-۱۲۶).
بخصوص أن عامة الناس لم يكونوا يهتمون كثيراً بصحة السند وطريقة الحصول على الحديث، لا يبدو أن هناك مشكلة، ولكن تعميم هذا السلوك على أصحاب الأئمة (ع) أو يونس بن عبد الرحمن ليس واقعياً؛ لأن بعض الدقة والاحتياطات في نقل الحديث التي رويت عن الأصحاب (للاطلاع على نموذج، انظر: النجاشي، بي تا، ۲۵۸، الرقم ۶۷۶؛ الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۵۳، ح۱۵) لا تتوافق مع هذا التصور، وثانياً، لا يمكن تعميم منهج يونس بن عبد الرحمن على جميع أصحاب الأئمة (ع) وتحليل الأمر بناءً عليه، لأن البعض كان يعترض على منهجه (انظر: الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۴۸۷، الرقم ۹۲۴، ۴۸۸، الرقمين ۹۲۸-۹۲۹، ۴۹۳، الرقم ۹۴۵؛ الطوسي، ۱۳۸۰ق، ۳۶۴، الرقم ۱۱، ۳۹۴-۳۹۵، الرقم ۲) وقيل أيضاً (گرامي، ۱۳۹۶ش، ۲۶۴) أنه ضمن الأطياف التي كانت لدى أصحاب الأئمة (ع)، كان هو ينتمي إلى طيف الأقلية.
متن الرواية محل البحث يظهر أن يونس بن عبد الرحمن2 كان له منهج نقدي تجاه الحديث، ولهذا السبب كان يُسأل: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا أَشَدَّكَ فِي الْحَدِيثِ وَأَكْثَرَ إِنْكَارَكَ لِمَا يَرْوِيهِ أَصْحَابُنَا، فَمَا الَّذِي يَحْمِلُكَ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيثِ؟» (الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۲۲۴، الرقم ۴۰۱). كما أن يونس قبل أن يروي القصة التي يقصدها صالحي (عرض الحديث على الإمام الرضا (ع))، أشار إلى رواية أخرى، وبالنظر إلى زمن حياة راويها، هشام بن الحكم (انظر: النجاشي، بي تا، ۴۳۳، الرقم ۱۱۶۴)، لا بد أن يونس قد سمعها قبل عرض الحديث على الإمام الرضا (ع)، وبالتالي كان على علم بظاهرة الدس والتحريف. كيف يمكننا أن نتوقع من شخص مثل يونس، الذي هو صاحب كتاب «اختلاف الحديث» و«علل الحديث» (انظر: النجاشي، بي تا، ۴۴۷، الرقم ۱۲۰۸؛ الطوسي، الفهرست، ۱۸۱، الرقم ۷۸۹)، والذي يقول بنفسه إنه التقى بأصحاب الأئمة (ع) في العراق وأخذ منهم الحديث (وليس من المصادر الموجودة في السوق) (الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۲۲۴، الرقم ۴۰۱)، أن يعتمد على مجرد وجود اسم المؤلف على غلاف الكتاب؟!.
۳-۲. آراء صالحي نجف آبادي حول غلوية بعض الأحاديث الشيعية
صالحي نجف آبادي في كتاب «الغلو» اعتبر بعض الأحاديث الشيعية خاطئة وبعضها موضوعة، ويمكن مناقشة بعضها؛ ومنها:
۱-۳-۲. الرواية المتعلقة بعلم الإمام (ع) في الكافي
يقول صالحي (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۴) إن (عبد الله بن قاسم الحضرمي) نسب حديثاً إلى الإمام الصادق (ع) أنه قال: «أَيُّ إِمَامٍ لَا يَعْلَمُ مَا يُصِيبُهُ وَإِلَى مَا يَصِيرُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» (الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۵۸، ح۱). صالحي، مع الإشارة إلى قول النجاشي بأن هذا الشخص كذاب (انظر: النجاشي، بي تا، ۲۲۶، الرقم ۵۹۴)، اعتبر الحديث مخالفاً للآية ۹ من سورة الأحقاف3، لأنه من وجهة نظر صالحي، هذه الآية تقول صراحة: النبي لا يعلم مصيره ومصير أمته، ولكن حديث هذا الراوي يقول: أي إمام لا يعلم مصيره، فهو ليس بحجة الله، ومن المعلوم أن مقام الإمام أدنى من مقام النبي، وحيثما لا يعلم النبي مصيره، فالإمام من باب أولى لا يعلم مصيره (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۵). رداً على إشكالات صالحي، وبعد دراسة إجمالية للراوي، سنتناول تحليل مضمون الحديث والآية موضع البحث والشواهد القرآنية والروائية ذات الصلة.
«عبد الله بن قاسم البطل» الذي ورد في سند هذا الحديث (انظر: الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۵۸، ح۱) وُصِف بأنه ضعيف، كذاب، غالٍ ومتروك الحديث (انظر: الغضائري، ۱۴۳۵ق، ۷۸، الرقم ۹۰؛ النجاشي، بي تا، ۲۲۶، الرقم ۵۹۴). ورغم اختلاف الآراء حول ما إذا كان هذا الشخص هو نفسه «عبد الله بن قاسم» أو «عبد الله بن قاسم الحضرمي» أو «عبد الله بن قاسم الحارثي» (انظر: التستري، ۱۴۱۵ق، ۶: ۵۵۳-۵۵۶، الرقمين ۴۴۶۴-۴۴۶۷؛ الخوئي، ۱۴۰۹ق، ۱۰: ۲۸۱-۲۸۵، الرقمين ۷۰۶۰-۷۰۶۶)، إلا أنه لا يوجد فرق واضح بين التراجم، وتوثيقه يفتقر إلى دليل، وتهمة الغلو تحيط به. السؤال الذي يطرح نفسه في حال قبول ضعف الراوي هو: هل قبول ضعف الشخص يعني عدم قبول جميع رواياته، أم أن التضعيف يمكن أن يضعف فقط اعتبار رواياته المتفردة ويجب إرجاء الحكم إلى ما بعد دراسة القرائن الأخرى (في هذا المجال وللاطلاع على أمثلة، انظر: جمع من المؤلفين، ۱۳۹۷ش، ۸۰-۸۲). كما أن التضعيفات المبنية على الغلو تواجه صعوبات في القبول أحياناً (انظر: الحسيني الشيرازي، ۱۳۹۸ش، ۴۱۸-۴۲۸؛ للاطلاع على نموذج، انظر: الشبيري، ۱۳۸۵ش، ۲۵: ۷۷۸۳، ۷۷۸۴، ۷۸۱۴)، مما يجعل دراسة مضمون الحديث أكثر ضرورة.
مخالفة الحديث المذكور للآية ۹ من سورة الأحقاف هي إشكال آخر طرحه صالحي، لأنه يعتقد أن هذه الآية تقول إن النبي الأكرم (ص) لا يعلم مصيره ومصير أمته، ولكن السؤال الذي يجب طرحه هنا هو: هل لم يكن هناك إمكانية للنبي الأكرم (ص) أن يعلم الأمور الغيبية عن طريق الوحي؟! لمزيد من التوضيح، بعض الآيات مثل: «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ …» (الأنعام: ۵۹) و«قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ …» (النمل: ۶۵) حصرت علم الغيب بالله ونفته عمن سواه، ولكن هذا التصور بأن غير الله لا يمكن أن يعلم الغيب أبداً ليس صحيحاً، لأننا نشهد آيات تقول إن الله يطلع أفراداً على الأمور الغيبية، آيات مثل: «… وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ …» (آل عمران: ۱۷۹)؛ «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ …» (الجن: ۲۶-۲۷) (للاطلاع على نموذج علم الأنبياء بالغيب، انظر: آل عمران: ۴۹). لذلك، لا يمكن اعتبار الحديث المذكور مخالفاً للقرآن. وبالفعل، فإن الجملة الأخيرة من الآية ۹ من سورة الأحقاف «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» تشير إلى أن النبي (ص) متصل بمصدر الوحي ولا يتبع إلا ما يوحى إليه، ففي هذه الحالة، هل يمكن القول بأنه لا يوجد إمكانية للنبي الأكرم (ص) أن يعلم مصيره ومصير أمته عن طريق هذا الوحي نفسه؟!
علاوة على ذلك، إلى جانب الرواية التي أثار صالحي إشكالاً حولها، هناك روايات أخرى مشابهة تدل على مضمون مماثل لها (انظر: نادم، ۱۳۹۵ش، ۱۴۲-۱۴۳)، وبالنظر إلى كثرتها وتنوعها، فإن علم الأئمة (ع) بالحوادث المستقبلية ليس مضموناً غريباً أو شاذاً أو نادراً حتى يتم رده بسبب وجود راوٍ ضعيف في سنده؛ روايات تشتمل على مفاهيم مثل: علم الأئمة (ع) بأمور الماضي والمستقبل حتى يوم القيامة (الصفار، ۱۳۶۲ش، ۱۴۹، ح۳۱؛ الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۶۰-۲۶۱، ح۱؛ التستري، بي تا، ۷: ۵۹۷، الحديث الثالث عشر، الأول؛ الراوندي، ۱۴۱۱ق، ۱: ۳۴۳؛ ابن شهرآشوب، بي تا، ۴: ۱۹۶-۱۹۷)؛ «علم الأئمة (ع) بالسماء والأرض وما فيهما» (الصفار، ۱۳۶۲ش، ۱۴۷-۱۴۸، ح۲-۵)؛ «علم الأئمة (ع) بجميع العلوم التي أُعطيت للملائكة والأنبياء» (الصفار، ۱۳۶۲ش، ۱۲۹-۱۳۰، ح۱-۶؛ الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۵۵-۲۵۶، ح۳)؛ «وراثة علم وكتب الأنبياء من قبل الأئمة (ع)» (الصفار، ۱۳۶۲ش، ۱۳۹-۱۴۰، ح۳، ۱۵۵، ح۱، ۱۵۷، ح۱۱؛ الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۲۴-۲۲۵، ح۳-۵)؛ «علم الأئمة (ع) بزمان شهادتهم» (الصفار، ۱۳۶۲ش، ۵۰۱، ح۲، ۳، ۷، ۱۱).
۲-۳-۲. الرواية المتعلقة بعلم الإمام الحسين (ع) بشهادته في الكافي
يكتب صالحي: «المفضل بن صالح» لأنه كان يعتقد أن الإمام الحسين (ع) تحرك وهو يعلم أنه سيُقتل، وأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة عمداً، فقد صاغ هذا المضمون في قالب حديث ونسبه إلى رسالة إلهية، حتى إذا أُشكل عليه، يقول إن هذا أمر إلهي خاص، فوق القانون والموازين الشرعية. صالحي يعتبر راوي الحديث غالياً كذاباً ويرى أن مضمونه لا ينسجم مع الموازين الشرعية، ويقول إن الكليني أورد هذا الحديث في كتابه، والظن الغالب أنه كان يعتقد بمضمونه وأثبته في الكافي عن اطمئنان (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲-۱۳).
إشكال صالحي يرجع إلى حضور المفضل بن صالح (أبي جميلة) في سند الحديث. الشيخ الطوسي يذكر المفضل بن صالح في كتابي الرجال والفهرست، لكنه لا يضعفه (انظر: الطوسي، الفهرست، ۱۷۰، الرقم ۷۴۳؛ الطوسي، ۱۳۸۰ق، ۳۱۵، الرقم ۵۶۵). النجاشي يشير إلى تضعيف له (انظر: النجاشي، بي تا، ۱۲۸، الرقم ۳۳۲) وينقل عن ابن الغضائري أن «أبا جميلة» (المفضل بن صالح) قال إنه هو من وضع رسالة «معاوية» إلى «محمد بن أبي بكر» (انظر: الغضائري، ۱۴۳۵ق، ۸۸، الرقم ۱۱۸). من جهة أخرى، بالنظر إلى كثرة رواية الأكابر عن المفضل بن صالح (انظر: الخوئي، ۱۴۰۹ق، ۱۸: ۲۸۶-۲۸۷، الرقم ۱۲۵۷۸)، وهو ما لا يتوافق مع كونه واضعاً للحديث بشكل مؤكد، فإن كلام أبي جميلة بشأن الوضع يمكن أن يُفهم بمعنى «إعادة تنظيم تلك الرسالة»، أو «النقل بمعنى تلك الرسالة» فرضاً، أو ناشئاً عن جواز تخطئة شخصية معاوية من وجهة نظر أبي جميلة (انظر: الشبيري، دروس خارج فقه، كتاب النكاح، الجلسة ۱۱۰، بتاريخ ۷۸/۳/۴، نقلاً عن الموقع الإلكتروني لمكتب آية الله العظمى الشبيري الزنجاني؛ الشبيري، ۱۳۸۵ش، ۲۵: ۷۸۱۵-۷۸۱۶)، وبالتالي، فإن قوله بوضع المفضل بن صالح للحديث لا يخدش اعتبار سائر مروياته؛ وإن كان البعض لا يعتبر كثرة رواية الأكابر عنه دليلاً كافياً على وثاقته ويعتقدون أن كلام النجاشي يُفهم منه أن ضعف هذا الراوي كان متسالماً عليه بين الأصحاب (انظر: الخوئي، ۱۴۰۹ق، ۱۸: ۲۸۶-۲۸۷، الرقم ۱۲۵۷۸).
الإشكال الآخر لصالحي يتعلق بمحتوى هذه الرواية التي ورد فيها أن في رسالة إلهية ذُكر تكليف كل إمام، وكان تكليف الإمام الحسين (ع) هو الخروج للشهادة. يقال (انظر: مجموعة من باحثي التاريخ، ۱۳۹۴ش، ۱: ۲۹۲) إنه بناءً على بعض الأخبار (للاطلاع على نموذج، انظر: الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۸۱، ح۳، ۲۸۳، ۲۸۴)، فإن برنامج عمل وتعاليم فترة إمامة الأئمة (ع) كانت محددة من قبل الله، وكان كل إمام في عصره مكلفاً بواجبات كان عليه أن يؤديها.
الإشكال المضموني الآخر المطروح هو أنه، وفقاً لهذا الحديث، تحرك الإمام الحسين (ع) وهو يعلم أنه سيُقتل، وألقى بنفسه إلى التهلكة عمداً، وهذا القول مردود من وجهة نظر صالحي. علم الإمام الحسين (ع) بشهادته ليس أمراً تذكره هذه الرواية فقط، بل إن تنوع وعدد الروايات التي أخبر فيها أهل البيت (ع) بشهادة الإمام الحسين (ع) بحيث يحصل الاطمئنان بصدورها إجمالاً عن الأئمة (ع) (للاطلاع على عدد وتنوع هذه الروايات، انظر: محمدي الريشهري، ۱۳۸۹ش، ۳: ۳۱۹؛ أيضاً انظر: نفسه، ۳: ۱۶۶-۳۱۷). ثانياً، حتى لو لم تكن هذه الروايات موجودة، ولو تجاهلنا علم الإمام (ع) من هذا الطريق، فإن الظروف السياسية والاجتماعية السائدة كانت بحيث إن عاقبة هذه الحركة كانت قابلة للتنبؤ بها بدقة في وضع الحكومة والحاكمية في تلك الفترة. والشاهد على هذا الادعاء هو كلام معارضي ذهاب الإمام الحسين (ع) إلى العراق، حيث أشاروا عند منع الإمام (ع) إلى أن الناس سيحاربونه، وسينقضون عهدهم، وسيقتلونه (للاطلاع على نموذج من هذه الأقوال، انظر: محمدي الريشهري، ۱۳۸۹ش، ۴: ۴۱۲-۴۴۷).
ورداً على أن علم الإمام الحسين (ع) بشهادته يجعل حركته غير منسجمة مع الموازين الشرعية ومصداقاً للإلقاء في التهلكة، يجب القول إن تهلكة النفس تكون مذمومة عندما تكون مخالفة للشرع، لا في حالة تكون في سبيل الله وبأمر الله. على سبيل المثال، في الظروف التي تتهيأ فيها أسباب الجهاد مع الكفار ويصبح واجباً، يجب على الفرد أن يذهب إلى الجهاد وإن كان يتيقن أنه سيُقتل، وفي هذه الحالة، فإن ترك الجهاد هو التهلكة (انظر: نادم، ۱۳۸۸ش، ۳۱۳-۳۱۴).
ظاهراً من وجهة نظر صالحي، الصحيح هو أنه بما أن الإمام (ع) يُفترض أن يكون قدوة، فلا ينبغي أن يقال إنه كان مأموراً بأن يستشهد، بل يجب القول إن كل إمام، وهو عالم بتكليفه ومصيره، وبالتالي، بالنظر إلى أوضاع وظروف زمان إمامته، يكون مأموراً بتنفيذ برنامج خاص، وهذا لا يتنافى مع كون عمل ذلك الإمام قدوة لأتباعه؛ فكل إمام، لتقديم قدوة خاصة للمجتمع الإسلامي، متناسبة مع أوضاع المجتمع والزمان، كان مكلفاً بأمر ما، وبالمجموع، قدم الأئمة (ع) قدوات مناسبة لمختلف الظروف (مجموعة من باحثي التاريخ، ۱۳۹۴ش، ۱: ۲۹۲-۲۹۳، مع تغيير طفيف).
۳-۳-۲. الرواية المتعلقة بمعنى أمية النبي الأكرم (ص) في بصائر الدرجات
نُقلت رواية في كتاب بصائر الدرجات (انظر: الصفار، ۱۳۶۲ش، ۲۴۵-۲۴۶، ح۱) تفيد بأن النبي الأكرم (ص) كان يقرأ ويكتب بـ ۷۲ أو ۷۳ لغة، وأن إطلاق وصف «الأمي» عليه لم يكن بسبب عدم الكتابة، بل لكونه من أهل مكة. هذه الرواية، من وجهة نظر صالحي، من صنع المحبين المتطرفين للنبي الأكرم (ص)، وهو بالإضافة إلى وجود ضعف في سند الحديث، يشير إلى بعض الإشكالات في متن الرواية أيضاً (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۳۹-۴۰). ويقول إنه من المحتمل أن يكون البعض قد تصور أنه إذا لم يقرأ النبي الأكرم (ص) ويكتب بعد الرسالة، فإن ذلك يعد نقصاً فيه، فأرادوا اختراع حديث لرفع هذا النقص المتخيل (صالحي، ۱۳۹۷ش، ۴۱).
يكتب صالحي: سند هذا الحديث ليس معتبراً، وبالتالي لا يمكنه إثبات شيء (نفسه، ۳۹). من المحتمل أن يكون المراد بضعف السند وجود شخص يدعى «جعفر بن محمد الصوفي» في سند الحديث، الذي يعتبر من وجهة نظر علم الرجال شخصية مهملة، لأن الرجاليين لم يذكروا له اسماً. ووفقاً للبحث الذي تم، لم يتم العثور على نقل آخر من هذا الراوي، ولكن محتوى الرواية المذكورة ورد بطريق آخر أيضاً يمكن أن يكون قرينة لتقويتها (انظر: الصفار، ۱۳۶۲ش، ۲۴۶-۲۴۷، ح۴)، لأنه على الرغم من أن ضعف السند أو حتى فقدانه يعد قرينة مهمة في تقييم الأحاديث، إلا أن الأمر ليس بحيث أن هذا الضعف يؤدي بالضرورة إلى بطلان وإنكار الحديث، والحديث ذو السند الضعيف لا يستطيع إثبات شيء.
يكتب صالحي: إن ما قيل في الحديث من أن النبي الأكرم (ص) سُمي أمياً لأنه كان من أهل «أم القرى»، ليس صحيحاً، لأنه في الآية ۲۰ من سورة آل عمران4 استُخدمت كلمة «أمي» لغير أهل مكة، وإذا كان شخص منسوباً إلى «أم القرى»، فيجب أن يقال له قَرَوي لا أُمّي، كما يقال في النسبة إلى أبي طالب: طالبي (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۳۹-۴۰).
الجواب الأول هو أن معنى الأمي بأنه من أهل «أم القرى» قد طُرح كأحد الآراء، مثلاً يقول «الراغب الأصفهاني»: «والأُمِّي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب… وَالنَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ … قيل: سمي بذلك لنسبته إلى أُمِّ القُرَى» (راغب أصفهاني، ۱۴۲۸ق، ۳۳؛ أيضاً للاطلاع على نماذج، انظر: المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۱۶: ۸۲-۸۳؛ القرطبي، ۱۴۰۸ق، ۷: ۱۹۰؛ السيد المرتضى، ۱۴۰۵ق، ۱: ۱۰۸؛ الفراء البغوي، ۱۴۲۰ق، ۲: ۲۳۸؛ النهاوندي، ۱۴۲۸ق، ۳: ۱۴).
ثانياً، يقول صالحي إن الأمي في الآية ۲۰ من آل عمران يشير إلى غير أهل مكة، ولكن على الأقل عند بعض المفسرين، فُسرت كلمة الأمي في هذه الآية بمشركي العرب الذين لم يكونوا أصحاب كتاب (انظر: الطبري، ۱۴۰۸ق، ۳: الجزء الثالث، ۲۱۴؛ الفخر الرازي، بي تا، ۷: ۲۱۳؛ الطوسي، التبيان، ۲: ۴۲۱؛ الزمخشري، ۱۴۰۷ق، ۱: ۳۴۷؛ الطبرسي، ۱۴۰۳ق، ۱: ۴۲۲؛ القرطبي، ۱۴۰۸ق، ۴: ۳۰) والمعنى الذي قُدم في الرواية سيكون مقبولاً من هذه الجهة.
ثالثاً، يقال إن أحد وظائف روايات أهل البيت (ع) هو توسيع دلالة الألفاظ (في هذا المجال، انظر: طيب حسيني، ۱۳۹۲ش، ۷۲؛ أصغرپور، ۱۳۹۵ش، ۱۷-۱۹)، بمعنى أن الكلمة المستخدمة في القرآن تكون أحياناً بنفس المعنى المعروف في اللغة والثقافة العربية، ولكن في الحديث يُذكر لها معنى آخر، وبهذا يتم توسيع معنى الكلمة. المعنى الجديد الذي يُذكر في الرواية يمكن أن يكون له استخدام سابق في اللغة العربية، ويمكن أن لا يكون كذلك ويكون مجرد معنى ديني له جذور في التعاليم الدينية. على سبيل المثال، كلمة يتيم في القرآن استُخدمت بمعنى «فاقد الأب»، ولكن في روايات الأئمة (ع)، بالإضافة إلى المعنى السابق، استُخدمت بمعنى «الشخص البعيد عن الإمام» (اليتيم المعنوي) أيضاً (انظر: الطبرسي، ۱۹۸۳م، ۱: ۱۶-۱۷؛ النوري، ۱۴۲۹ق، ۱۷: ۳۱۷-۳۱۹، ح۲۰-۲۶).
الإشكال الآخر الذي يشير إليه صالحي هو أنه يوجد في العالم مئات اللغات، مثلاً في الهند وحدها يوجد أكثر من مئة لغة، فإذا كان من المفترض أن تُعلم اللغات للنبي (ص) بطريقة إعجازية، فلماذا لم تُعلمه إلا سبعون وبضع لغات؟ ربما تخيل واضع الحديث أنه لا يوجد في العالم أكثر من سبعين وبضع لغات (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۴۰). صالحي يعتبر هذا العدد مختلقاً، لأنه لو كان القصد الإشارة إلى تعلم جميع اللغات، لكان يجب استخدام عدد أكبر، ولكن الاحتمال الذي لم يُشر إليه في كلامه هو أن العدد ثلاثة وسبعين يمكن أن يشير إلى الكثرة، كما ذكر المفسرون في تفسير عبارة «سبعين مرة» في آية «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ …» (التوبة: ۸۰) (انظر: الطباطبائي، ۱۳۶۲ش، ۹: ۳۵۱) وكذلك ما قيل تحت عدد الفرق في «حديث التفرقة»5 ويُستفاد منه كثرة فرق الأمم الإسلامية بشكل غير عادي (انظر: مشكور، ۱۳۶۲ش، ۲۰؛ صفري، ۱۳۹۱ش، ۵۴-۶۱؛ للاطلاع على نموذج استخدام هذا العدد، انظر: الكليني، ۱۳۶۳ش، ۱: ۲۳۰، ح۱-۳).
كما يقول صالحي: إن كون النبي الأكرم (ص) بعد النبوة كان يقرأ ويكتب هو قول مرجوح وضعيف ينفيه المحققون (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۴۰-۴۲). ولكن كون هذا الرأي قولاً مرجوحاً وضعيفاً ليس صحيحاً تماماً، إذ نجد أقوالاً لبعضهم مثل السيد المرتضى (۱۴۰۵ق، ۱: ۱۰۸)، والشيخ الطوسي (۱۳۵۱ش، ۸: ۱۲۰)، وابن إدريس الحلي (انظر: الموسوي، ۱۴۳۲ق، ۵: ۱۹۰)، والمجلسي (۱۴۰۳ق، ۱۶: ۱۳۴)، وشبّر (۱۴۲۴ق، ۱: ۱۷۹) لا تدل على مثل هذا الاستنتاج. ما يُنفى عموماً من قبل العلماء بخصوص معنى الأمي هو إثبات عدم دراسة النبي (ص) قبل البعثة وتلقي آيات القرآن، أما بالنسبة لما بعد البعثة، فالوضع ليس واضحاً تماماً (انظر: السيد المرتضى، ۱۴۰۵ق، ۱: ۱۰۴-۱۰۸؛ مطهري، ۱۳۹۴ش، ۱۶-۱۷)، وبالتالي، فإن نفي القراءة والكتابة عن النبي الأكرم (ص) طوال حياته لن يكون دقيقاً.
۴-۳-۲. الرواية المتعلقة بعدد آيات القرآن الكريم في الكافي
صالحي، حديث: «إِنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ جَبْرَئِيلُ (ع) إِلَى مُحَمَّدٍ (ص) سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ آيَةٍ» (الكليني، ۱۳۶۳ش، ۲: ۶۳۴، ح۲۸) في الكافي، اعتبره بظن قوي، حديثاً موضوعاً ومختلقاً من قبل غالٍ إخباري مسلك يقول بالتحريف (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲)، وفي قسم آخر من الكتاب، ذكر أن يكون سند الحديث ومتنه كلاهما موضوعاً كاحتمال (نفسه، ۱۲۷). ويقول: قلنا سابقاً إن الحديث الذي ورد في الكافي ويقول إن القرآن الأصلي كان ۱۷ ألف آية؛ هو من هذه الأخبار الموضوعة… هناك أحاديث كانت ولا تزال موجودة، ويبدو أن سندها صحيح ولكن في الواقع متنها وسندها كلاهما موضوع… هل هذا الحديث من نفس الأحاديث التي كان يضعها الوضاعون الكذابون ويدخلونها في كتب الحديث؟… ما نقله المرحوم الكليني عن علي بن الحكم، يشبه ما نقله العامة عن أبي بن كعب الذي قال: «سورة الأحزاب التي هي الآن ۷۳ آية كانت في الأصل بحجم سورة البقرة» (نفسه، ۱۲۷-۱۲۸).
يقول صالحي: «علي بن حَكَم» كان رجلاً أعمى سمع الحديث من كثيرين وحفظه، وبالطبع طلب من الآخرين أن يكتبوه له ويثبتوه. مجموع مسموعاته على مر الزمن أصبح كتاباً باسم كتاب علي بن الحكم، والذي طُبع ونُشر بالطبع، وكان من السهل جداً على الوضاعين الكذابين إدخال خبر موضوع في النسخ، ثم وقعت إحدى هذه النسخ في يد المرحوم الكليني ونقل الحديث منها (انظر: صالحي، ۱۳۹۷ش، ۱۲۸؛ أيضاً انظر: نفسه، ۱۲۹). هذا الحديث له مسافة كبيرة عما يطرحه المسلمون لعدد آيات القرآن، لأن أصح عدد قيل هو ۶۲۳۶ (انظر: معرفت، ۱۳۸۹ش، ۸۲)، و۱۷۰۰۰ مسافة كبيرة عنه، أو حتى مع أعلى تعداد وهو ۶۶۶۶ آية (انظر: راميار، ۱۳۹۳ش، ۵۷۰) فإنه يملك مسافة كبيرة، ومع ذلك، فإن نقد صالحي لن يكون دقيقاً، لأنه في مواجهة هذا الحديث، قُدمت إجابات يمكن قبولها.
أ- دراسة سند الحديث
وفقاً للبحث الذي تم، لم تصلنا هذه الرواية من شخص آخر، وعلي بن الحكم هو الطريق الوحيد لهذه الرواية. إشكال صالحي موجه إلى علي بن الحكم في سند الحديث، لكونه شخصاً أعمى. في كتب الرجال، يُذكر علي بن الحكم الأنباري كشخص ثقة وجليل القدر، وكان له كتاب أيضاً (انظر: الطوسي، الفهرست، ۸۷، الرقم ۳۶۶؛ الطوسي، ۱۳۴۸ش، ۵۷۰، الرقم ۱۰۷۹؛ الخوئي، ۱۴۰۹ق، ۱۱: ۳۸۱-۳۹۵، الرقمين ۸۰۸۶-۸۰۸۸).
أحد الألقاب التي تُذكر له هو «الضرير» (انظر: النجاشي، بي تا، ۲۷۴، الرقم ۷۱۸) وهو بمعنى الشخص الأعمى. بقبول كونه أعمى، فإن كون كتابه يجب أن يكون مشوباً وعرضة للتلاعب ليس دليلاً كافياً، لأنه في شروط الراوي، لا يُذكر البصر كشرط لازم (انظر: العاملي، ۱۴۳۶ق، ۲۲۴). وكتاب علي بن الحكم يمكن أن يكون نتيجة إملاء على شخص ثقة، أو أنه فقد بصره في أواخر عمره، ودون كتابه في فترة بصره. بالإضافة إلى ذلك، يجب الإجابة على سؤال ما إذا كانت الرواية محل البحث نُقلت من كتابه أم شفاهاً عنه.
ب- دراسة متن الحديث
بالنظر إلى تقرير بعض النسخ الخطية في طبعة دار الحديث من كتاب الكافي، يُلاحظ أنه في النسخة الخطية لـ«كلية الإلهيات بطهران برقم ۱۷۷ب»، والنسخة الخطية لـ«مكتبة مسجد جامع كوهرشاد برقم ۲۷۹»، ونسخة كتاب الوافي، ورد متن الرواية بصيغة «سَبْعَةَ آلَافِ آيَةٍ» لا «سبعة عشر ألف آية» (انظر: الكليني، ۱۴۳۰ق، ۴: ۶۷۵، الهامش ۱؛ الفيض الكاشاني، ۱۴۳۲ق، ۱۰: ۲۶۹، ح۹۰۸۹). ومن وجهة نظر الشعراني في عبارة «سبعة عشر ألف آية»، أُضيفت كلمة «عشر» من قبل بعض الرواة أو النساخ (المازندراني، ۱۳۸۸ق، ۱۱: ۷۶، الهامش ۱). ويقول النجارزادگان أيضاً: «من وجهة نظر الأكابر، كانت النسخ من كتاب الكافي التي كانت لدى الفيض الكاشاني تتمتع بصحة وإتقان أكبر» (۱۳۹۴ش، ۹۱).
ج- دراسة محتوى الحديث
يقال إن المقصود بـ«القرآن» في الحديث هو مجموعة متن القرآن وتفسيره وتبيينه، وهو استخدام من باب المجاز التغليب (انظر: إحساني فر، ۱۳۸۸ش، ۹۰-۹۱). الشيخ الصدوق في كتاب الاعتقادات، تحت عنوان «باب الاعتقاد في مبلغ القرآن»، يذكر نوعاً من الوحي ليس من جنس وحي القرآن، نزل بقدر لو جمعناه مع عدد آيات القرآن لوصل إلى ۱۷ ألف آية (المفيد، ۱۴۱۴ق، ۵: ۸۴-۸۶). وقال البعض أيضاً إن إطلاق التنزيل على آيات القرآن هو مصطلح مستحدث وُضع في مقابل المصطلح القديم، لأن إطلاق «التنزيل» على «الوحي القرآني والبياني» كان متداولاً في العصور السابقة (انظر: المرعشي، ۱۳۸۲ش، ۳۶؛ مهدوي راد، ۱۳۸۰ش، ۶۴۲-۶۴۳).
۳. النتيجة
۱- في أحكام صالحي نجف آبادي حول مدى تغلغل «الغلو» في الحديث الشيعي، لم يُلاحظ بشكل كافٍ دور العوامل الرادعة مثل الرواج النسبي للمدونات الحديثية، ووجود بعض الرواة المعتمدين، وسيرة الرواة في العرض والمقابلة، واستثناء الغلو والتخليط.
۲- الرواية المتعلقة بعرض الأحاديث بواسطة يونس بن عبد الرحمن، يمكنها فقط أن تُظهر أنه حتى زمن الإمام الرضا (ع) حدث تحريف في بعض الكتب، ولكن بالنظر إلى متن الرواية والسمات الشخصية ليونس، لا يمكن اعتبارها سنداً موثوقاً لرواج الأحاديث الموضوعة على نطاق واسع في المجموعات الشيعية.
۳- مخالفة الحديث المتعلق بعلم الإمام (ع) لظاهر جزء من الآية ۹ من سورة الأحقاف وضعف راويه، ليست كافية لرد الحديث، لأن الحديث محل البحث يتوافق مع آيات وروايات أخرى، وضعف الراوي لا يؤدي وحده إلى سقوط اعتباره.
۴- إشكالات صالحي على الرواية المتعلقة بمعنى أمية النبي الأكرم (ص) غير مقبولة ولا يمكن أن تكون سبباً لإنكار ذلك الحديث، بالإضافة إلى أنه نُقلت رواية مشابهة أيضاً في هذا المجال.
۵- الرواية المتعلقة بعدد آيات القرآن الكريم، ضمن وجود اختلاف في النسخ في التعبير محل البحث، قُدمت لها معانٍ يمكن أن تجعلها مقبولة.
الهوامش
1. على سبيل المثال، يعتقد البعض أن حوالي ستين رواية من «عبيد بن كثير»، الذي يعتبر واضعاً للحديث من وجهة نظر الشيعة، قد وجدت طريقها إلى تفسير فرات الكوفي، ومحتوى بعضها غير مقبول (انظر: مسعودي، ۱۳۹۴ش، ۱۶۴). لمثال آخر، انظر: الصدوق، ۱۳۹۰ش، ۱: قسم «المقدمة».
2. كنية يونس بن عبد الرحمن.
3. «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» (الأحقاف: ٩).
4. «فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ» (آل عمران: ٢٠).
5. عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) … «إِنَّ الْيَهُودَ تَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى (ع) عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً … وَتَفَرَّقَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا (ص) عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً …» (الكليني، ۱۳۶۳ش، ۸: ۲۲۴، ح۲۸۳).