تحليل عوامل سوء العاقبة في روايات «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا»

الملخص

يعد موضوع سوء العاقبة وتبيين عوامله بالاعتماد على التعاليم الدينية وتحليل كيفية الموت من الموضوعات المهمة في الدين. وقد صُرّح في الآيات والروايات بعوامل متعددة تؤدي إلى سوء العاقبة. ومن بين هذه الروايات، تلك التي استُخدم فيها تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا». ويشمل نطاق تطبيق هذا التعبير بعض الأصول الاعتقادية والفروع وارتكاب بعض المعاصي. ويُظهر مجموع هذه الروايات أن عوامل مثل إنكار الإمام المفترض الطاعة، وإيذاء أمير المؤمنين (ع)، وترك الصلاة، وترك الزكاة، وترك الحج، وقتل المؤمن، تؤدي إلى سوء العاقبة والموت في زمرة اليهود أو النصارى. وليس دور هذه العوامل في سوء عاقبة الإنسان متساويًا، فكل منها يؤثر في الأفراد بصورة مختلفة، فبعضها يؤدي إلى الخلود في العذاب، وفي البعض الآخر يُتصور وجود أمل في النجاة، وإن كان ذلك بعد تحمل نار جهنم. لذا، فإن معرفة هذه العوامل تكتسب أهمية بالغة لارتباطها بسعادة الإنسان. يسعى هذا المقال، بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى معرفة عوامل سوء العاقبة بناءً على الروايات التي ورد فيها تعبير «الموت يهوديًا أو نصرانيًا».

۱. طرح المسألة

في التعاليم الدينية، يُعد موضوع حسن وسوء العاقبة من الموضوعات البالغة الأهمية، حيث إن معرفة عوامله مفتاحية للغاية لارتباطها الوثيق بمسألة مصير الإنسان. وقد أُشير في القرآن والروايات إلى بعض هذه العوامل. فالقرآن الكريم يقدم التكبر كعامل لسوء عاقبة الشيطان وسقوطه إلى مرتبة الكفر (البقرة: ٣٤). كما يُعد الحسد أحد عوامل سوء العاقبة في الروايات: «ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة» (الآمدي، ١٤١٠هـ، ص ٣٢٨). وفي بعض الروايات، أُشير بتعبير خاص هو «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» إلى بعض عوامل سوء العاقبة. ومن بين هذه العوامل، بالإضافة إلى ترك بعض الأصول العقائدية، يُعد ترك بعض الفروع أيضًا من عوامل سوء العاقبة. إن تحليل كيفية سوء العاقبة بسبب الابتلاء بهذه العوامل بالاعتماد على تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» هو موضوع هذا البحث. وبما أن المصدر الغالب لهذه الروايات هو كتب الحديث المتقدمة مثل الكافي وكتب الشيخ الصدوق، فقد تلقتها الشراح والفقهاء بالقبول. ومجرد شرحهم وتوضيحهم لمفهوم الرواية دون التعرض للمباحث السندية يُعد قرينة على اعتبار هذه الروايات لديهم. لهذا السبب، تم في هذا البحث تحليل ودراسة دلالة هذه الفئة من الروايات بصرف النظر عن المباحث السندية والرجالية. كذلك، حسب ما تم بحثه، لم يُجرَ بحث مستقل في هذا الخصوص. والمقالات التي كُتبت في هذا المجال تناولت هذه المسألة إلى جانب موضوع حسن العاقبة بشكل عام ودون التركيز على الروايات التي استخدمت تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا». على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى مقالة «أهمية ومكانة حسن الخاتمة في الإسلام» (حسيني، ١٣٨٧ش). وثمة أثر آخر كُتب في هذا المجال هو كتاب «أسرار حسن العاقبة وسوء العاقبة» لميرزا حسن أبو ترابي. وكما يتضح من اسم الكتاب، فإن وجه تميزه عن البحث الحالي هو تناوله لعوامل حسن العاقبة بالإضافة إلى عوامل سوء العاقبة. وبصرف النظر عن أن جزءًا كبيرًا من هذا الكتاب يركز على سرد سير الأفراد في فترات تاريخية مختلفة، فإنه لا يوجد تأكيد على روايات الموت في زمرة اليهود والنصارى، بل يكتفي بالإشارة إلى بعض هذه الروايات دون تقديم تحليل لها. بشكل عام، لم يُجرَ تحقيق يتناول الروايات المذكورة بشكل مستقل. لذا، في هذا البحث، تم تناول مسألة سوء العاقبة بشكل جزئي من منظور الروايات التي استخدمت تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا». وفي هذا البحث، بعد عرض بعض النقاط كمقدمة للبحث، ذُكر كل عامل من عوامل سوء العاقبة، وفي ذيل كل منها تم تحليله وتبيينه.

۲. دراسة مفهوم سوء العاقبة

يُطلق «السوء» في اللغة على كل ما يحزن الإنسان من أمور الدنيا والآخرة (الراغب، ١٤٢٨هـ، ص ٢٥٣). كما أن «السوء» اسم مصدر (المصطفوي، ١٤٣٠هـ، ج ٥، ص ٣٠٦) وهو صفة لكل شيء وضيع (الفراهيدي، ١٤٣٥هـ، ج ٢، ص ٨٧٠). وفي الروايات أيضًا، استُخدم «السوء» بهذا المعنى: «سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك» (السيد الرضي، د.ت، ص ٤٧٧)؛ أي أن الذنب الذي يحزنك خير عند الله من الحسنة التي توقعك في العجب. كما أن النبي الأكرم (ص) يدعو الله في دعاء له قائلاً: «اللهم إني… أعوذ بك من وسوء المنظر في الأهل والمال والولد» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٢، ص ٥٢٦)؛ أي يا إلهي، أعوذ بك من المنظر السيئ والمشهد المؤلم في أهلي ومالي وأولادي. و«العاقبة» من جذر «عقب» بمعنى آخر ونهاية كل شيء (الفراهيدي، ١٤٣٥هـ، ج ٢، ص ١٢٤٣؛ الفيومي، ١٤١٤هـ، ص ٤١٩) أو تأخر الشيء ومجيئه بعد غيره (ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج ٤، ص ٧٨). وتُستخدم «العاقبة» في عاقبة الخير والشر كليهما: «والعاقبة للمتقين» (الأعراف: ١٢٨)، «فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» (الأنعام: ١١). وفي الروايات أيضًا، يُقصد بالعاقبة نهاية كل أمر وختامه: «خير الأمور خيرها عاقبة» (الصدوق، ١٤١٣هـ، ج ٤، ص ٤٠٢)؛ أي أفضل الأمور أحسنها عاقبة. «حقيقة السعادة أن يختم الرجل عمله بالسعادة وحقيقة الشقاء أن يختم المرء عمله بالشقاء» (الصدوق، ١٣٦٢ش، ج ١، ص ٥)؛ أي حقيقة السعادة أن ينهي الإنسان عمله بالسعادة، وحقيقة الشقاء أن ينهي الإنسان عمله بالشقاء. وفي رواية أخرى عن النبي (ص) أيضًا، يُعتبر منتهى الأعمال وختامها هو معيار تقييمها (المفيد، ١٤١٣هـ (أ)، ص ٣٤٣). وقد استخدم القرآن في الآية ١٠ من سورة الروم كلتا الكلمتين: «ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون» (الروم: ١٠). في هذه الآية، ذُكر أن عاقبة ارتكاب القبائح والمعاصي هي تكذيب آيات الله، وهذا ينسجم مع المعنى اللغوي والمعنى المستفاد من الروايات. ومن مجموع الآيات والروايات المذكورة والمعنى اللغوي لـ«العاقبة»، يُستنبط أن عاقبة كل أمر تكون متناسبة مع ذلك الأمر نفسه، وأن السعادات والشقاوات ستُكتب في نهاية الأمور. وبناءً على ذلك، إذا نُظر إلى العاقبة بالنسبة لطول عمر الفرد، فإن عاقبة الإنسان تكون ناظرة إلى نهاية حياته. بالنظر إلى دراسة المفهوم التي جرت في الروايات واللغة لمصطلح «سوء العاقبة»، فإن عاقبة الشخص تقع في نهاية حياته الدنيوية أو بعبارة أخرى في عالم الآخرة. لذا، فإن المراد من سوء العاقبة هو الوقوع في العذاب الأخروي بعد مفارقة الدنيا، بمعنى أن الشخص يتصرف في الدنيا بطريقة تجعله يُعاقب بعد الموت. ونتيجة لذلك، فإن سوء العاقبة مصطلح يتعلق بحياة الإنسان الأخروية؛ لأن السعادة والشقاء الحقيقيين المرتبطين بالبعد الروحاني للإنسان يتحققان بعد الموت وفي عالم غير عالم الدنيا. بناءً على هذا التحليل، يُعد الابتلاء بالعقاب واستحقاق العذاب في الآخرة من مقومات مفهوم سوء العاقبة. ونتيجة لذلك، فإن استخدام مصطلح سوء العاقبة لوصف الأفراد الذين انحدروا من مراتب إيمانية عليا ولكنهم لا يستحقون العذاب ليس شائعًا. بالطبع، في لسان العرف، يُقال لمن يصابون بعقوبة شنيعة في حياتهم الدنيوية، بمعنى أنهم يُبتلون بجزاء ذنوبهم في هذه الدنيا نفسها بعد ارتكاب معصية كبيرة، بأن عاقبتهم كانت شرًا. ولكن يجب الانتباه إلى أن المعيار في حسن العاقبة وسوءها هو كامل حياة الفرد، وخصوصًا نهايتها. فقد يكون شخص قد قضى سنوات في طريق الباطل، ولكنه يتوب في النهاية ويشمله حسن العاقبة. أو قد يقضي شخص عمره في عبادة الله، ولكنه في نهاية عمره يزل ويسقط إلى أحط الدرجات، كما يشهد التاريخ على صحة هذا الادعاء.

۳. سوء العاقبة ونطاق شمولها

بناءً على بعض آيات القرآن الكريم، يُعد الكفر والشرك والنفاق من عوامل سوء العاقبة والوقوع في نار جهنم: «ومن كفر فأمتعه قليلًا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير» (البقرة: ١٢٦)، «إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا» (النساء: ١٤٠)، «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين» (الروم: ٤٢). ولكن يُستفاد من آيات أخرى من القرآن الكريم وروايات الأئمة المعصومين (ع) أن سوء العاقبة لا يختص بالكفار والمشركين ومكذبي الآيات الإلهية، بل إن جميع البشر، بمن فيهم المؤمنون والصالحون، معرضون لهذا المصير المشؤوم، لأن الشيطان يتربص دائمًا بالإنسان ليضله عن طريق الحق والصراط المستقيم. لذا، يحذر الله الإنسان في القرآن من أن يغفل عن عداوة الشيطان، وألا يتولاه ولا يتبعه (يس: ٦٠). والخطاب في هذه الآية عام يشمل جميع البشر، كافرًا ومؤمنًا. ولكن في بعض الآيات، خُوطب المؤمنون تحديدًا وحُذّروا من طاعة الشيطان واتباعه، لأن الشيطان يأمر الإنسان دائمًا بالسوء والفحشاء: «يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر» (النور: ٢١). كما يحذر القرآن المؤمنين الذين يضعفون في حماية عقيدتهم ويستبدلون إيمانهم بالكفر. فالذين هم أهل إيمان وعمل صالح، ولكنهم بسبب الغفلة ينحرفون تدريجيًا عن طريق الحق وينتهون إلى وادي الكفر، بحيث يُحرمون من هداية الله إلى الأبد: «إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا» (النساء: ١٣٧). وفي بعض الروايات، يُعبّر عن هذا الإيمان غير المستقر الذي يتحول إلى كفر بالإيمان العارية؛ لأنه كما أن العارية والأمانة لا تخص الشخص وتُرد إلى صاحبها، فإن إيمان مثل هذا الشخص سيتركه أيضًا. في الحقيقة، هؤلاء الأفراد قد استعاروا الدين ثم خرجوا منه، وبالتالي لن يفيدهم حالهم شيئًا. يقول الإمام الكاظم (ع) لأحد أصحابه في رواية أن يكثر من هذا الدعاء: «اللهم لا تجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٢، ص ٥٧٩)؛ أي يا إلهي، لا تجعلني ممن استعاروا الإيمان ولا تخرجني من حد التقصير. كما يطلب الإمام السجاد (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي الثبات على الإيمان من الله بهذه الصورة: «اللهم إني أسألك إيمانًا لا أجل له دون لقائك» (ابن طاووس، ١٤٠٩هـ، ج ١، ص ٧٥)؛ أي يا إلهي، أسألك إيمانًا لا نهاية له إلا لقاؤك. من جهة أخرى، يطرح القرآن أيضًا مسألة حسن العاقبة كأحد مطالب المؤمنين، مما يدل على قلقهم بشأن مصيرهم. ومن ذلك ما جاء على لسان الراسخين في العلم، الذين يطلبون من ربهم ألا يزيغ قلوبهم عن طريق الحق، وأن يثبتهم على هذا الطريق، وأن يشملهم بهدايته ومغفرته: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» (آل عمران: ٨). وبالنظر إلى طلب هذه الفئة من المؤمنين الذين رسخ العلم في قلوبهم وهم من عباد الله الصالحين المختارين، يتضح حال سائر المؤمنين، حيث إن حاجتهم إلى طلب حسن العاقبة ستكون أعظم بكثير. ويوصي الله المؤمنين في القرآن بالسعي من خلال اجتناب المعاصي لمواجهة الموت وهم على الإسلام: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» (آل عمران: ١٠٢). كما يعبر النبي الأكرم (ص) عن قلق المؤمن على عاقبته بهذه الصورة: «لا يزال المؤمن خائفًا من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له» (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج ٦٦، ص ٣٤٣)؛ أي أن المؤمن يظل دائمًا خائفًا من سوء عاقبته ولا يتيقن من نيل رضا الله حتى لحظة احتضاره وظهور ملك الموت له. بناءً على الآيات والروايات المذكورة، يمكن استنتاج أن المصير السيئ والوقوع في نار جهنم لا يختص بفئة معينة من الناس، وليس فقط الأفراد الذين لا يؤمنون بالأصول الاعتقادية والمذهب الحق، أو الذين ليسوا من أهل اجتناب المعاصي ومراعاة التقوى الإلهية في الدنيا، بل إن المؤمنين أيضًا معرضون لمثل هذه العاقبة. وبالطبع، فإن كيفية الوقوع في سوء العاقبة ليست متساوية للجميع؛ لأن لسوء العاقبة مراتب، وتختلف باختلاف عقائد وأعمال الأفراد. فقد تكون عقيدة وعمل فئة بحيث يقعون في أشد مراتب سوء العاقبة، فلا ينجون منها، ولكن فئة أخرى بعد تحمل درجة من سوء العاقبة، يؤول أمرهم في النهاية إلى حسن العاقبة. كما أن المؤمنين الذين يرحلون عن الدنيا معتقدين بالدين والمذهب الحق وعاملين بالصالحات، إذا ارتكبوا معصية ولكنهم تابوا وسعوا إلى جبرانها، فإن المغفرة الإلهية وحسن العاقبة ستشملهم.

بناءً على المباحث التمهيدية التي طُرحت، سنتناول الآن العوامل التي تؤدي إلى الخروج من الإسلام والموت على دين اليهودية والنصرانية، وتوقع الإنسان في سوء العاقبة.

۴. الموت في زمرة اليهود والنصارى

في مصادرنا الدينية، ذُكرت حالات متعددة من عوامل سوء العاقبة. بعض هذه العوامل تؤدي إلى الموت على دين غير الإسلام، والتي أُشير إليها في الروايات بتعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا». وبما أن هذا التعبير يأتي في سياق ذم فئة من المسلمين الذين يعاني إيمانهم من نقص، ومن جهة أخرى، فإن استخدام هذا التعبير إما أن يكون في فضاء العقائد الإسلامية أو في فضاء الأحكام الإسلامية، لذا يُستفاد من هذا التعبير أن الموت على دين اليهود والنصارى يختص بالمسلمين، وأن الإتيان ببعض الأمور أو تركها يؤدي إلى الخروج من الإسلام. ورغم أن ارتكاب معصية يتبعها الخروج من الإسلام يُعد علامة على الابتلاء بنوع من الكفر، إلا أنه لا يمكن اعتبار الكفار والمشركين مشمولين بهذه الفئة من الروايات بسبب ارتكابهم أو إنكارهم لهذه الأمور؛ لأن الكفار والمشركين يموتون وهم على دين الكفر والشرك. ومن جهة أخرى، فإن الموت على دين غير الإسلام يُعد علامة على عظمة وخطورة الذنب الذي يوقع الشخص في مثل هذا المصير، بحيث يؤدي ارتكابه إلى تدمير ركن من أركان الإسلام. في الحقيقة، هذا التعبير هو تحذير وتنبيه للمسلمين حتى لا يتهاونوا في الالتزام بالتكاليف أو ترك المعاصي.

۱-۴. إنكار الإمامة

مسألة الإمامة والولاية، باعتبارها أحد أهم مؤشرات المؤمن في دين الإسلام، كانت دائمًا محل تأكيد الأئمة المعصومين (ع). فكما أن بعثة الأنبياء ضرورية لنمو البشر وتكاملهم، فإن وجود الإمام والولي المعصوم ضروري أيضًا لحفظ الدين ومواصلة طريق الأنبياء. الإمامة، مثل النبوة، مقام لا يُعطى إلا من قِبَل الله تعالى، والظالمون لن ينالوا هذا العهد. معرفة الإمام ومعرفة مكانته شرط للدخول في الإيمان. يقول الإمام الصادق (ع): «لا يكون العبد مؤمنًا حتى يعرف الله ورسوله والأئمة كلهم وإمام زمانه ويرد إليه ويسلم له» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ١، ص ١٨٠)؛ أي لا يكون العبد مؤمنًا حتى يعرف الله ورسوله وجميع أئمة الهدى وإمام زمانه، ويرجع إليه في أموره ويسلم لأمره. أهمية مسألة الإمامة تصل إلى درجة أنه إذا كان الفرد صاحب أعمال صالحة ومجتنبًا للمعاصي، ولكنه يعتقد بإمام غير منصوب من قِبَل الله، فإن أعماله لن تفيده شيئًا. يقول الإمام الصادق (ع) في هذا الصدد: «إن الله لا يستحيي أن يعذب أمة دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برة تقية وإن الله ليستحيي أن يعذب أمة دانت بإمام من الله وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة» (نفس المصدر، ج ١، ص ٣٧٦)؛ أي أن الله عز وجل لا يستحيي أن يعذب أمة تدين بإمامة إمام ليس من الله، وإن كانت في أعمالها بارة تقية، وإن الله ليستحيي أن يعذب أمة تدين بإمامة إمام من الله، وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة. بناءً على الروايات المذكورة والمكانة الأساسية للإمامة في سعادة البشر، فإن إنكار الإمام وعدم الاعتقاد به في الحياة والموت على هذا الحال، يُعد في بعض الروايات من عوامل وقوع الفرد في عداد اليهود والنصارى والخروج من الإسلام. في حديث عن الإمام الصادق (ع)، يُبين الارتباط بين عدم الاعتقاد بالإمامة ومسألة حسن وسوء العاقبة بهذه الصورة: «منا الإمام المفروض طاعته من جحده مات يهوديًا أو نصرانيًا والله ما ترك الله الأرض منذ قبض الله عز وجل آدم إلا وفيها إمام يهتدى به إلى الله حجة على العباد ومن تركه هلك ومن لزمه نجا حقًا على الله» (الصدوق، ١٤٠٦هـ، ص ٢٠٥؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج ٢٣، ص ٨٥)؛ أي أن الإمام الذي طاعته واجبة هو من أهل بيتنا، ومن أنكره مات على دين اليهود أو النصارى. أقسم بالله أن الله لم يترك الأرض منذ قبض روح آدم (ع) إلا وفيها إمام يُهتدى به إلى الله، وهو حجة على عباده، ومن تركه هلك، ومن لزمه نجا، وهذا حق على الله. كما يحتج أمير المؤمنين (ع) في حديث على مخالفيه بهذه الصورة: «والله إن منا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وإن منا حمزة سيد الشهداء، وإن منا الإمام المفترض الطاعة، من أنكره مات إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا» (عدة من العلماء، ١٤٢٣هـ، ص ٢٦٦)؛ أي أقسم بالله إن رسول الله (ص) منا، وإن حمزة سيد الشهداء منا، ومنا الإمام الذي طاعته واجبة، ومن أنكره مات إن شاء على دين اليهود، وإن شاء على دين النصارى.

۲-۴. إيذاء أمير المؤمنين (ع) وبغضه

إن إيذاء أهل البيت (ع) والعداوة لهم هو في الحقيقة إيذاء للنبي الأكرم (ص) ومعاداة له، وقد ورد في القرآن أن من يؤذي النبي فله عذاب أليم. كما ورد في القرآن أن محبة أهل البيت (ع) هي أجر رسالة النبي (ص) ومكافأتها. وفي روايات متعددة، اعتبر حب أمير المؤمنين (ع) وبغضه علامة على الإيمان والنفاق. يقول النبي الأكرم (ص): «يا علي، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» (الصدوق، ١٣٨٥ش، ج ١، ص ١٤٥). بناءً على هذه الروايات، إذا كان الشخص يحمل في قلبه بغضًا لأمير المؤمنين (ع)، فإنه يكون منافقًا، وإذا مات على هذه الحالة، فإنه يكون على دين غير الإسلام، ويموت في زمرة اليهود والنصارى، ويكون مصيره النار. يقول الإمام الصادق (ع): «من أصبح وفي قلبه بغض لعلي عليه السلام أصبح يهوديًا أو نصرانيًا» (البرقي، ١٣٧١هـ، ج ١، ص ٩٠)؛ أي من استيقظ وفي قلبه بغض لعلي (ع)، فقد استيقظ يهوديًا أو نصرانيًا. وفي رواية أخرى، يقول النبي الأكرم (ص): «يا أيها الناس من آذى عليًا فقد آذاني، إن عليًا أولكم إيمانًا وأوفاكم بعهد الله، يا أيها الناس من آذى عليًا بعث يوم القيامة يهوديًا أو نصرانيًا» (الحسكاني، د.ت، ج ٢، ص ١٤)؛ أي يا أيها الناس، من آذى عليًا فقد آذاني، إن عليًا هو أولكم إيمانًا وأوفاكم بعهد الله. يا أيها الناس، من آذى عليًا، بُعث يوم القيامة يهوديًا أو نصرانيًا. من جهة أخرى، فإن حب ومودة أهل البيت (ع) محل اتفاق جميع المسلمين، ولا يختص بالشيعة. وقد نقل علماء العامة أيضًا أحاديث متعددة في هذا الخصوص في كتبهم. وهذا الحب يصل إلى درجة أن أئمة المذاهب الأربعة لأهل السنة قد أظهروا محبتهم لآل رسول الله (ص). على سبيل المثال، يعبر محمد بن إدريس الشافعي، إمام المذهب الشافعي، عن حبه لآل البيت (ع) في شعر بهذه الصورة: «يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله؛ كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له» (الشافعي، ١٤٢٦هـ، ص ٩٣). ولهذا، فإن آل النبوة (ع) محل تكريم واحترام شبه إجماعي بين الفرق الإسلامية. لذا، من الضروري الانتباه إلى أن حساب أعداء أهل البيت (ع) والجماعات التي يُعبر عنها بالناصبية منفصل عن جماهير العامة وعلمائهم (الإيرواني، حق پناه، انجم شعاع، ١٤٠٠ش، ص ١٦٧). إن حمل بغض أمير المؤمنين (ع) يستلزم إنكاره وإنكار مسألة الإمامة. لذا، من يبغض ذلك الإمام ولكنه لا يظهر حقده، فإنه يحمل نفاقًا، ورغم أنه يُعامل كغيره من المسلمين، إلا أنه في زمرة الكافرين بأئمة أهل البيت (ع). ولكن إذا أظهر مثل هذا الشخص عداوته وبغضه، فبالإضافة إلى خروجه من دائرة الإيمان، يخرج أيضًا من دائرة الإسلام، وتجري عليه أحكام الكفار؛ لأنه كما مر، فإن مودة وحب آل النبوة (ع) محل اتفاق الفرق الإسلامية وتُعد من ضروريات الدين. يقول العلامة المجلسي في رسالة اعتقاداته بعد أن يعد الاعتقاد بأئمة أهل البيت (ع) ووجوب طاعتهم من ضروريات المذهب، إن إنكارهم يوجب الإلحاق بالمخالفين للمذهب ويكتب: «وأما مودتهم وتعظيمهم في الجملة، فمن ضروريات دين الإسلام ومنكره كافر كالنواصب والخوارج» (المجلسي، ١٣٩٢ش، ص ٢٤٨)؛ أي أما وجوب مودتهم ولزوم تعظيمهم واحترامهم في الجملة وبالإجمال، فهو من ضروريات دين الإسلام، ومنكره كافر مثل النواصب والخوارج.

۳-۴. ترك بعض الفرائض

التكاليف الواجبة على المسلمين في الإسلام كلها متساوية من حيث أصل الوجوب، ولكنها ليست على مستوى واحد من حيث الأهمية ودورها في سعادة الإنسان. فمثلًا، الصلاة هي أول فريضة يُسأل عنها في الآخرة، وإذا قُبلت، قُبلت سائر الأعمال، وإذا لم تُقبل صلاة الشخص، رُدت عليه سائر أعماله (الصدوق، ١٤١٣هـ، ج ١، ص ٢٠٨). وللزكاة أيضًا أهمية بالغة بين الفرائض، بحيث إن أحب الناس عند الله هو أسخاهم، وأسخى الناس من أدى زكاته (الصدوق، ١٤١٣هـ، ج ٢، ص ٧). ومن الفرائض المهمة الأخرى التي لها مكانة أساسية في الإسلام الحج. يقول الإمام الباقر (ع) عن الآية الكريمة «ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين»: «إن المراد من الفرار إلى الله هو قصد الحج» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٤، ص ٢٥٦). مكانة بعض هذه الأحكام بين الأحكام الأخرى هي بمثابة الركن أو الأساس للإسلام، بحيث إن تركها أو الاستخفاف بها يؤدي إلى إلحاق الضرر بأصل بناء الإسلام. الصلاة والزكاة والحج هي من هذه الفئة من الأحكام. بعض الروايات تعتبر ترك هذا النوع من الفرائض بمثابة الكفر، وفي البعض الآخر، يُذكر أن تاركي هذه الأحكام يموتون على غير الإسلام وفي زمرة اليهود والمسيحيين. «من ترك الصلاة لا يرجو ثوابها ولا يخاف عقابها فلا أبالي أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا» (الشعيري، د.ت، ص ٧٤؛ المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج ٧٩، ص ٢٠٢)؛ أي من ترك الصلاة وهو لا يرجو ثوابها ولا يخشى عقابها، فلا أبالي إن مات يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا. «من منع قيراطًا من الزكاة فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٣، ص ٥٠٥)؛ أي من منع قيراطًا من الزكاة الواجبة، فليمت على دين اليهود أو المسيحيين. «من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديًا أو نصرانيًا» (نفس المصدر، ج ٤، ص ٢٦٨)؛ أي من مات ولم يحج حجة الإسلام، ولم يمنعه من ذلك حاجة شديدة أو مرض لا يطاق أو سلطان مانع، فليمت يهوديًا أو نصرانيًا. إن ترك أي من هذه الفرائض إذا كان بسبب عدم الاعتقاد بوجوبها، بحيث يعود هذا الإنكار إلى تكذيب النبي الأكرم (ص)، فإنه يوجب كفر الشخص المنكر؛ لأن هؤلاء الأفراد في الحقيقة ينكرون ما هو ضروري من الدين.1 وفي هذه الحالة، يخرج الفرد حقيقة من دائرة الإسلام ويُعد مرتدًا ويشمله أحكام الكفار. وفي غير هذه الحالة، إذا لم يكن تارك هذه الفرائض منكرًا لأصلها، فإنه لا يُعد مرتدًا. يقول الإمام الصادق (ع) في رواية: «لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٢، ص ٣٨٨). وفي الروايات، ذُكرت للكفر خمسة وجوه، أحدها هو «ترك ما أمر الله» بمعنى ترك ما أمر الله به (نفس المصدر، ج ٢، ص ٣٨٩). ونتيجة لذلك، يمكن القول إن الكفر بهذا المعنى هو في مقابل الإيمان وليس في مقابل الإسلام، بمعنى أن ترك هذه الفرائض يؤدي إلى عدم كمال إيمان الشخص واستحقاقه للعقاب في الآخرة. وقد حمل شراح الحديث الكفر في مثل هذه الروايات على هذا المعنى. فقد فسر العلامة المجلسي الكفر في روايات تارك الصلاة بمعنى أنه في مقابل الإيمان، بحيث لا يترتب على مثل هذا الكفر وجوب القتل والنجاسة والخلود في جهنم، بل إن هذا الفرد يستحق التعزير في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج ٧٩، ص ٢١٥). كما أن الملا هادي المازندراني في شرحه على فروع الكافي في ذيل الروايات التي تنفي الإسلام والإيمان عن تارك الزكاة (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٣، ص ٣)، يلحق منكر أصل الزكاة بالمرتد ويرد حكم الكفر على من يمتنع عن دفع الزكاة ولكنه لا ينكر أصلها. وفي حالة عدم الإنكار، يفسر الكفر في هذه الرواية بنفي الكمال في الإيمان والإسلام، ويواصل نسبة الكفر إلى تارك الصلاة والحج من هذا الباب (المازندراني، ١٤٢٩هـ، ج ٣، ص ٣٣٩). وقد بين المجلسي الأول أيضًا هذا المعنى من نفي الإيمان والإسلام عن تارك الزكاة في شرحه على كتاب «من لا يحضره الفقيه» (١٤١٤هـ، ج ٥، ص ٤٥٦). كما حمل موت تارك الحج على دين النصارى واليهود على حشر مثل هذا الفرد معهم أو أن يكون في عذاب ترك الحج مثلهم (١٤١٤هـ، ج ٨، ص ١٥٤؛ ١٤٠٦هـ، ج ٥، ص ٦٧). كذلك، يقول العلامة المجلسي في تفسير آية «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين» (آل عمران: ٩٧): «وُضع الكفر موضع من لم يحج تأكيدًا لوجوبه وتغليظًا على تاركه، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا» (١٤٠٤هـ، ج ٧، ص ١٠٣). إن تعبير «من كفر» لمن لم يحج جاء لتأكيد مكانة الحج وشدة ذنب تاركه، ولهذا السبب قال النبي (ع) فيمن ترك الحج إنه يجب أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا. ويقول العلامة الطباطبائي أيضًا في تفسير هذه الآية الشريفة: «الكفر هاهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلاة والزكاة فالمراد بالكفر الترك» (الطباطبائي، ١٣٩٠هـ، ج ٣، ص ٣٥٥). الكفر في هذه الآية هو من باب الكفر بالفروع، مثل الكفر بترك الصلاة والزكاة، فالمقصود بالكفر هو ترك هذه الأمور. بناءً على ما ذُكر في هذا القسم، يمكن القول إن تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» إذا استُخدم في حق منكر الفرائض الإلهية، فإنه يعني الخروج من الإسلام والكفر الحقيقي والإلحاق بالكافرين في الأحكام الدنيوية والوقوع في عذاب الكفار؛ لأن إنكار مثل هذا الفرد يعود في الحقيقة إلى إنكار ضروري من الدين. وأما إذا ترك الشخص الفرائض ليس من باب إنكارها، فإن التعبير المذكور يكون للمبالغة في أهمية هذه الفرائض وعظمة ذنب تركها، كما أشار المجلسي الأول إلى هذا المعنى (١٤١٤هـ، ج ٥، ص ٤٥٧)، أو أنه يعني النقص في الإيمان والوقوع في العقاب الإلهي. وفي كلتا الحالتين، فإن الموت المذكور في زمرة اليهود والنصارى يدل على سوء عاقبة تارك الفرائض الإلهية، مع فارق أن ترك الفرائض مع الإنكار يؤدي إلى الخروج من دائرة الإسلام في هذه الدنيا، أما ترك هذه الأمور بدون إنكار فهو علامة على عظمة تركها وسوء عاقبة الشخص.

۴-۴. قتل المؤمن

من الأعمال الأخرى التي استُخدم بشأنها تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» قتل المؤمن. إن القتل العمدي للمؤمن من الكبائر التي وُعد بالخلود في النار من أجلها في القرآن (النساء: ٩٣). يقول الإمام الباقر (ع) في حديث: «من قتل مؤمنًا متعمدًا أثبت الله عليه جميع الذنوب وبرئ المقتول منها» (الصدوق، ١٤٠٦هـ، ص ٢٧٨). وتخبر بعض الروايات أيضًا بالموت في زمرة اليهود والنصارى بسبب قتل المؤمن. يقول الإمام الصادق (ع) في هذا الصدد: «في رجل قتل رجلًا مؤمنًا قال يقال له مت أي ميتة شئت إن شئت يهوديًا وإن شئت نصرانيًا وإن شئت مجوسيًا» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٧، ص ٢٧٣)؛ أي في الرجل الذي يقتل رجلًا مؤمنًا، يُقال له عند الموت: مت أي ميتة شئت، إن شئت يهوديًا وإن شئت نصرانيًا وإن شئت مجوسيًا. يطرح المجلسي الأول في ذيل هذا الحديث احتمالين: الأول أن تعبير الموت على دين اليهود والنصارى هو لأن القاتل قتل المؤمن بسبب إيمانه، والثاني أن التعبير المذكور جاء من باب المبالغة في حرمة قتل المؤمن (١٤٠٦هـ، ج ١٠، ص ٢٨١). ومن جهة أخرى، ورد في بعض الروايات أيضًا أن توبة من قتل مؤمنًا عمدًا بسبب إيمانه لا تُقبل عند الله (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٧، ص ٢٧٦). هذه الرواية الأخيرة تتعارض مع ظاهر الآية ٥٣ من سورة الزمر التي وعد الله فيها بمغفرة جميع الذنوب. وقد اعتقد بعض المفسرين أن المغفرة في هذه الآية مطلقة وغير مقيدة بالتوبة (الآلوسي، ١٤١٥هـ، ج ١٢، ص ٢٦٩). ولكن هذا الرأي، بصرف النظر عن عدم انسجامه مع الحكمة الإلهية، لا يتناسب أيضًا مع الآيات اللاحقة في نفس السورة التي تأمر بالعودة إلى الله والتسليم له واتباع أوامره (الزمر: ٥٤-٥٥). ونتيجة لذلك، فإن مغفرة الذنوب في الآية ٥٣ من سورة الزمر مشروطة بالتوبة. ومن جهة أخرى، فإن ظاهر الآية عام ويشمل مغفرة جميع الذنوب، وحتى الشرك الذي يُعد أكبر معصية عند الله، يمكن غفرانه بالتوبة وقبول الإسلام. إذن، فإمكانية غفران ذنب قتل المؤمن إذا كان مصحوبًا بالتوبة موجودة. بناءً على هذا، فإن المقصود من عدم قبول توبة من يقتل مؤمنًا بسبب إيمانه هو أن القاتل في هذه الحالة يكون في حكم الكافر، وتوبة المرتد لا تُقبل من الله تعالى (المجلسي، ١٤٠٦هـ، ج ١٠، ص ٢٨١). في الحقيقة، سبب عدم قبول توبة مثل هذا الشخص هو كفره وارتداده، وليس القتل نفسه؛ لأن قتل المؤمن بسبب إيمانه هو مصداق لإظهار وإبراز البغض والعداوة تجاه أولياء أهل البيت (ع). ولهذا السبب، أفتى بعض الفقهاء بكفر من يعادي الشيعة بسبب محبتهم لأهل البيت (ع) ويظهر هذه العداوة (الشهيد الثاني، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٤٢٠؛ الحلي، ١٤٢٩هـ، ص ٢٢٧). وبهذا البيان، يتضح سبب الخلود في العذاب الذي طُرح في الآية ٩٣ من سورة النساء؛ لأن قتل المؤمن بسبب إيمانه هو علامة على كفر القاتل، ويستلزم ذلك الخلود في العذاب (مكارم الشيرازي، ١٣٨٢ش، ج ٤، ص ٦٨). بناءً على هذه التوضيحات، يتقوى الاحتمال الثاني الذي طُرح في بداية هذا القسم بشأن رواية الإمام الصادق (ع) لتعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا»؛ لأنه في هذه الرواية، لا يوجد حديث عن قتل المؤمن بسبب إيمانه وعدم قبول توبة القاتل. ويؤيد العلامة المجلسي أيضًا هذا الرأي، ورغم أنه يعتبر موت مثل هذا الشخص في زمرة اليهود أو النصارى، فإنه يعتقد أن هذا الشخص سينجو في النهاية من العذاب ولن يخلد في النار (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ٢٤، ص ٨). وبما أن قتل المؤمن يُعد من الكبائر، فإن البحث الرئيسي في هذه المسألة يدور حول المؤمنين الذين لديهم ذنوب كبيرة ولم يوفقوا للتوبة قبل الموت. وفي غير هذه الحالة، فإن دخول المؤمن الذي أخطأ ثم تاب إلى الجنة أمر لا إشكال فيه عند جميع علماء الإسلام (الميرزائي، ١٤٠١ش، ص ٢٧٩). يُستفاد من الروايات أن مجرد ارتكاب الكبيرة لا يوجب الخلود في العذاب. وبالطبع، رغم أن مثل هذا الشخص سيبتلى بالعذاب الأخروي، إلا أنه إذا كان يعتقد بالتوحيد والإسلام وولاية الأئمة الأطهار (ع)، فإنه سينجو في النهاية من النار. وقد أُشير إلى هذه المسألة في الروايات أيضًا. يقول الإمام الكاظم (ع) في رواية إن الله قد خص الخلود في العذاب بأهل الكفر والشرك والإنكار، ثم يتابع بنقل عن النبي الأكرم (ص) أن شفاعته تشمل من ارتكب الكبائر من أمته (الصدوق، ١٣٩٨هـ، ص ٤٠٧). ويرى الشيخ المفيد أيضًا أن الخلود في جهنم يختص بالكفار، ويعتقد أن مرتكبي الذنوب من المؤمنين ومن أهل معرفة الله تعالى لن يخلدوا في العذاب وسينجون منه في النهاية. ويعتبر هذا الرأي محل اتفاق الإمامية (المفيد، ١٤١٣هـ (ج)، ص ٤٦). ينقل العلامة المجلسي في كتاب بحار الأنوار روايات متعددة تحت عنوان «من يخلد في النار ومن يخرج منها». وقد ورد في بعض هذه الروايات أن شيعة أمير المؤمنين (ع) ومواليه سينجون من الخلود في العذاب، أما أعداؤه فسيخلدون في النار (المجلسي، ١٤٠٣هـ، ج ٨، ص ٢٥١-٢٦٣). كما يقول الإمام الصادق (ع) في تفسير آية «وما هم بخارجين من النار» إن المقصود هم أئمة الكفر وأتباعهم (نفس المصدر). ثم يجمع المجلسي حاصل الآيات والروايات المذكورة في هذا الباب بهذه الصورة: «اعلم أن الذي يقتضيه الجمع بين الآيات والأخبار أن الكافر المنكر لضروري من ضروريات دين الإسلام مخلد في النار لا يخفف عنه العذاب إلا المستضعف الناقص في عقله أو الذي لم يتم عليه الحجة ولم يقصر في الفحص والنظر فإنه يحتمل أن يكون من المرجون لأمر الله… أما أصحاب الكبائر من الإمامية فلا خلاف بين الإمامية في أنهم لا يخلدون في النار» (نفس المصدر، ص ٢٦٣)؛ أي اعلم أن مقتضى الجمع بين الآيات والأخبار هو أن الكافر الذي ينكر شيئًا من ضروريات الإسلام خالد في النار لا يخفف عنه العذاب، إلا المستضعف فكريًا والناقص في عقله، أو الشخص الذي لم تتم عليه الحجة ولم يقصر في البحث عن الدليل، فمثل هؤلاء الأفراد يُحتمل أن يكون أمرهم موكولًا إلى الله… أما مرتكبو الكبائر من الإمامية، فلا خلاف بينهم على أنهم لن يخلدوا في النار. بناءً على ما ورد في هذا القسم، يجب القول إنه رغم أن نفس المؤمن محترمة جدًا في الإسلام وقتلها يُعد من الكبائر، إلا أنه إذا لم يقتل الشخص الذي ارتكب هذه الخطيئة الكبيرة المؤمن بسبب إيمانه، فإنه لا يخرج من دائرة الإسلام وتوجد له فرصة للتوبة. وبهذه التوضيحات، فإن تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» في حق من ارتكب القتل يعني عظمة قبح هذا الذنب وشدة عذابه في الآخرة. لذا، فإن مثل هذا الفرد من حيث أنه سيواجه العقاب الإلهي بعد الموت، يكون قد ساءت عاقبته، ولكن إذا توفرت له فرصة المغفرة، فإنه سينجو من العذاب.

۵. الخلاصة والاستنتاج

۱- سوء العاقبة يعني النهاية السيئة والتعذيب بالعقوبة الإلهية. هذا المصطلح يتعلق بالحياة الأخروية للإنسان ويتحقق في العالم بعد الموت.

۲- لا يختص سوء العاقبة بفئة معينة من الناس، والفرد في أي مرتبة كان، يكمن له خطر سوء العاقبة. لذا، تحذر آيات متعددة من القرآن الكريم وروايات الأئمة المعصومين (ع) من هذا المصير المشؤوم.

۳- في بعض الروايات، للإشارة إلى سوء عاقبة بعض الأفراد، استُخدم تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا». ويشمل نطاق استخدام هذا التعبير الأصول الاعتقادية والفروع والكبائر من الذنوب.

۴- إن استخدام تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» ليس متساويًا في جميع الحالات المذكورة، وفي كل منها يفيد معنى خاصًا. في بعض الحالات، يعني الخروج من دائرة الإسلام والانضمام إلى سلك الكافرين، وفي حالات أخرى، يعني الخروج من الإيمان والمذهب الحق والدخول في زمرة مخالفي مذهب أهل البيت (ع). وأحيانًا يُستخدم في حق من ينكر ضروريًا من الدين من الأصول والفروع، وأحيانًا أخرى يُستخدم لإظهار مكانة وأهمية أمر من فرائض الإسلام وعظم ذنب تركه. وفي حالات أخرى أيضًا، يعني شدة العذاب الأخروي وعظم ارتكاب المعاصي. في جميع الحالات المذكورة، فإن تعبير «مُتْ يهوديًا أو نصرانيًا» يعني سوء العاقبة والوقوع في مرتبة من العقاب الإلهي.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

الآلوسي، محمود بن عبد الله، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ.

الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، قم، دار الكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٠هـ.

ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال (ط – القديمة)، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤٠٩هـ.

ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ١٤٠٤هـ.

أبو ترابي، ميرزا حسن، أسرار حسن العاقبة وسوء العاقبة، قم، أسوة، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ش.

الإيرواني، جواد؛ رضا حق پناه؛ محمد رضا انجم شعاع، «تحليل روايات موهم تكفير مبتني بر مراتب كفر وضلالت واصطلاح شناسي قرآني»، مطالعات فهم حديث ٨، ١٥ (١٤٠٠): ١٥٧-١٧٥، doi:10.30479/mfh.2021.2495.

الحسكاني، عبيد الله بن عبد الله، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، د.م، مؤسسة الطبع والنشر، د.ت.

الحسيني، سيد جواد، «أهميت وجايگاه عاقبت به خيرى در اسلام»، پاسدر إسلام، ٣١٧ (١٣٨٧).

الحلي (ابن إدريس)، محمد بن منصور، أجوبة مسائل ورسائل في مختلف فنون المعرفة، قم، دليل ما، ١٤٢٩هـ.

الخميني، روح الله وسائر المراجع، رسالة توضيح المسائل مراجع، قم، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين، د.ت.

الخوئي، سيد أبو القاسم، التنقيح في شرح العروة الوثقى، قم، دار الهادي، ١٤١٠هـ.

الراغب الأصفهاني، حسين، المفردات في غريب القرآن، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الخامسة، ١٤٢٨هـ.

السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تحقيق: الدكتور صبحي صالح، بيروت، دار الكتب، د.ت.

الشافعي، محمد بن إدريس، ديوان الإمام الشافعي، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثالثة، ١٤٢٦هـ.

الشعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، النجف، مطبعة الحيدرية، د.ت.

الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قم، بوستان كتاب، ١٣٨٠ش.

الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٣٩٨هـ.

____________، الخصال، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٣٦٢ش.

____________، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قم، دار الشريف الرضي، ١٤٠٦هـ.

____________، علل الشرائع، قم، كتاب فروشي داوري، ١٣٨٥ش.

____________، عيون أخبار الرضا (ع)، طهران، جهان، ١٣٧٨هـ.

____________، من لا يحضره الفقيه، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٣هـ.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الثانية، ١٣٩٠هـ.

عدة من العلماء، الأصول الستة عشر، قم، دار الحديث الثقافية، ١٤٢٣هـ.

الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم، أسوة، الطبعة الرابعة، ١٤٣٥هـ.

الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم، دار الهجرة، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧هـ.

المازندراني، محمد صالح بن أحمد، شرح كافي – الأصول والروضة، طهران، المكتبة الإسلامية، ١٣٨٢هـ.

المازندراني، محمد هادي بن محمد صالح، شرح فروع الكافي، قم، دار الحديث، ١٤٢٩هـ.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣هـ.

____________، شرح رسالة اعتقادات، قم، دليل ما، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ش.

____________، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٤هـ.

المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، قم، مؤسسة فرهنگي إسلامي كوشانبور، ١٤٠٦هـ.

____________، لوامع صاحبقراني، قم، مؤسسة إسماعيليان، ١٤١٤هـ.

المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، ١٤٣٠هـ.

المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣هـ (أ).

____________، الأمالي، قم، كنگره شيخ مفيد، ١٤١٣هـ (ب).

____________، أوائل المقالات، قم، كنگره جهاني شيخ مفيد، ١٤١٣هـ (ج).

مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة العاشرة، ١٣٧١ش.

الميرزائي، پوران، «رهيافت‌هاي فريقين در مواجهه با روايات متعارض تاب كلامي مطالعه موردي: روايات دال بر كفايت توحيد باوري در رستگاري»، مطالعات فهم حديث ٨، ١٦ (١٤٠١): ٢٧١-٢٩٣، doi:10.30479/mfh.2022.2590.

الهوامش

1. يرى بعض الفقهاء لزوم علم المنكر بكون ما ينكره من ضروريات الدين لثبوت الردة، بمعنى أن لا يكون إنكاره أولًا بسبب شبهة لديه، وثانيًا أن يعلم أن إنكاره يرجع إلى إنكار النبي (ص) وتكذيبه (الخميني وسائر المراجع، د.ت، ج ١، ص ٧٦).

Scroll to Top