المستخلص
إحدى روايات التقية التي نُقلت بأسانيد ومتون مختلفة في المجامع الحديثية الشيعية، هي رواية يستند فيها الإمام الصادق (ع) لإثبات مشروعية التقية، إلى جزء من قصة حضرة يوسف (ع). فهم كيفية دلالة هذه الرواية على جواز ومشروعية التقية مبهم في كتب فقه الحديث. يبدو أن الإمام الصادق (ع) في هذه الرواية يطرح استدلالاً مقتضبًا جدًا، حظي بقبول المخاطب. لفهم المعنى الضمني لهذه الرواية، نظرًا لإيجاز واقتضاب جواب الإمام الصادق (ع) وتعاطف المخاطب، استُخدم منهج دراسة أصل التعاون لغرايس، حتى تُكتشف معانٍ أكثر من هذه الرواية. ركز هذا البحث لفهم المعنى الضمني على التعاطف بين الإمام الصادق (ع) وأصحاب الحديث. تُظهر الدراسة المقارنة بين ظروف الإمام الصادق (ع) وأصحاب الحديث، وقصة حضرة يوسف (ع)، أن الإمام الصادق (ع) كان يسعى لبيان ثلاثة موضوعات مهمة: أولاً؛ مشروعية التقية. ثانيًا؛ رفع تهمة سرقة الحديث عن أصحاب الحديث. وثالثًا؛ البشارة بانتصار تيار أصحاب الحديث في تيار إحياء السنة النبوية.
- طرح المسألة
يُعدّ فقه الحديث وفهم الروايات بشكل منهجي وعلمي من أهم واجبات دارسي الإسلام. إن البعد الزماني والبيئي عن سياقات صدور الروايات والابتعاد عن القرائن الخارجية لفهم الروايات يُعتبر من العوائق المهمة للفهم الصحيح للروايات. بناءً على ذلك، فإن السعي لفهم الروايات بشكل صحيح هو من الضرورات البحثية التي أكد عليها الأئمة المعصومون (ع) وقالوا إن فهم رواية واحدة بشكل صحيح أفضل من نقل ألف رواية دون فهم صحيح. إن فهم بعض الروايات، بسبب غموض الظروف التاريخية والبيئية والتعمد في الإيجاز، أمر صعب ويتطلب بحثًا. تستفيد دراسات الحديث المعاصرة، لتوثيق وفهم النصوص الحديثية، من مناهج فعالة مثل التأريخ السندي والمتني، والعلاقات بين النصوص، وعلم الاستعمال، وعلم الدلالة التاريخي. يسعى هذا البحث، باستخدام منهج أصل التعاون لغرايس، وهو أحد أنواع علم الاستعمال، إلى فهم رواية لم يكن مفهومها واضحًا لشراح الحديث، ويُقيَّم مدى فعالية هذا المنهج في دراسات فهم الحديث. هذه الرواية تتعلق بالتقية. يستند الإمام الصادق (ع) لمشروعية التقية إلى القرآن الكريم ونسبة السرقة إلى إخوة يوسف. يقول أبو بصير: إن الإمام الصادق (ع)، في جوابه على سؤال حول التقية، قال: “التقية من دين الله”. سألت: “حقًا من دين الله؟” فقال: “نعم! والله من دين الله. لقد قال يوسف (ع): {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، والله ما كانوا سرقوا شيئًا”.
يسعى هذا البحث للإجابة على هذه الأسئلة:
أولاً، في أي سياق خطابي بيّن الإمام الصادق (ع) هذه الرواية؟
ثانيًا، ما العلاقة بين واقعة قصة حضرة يوسف (ع) وموضوع التقية؟
ثالثًا، ما المعاني الخفية أو الضمنية الموجودة في هذه الرواية؟
تُجرى هذه الرواية بمنهج نقض أصول التعاون لغرايس، أو ما يُعرف بالإيجاز، وهو أحد مناهج علم الاستعمال. يعتقد غرايس أن “ما يُقال هو جانب من معنى كلي أعطانا إياه العلم اللغوي، وبالتأمل يمكن للفرد أن يصل إلى نقاط حول ما قاله المتحدث”. مصطلح “الإيجاز” أو “نقض أصول التعاون” هو مصطلح بيّنه غرايس لأول مرة. الجزء الأكبر من عمله يتعلق بالأساليب والطرق المختلفة التي يمكن بها استخلاص المعنى مما يُقال. المبدأ الأساسي والمسيطر في التفاعل الإنساني هو رغبة قوية في السلوك التعاوني، لا يقتصر على المحادثة، بل ربما يكون أبرز تجلياته في المحادثة. سمى غرايس هذه السمة للغة باختصار “أصل التعاون”. نقض أصول التعاون يعني عدم مراعاة أصول التعاون التي يقصدها المتكلم. عندما ننقض الأصول بشكل واضح، فإننا في الواقع نريد أن نلفت انتباه المخاطب إلى المعنى الضمني أو الخفي. لا يظهر المعنى الضمني من ظاهر الرسالة، ويستنبطه المخاطب بجهد ذهني. يفترض المخاطب أن المتكلم قد راعى أصول التعاون، لذا يسعى المخاطب بجهده الذهني لإكمال الفراغ المعنوي. يُستخدم هذا المنهج في دراسة هذا الحديث لأن مؤشرين يُلاحظان في هذه الرواية: أولاً، جواب الإمام (ع) مقتضب ومجمل، ولم يُقدم في كتب شروح الحديث توضيح حول كيفية دلالة هذا الجواب على ادعاء الإمام (ع)، أي جواز التقية. ثانيًا، يبدو أن مخاطبي الإمام (ع) قد تلقوا جوابهم، لأنه لم يُطرح من جانبهم سؤال حول كيفية دلالة هذا الكلام للإمام (ع) على جواز التقية، والقرائن تدل على وجود أصل التعاون والتعاطف بين الإمام (ع) والسائلين.
لم يُجرَ بحث حتى الآن حول هذه الرواية، وبسبب إبهام مفهوم الرواية، لم يُقدم سوى بعض التوضيحات المختصرة في بعض شروح الحديث. استخدام منهج نقض أصول التعاون لغرايس له سابقة في مقالات أخرى مثل: “تحليل تصنيف وترجمة النصوص الفقهية القانونية بناءً على أصل التعاون لغرايس: دراسة حالة متاجر لمعة دمشقية لعباس مؤمن برمي”، ومقال “دراسة لغوية لتناسب الآيات بناءً على أصل التعاون لغرايس لغلام عباس سعيدي”. ولكن فيما يتعلق بعلاقة روايات التقية بظروف حياة الإمام الصادق (ع) والتيار التاريخي للتدليس السندي في القرن الثاني الهجري، كُتبت مقالات بعنوان “جريان شناسى تدليس سندى” (تيار-دراسة التدليس السندي) للحسيني، و”تاريخ گذارى روايات نهى از اذاعه سر” (تأريخ روايات النهي عن إذاعة السر)، ومقالة أخرى بعنوان “كاربردشناسى روايات تقيه” (علم استعمال روايات التقية) لشم آبادي وزملاؤه. الاستناد إلى عبارة “{إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}” في قصة حضرة يوسف (ع) ورد أيضًا في بعض النصوص الحديثية لأهل السنة لجواز التقية. والبعض الآخر اعتبرها لا علاقة لها بالتقية، لأنهم لم يتمكنوا من إقامة صلة بين هذه المسألة والتقية، واتهموا الإمام الصادق (ع) بالرياء والنفاق، وأنه يكذب حتى في الأحكام الجزئية ويدعو الأمة إلى الكذب. اهتمام أهل السنة بهذه الرواية وعدم تقديم تبيين صحيح من جانب شراح الحديث، ومن ناحية أخرى، سوء الفهم الذي حدث من جانب بعض أهل السنة لهذه الرواية، يجعل التبيين العلمي لهذه الرواية ضروريًا. يكمن ابتكار هذا البحث في تبيين وتقديم فهم جديد لهذه الرواية بمنهج أصل التعاون لغرايس، بمعنى أنه لأول مرة يُقدم فهم مطابق للتيارات الدينية والثقافية المعاصرة لحياة الإمام الصادق (ع) لهذه الرواية، مما يدل على رفع تهمة سرقة الحديث عن محدثي أهل السنة بواسطة الإمام الصادق (ع).
- تخريج متن الرواية وسندها
في عملية فهم الحديث، الخطوة الأولى هي تخريج سند الرواية ومتنها لتحديد النص الذي يجب أن تستند إليه عملية فقه الحديث. تخريج السند والمتن يعني استخلاص جميع الأسانيد والمتون غير المكررة للرواية من مصادر مختلفة، حتى يمكن، بمقارنة المتون الحديثية، تحديد الجزء الأصلي والمعتبر.
الرواية الأولى: قال أبو بصير: قال الإمام الصادق (ع): “التقية من دين الله”. قلت: “من دين الله؟” قال: “إي والله من دين الله. ولقد قال يوسف (ع): {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، والله ما كانوا سرقوا شيئًا. ولقد قال إبراهيم (ع): {إِنِّي سَقِيمٌ}، والله ما كان سقيمًا”.
الرواية الثانية: رُوي عن أبي بصير أنه قال: سمعت الإمام الباقر (ع) يقول: “لا خير فيمن لا تقية له”. ولقد قال يوسف (ع): “{أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}” وما سرقوا.
الرواية الثالثة: رُوي عن أبي بصير أن الإمام الصادق (ع) قال: “التقية من دين الله عز وجل”. قلت: “من دين الله؟” فقال: “إي والله من دين الله. لقد قال يوسف: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، والله ما كانوا سرقوا شيئًا”.
الرواية الرابعة: رُوي عن أبي بصير أنه قال: كنت عند الإمام الباقر (ع) فقيل له وأنا عنده: إن سالم بن أبي حفصة يروي عنك أنك تتكلم على سبعين وجهًا لك منها المخرج. فقال: “ما يريد سالم مني؟ أيريد أن أجيء بالملائكة؟ فوالله ما جاء بهم النبيون. ولقد قال إبراهيم: {إِنِّي سَقِيمٌ}، والله ما كان سقيمًا وما كذب. ولقد قال إبراهيم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا}، وما فعل كبيرهم وما كذب. ولقد قال يوسف: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، والله ما كانوا سرقوا شيئًا وما كذب”.
الرواية الخامسة: روى عطاء عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: “لا كذب على مصلح”. ثم تلا: “{أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}”. ثم قال: “والله ما سرقوا وما كذب”. ثم تلا: “{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}”. ثم قال: “والله ما فعلوه وما كذب”.
الآن، لتوضيح الرواية بشكل أدق، يلزم إجراء مقارنة بين محتوى الروايات في شكل جدول.
(تم حذف الجدول بناء على طلب المستخدم)
في التحليل المتني والسندي، يجب الانتباه إلى هذه النقاط:
ذكرت غالب الكتب الروائية هذه الرواية في باب التقية.
لغالب الروايات أسانيد صحيحة، ويبدو أن أصل الرواية، بسبب نقلها من طرق متعددة وعن طريق رواة ثقات، صادر عن المعصوم (ع).
لا تشتمل روايات متعددة على جزء قصة حضرة إبراهيم (ع). بناءً على أصل عدم النقصان، يكون النص الأقصر أكثر اعتبارًا، ويجب أن تتم عملية فقه الحديث على الجزء المشترك في جميع الروايات. وهذا الجزء يتعلق بارتباط صحة عمل التقية بناءً على جزء من قصة حضرة يوسف (ع). بما أن عملية فقه الحديث يجب أن تتم على النص القطعي، فمن المحتمل في هذه الرواية ألا يكون الجزء المتعلق بالاستناد إلى قصة حضرة إبراهيم (ع) جزءًا من متن الرواية. لأنه في مصادر متقدمة مثل “علل الشرائع” للصدوق وتفسير العياشي، لم تُذكر قصة حضرة إبراهيم (ع). على أي حال، بما أنه لا يمكن اعتبار جزء قصة حضرة إبراهيم (ع) جزءًا قطعيًا من الرواية، فإن عملية فقه الحديث تتم على الجزء القطعي، أي ارتباط التقية بقصة حضرة يوسف (ع).
- دراسة آراء دارسي الحديث
سعى شراح الحديث في الغالب إلى تبيين التورية التي استخدمها حضرة يوسف (ع) في كلامه، وقالوا: إن كلام يوسف (ع) كان كذبًا مصلحيًا أو تورية، بُيّن بهدف حفظ بنيامين أو لمصالح أخرى. واعتبروه علامة على مكارم الأخلاق وسعة صدر يوسف (ع). نسب الإمام الرضا (ع) هذا القول ليوسف (ع)، أي نسبة السرقة إلى إخوته، إلى فعل سرقة يوسف (ع) من أبيه في سنوات ماضية. واعتبر البعض الآخر قول يوسف (ع)، بالاستناد إلى قراءة غير مشهورة، نوعًا من الاستفهام: “أَإِنَّكُم لَسَارِقُونَ؟” أي هل أنتم سارقون؟.
اعتبر البعض أن سبب عدم تعريف يوسف (ع) نفسه لإخوته هو الخوف من مؤامرة الإخوة، وقالوا: لم يُعرّف يوسف (ع) نفسه لإخوته، لأنه سابقًا أيضًا قال يعقوب (ع) ليوسف (ع): “لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا”. إذن، هذا الخوف كان موجودًا دائمًا. النقطة المهمة التي صرح بها غالب شراح الحديث هي أن الإمام الصادق (ع) استند لإثبات مشروعية “التقية” إلى هذا الجزء من قصة حضرة يوسف (ع) من القرآن الكريم.
- تطبيق نقض أصول التعاون لغرايس وكشف المعنى
كما قيل، يجب أن يتركز فهم الحديث على النص المشترك في الروايات. بناءً على ما بُيّن، فإن الجزأين الرئيسين اللذين يتم عليهما نقض أصول التعاون هما: أولاً؛ الجزء الذي يستند فيه الإمام الصادق (ع) لإثبات حجية وصحة التقية إلى كتاب الله. ثانيًا؛ يشير الإمام الصادق (ع) إلى جزء من قصة حضرة يوسف (ع) حيث نُسبت السرقة إلى إخوة يوسف (ع) بينما لم يكونوا سارقين. في هذه المرحلة، نظرًا لاقتضاب جواب الإمام الصادق (ع) وعدم وضوح كيفية دلالة قصة حضرة يوسف (ع) على مشروعية التقية وارتباط هذين الموضوعين، يلزم نقض أصول التعاون التي كانت موجودة في هذا الحوار القصير بين الإمام الصادق (ع) والمخاطب، حتى تتضح المعاني الضمنية الموجودة في هذه العبارة تدريجيًا.
4-1. نقض أصل الأسلوب (Manner)
المبدأ الأول في أصول التعاون لغرايس هو أصل الأسلوب، بمعنى أن المتكلم يجب أن يستخدم مفردات واضحة وصريحة لبيان مقصده، ويتجنب الكلام متعدد الأوجه، وفي الوقت نفسه يتكلم بشكل منظم ويتجنب الإطالة. ولكن بالنسبة للمخاطب الذي لا يوجد لديه هذا التعاون مع المتكلم، يلزم تبيين المفهوم الدقيق والتاريخي لهذه المفردات في الرواية. تبيين معاني المفردات ومفردات الحديث في علم فقه الحديث هو من الخطوات المهمة والابتدائية في فهم الحديث. بناءً على ذلك، يلزم هنا تبيين معاني ثلاث كلمات من هذه الرواية.
4-1-1. التقية
من جذر “وقى” بمعنى الحفظ والصيانة. هذا المصطلح هو أصل كلامي في أصول عقائد الشيعة وموضوع في علم أصول الفقه. عُرّفت التقية كالتالي: “التقية هي إخفاء الحق عن الآخرين أو إظهار خلافه لمصلحة أهم من مصلحة إظهاره”. عرّف الإمام الصادق (ع) في مواضع متعددة التقية بأنها لازمة لحفظ دين الله ، ونهى الناس عن إظهار أمرهم. ما كان يقصده الإمام الصادق (ع) من لزوم التقية في عصره، وما كان يخفيه، هو موضوع يمكن تحديده بالنظر إلى الظروف الخاصة لحياته والرسالة التي أداها.
4-1-2. سارقون
“سرق” بمعنى أخذ مال أو شيء آخر خفية دون إذن وعدم رضا مالك ذلك الشيء. السرقة عمل قبيح وغير أخلاقي. في مجال العلوم، يُطلق على ذكر مادة دون الإشارة إلى الكاتب أيضًا “سرقة علمية”. كون الإمام الصادق (ع) يقسم مؤكدًا أن إخوة يوسف (ع) لم يسرقوا شيئًا، يلفت انتباهنا إلى ارتباط الرواية بظروف حياته. بناءً على ذلك، من الضروري البحث فيما إذا كان هذا الموضوع قد طُرح في زمن حياته؟ هل يمكن أن يكون استخدام كلمة “سرقة” مؤثرًا في كشف المعنى الضمني للحديث؟ يُظهر البحث عن هذه الكلمة في مصادر التاريخ أنه في القرنين الثاني والثالث الهجريين، في زمن حياة الإمام الصادق (ع)، استُخدمت هذه الكلمة بشكل واسع للإشارة إلى المحدثين الذين كانوا يدلسون في أسانيد الروايات. كانت هذه النسبة تُطلق في الغالب من جانب أصحاب الرأي وأهل البصرة، وأفراد مثل يحيى بن معين، على أصحاب الحديث كاعتراض ولفظ تحقيري.
سرقة الحديث هي أحد أنواع التدليس السندي ، بمعنى أن الراوي ينسب رواية شيخ تفرّد بها في رواية ما إلى شيخ آخر. اتُهم أكثر من 200 من كبار محدثي أهل السنة في القرنين الثاني والثالث الهجريين من جانب أصحاب الرأي في البصرة والعراق بسرقة الحديث. بينما كان غالب هؤلاء المحدثين رواة ثقات وعدول، واليوم تُنقل أهم مصادر الحديث والفقه لأهل السنة عن طريقهم. وبعد وصف “يسرق الحديث”، جاءت عبارة “لا يروي إلا عن ثقات”. كان كثير من الرواة المتهمين بسرقة الحديث من شيوخ البخاري والشافعي وأحمد بن حنبل، أو من رواة كتاب مالك بن أنس. انتقل كثير من هؤلاء الرواة من المدينة إلى العراق ورووا هناك الروايات الفقهية. لم يعتبر غالب رجاليي أهل السنة مصطلح “سارق الحديث” أو “مدلس في الأسانيد” فيما يتعلق بهؤلاء الرواة لفظ جرح، واعتبروا أنهم كانوا مضطرين ومجبرين على التدليس السندي لمصالح أهم مثل حفظ الدين.
4-1-3. شيئًا (صواع الملك)
استُخدم “جام العدل” أو “السقاية” لمكيال كان يوجد فيه جزء يمكن بواسطته ملء وعاءين من السائل بشكل متساوٍ. يبدو أن شكله في النصوص القديمة كان كالتالي:
(تم حذف شكل أساس بناء جام العدل وشكل جام العدل بناء على طلب المستخدم)
كان “جام العدل” يتعلق بعلم الحيل. وبحسب الفارابي، كانت وظيفة علم الحيل، بمعنى التدبير، هي تطبيق علم الرياضيات عمليًا في حياة البشر. طريقة عمل هذا الجام هي أنه كان يُملأ إلى حد معين بالماء أو الشراب، وإذا أُضيفت إليه قطرة أخرى، فبسبب الفراغ النسبي فوق الأنبوب المغلق، يخرج كل السائل من الأنبوب الأوسط.
ذُكر في القرآن الكريم بكلمتي “السقاية” و “الصواع” (يوسف: 72 و 79). “الصواع” كان أداة للشرب ومكيالاً للوزن. “السقاية” أيضًا كانت وعاءً يُشرب فيه الماء أو الشراب، واستُخدمت في القرآن الكريم والروايات بمعناها المصدري، أي الري، وبمعنى مكان شرب الماء أيضًا.
4-2. أصل الكمية (Quantity)
أصل الكمية يعني أن المتكلم، في تفاعله وتعاون اللغوي، يقدم معلومات بالقدر المطلوب، لا أكثر من اللازم، لأن المعلومات الزائدة، حيث يكون الإيجاز لأي سبب من أهداف المتكلم، تتضرر بالمعلومات الزائدة، ولا يقدم معلومات أقل من اللازم أيضًا، لأن المخاطب قد يواجه صعوبة في فهم مقصد المتكلم. يُظهر الالتفات إلى متون روايات التقية أن التقية كانت موضوعًا مهمًا يتعلق بالظروف الزمنية لعصر الإمام الصادق (ع). لأنه، باستثناء روايتين، صدرت حوالي 50 رواية عن الإمام الصادق (ع) في موضوع التقية. كون الإمام الصادق (ع) عرّف التقية بأنها أفضل الأعمال واعتبر حفظ الدين متعلقًا بالتقية، يدل على أن التقية كانت حلاً للخروج من تحدٍ واجهه الإمام الصادق (ع) وأصحابه.
هنا، لتوضيح ما كانت التقية لازمة بشأنه، نطرح بعض مكونات السياق الموقفي:
4-2-1. تبيين مكونات السياق الموقفي
أ- المخاطبون:
راوي هذه الرواية في غالب النصوص الروائية هو أبو بصير. أبو بصير هو ناقل حديث الإمام الصادق (ع) مع بعض رؤساء أصحاب الحديث. ورد في الروايات أنه سُئل الإمام الصادق (ع) عن كلام سالم بن أبي حفصة. هذا يدل على أن الموضوع كان يتعلق بمن كانوا ينقلون عن الإمام الصادق (ع). هذه المجموعة كانت من محدثي أهل السنة أو ما يُعرف بأصحاب الحديث. من كون السائلين طلبوا من الإمام الصادق (ع) دليلاً قرآنيًا، يمكن افتراض أن المخاطبين والسائلين لم يكونوا شيعة اعتقاديًا. هنا، يجب اعتبار أبي بصير ناقلاً لهذا الحوار، لا الشخص الذي طُرح عليه السؤال. لأنه لم تكن هناك حاجة عند الشيعة لإثبات مشروعية عمل الإمام الصادق (ع). يعتبر الشيعة قول وفعل وتقرير الإمام المعصوم (ع) حجة. بالنسبة لأبي بصير، الذي كان من رؤساء أصحاب الإجماع وأفقه فقهاء الشيعة، لم تكن هناك حاجة لذكر دليل من القرآن لإثبات مشروعية التقية.
بناءً على ذلك، كان مخاطبو هذه الروايات من أهل السنة الذين احتاجوا إلى دليل من القرآن لإثبات مشروعية عمل الإمام الصادق (ع). هؤلاء من أهل السنة لم يكونوا يعتبرون عمل الإمام حجة، وفي الوقت نفسه كانوا من الأصحاب الخاصين والمقربين. كانوا محدثين يأتون إلى بيته لتعلم الفقه، ويتعلمون منه الفقه والسنة النبوية. أشخاص مثل مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، وغيرهم. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن الرواة الشيعة أيضًا كانوا يروون لأهل السنة في العراق، وعُبّر عنهم بالرواة المشتركين. ولكن غالب رواة الإمام الصادق (ع) كانوا من محدثي أهل السنة.
ذكرت بعض النصوص التاريخية أنه حضر في مجالس درس الإمام الصادق (ع) 4000 تلميذ. كان 400 فقط من هؤلاء الرواة شيعة. وكان أكثر من 3600 راوٍ من هؤلاء الرواة من أهل السنة. نُسبت بعض الروايات إلى الإمام الباقر (ع)، وهذا محتمل أن يكون متعلقًا بأبي بصير. لأنه أولاً، نُسبت متون أخرى لهذه الرواية إلى الإمام الصادق (ع). ثانيًا، في رواية، يسأل أبو بصير، راوي هذه الرواية نفسها، الإمام الصادق (ع): “أسمع منك أحاديث وأرويها عن أبيك، أو أسمعها من أبيك وأرويها عنك؟” قال الإمام (ع): “سواء، إلا أنك ترويها عن أبي أحب إلي”. وقال أبو عبد الله (ع) لجميل: “ما سمعت مني فاروه عن أبي”. بناءً على ذلك، يبدو أن أبا بصير، بإذن من الإمام الصادق (ع)، نسب هذه الرواية إلى الإمام الباقر (ع).
بناءً على ذلك، كان من الطبيعي أن يكون الاستناد إلى كتاب الله وأفعال الأنبياء ضروريًا لإثبات مشروعية التقية لدى هذه المجموعة من المخاطبين. استند الإمام الصادق (ع) لإثبات مشروعية التقية إلى فعل حضرة يوسف (ع). يمكن بوضوح فهم أن سياق الخطاب في هذه الرواية كان سياقًا خاصًا، وأن المخاطبين كانوا مقربين ومألوفين للإمام الصادق (ع). سياق الخطاب هو وصف لما يحدث، ويدل على الموضوع الذي ينشغل به المشاركون.
ب- المتكلم:
لزم الإمام الصادق (ع) لإثبات مشروعية التقية أن يستند إلى القرآن. لأن فترة إمامة الإمام الصادق (ع)، بعد فترة طويلة من الاختناق والقيود الشديدة، وقعت في فترة انتقال السلطة من الحكم الأموي إلى الحكم العباسي. فترة الحكم الأموي الطويلة، بالنظر إلى سياسة معاداة الفقه التي كانت سائدة، أدت إلى ضياع الفقه والمعارف الفقهية والدينية للناس وابتعادهم عن الإسلام الحقيقي. كان الإمام الصادق (ع) أفقه أهل المدينة ، والشخص الوحيد الذي يمكنه تبيين الأحكام والفقه. من ناحية أخرى، جرت أقوى الأنشطة السياسية ضد أسرته وأجداده في مجتمعي العراق والشام. لُعن جده الأعلى الإمام علي (ع) على المنابر لما يقرب من قرن.
في هذا السياق، سنحت فرصة قليلة لبيان الأحكام الشرعية التي كان المسلمون على علم قليل بها.
كان في ضيق فيما يتعلق بالمجتمع الإسلامي وأهل السنة، ولبيان وضعه أشار إلى وضع علاقة يوسف (ع) بإخوته. يجب الانتباه إلى أن الإمام الصادق (ع) لم يتمكن من تبيين جميع الموضوعات بشكل مفتوح فيما يتعلق بالتقية. كان الموضوع موضوعًا سريًا وخفيًا يتطلب التقية، وقد بُيّن إثبات مشروعيته بشكل مقتضب جدًا من جانب الإمام الصادق (ع). كان الإمام الصادق (ع) في ضيق وصعوبة، تحدث عنها قائلاً: “أمر الناس علينا صعب وشاق. إذا دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإذا تركناهم لم يهتدوا بغيرنا”. هذه الرواية تظهر بوضوح وضع المرجعية الدينية للإمام الصادق (ع) في المجتمع الإسلامي. كان عليه، كمرسل من الله وحجة الله على الأرض، أن يبذل قصارى جهده لإحياء سنة النبي الأكرم (ص) المتروكة. بناءً على ذلك، كان يرى التقية أفضل حل للخروج من هذا التحدي. طلب من أصحاب الحديث من أهل السنة أن يبيّنوا رواياته بطريقة مقبولة للمجتمع، وقال: “حدثوهم بالطريقة التي يحبونها” ، و “لا تظهروا أمرنا”.
ج- البيئة:
عندما مارس أصحاب الحديث التقية في العراق والشام في ذكر مصدر الحديث ولم يذكروا اسم الإمام الصادق (ع)، ونسبوا الروايات إلى الصحابة والشيوخ المعروفين والمقبولين لدى أهل السنة ، واجهوا اعتراضات من جانب نخب أصحاب الرأي، وأفراد مثل ابن شبرمة، وأبي حنيفة، وابن أبي المقدام…. أحيانًا كانوا يقولون لهم: لا يثبت الحكم الشرعي بخبر واحد. وأحيانًا كانوا يقولون: نحن نعلم أن هذه الأحاديث ليست منكم، ونسبوا إليهم سرقة الحديث. وكانوا يسمون دار الإمام الصادق (ع) “دار السرقة”. كما قيل؛ سرقة الحديث تعني نسبة رواية شيخ تفرّد بها في رواية ما إلى شيخ آخر. في هذه الفترة الزمنية، كان الإمام الصادق (ع) هو الوحيد الذي ادعى التفرد في الروايات ودعا الناس لسؤاله. لأنه سيقول لهم روايات لم ينقلها لهم أحد من العالمين. لهذا السبب، من الأفضل ربط نسبة “دار السرقة” إلى دار الإمام الصادق (ع) بمسألة نسبة سرقة الحديث إلى أصحاب الحديث. يجب الانتباه إلى أن كلاً من نسبة “سارق الحديث” ونسبة “دار السرقة” كانتا إهانة في القرنين الثاني والثالث، ولم يستمر أحد في هذه النسبة الباطلة لاحقًا. لأنه بعد القرن الثالث، تمكن أصحاب الحديث من دحر أصحاب الرأي وأصبحوا التيار الرئيس في المجتمع الإسلامي.
أدت هذه الاعتراضات من جانب أصحاب الرأي إلى ظهور سؤال حول مشروعية عمل التقية لأصحاب الحديث. بناءً على ذلك، كانوا يسألون في جو خاص: هل لدى الإمام الصادق (ع) دليل على مشروعية التقية من كتاب الله؟
أشار الإمام الصادق (ع)، في جوابه على هذا الإشكال، إلى هذا الجزء من قصة يوسف (ع). وفي موضع آخر، سموا هذا النوع من نقل الرواية “نقلاً بالمعنى”: سأل محمد بن مسلم الإمام الصادق (ع): “أسمع منك حديثًا، فهل يمكنني أن أزيد فيه أو أنقص منه؟” قال الإمام (ع): “إذا كنت تقصد المعاني فلا بأس”. وعبّر أصحاب الحديث عن هذا العمل بـ “النقل بالمعنى”. قالوا إنهم نقلوا جميع روايات السنة النبوية بالمعنى، وكانوا مضطرين لهذا العمل، ولو لم يفعلوا ذلك لما قبل الناس منهم الروايات. وفي حال عدم النقل بالمعنى، لما كان لديهم سوى رواية واحدة للنقل. يقول وكيع بن الجراح: “لو لم تكن إجازة النقل بالمعنى موجودة، لهلك الناس” [كناية عن هلاك الدين]. يقول عمر بن مرة: “لا نستطيع أن ننقل لكم الرواية كما سمعناها”.
تدل جميع هذه القرائن على أن روايات الإمام الصادق (ع) نُسبت بواسطة أصحاب الحديث بأسانيد أخرى وعن طريق رواة مثل أبي هريرة وعائشة وابن عمر… إلى النبي (ص) أو إليهم أنفسهم، وقبل عامة الناس هذه الأخبار. لهذا السبب، تواجه جميع أسانيد الروايات الفقهية لأهل السنة مشكلة الحلقة المشتركة، وبحسب قول جميع المحققين، هذه الأسانيد ليست حقيقية.
4-3. أصل الارتباط (Relation)
يجب على المتكلم أن يتحدث بما يتعلق بالموضوع. حيثما يكون غرض المتكلم هو الإيجاز، فإن التكلم بشكل غير مرتبط يمكن أن يُوقع المخاطب في صعوبة الفهم. ولكن الارتباط والمعنى الواضح في التفاعل والتعاون بين المتكلم والمخاطب، يحتاج إلى تبيين للمخاطب اليوم. بناءً على ذلك، نتناول هنا ارتباط مسألة قصة يوسف (ع) وظروف حياة الإمام الصادق (ع) وكيفية دلالتها على مشروعية التقية.
أعطى الإمام الصادق (ع)، في جوابه على سؤال من سألوا عن مشروعية التقية في دين الله، جوابًا ذكيًا كان له أوجه شبه متعددة مع قصة حضرة يوسف (ع) وإخوته. استخدم الإمام الصادق (ع)، لبيان موجز وتوضيح المعنى للمخاطب دون استخدام ألفاظ قصيرة، مثالاً كان له أكبر ارتباط بمقصد الإمام (ع).
استند الإمام الصادق (ع) لمشروعية التقية إلى جزء من سورة يوسف (ع)، حيث قيل لإخوة يوسف (ع): إنكم لسارقون، بينما لم يكونوا قد سرقوا شيئًا. هذا المثال القصير، في داخله، وبالنظر إلى المكونات السابقة، يحمل معاني ضمنية متعددة كانت واضحة للمخاطب بالنظر إلى أصل التعاون. ولكن بالنسبة للمخاطب البعيد عن تلك القرائن، من الضروري تبيين هذا الأصل للتعاون والارتباط بالتفصيل.
ورد في قصة يوسف (ع) في القرآن أن حضرة يعقوب (ع) كان له 12 ولدًا، وكان بينهم تنافس للوصول إلى النبوة وسيادة بني إسرائيل. بينما كانت الإرادة الإلهية على نبوة يوسف (ع). في الواقع، أعطى الله الحكمة والعلم ليوسف (ع). ولكن إخوة يوسف (ع) حسدوه وألقوه في البئر ولم يخضعوا لتبعية وولاية يوسف (ع). ولكن الله قدر له مصيرًا جعل إخوة يوسف (ع) في النهاية يقبلون نبوته.
في هذا السياق، خطط يوسف (ع) لإصلاح إخوته وتوبتهم وطاعتهم (يوسف: 76). عندما جاء إخوة يوسف (ع) من كنعان إلى مصر لتأمين المؤن في أيام القحط، وضع يوسف (ع) جام مملكته في كيس أخيه بنيامين. حتى يُبقي بنيامين عنده ويهيئ ظروف توبة وطاعة إخوته الحاسدين. يوسف (ع)، عندما مارس التقية في المرحلة الأولى لمصالح معينة وأخفى حقيقة أخوته ولم يُعرّف نفسه لإخوته (يوسف: 58) ، قال البعض إنه ربما كان ذلك بسبب خوف يوسف من أن يهرب إخوته إلى كنعان ولا يعودوا خوفًا من عقوبة يوسف (ع) الذي كان عزيز مصر آنذاك ولديه السلطة ، وتضيع المصلحة الرئيسة وهي طاعة إخوة يوسف (ع) لنبوته عن إيمان وعلم. بناءً على ذلك، بوضع جام المملكة في كيس بنيامين، تسبب في نشوء تردد تدريجي جعل الإخوة يدركون تفوق يوسف (ع) في العلم والحكمة والقدرة على التدبير وإدارة الأمور، ويؤمنون بصلاحية يوسف (ع) للنبوة وتفوقه. لأنه تمكن من تدبير أزمة القحط في حضارة عظيمة مثل مصر بعلم وهداية من الله، وأنقذ أناسًا كثيرين من الجوع والموت المحقق. كما أنه، بلطف واستضافة يوسف (ع)، تسبب في جلب الرحمة والمحبة تجاه يوسف (ع).
تشابهت هذه القصة من جوانب متعددة مع وضع الإمام الصادق (ع) فيما يتعلق بأهل السنة. لم تفِ الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول الأكرم (ص) بعهدها القاضي باتباع الإمام علي (ع) والأئمة من بعده. كانوا يحسدونهم ويظنون أن أهل البيت (ع) ليس لديهم فهم وقدرة أكبر منهم. قال الإمام الصادق (ع) في تفسير آية “{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}”: “نَحنُ المَحسُودُونَ”. ولكن أئمة الشيعة (ع) كانوا هم الوحيدين الذين لديهم علم بالمصلحة الحقيقية للأحكام الشرعية، وكانوا يعلمون أن هداية وسعادة الأمة الإسلامية تكمن في اتباعهم والعمل بالسنة النبوية. كان، في نظرهم، إعادة المجتمع الإسلامي إلى طريق اتباع أهل البيت (ع) هي المصلحة الأهم. ورد في التاريخ أنه إذا نقل المحدثون لأهل العراق رواية الإمام الصادق (ع)، لرمى الناس باتجاههم الأحذية. هذا يدل على عدم شعبية الإمام الصادق (ع) في بيئة العراق. بناءً على ذلك، الإمام الصادق (ع)، الذي كان علم الفقه لديه دليل صلاحية إمامته وحاكميته ، وضعه في كيس أصحاب الحديث الذين كانوا أقرب إلى الإمام الصادق، وطلب منهم ألا ينسبوا الروايات إليه وألا يذكروا اسمه في محافل الناس. ولكن اتُهم أصحاب الحديث من جانب أصحاب الرأي بسرقة الحديث. يمكن اعتبار قسم الإمام الصادق (ع) هذا ردًا على هذه التهمة من أصحاب الرأي لأصحاب الحديث. لأن المحدثين أنفسهم كانوا يعترفون بأنهم لا ينقلون الروايات كما سمعوها، وكانوا يعتبرون الخوف من ضياع السنة النبوية أحد أهم أسباب تدليسهم السندي. بناءً على هذه القرينة التاريخية المهمة، يمكن ربط هذه العبارة بهذا الموضوع. قال الإمام (ع): “والله ما سرقوا شيئًا”. هذا القسم المؤكد الذي أقسمه الإمام (ع) يحتمل أن يكون بشأن أصحاب الحديث، لأنه لا يوجد سبب ليقسم الإمام (ع) مرتين “والله” في جملة واحدة فقط لنفي السرقة عن إخوة يوسف (ع). هذا القسم، على الأرجح، هو رد للتهمة عن أصحاب الحديث من أهل السنة الذين نسبوا روايات الإمام الصادق (ع) إلى الصحابة. يدل هذا القسم على شدة البيان وسعي الإمام (ع) للخروج من تحدٍ واجهه محيو السنة النبوية في القرن الثاني الهجري، ويدل على أهمية وحساسية الموضوع.
(تم حذف جدول أوجه التشابه بين قصة يوسف وظروف الإمام الصادق بناء على طلب المستخدم)
كانت كل هذه التشابهات موجودة بين قصة يوسف (ع) وظروف الإمام الصادق (ع)، وربما يمكن تصور تشابهات أكثر أيضًا. ولكن الإمام الصادق (ع) بعبارة قصيرة يشير إلى الموضوع بشكل مقتضب، ولكن مقصده يختلف عن اللفظ الذي استخدمه. مقصد الإمام (ع) أوسع بكثير من اللفظ الذي استخدمه، ولكنه، بمقتضى الموضوع، أي التقية، تكلم بشكل خفي ومقتضب. المؤشران الرئيسان من هذا الاستناد لجواز التقية والعمل الذي تم في القرن الثاني الهجري يجب أن يؤخذا في الاعتبار، وقد بيّنهما الإمام الصادق (ع) بشكل مقتضب، وتلقى أصحاب الحديث، بالنظر إلى أصل التعاون، مقصد الإمام (ع) من هذا الجواب. أشار الإمام الصادق (ع)، في جوابه على سؤال مشروعية التقية، إلى جزء من قصة حضرة يوسف (ع)، ويمكن القول إن قصد الإمام الصادق (ع) كان الإيجاز. لم يقصد الإمام (ع) أن يبيّن مقصده بشكل واضح ومفصل. لأنه، بالاعتماد على معلومات وفهم المخاطب، وبمقتضى الظروف، كان من الضروري تقديم جواب مقتضب فقط لهذا السؤال. تُظهر الدقة في جواب الإمام الصادق (ع) أن أصول التعاون قد روعيت في الإيجاز.
4-4. أصل الكيف (Quality)
أصل الكيف يعني أن المتكلم يقول بصدق فقط ما يعلم أنه صحيح. يبيّن مطلبًا لديه شواهد على صحته. هذا يجعل المخاطب، بالثقة بالمتكلم، يفهم المعنى الضمني لكلامه بشكل أفضل. ولكن بالنسبة للمخاطب البعيد عن زمن صدور هذا النص، من الضروري تبيين هدف المتكلم من هذه الجمل، حتى يتضح التعاطف وصدق المتكلم ومقصده من هذا الحوار الودي والموجز، ويفهم قارئ هذا النص أي معنى نشأ في ذهن السامع ببيان هذه الجمل بواسطة الإمام الصادق (ع)، وما المفهوم الذي كان الإمام (ع) يسعى لبيانه. الإمام الصادق (ع)، في بيانه، يذكر بصدق، بناءً على علمه بالقرآن الكريم، مستندًا لمشروعية عمل التقية، وهو ما يدل على جواز التقية. بناءً على ذلك، أوصل الإمام الصادق (ع) في هذا البيان ثلاثة معانٍ للمخاطب.
4-4-1. التعاطف
أظهر الإمام الصادق (ع) بهذا البيان حبه للمسلمين وحرصه على خيرهم، لأن الإمام (ع) يسعى لحفظ مصلحة الأمة الإسلامية. هذا البيان، أكثر من أي شيء آخر، يُظهر وظيفة زيادة الحب والمودة الحقيقية للإمام الصادق (ع) تجاه المسلمين. من ناحية، سمح يوسف (ع)، لتوبيخ إخوته، بأن يُنسب إليهم تهمة السرقة، ولكن الإمام الصادق (ع)، على الرغم من السلوك المماثل في إنكار إمامته، كان مستاءً من هذه النسبة لأهل السنة وأنكرها بشدة. وهذا يدل على رأفة الإمام الصادق (ع) الأعلى تجاه أهل السنة.
4-4-2. رفع التهمة
أعطى الإمام الصادق (ع) بهذا البيان اطمئنانًا لأصحاب الحديث بأن عملهم هو تقية، وأنه عمل مشروع من وجهة نظر الإسلام، ولا ينبغي أن توجه إليهم أي تهمة. قسم الإمام (ع) بـ “وَ اللهِ مَا سَرَقُوا” أراح قلب وفكر أصحاب الحديث من صحة ومشروعية عملهم.
4-4-3. البشارة
إعطاء الاطمئنان بنجاح مبادرة أصحاب الحديث في إعادة المجتمع الإسلامي إلى السنة النبوية. مجتمع كان لا يعرف من الصلاة سوى الأذان. مجتمع اعتاد على الفسق والفساد لمدة مئة عام تحت سيطرة حكام بني أمية الفاسدين، وكان له مسافة عميقة وبعيدة جدًا عن الإسلام والسنة النبوية. كان هذا البيان من الإمام (ع) بشارة لأصحاب الحديث بأن إخوة يوسف (ع) سجدوا ليوسف (ع) في النهاية وقبلوا نبوته، وأن المجتمع الإسلامي سيعود إلى السنة النبوية، وأن الحركة الثقافية والدينية لأصحاب الحديث ستؤتي ثمارها. وهو موضوع تحقق في تاريخ الإسلام إلى حد أنقذ الإسلام من الدمار الكامل. ولا شك أن تحققه الكامل يعتمد على الرجوع الواعي والكامل إلى أهل البيت (ع).
- الخلاصة
1- نُقلت رواية “التَّقِيَّةُ من دين الله…” بأسانيد ومتون مختلفة في مصادر الحديث، كثير منها ذو أسانيد صحيحة، مما يقوي الظن بصدور الرواية عن المعصوم (ع).
2- تتعلق هذه الرواية بالتقية. سواء كانت دلالة الرواية على إباحة التورية أو الكذب المصلحي، ففي كلتا الحالتين، بسبب الخوف من ضياع مصلحة أهم، يجب ممارسة التقية. أي إخفاء مطلب ما، أو التورية، أو قول كذب مصلحي.
3- من الأفضل، بالنظر إلى عصمة الأنبياء وقبح الكذب، اعتبار هذا العمل من قبيل التقية والتورية، ولا يوجد دليل على إطلاق كلمة “كذب” على هذا العمل.
4- أكد شراح الحديث أن الإمام الصادق (ع) استند، لبيان مشروعية التقية، إلى قصة حضرة يوسف (ع).
5- بناءً على المتون الحديثية المختلفة، من المحتمل أن الرواية لم تشتمل على جزء قصة حضرة إبراهيم (ع)، أو على الأقل يمكن القول إن الجزء القطعي من الرواية هو ارتباط التقية بقصة حضرة يوسف (ع).
6- كان بيان الإمام الصادق (ع) في هذه الرواية، بسبب مصالح وظروف المتكلم والمخاطب، بيانًا موجزًا ومقتضبًا.
7- لفهم متن هذه الرواية، من الأفضل الاستفادة من منهج علم الاستعمال، الذي صُمم لهذا الغرض، واستخدام منهج نقض أصول التعاون لغرايس هو منهج مناسب.
8- استخدام منهج أصول التعاون لغرايس، والأخذ في الاعتبار أصول الكمية والكيف والارتباط والأسلوب، يُظهر وجود ظروف وقرائن بين المخاطب والمتكلم، والالتفات إلى هذه الظروف يمكن أن يُظهر سبب استناد الإمام الصادق (ع) إلى قصة حضرة يوسف (ع) في مشروعية التقية.
9- استند الإمام الصادق (ع)، بالنظر إلى تيار التدليس السندي وتهمة سرقة الحديث التي وجهها أصحاب الرأي إلى أصحاب الحديث، إلى هذا الجزء من قصة حضرة يوسف (ع).
10- أثبت الإمام الصادق (ع) ببيان هذه العبارة نقطتين مهمتين: الأولى، مشروعية التقية، والثانية، عدم صحة نسبة السرقة إلى العمل الذي كان يجري.
11- الإمام الصادق (ع)، باستخدامه الذكي لهذا المثال، بالإضافة إلى الحالات المذكورة، بيّن رأفته ومحبته وحرصه على العالم الإسلامي في المعنى الضمني، وبشّر بإحياء السنة النبوية.
المصادر
القرآن الكريم.
ابن شهر آشوب، محمد بن علي. مناقب آل أبي طالب. النجف: مطبعة الحيدرية، 1956م.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله. التمهيد. المغرب: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387ق.
ابن عدي، عبد الله. الكامل في الضعفاء. بيروت: دار الفكر، 1409ق.
الإربلي، علي بن أبي الفتح. كشف الغمة. بيروت: دار الأضواء، 1405ق.
الأمين، محسن. أعيان الشيعة. بيروت: دار التعارف، 1403ق.
بحر العلوم، محمد. سند الإمامة الإلهية. قم: منشورات الاجتهاد، 2006م.
البخاري، محمد بن مسلم. الجامع الصحيح للبخاري. القاهرة: وزارة الأوقاف، 1410ق.
جعفري، سيد حسين. تشيع در مسير تاريخ. طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامى، 1380ش.
چپمن، شيوان. معنى كاربردشناسى. ترجمة: محمد رضا بياتى. طهران: علمى، 1398ش.
حب الله، حيدر. نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2006م.
حسن زاده دلگشا، سعيد. تقيه معصومين (ع). قم: بوستان كتاب، 1388ش.
حسني، يحيى نذير. دفاع عن التشيع. قم: لسان الصدق، 1427ق.
حسيني، بي بي زينب؛ عليه رضا داد وسيد سجاد غلامى. “نقل به معناى احاديث فقهى مشترك با استفاده از داستان كوتاه”. مطالعات فهم حديث، مج. 9، ع. 17 (1401ش): صص. 259-281.
حكيم، سيد محمد باقر. دور أهل البيت (ع) في بناء الجماعة الصالحة. قم: مركز جهانى اهل بيت (ع)، 1425ق.
الحلي، ابن إدريس. السرائر الحاوي. قم: جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1410ق.
الحلي، الحسن بن يوسف. الألفين. قم: هجرت، 1409ق.
الخوارزمي، محمد بن أحمد. مفاتيح العلوم. بيروت: دار المناهل، 1428ق.
الخوئي، السيد أبو القاسم. صراط النجاة. قم: برگزيده، 1413ق.
الذهبي، محمد بن أحمد. تاريخ الإسلام. بيروت: دار الكتاب العربي، 1409ق.
الذهبي، محمد بن أحمد. سير أعلام النبلاء. القاهرة: دار الحديث، 1413ق.
رباني بيرجندي، محمد حسن. دانش فقه الحديث. قم: مؤسسه بين المللى ترجمه ونشر المصطفى (ص)، 1395ش.
زابلي زاده، أردشير. “امكان سنجى به كارگيرى اصول تعاون گرايس در تحليل گفتمان رسانه”. مج. 21، ع. 1 (1389ش): صص. 129-148.
الزمخشري، جار الله. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. بيروت: دار الكتاب العربي، 1407ق.
السخاوي، محمد بن عبد الرحمن. فتح المغيث شرح ألفية الحديث. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004م.
سعيدي، غلام عباس. “بررسى زبان شناختى تناسب آيات بر پايه اصل همكارى گرايس”. آموزه هاى قرآنى، ع. 15 (1391ش): صص. 173-191.
سوري، حميد. “سرقت علمى”. مطالعات بين المللى پليس، ع. 3 (1389ش): صص. 46-68.
سيد بن حموده، أبي عبد الله. التمهيد في علم التخريج ودراسة الأسانيد. القاهرة: دار ابن حزم، 2010م.
الشريف القرشي، محمد باقر. حياة الإمام الحسين (ع). النجف: مطبعة الآداب، 1394ش.
الشفتي، أسد الله. الإمامة. أصفهان: مكتبة الإمام الشفتي، 1411ق.
شم آبادي، مرضية؛ بي بي زينب حسيني وعليه رضا داد. “تاريخ گذارى روايات إخفاء سر ونقش غلات در آن”. مطالعات فهم حديث، مج. 7، ع. 14 (1400 ش): صص. 93-116.
شهرستاني، سيد علي. وضوء النبي (ص). مشهد: مؤسسة جواد الأئمة (ع)، 1420ق.
الشهيد الأول، محمد بن مكي. ذكرى الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1419ق.
الشهيد الأول، محمد بن مكي. غاية المراد في شرح نكت الإرشاد. قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1414ق.
صالحي نجف آبادي، نعمت الله. غلو: درآمدى بر افكار وعقائد غاليان در دين. طهران: كوير، 1384ش.
الصدوق، محمد بن علي. علل الشرائع. قم: كتابفروشى داورى، 1385ش.
الصدوق، محمد بن علي. من لا يحضره الفقيه. قم: انتشارات وابسته به جامعه مدرسين، 1413ق.
الضويحي، أحمد بن عبد الله. علم أصول الفقه. السعودية: سلسلة الرسائل الجامعية، وزارة التعليم العالي، 2006م.
الطبرسي، الفضل بن الحسن. مجمع البيان. طهران: ناصر خسرو، 1372ش.
الطوسي، محمد بن الحسن. رجال الطوسي. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1415ق.
الطهراني، آغا بزرگ. توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد. قم: مطبعة الخيام، 1401ق.
العاملي، مصطفى قصير. التقية عند أهل البيت (ع) على ضوء النصوص والواقع التاريخي. قم: مطبعة نگين، 1416ق.
عزيزي، حسين. الرواة المشتركون بين الشيعة وأهل السنة. طهران: الدراسات الإسلامية، 1388ش.
العميدي، ثامر هاشم. واقع التقية عند المذاهب والفرق الإسلامية. قم: مركز الغدير، 1416ق.
عويضة، محمد. الإمام أبو حنيفة. بيروت: دار الكتاب العلمية، (بلا تاريخ).
الغروي النائيني، نهلة. تاريخ حديث شيعه. قم: شيعه شناسى، 1386ش.
الغريفي، عبد الله. التشيع. بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات، 1421ق.
الغوري، سيد عبد الماجد. التدليس والمدلسون. دمشق: دار ابن كثير، 2009م.
فايز الداية، معجم المصطلحات العلمية للكندي والفارابي. بيروت: دار الفكر، 1410ق.
فوزي، رفعت. توثيق السنة. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1981م.
المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1403ق.
محرمي، غلام حسن. تاريخ تشيع. قم: مؤسسه امام خمينى (ره)، 1387ش.
المحقق الحلي، جعفر بن الحسن. المعتبر. قم: مؤسسة سيد الشهداء، 1364ش.
معصومي همداني، حسين. “جام عدل”. نشر دانش، ع. 103 (1381ش): صص. 18-30.
مهرابي، مريم؛ وراحله گندمكار. “نقش اصول گرايس در تعبير فيلم فروشنده”. زبان شناخت، مج. 13، ع. 2 (1401ش): صص. 157-184.
مهنا، عبد الله علي. لسان اللسان. بيروت: دار الكتب العلمية، 1413ق.
النقوي، السيد حامد. عبقات الأنوار. قم: سيد الشهداء، 1404ق.
النوبختي، الحسن بن موسى. فرق الشيعة. بيروت: دار الأضواء، 1404ق.
هاليداي، مايكل. زبان، بافت و متن. ترجمة: مجتبى منشى زاده. طهران: علمى، 1393ش.
يعقوب، أحمد حسين. أين سنة رسول الله (ص). بيروت: الدار الإسلامية، 1421ق.