الملخص
بعد المونوغرافات التي ألفها أصحاب الأئمة الشيعة (عليهم السلام) والعلماء المتقدمون من بعدهم في مجال فهم الحديث، برزت ثلاثة أنواع من الجهود العلمية في هذا الصدد؛ أولاً: تدوين الشروح العلمية على المجامع الروائية، وهي طريقة استمرت لأكثر من ألف عام. ثانياً: جهود فقه الحديث بمنهج دلالي في ثنايا بعض العلوم، مثل أصول الفقه الذي تشكّل لغاية معرفة مصادر التشريع وفهمها، ومنها الأحاديث المرتبطة بالأحكام الشرعية الفرعية. وأخيراً، تدوين منهجية فهم الحديث وجعله علماً مستقلاً، وهو ما تم في العصر الحاضر وأُطلق عليه اسم «فقه الحديث». وفيما يتعلق بالقسم الثاني، أي جهود فقه الحديث ضمن العلوم ذات الصلة، لا بد من ذكر العلامة الحلي، الذي أولى في مناسبات عدة في آثاره الأصولية اهتماماً بالغاً بمباحث فقه الحديث. تسعى هذه المقالة، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، إلى استكشاف هذه التعاليم في القسم الثاني، أي في الآثار الأصولية، خاصة كتب العلامة الحلي الزاخرة بمثل هذه التعاليم. وقد توصلت إلى أنه في آثاره، تم النظر إلى أمور مثل: «القرآن»، و«السنة القطعية»، و«الإجماع»، و«العقل» بوصفها مصادر موثوقة، وعناصر مثل: «التجوز»، و«مورد الصدور»، و«النقل بالمعنى» بوصفها قواعد مؤثرة في فهم الحديث، كما أن «النسخ»، و«التقية»، و«التعارض» اعتُبرت أموراً عارضة على اعتبار الدلالة بهدف معرفة الحديث ذي الحجية الفعلية.
١. طرح المسألة
في التعاليم الإسلامية، يحتل الحديث مكانة رفيعة بعد القرآن الكريم وقبل سائر أصول[1] الفهم والمعرفة الدينية. وكما أن أولياء الدين وأصحابهم وتلامذتهم قد أوصوا، بالإضافة إلى تأكيدهم على رواية الحديث، بفهمه ومعرفته الدقيقة بتعابير مثل: الدراية، والفهم، والتدبر، وتفقه الحديث. وفي الوسط الشيعي، بعد عصر الأئمة (عليهم السلام)، حينما دُوّنت المجامع الحديثية في صور الأصول، والمصنفات، والكتب الأربعة وغيرها، همّ العلماء بشرح الحديث وتفصيله، وعملياً لبّوا توصية الأئمة (عليهم السلام) بضرورة فهم الحديث فهماً دقيقاً. وبالطبع، فإن معظم الجهود في شرح الحديث وتفسيره بُذلت في فترة المتأخرين، وقد ظهرت آثار ذلك في مؤلفات مثل «مرآة العقول» (شرح كافي الكليني)، و«ملاذ الأخيار» (شرح تهذيب الأصول للشيخ الطوسي)، و«روضة المتقين» و«لوامع صاحبقراني» (شرحان على من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق)، وكلها للمجلسي الأول، و«مناهج الأخبار» للعلوي العاملي (شرح استبصار الشيخ الطوسي)، و«مرآة الأنوار في شرح مشكلات الأخبار» للسيد عبد الله شبر. وبالإضافة إلى هذه الجهود «العملية» في فقه الحديث، فإن تدوين قواعد فهم الحديث، وإن كان بمنهج أكثر شمولية، يلاحظ في كتب مختلفة للشيعة؛ ومن بينها يمكن ذكر الآثار الأصولية لعلماء الشيعة، التي تطرقت فيها، بالإضافة إلى المسائل والقواعد الأصولية غير اللفظية، إلى مباحث الدلالة وكيفيتها وتوظيف الألفاظ والجمل وغيرها من الأصول والقواعد التي تحدد الفهم الصحيح للعبارة. وأبرز علماء هذا المجال، الذين ألفوا أعمالاً مثل «مبادئ الوصول إلى علم الأصول»، و«نهاية الوصول إلى علم الأصول»، و«منتهى الوصول»، و«غاية الوصول»، هو العلامة الحلي. وفي القرن الأخير، اهتم العلماء بتدوين قواعد وضوابط فهم الحديث كعلم مستقل، وظهر هذا العلم بعنوان «فقه الحديث». وقد بدأت الجهود العلمية في تدوين كتب فقه الحديث عند الشيعة في القرن الأخير بمقالة علمية للمرحوم علي أكبر غفاري، نُشرت في نهاية كتاب «تلخيص المقباس» للمامقاني إلى جانب مقالتين أخريين. وبعد ذلك، أولى عدد من الفضلاء اهتماماً بهذا العلم الناشئ، وأثمروا أعمالاً قيمة. ومن هذه الأعمال: «روش فهم حديث» (منهج فهم الحديث) لعبد الهادي مسعودي، و«منطق فهم حديث» لسيد كاظم طباطبائي، و«روش ومباني فقه الحديث» (مناهج ومباني فقه الحديث) لعلي محمد ميرجليلي، و«آسيب شناسي فهم حديث» (دراسة إشكالات فهم الحديث) لسيد علي دلبري، و«فقه الحديث با تكيه بر مسائل لفظ» (فقه الحديث بالاعتماد على المسائل اللفظية) لأحمد پاكتچي. الجدير بالذكر أن «فقه الحديث»، رغم كونه علماً ناشئاً، إلا أنه يمتلك أصولاً وقواعد قديمة ومتجذرة في تعاليم أئمة الشيعة (عليهم السلام)، وكان دائماً محط اهتمام العلماء المسلمين الذين تناولوا في آثارهم العلمية قاعدة أو قواعد منه بحسب مقتضى البحث. وقبل ظهور «آثار» فقه الحديث الحديثة، التي توجد نماذج قيمة منها بين علماء الشيعة وأهل السنة على حد سواء، يمكن تتبع قواعد وضوابط هذا العلم في علوم ناشئة مثل علم الدلالة والهرمنيوطيقا، وفي الآثار الكلامية والأخلاقية والفقهية بشكل تطبيقي، وفي الآثار المنطقية والبلاغية وخاصة الأصولية، باعتبارها أسساً نظرية وجوهرية لفهم الكلام والأدلة اللفظية. وهذا الأمر يدل على أصالة وأهمية علم فقه الحديث في نظر العلماء السابقين (وإن كان ذلك في ثنايا بيان قواعد علوم أخرى ودعائمها العلمية) في مسيرته التي قطعها على مدى أربعة عشر قرناً من العلوم الدينية. والجدير بالذكر أن المسائل المطروحة في علم فقه الحديث تنقسم إلى مجموعتين؛ المجموعة الأولى: تهتم بمعرفة المصادر الدينية المعتبرة (الأصول) المتوافقة مع الحديث، والتي يمكن أن توضع بجانبه وتؤثر في دلالته. والمجموعة الثانية: تتعلق بـ«القواعد التي تؤثر في فهم الحديث». وهذه المجموعة تنقسم بدورها إلى ثلاث فئات: الأولى: دراسة ما يتعلق بالفهم الأولي أو الظاهري للحديث. والفئة الثانية: تحديد ما يؤثر على الفهم الأول ويغيره ويبين المراد الجدي للمعصوم (عليه السلام)؛ مثل النقل بالمعنى، ومورد الصدور، والتجوز في الحديث. والفئة الثالثة: أمور مثل النسخ والتقية والتعارض، التي تخدش اعتباره من الأساس وتجعله بلا قاعدة، أو تسلب الحجية الفعلية عما ليس بحجة. العالم البارز في القرنين السابع والثامن الهجري، جمال الدين حسن بن يوسف بن مطهر، المعروف بـ«العلامة الحلي»، هو من الذين اهتموا اهتماماً بالغاً في عدة آثار بتأسيس وتحقيق وتدوين قواعد فهم النص بمنهج تطبيقي لأحكام فقه الحديث في علم الفقه، وتناولها في ثنايا مؤلفاته. آثاره من الجوانب المذكورة أعلاه تحتوي على تحقيقات ومعلومات مفيدة قلما كانت محط بحث ونقاش. ومن هذه الآثار يمكن الإشارة إلى «نهاية الوصول»، الذي كان من أبرز المصادر التحقيقية في تاريخ الفقه والاجتهاد الشيعي. وهو في هذا الأثر، وإن كان بنظرة تشمل الكتاب والحديث معاً، فقد تناول مباحث مثل: الدلالة وأنواعها، والوضع وتأثيره في تصنيف الألفاظ، وعلم المفردات وأنواع ارتباطها، ومعرفة المجاز ومواضع حمله عليه، وعني بموضوع الألفاظ ودلالاتها عناية دقيقة (راجع: الحلي، 1425هـ، 324). ونحن بصدد أن نتناول في هذا المقام تبيين آرائه في هذا الشأن. في تصنيف الأفكار الأصولية التي يمكن الاستفادة منها للعلامة الحلي في علم فقه الحديث، يمكن الوصول إلى عدة أنواع من الجهود العلمية لفهم معتبر للحديث؛ أ- المصادر المعتبرة من منظور الدين، وبالتالي المؤثرة في فهم الحديث. ب- المصادر غير المعتبرة في مسار فهم العلوم الدينية والتي لا اعتبار لها في مجال فهم الحديث. ج- القواعد المؤثرة في فهم الحديث. د- الأمور العارضة على اعتبار دلالة الحديث. والآن، نسعى لدراسة الجزء الرئيسي من علم «فقه الحديث»، وهو المصادر المعتبرة في فهم الحديث وسبل الوصول إلى المراد الجدي للمعصوم (عليه السلام)، في آثاره الأصولية، واستقصاء الحالات التي ذكرها بهدف كشف مقصود المعصوم (عليه السلام). هذا البحث يكاد يكون فاقداً لسيرة بحثية خاصة، وإن كان لا ينبغي إغفال المقالة الوحيدة التي كتبت عن العلامة الحلي وفهم الحديث في باب المفردات والكلمات؛ بعنوان «گونه شناسی واژگان و نقش آن در فهم حدیث با تأکید بر آراء علامه حلی».
٢. المصادر الدينية المعتبرة المؤثرة في فهم الحديث
كما نعلم، فإن الحديث (باعتباره كلاماً يحكي سنة المعصوم (ع)) يقع إلى جانب القرآن ومصادر أخرى، مثل العقل والإجماع التي ثبت اعتبارها. وبما أن هذه المصادر جميعها تنبع من منبع واحد، فمن الطبيعي أن تكون محصلة دلالاتها مجتمعة هي التي تشكل الفهم الديني. وهكذا، فإن معظم علماء الدين يرون الاستعانة بالسنة لفهم القرآن، أو اعتبار العقل إلى جانب السنة لكشف مدلولها. بناءً على هذا، في فهم الحديث وكشف غوامضه وإبهاماته، يمكن للقرآن وسائر الأصول والمصادر المعتبرة في نظر الباحثين الدينيين أن تساعد في كشف المراد الحقيقي للحديث.
١-٢. القرآن وفهم الحديث
للقرآن والحديث تفاعلات وتأثيرات متبادلة متعددة. بناءً على الأدلة، فإن فهم مدلول الآيات ومقاصد الله، بالإضافة إلى تطبيق الأصول والقواعد التفسيرية، يعتمد على الروايات. وعلى أساس الرؤية الغالبة، فإن الروايات هي سبب تخصيص وتقييد ورفع الإبهام أو الإجمال الذي يطرأ على الآيات مع مرور الزمن. وفي المقابل، وفقاً لروايات، يجب قبل العمل بمضمون الأحاديث عرضها على القرآن، والتأكد من موافقتها للقرآن الكريم كمعيار أساسي للمعارف الدينية. كذلك يجب مقارنة الحديث بالقرآن وتقييمه بهذا الكتاب السماوي الذي يسمى بـ«الثقل الأكبر». كما أن للقرآن القدرة على مساعدتنا في فهم الحديث. والجدير بالذكر أن فهم الحديث على أساس القرآن يرتكز بدوره على مبانٍ علمية خاصة مثل شمولية القرآن وعدم تحريفه، وهو ما يثبت، بالإضافة إلى إظهار إمكانية استخدام هذا الكتاب السماوي لفهم الحديث، وجوب ذلك أيضاً. والآن نذكر مثالاً على فهم الحديث بناءً على الدلالات القرآنية: العلامة الحلي لا يقبل الرواية التي تجيز الوضوء بماء الورد: «يونس عن أبي الحسن (ع) قال قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة؟ قال: لا بأس بذلك» (الصدوق، 1413هـ، 1: 6)، مستدلاً بالآية الشريفة: «… فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا …» (النساء: 43)، ويصرح بأنه إذا كان لديه ماء ورد، فإنه لا يزال لا يملك ماءً ويجب عليه التيمم (الحلي، مختلف الشيعة، 1: 226).
٢-٢. السنة وفهم الحديث
تُعد السنة المصدر المعتبر الثاني لفهم الدين وفهم النصوص الدينية كالقرآن والحديث، من منظور المصادر الدينية نفسها كالقرآن والإجماع والعقل، وتتفق جميع التيارات الإسلامية على ذلك.[2] ومن وظائف السنة تأثيراتها المتنوعة في الدلالات القرآنية؛ وكما أن السنة يمكنها أن تؤثر في فهم الحديث نفسه. هذا الاعتقاد، بالإضافة إلى كونه متجذراً في أدلة حجية السنة واعتبارها، فهو مستقى من روايات تشير إلى الوحدة النوعية للمعصومين (عليهم السلام)، وكون رواياتهم تصدق وتوافق بعضها بعضاً؛ فوفقاً للرواية الواردة عن الإمام الرضا (عليه السلام): «… إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا وكلام أولنا مصادق لكلام آخرنا» (الطوسي، 1404هـ، 2: 490).[4] لأحاديث المعصومين (عليهم السلام) وحدة مفهومية وانسجام كامل؛ حتى لكأن مجموعة الذوات المقدسة للمعصومين (عليهم السلام) في بيان رواياتهم متكلم واحد (المسعودي، 1387ش، 152). لذا، فإن تشكيل أسرة الحديث هو سبيل للوصول إلى النص الصحيح للحديث، وكذلك للوصول إلى معناه (ميرجليلي، 1396ش، 1: 68). ولهذا السبب، فإن جمع أقوال المعصومين (عليهم السلام) حول موضوع واحد، وهو ما يُعرف في أدبيات فقه الحديث المعاصرة بـ«أسرة الحديث» ويُشدد على ضرورة إيجاد وتشكيل هذه الأسرة الحديثية، قد حظي بتأكيد علماء هذا المجال. وفيما يلي نذكر مثالاً على دور أسرة الحديث، أو بعبارة أخرى، السنة، في الفهم الدقيق للرواية وإمكانية الوصول إلى الحكم النهائي: في حالة من نذر أن يحج ماشياً ثم شق عليه ذلك، وردت روايتان؛ إحداهما تقول: متى تعب فليركب: «ما رواه رفاعة بن موسى في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله (ع): «رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله»، قال: «فليمش»، قال: قلت: «فإنه تعب»، قال: «فإذا تعب ركب»» (الطوسي، 1364ش، 5: 403). والأخرى تقول: يركب ويأخذ معه جملاً كفارة ليقربه: «ما رواه ذريح المحاربي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل حلف ليحجن ماشياً فعجز عن ذلك فلم يطقه، قال: «فليركب وليسق الهدي»» (الطوسي، 1364ش، 5: 403). وقد حمل العلامة الحلي الرواية الثانية على الاستحباب بقرينة الرواية الأولى (مختلف الشيعة، 4: 378).[5]
٣-٢. العقل وفهم الحديث
العقل هو إحدى حجج الله على البشر، وله في مجالات خاصة وظائف متعددة. هذه الحجة الإلهية التي وُصفت في الروايات بأنها حجة الله الباطنة على عباده: «إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَينِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً، وحُجَّةً بَاطِنَةً، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول» (الكليني، 1407هـ، 1: 16). في وظيفته الدينية، يهدي البشر إلى الله ويؤيد حجة الله الأخرى إلى جانبه، وهو ما يُعبّر عنه بالعقل النظري. أما من حيث إدراكه الآخر المتعلق بأفعال البشر، فله دلالات في مجال الأحكام (الحلي، 1425هـ، 2: 57). ولكن دوره في علاقته بالحديث، باعتباره كلاماً صادراً عن الحجج الظاهرة لله، هو أمر جدير بالاهتمام؛ فالعقل لا يُستخدم في تنقيح الحديث ونقده فحسب، بل له القدرة على التأثير في عملية فهم الحديث بفضل إدراكاته المستقلة أو غير المستقلة، ولذا يمكن اعتباره أحد مصادر فهم الحديث. وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الصدد: «مِنَ العقل الفطنة والفهم والحفظ والعلم» (المجلسي، 1362ش، 1: 89)، ونبّه إلى دقة العقل في مسار الفهم. كما نبه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى دور العقل في الوصول إلى قمم المعرفة فقال: «بالعقول تنال ذروة العلوم» (التميمي الآمدي، 1366ش، 3: 221). إن أول دور للعقل في علاقته بفهم الأحاديث هو منع ظهور التأويلات والاحتمالات المخالفة للواقع الخارجي؛ فالعقل يمكن استخدامه في مسار كشف معاني مفردات الكلام، وكذلك في كشف المعاني التركيبية؛ إذ بالتمسك بالإدراكات العقلية، يجب رفع اليد عن ظاهر النصوص وتأويلها بما ينسجم مع العقل. فمنذ القدم، قام علماء الشيعة والمعتزلة، رغم التزامهم بظواهر ألفاظ الشرع، برفع اليد عنها بواسطة حكم العقل، وقاموا بتأويلها تأويلاً معقولاً. في رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حول الحجر الأسود، ورد: «… إن له عينين يبصر بهما وأذنين يسمع بهما» (المفيد، 1414هـ، 105). حيث إن الحجر الأسود، بكونه من جنس الجماد، لا يمكن حقيقة أن يكون له عينان وأذنان يبصر ويسمع بهما، فبناءً على الحكم العقلي البديهي، ليس هذا هو المعنى الظاهر المراد، وهو محال. لذا قال بعض العلماء إن المقصود هو وجود ملك موكل بالحجر الأسود له عينان وأذنان. وفقاً لما توصل إليه العلماء، وخاصة الأصوليين، الذين ينظرون إلى العقل باعتباره أحد مصادر الأحكام، وبتعبيرهم في مباحث الحجة، إحدى الحجج الإلهية، فإن للعقل وظيفتين معرفيتين في مسار كشف الأحكام، ويقدم في مجالين أحكاماً ومعارف: المستقلات العقلية وغير المستقلات العقلية. «حسن العدل» و«قبح الظلم» ومصاديق هذين القسمين هي من موارد ما يسمى بـ«المستقلات العقلية». والمجال الثاني تحت عنوان «غير المستقلات العقلية» يصدر أحكاماً تكون منشأ ومصدراً لأحكام سابقة في مصادر معتبرة مثل الكتاب والسنة وغيرها. ومثال ذلك أن يأمر الله بوجوب شيء، فيحكم العقل بوجود ملازمة بين هذا الواجب ووجوب مقدمته. وكما أن العقل، في حال تلقي وجوب شيء، يحكم بحرمة ضده وامتناع اجتماع الأمر والنهي في ذلك الشيء (الحلي، 1425هـ، 2: 57). إن المعرفة العلمية بهذين الإدراكين قد طُرحت في العصور المتأخرة وبلغت حتى زمن العلامة الحلي كمالاً نسبياً مقبولاً بين الأصوليين. بالإضافة إلى ذلك، كانوا يؤمنون بملازمة حكم الشرع والعقل وكاشفية حكم العقل عن حكم الشرع. شيء شبيه باستقلال العقل في حكم قبح العقاب بلا بيان، وحسنه عند البيان، وكشف رؤية مشابهة من الشرع في هذا الصدد (الحلي، 1425هـ، 2: 57). هذان النوعان من الأحكام العقلية (المستقلات وغير المستقلات) يمكن أن يكونا مؤثرين في دلالة الروايات، ويؤديان إلى تعيينها أو تغييرها. على سبيل المثال، يذكر العلامة الحلي بعد بيانه للموارد التي يستدل بها العلماء، وخاصة الأصوليون، لاستنباط الأحكام، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، يتطرق إلى مبحث القياس ويقول: إن لدينا دليلاً عقلياً على أن القياس غير قابل للاعتماد والعمل به (الحلي، 1401هـ، 154).
٤-٢. الإجماع وفهم الحديث
الإجماع بمفهوم اتفاق نظر أمة النبي (صلى الله عليه وآله) (مع الأخذ في الاعتبار التفسيرات المتنوعة الموجودة بين العلماء في هذا الصدد) هو أحد مصادر التشريع وإصدار الحكم الديني منذ القدم (الحلي، 1425هـ، 3: 131). الشيعة في هذا السياق لا تعتبره حجة لذاته، بل لاعتبار وجود قول الإمام المعصوم (عليه السلام) ضمن المجمعين، ولا تعتبر انعقاده حجة كدليل معتبر دون الكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام). وقد صرح العلامة الحلي في هذا الشأن بأن الإجماع حجة وصواب وحق، لا باعتباره إجماعاً، بل لاشتماله على قول المعصوم (عليه السلام)، لأن قول المعصوم (عليه السلام) لو كان منفرداً لكان حجة، والآن إذ وقع قوله ضمن أقوال جماعة، فإن قول الجماعة يكتسب حجيته من قول الإمام (الحلي، 1425هـ، 3: 131). وفي كلام آخر، يعتقد الإمامية أن الإجماع حجة؛ لأنه في زمن التكليف، يوجد حكم إمامي معصوم، وبسبب وجوده بين المجمعين، يكون هذا الإجماع حجة (الحلي، 1425هـ، 3: 132). كما يبين أنه لمعرفة الأحكام، يلزم معرفة الآيات المتعلقة بالشرع، وهي حوالي خمسمئة آية، وكذلك الأحاديث المتعلقة بالأحكام ورواة الأحاديث وكلام الفقهاء حتى لا يخرج عن الإجماع (الحلي، قواعد الأحكام، 1: 526). نتيجة لذلك، وبالنظر إلى مقبولية الحكم المستفاد من طريق الإجماع، فإن تأثيره على فهمنا للأخبار والروايات سيكون معتبراً أيضاً. والآن، ننتقل إلى مثالين على فهم الحديث بناءً على الإجماع: أ- العلامة الحلي، في مسألة جواز الهدنة مع الكفار من عدمه، بعد بيان سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) في إبرام معاهدة مع المشركين لمدة 10 سنوات لا حرب فيها، يشير إلى ذلك ويستدل بالآيات الشريفة: «بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُم مِنَ المُشْرِكِينَ» (التوبة: 1)، «…فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ…» (التوبة: 4) و«وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا…» (الأنفال: 61)، ثم يقول: هذا المطلب إجماعي لأن الحاجة إليه شديدة (الحلي، تذكرة الفقهاء، 1419هـ، 9: 352). بالطبع، يجب ذكر أن العلامة الحلي هنا قد قبل الإجماع كقرينة، وليس كدليل مستقل، والأصل هو أخبار الآحاد نفسها. ب- العلامة الحلي لا يقبل الحديث الذي يقول: «امسح على وجه وقدمي حذائك»؛ لأنه يعتبره مخالفاً للإجماع ويستدل قائلاً: الناس فريقان، إما يوجبون المسح على ظاهر القدم فقط، أو يقولون يجب غسل القدم بأكملها (غير الشيعة) (الحلي، منتهى المطلب، 2: 71).
٣. القواعد المؤثرة في فهم الحديث
لا شك أن فهم الحديث مشروط بالتطبيق الدقيق لقواعد متعددة من علوم شتى، مثل: «المفردات» (شاملة للاسم والحرف)، و«الاشتقاق»، و«الصرف»، و«النحو»، و«المعاني»، و«البيان»، و«البديع»، و«أصول الفقه» (خاصة قسم مباحث الألفاظ الذي يشمل: الأوامر، النواهي، المشتق و…)، وعلم الدلالة، والهرمنيوطيقا. إن القواعد المتعلقة باكتساب الفهم الأولي للحديث قد بُحثت في آثار كثيرة، وقُدمت في هذا الصدد شواهد من الروايات الإسلامية أيضاً. وفي هذا السياق، هناك ثلاثة مباحث مهملة ولكنها مؤثرة في فهم الحديث، وهي: التجوز، ومورد الصدور، والنقل بالمعنى، ودورها في فهم المراد الجدي لقائل الحديث، وهي ذات أهمية خاصة؛ لذا، في هذا المقام، سنحصر البحث في دراسة هذه الموارد التي تُعد، وفقاً لرؤية الباحثين في هذا المجال، من أهم مباحث فقه الحديث:
١-٣. التجوز في الحديث
يعتبر العلماء أن «المجاز» هو إحدى الظواهر الشائعة نسبياً في الكلام، خاصة في الكلام غير العادي، وذلك النوع من الخطاب الذي يكون الأسلوب البليغ من لوازمه، ولا يستثنون في هذا الصدد لغة من اللغات الأخرى، ويعتبرونه أساساً كلاماً أبلغ من الكلام المليء بالحقيقة والبعيد عن المجاز. والحديث في الإسلام، الذي هو أساساً كلام النبي (صلى الله عليه وآله) والمنسوبين إليه، ومن منظور شيعي، كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) من بعده، بسبب وظيفته الهدايتية واستخدامه مع مخاطبين يتمتعون بفصاحة وبلاغة عالية، يتضمن حكماً تجوزاً. وفي هذا الصدد، ليس ببعيد عن القرآن الكريم الذي يكثر فيه المجاز (الحلي، 1425هـ، 1: 226). بالطبع، هناك معارضون كالظاهرية يستندون إلى أدلة واهية مثل: «كون المجاز كذباً»، و«ركاكته»، و«اللجوء إلى المجاز عند العجز عن إيراد المطلب عن طريق الحقيقة»، و«إمكان وقوع المكلف في الجهل»، و«ملازمة المجاز لنسبة التجوز إلى الله»، و«منافرة كلام الحق الإلهي مع المجاز»، فينكرون وقوع المجاز في القرآن والسنة (الحلي، 1425هـ، 1: 267). وقد ذكر أهل التحقيق فوائد جوهرية أو عرضية للاستعمالات المجازية مثل: السجع، والازدواج، والمجانسة، والمقابلة، وتلطيف الكلام (الحلي، 1425هـ، 1: 271). هذه الظاهرة، كما تحدث في المفردات (مثل استعمال أسد للشجاع وحمار للشخص البليد)، تؤثر أيضاً في التراكيب تأثيراً معنوياً في ذهن ونفس المخاطب.
٢-٣. مورد صدور الحديث
مورد صدور الحديث، الذي يُذكر ما يماثله في القرآن بأسباب النزول، هو من القواعد العلمية الأخرى المؤثرة في فهم الحديث ومحط اهتمام علماء مجال فقه الحديث. هذه المقولة كانت محط اهتمام علماء البلاغة منذ القدم، وذُكرت ضمن الشروط الثلاثة لتحقق التجوز (أي ضرورة وجود قرائن) (الحلي، 1425هـ، 1: 238). اليوم، في علم الدلالة، تُعطى أهمية كبيرة لمورد الصدور وكل ما له دخل في فهم النص، ويُذكر تحت عنوان «السياق الموقفي» في مقابل السياق و«السياق النصي». من وجهة نظر أهل التحقيق في مجال فهم الحديث، تُعد معرفة مورد الصدور وكل ما يؤثر في فهم مدلول الحديث أمراً ضرورياً لا بد منه، وبدون الانتباه إليه، يصبح الحديث أمراً مجملاً، أو متشابهاً، أو ذا إفادة غير التي قصد المتكلم إيصالها إلى المخاطب. في رواية ينقلها علي بن مغيرة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، جاء فيها: «جعلت فداك، أينتفع بشيء من الميتة؟ فقال: لا. فقلت له: بلغنا أن رسول الله (ص) مر بشاة ميتة…»[6] ميتة فقال: «ما كان على أهل هذه الشاة لو انتفعوا بإهابها». فأجاب الإمام: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، وكانت هزيلة لا ينتفع بلحمها، فتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها»، أي بذبحه (الكليني، 1407هـ، 3: 259؛ الطوسي، 1364ش، 2: 235). وقد أورد العلامة الحلي هذا الحديث في «الباب السابع: في اللواحق»، وبعد بيان رأي الزهري القائل بجواز الانتفاع بجلد الميتة في جميع الأحوال وإن لم يُدبغ، استناداً إلى الحديث المذكور، قال: «عندنا هذا الحديث غير مقبول؛ لأنه قد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) المنع من ذلك متواتراً، ورواية الإمام علي (عليه السلام) تخالفه، وأولاده (أي الأئمة الطاهرون (عليهم السلام)) أعلم برأيه وعقيدته» (الحلي، 1414هـ، 2: 235). كما هو واضح، فإن العلامة الحلي، بذكر بيان الإمام الصادق (عليه السلام) بسبب ورود حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) والذي قد يُفهم خطأً في حال عدم الانتباه لمورد صدوره، قد أشار وأوقفنا على الفهم الصحيح منه. ففي حال عدم لحاظ مورد الصدور، فإن فهم الزهري أو ربما علي بن مغيرة يصبح قابلاً للتوجيه، أي جواز الانتفاع بجلد الميتة وإن لم يُدبغ.
٣-٣. النقل بالمعنى
«النقل بالمعنى»، الذي يُعرف في الآثار العلمية المكتوبة باللغة العربية بـ«النقل بالمعنى» ويقابل «النقل باللفظ»، هو ظاهرة من الظواهر العارضة على الحديث، يأخذ فيها الراوي مضمون ومعنى الحديث من المعصوم (عليه السلام) ويصوغه بنفسه في قالب الألفاظ التي يرتضيها وينسبه إلى المعصوم (عليه السلام). وعلى الرغم من تأكيد المعصومين (عليهم السلام) على نقل الحديث بألفاظهم هم، فإن محصلة مباحث العلماء في هذا الباب هي جواز هذا العمل. في حديث للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، أُثني على الرواة الساعين لحفظ لفظ المعصوم (عليه السلام)، وعُلل هذا العمل بأنه: ربما حامل علم ليس بفقيه، وربما حامل علم إلى من هو أفقه منه (الغفاري، 1369ش، 248-249).[7] بشكل عام، تظهر دراسة الآثار العلمية المتعلقة بهذا الموضوع أن الموافقين على هذا الأمر أكثر من المعارضين، وأن كبار وأئمة المذاهب الإسلامية مثل الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك بن أنس، وأحمد، وبشكل عام معظم الفقهاء، يؤيدون هذه النظرية (الحلي، 1425هـ، 3: 470). وبالطبع، فإن العلماء الذين أجازوا النقل بالمعنى قد وضعوا له شروطاً؛ أولاً، ألا تكون العبارة المنقولة قاصرة في إيصال المعنى عن أصلها. ثانياً، ألا يقع فيها زيادة أو نقصان. وثالثاً، أن تكون العبارة المنقولة مساوية لأصلها في الوضوح والإجمال والخفاء؛ لأن الخطاب قد يكون أحياناً لحكمة خفية بصيغة محكمة ومتشابهة، وفي مثل هذه الحالة لا يجوز تغييرها بالنسبة للأصل (الحلي، 1380ش، 241). في الآثار الأصولية، تبرز استدلالات مثل: وجود نقل واقعة واحدة بألفاظ مختلفة من قبل الصحابة وعدم ردهم لهذا العمل، وجواز شرح الشريعة لغير العرب، وأولوية النقل بالمعنى على الترجمة، والرواية النبوية: «إذا أصبتم المعنى فلا بأس» (المجلسي، 1362ش، 2: 163)، واستخدام هذا العمل من قبل صحابة مثل ابن مسعود، والعلم القطعي بعدم تدوين الصحابة للحديث دون تكرار، وأهمية المعنى والمقصود بالذات وليس اللفظ، واعتباره أداة للمعنى؛ كل ذلك لجواز النقل بالمعنى شريطة تحقق الشروط الثلاثة المذكورة أعلاه (الحلي، 1425هـ، 3: 471). وفي المقابل، تمسك المعارضون أيضاً بأدلة لإثبات وجهة نظرهم: ظهور الرواية النبوية: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (ابن حنبل، 1416هـ، 4: 80)، في وجوب النقل باللفظ وعدم جواز النقل بالمعنى، ووجود تجربة دالة على أن المتأخرين يستنبطون فوائد من ألفاظ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يصل إليها المتقدمون، وأن جواز النقل بمعنى الحديث يستلزم جواز نقل معنى الحديث المنقول بالمعنى، مما يؤدي في النهاية إلى سقوط الكلام الأول (الحلي، 1425هـ، 3: 473).
٤. الأمور العارضة على اعتبار دلالة الحديث
في الآثار المتعلقة بعلم فقه الحديث، الذي هو منطق فهم الروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) أو أحياناً شخصيات إسلامية أخرى مؤثرة في نقل التراث الديني، نصادف عادةً مباحث لا تؤثر في فهم الحديث، ولكن وفقاً لنهج تقليدي متبع، يُبحث عنها، حيث إن هذه الأمور تتعلق بالحديث ودلالته، وإن لم يكن ذلك أولاً وبالذات، بل بسبب وجود عوامل تشكك في أساس اعتباره.
١-٤. التعارض واعتبار دلالة الحديث
في جميع الآثار المتعلقة بمنهج فهم الحديث ومنطق فهمه، يُطرح بحث مسألة تعارض الرواية قيد البحث مع خبر أو أخبار أخرى؛ إذ إن فهم الحديث لا يكون مفيداً إلا في حالة عدم وجود معارض أو رفع التعارض بالمعايير والمرجحات المنصوصة أو غير المنصوصة. توجد روايات عن المعصومين (عليهم السلام) لكيفية التعامل عند مواجهة التعارض بين دليلين، وقد أطلق عليها العلماء المسلمون اسم «الأخبار العلاجية». في هذه الأخبار، بعد إحراز التعارض بين الدليلين، تُعتبر معايير مثل «موافقة الكتاب، وموافقة السنة النبوية و…» لترجيح دليل على الآخر؛ وإن كان بناءً على القاعدة الأولية، عند تعارض دليلين، يسقط كلاهما عن الحجية ولا قيمة ولا اعتبار لهما؛ ولكن بناءً على قاعدة ثانوية استخرجها العلماء من «الأخبار العلاجية» وادعى بعضهم الإجماع عليها، فإن الوظيفة الابتدائية هي الجمع الدلالي بين الروايتين المتعارضتين (الأحسائي، 1403هـ، 2: 466)، وفي حال عدم إمكان الجمع العرفي بين الدليلين المتعارضين، يُلجأ بناءً على الأخبار العلاجية إلى إحدى الوظائف التالية: أ- تخيير المكلف في الأخذ بأيهما، وهذا هو القول المشهور والمنقول عليه الإجماع. ب- التوقف في الفتوى بموجب أي من الدليلين وعدم العمل بأي منهما بحيث يمكن الرجوع إلى الاحتياط في العمل. ج- العمل بالرواية المنطبقة مع الاحتياط، وفي حال عدم وجود مثل هذه الرواية، يكون المكلف مخيراً بين الروايتين (المظفر، 1388ش، 4: 236). للعلامة الحلي منهج يختلف عن كثير من العلماء المسلمين. فهو يعتقد أنه إذا كان الدليلان المتعارضان كلاهما عاماً أو خاصاً، وزمان ورودهما معلوماً، فإن الدليل المتأخر يُعتبر ناسخاً. وفي غير هذه الصورة، يجب الرجوع إلى غيرهما لسقوط الدليلين. وهكذا إذا كان التاريخ غير معلوم. ثم يتطرق إلى تفصيلات أكثر دقة تكون نتيجتها في صور التخصيص وفي صور النسخ وأحياناً تقدم الخاص على العام أو العام على الخاص (الحلي، 1404هـ، 233-234). من وجهة نظر العلامة الحلي، يمكن لعدة عوامل أن تؤدي إلى ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى. وأهم هذه المرجحات هي: كثرة الرواة، ودليل ترجيح الكثرة ووفرة الرواة هو أن الظن الحاصل من الخبر الواحد يكون أقوى في هذه الحالة؛ لأن احتمال الكذب في الجماعة أبعد من احتماله في الواحد. كذلك، مخالفة دليل مخالف للأصل، ومخالفة دليلين أصعب من مخالفة دليل واحد. ويعدد العلامة الحلي المرجحات بشكل عام كالتالي: كثرة الرواة، وعلو السند، والأعلمية، والأقدمية، والأزهدية، والأشهرية، هي أولى مرجحات خبر على خبر آخر. وبالطبع، يوضح في سياق ذكر المرجحات: الفقيه أرجح من غير الفقيه، والأفقه من الفقيه، والعالم بقواعد اللغة العربية من غير العالم والأعلم بها من العالم، والراوي الحاضر في واقعة الصدور، ومن يجالس العلماء أكثر، ومن اختُبرت عدالته من الذي زُكّي فقط، والمزكى من قبل شخص أعلم، والراوي الأضبط من الراوي الضابط، والراوي الجازم من الراوي الظان، والراوي المشهور بالرئاسة من غيره، ومن تحمل الحديث بعد البلوغ من غيره، ومن ذكر السبب، وناقل اللفظ من ناقل المعنى، والخبر الذي يتقوى بحديث آخر من خبر لا يتقوى، والراوي المدني من المكي (بسبب قلة رواة مكة بعد ظهور رواة المدينة)، والرواية الواردة بعد غلبة النبي (صلى الله عليه وآله)، والرواية الفصيحة من الركيكة (مع عدم وجود ترجيح للأفصح على الفصيح)، والخاص على العام، والرواية الدالة بوضع شرعي أو عرفي على اللغوي، والحقيقة على المجاز، والرواية الدالة بوجهين على الدالة بوجه واحد، والمعللة والمؤكدة، والتي فيها تهديد، وراوي الناقل عن حكم الأصل بالنسبة للمقرر، لها رجحان على غيرها. وكذلك رواية نافية للحد على رواية مثبتة له، ورواية عمل بها بعض العلماء على التي تركوها مع عدم خفائها، لها رجحان (الحلي، 1404هـ، 234-238).
٢-٤. النسخ واعتبار دلالة الحديث
نسخ الأحكام ظاهرة معروفة في الشريعة الإسلامية، وقد ذُكرت، ولو بالإجمال، في الأدلة الشرعية. وقد قبلها العلماء المسلمون عموماً باستثناء أبي مسلم الأصفهاني وعقلاء الأديان ما عدا اليهود. من وجهة نظر العلامة الحلي، فإن فلسفة وقوع النسخ مرتبطة بكون الأحكام منوطة بالمصالح والمفاسد، وأنه يمكن أن يكون وجوب شيء في وقت ما مصلحة، وفي وقت آخر مفسدة؛ وإذا كُلّف به دائماً، لزم التكليف بالمفسدة. وكما مضى، فإن الآية الشريفة: «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (البقرة: 106)، التي وردت في سياق آيات مواجهة اليهود، تدل على ذلك (الحلي، 1404هـ، 175-176). في الآثار الأصولية، معظم المباحث تتعلق بنسخ القرآن الكريم، وأقل اهتماماً بنسخ الأخبار. وبحسب بعض أهل التحقيق، لا يوجد مثال على نسخ الأخبار يمكن قبوله باطمئنان، أو إن وجد فهو نادر جداً (الغفاري، 1369ش، 262). ومع ذلك، نصادف في المصادر أحاديث تُعرف بـ«أحاديث بريدة» تشير إلى نسخ أحكام كانت قد صدرت سابقاً عن النبي (صلى الله عليه وآله): قال (صلى الله عليه وآله): «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ إِلا فِي ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ»؛ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، أَلا فَادَّخِرُوهَا»؛ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، أَلا فَزُورُوهَا» (ابن الأثير، 1417هـ، 4: 367).
٣-٤. التقية واعتبار دلالة الحديث
من الأمور الأخرى التي تسقط الحديث عن مرتبة الاعتبار وتخدش حجيته «التقية». «التقية» هي: «كتمان الحق وستر الاعتقاد به ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا» (المفيد، 1393ش، 241). وتُعد الساحات الفكرية والاجتماعية والسياسية الثلاث من الشروط الأساسية لنشأة التقية (الشاهرودي، 1403ش، 2: 241). إن الاعتقاد بالتقية وآثارها على اعتبار المفهوم المستنبط يختص بالشيعة دون الزيدية، وأهل السنة لم يقبلوا وقوعها ولا جوازها، ويعتقدون أن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) بحسب اعتقاد الشيعة، قد نُصّبوا لبيان الأحكام والشرائع، وإذا كان من المفترض أن يخافوا من الأعداء ولا يبينوا حقيقة الأحكام، فلن يبقى اعتماد على أقوالهم، وتنتفي فائدة نصب النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) (بناءً على المعتقد الشيعي)؛ إذ في حال احتمال التقية، لن يكون هناك اعتبار وحجية للكلام الوارد عن المعصومين (عليهم السلام). وفي المقابل، يعتقد الشيعة أن احتمال التقية يقع فقط في مقام تعارض الأخبار، وبالتالي فإن الإشكالين الموجهين لمسألة التقية، وهما إخفاء وعدم بيان الحقيقة وانتفاء الاعتماد على أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، يزولان؛ لأنه مع البيان الصريح للحقيقة في الأحكام السابقة والإشارة التلميحية إلى التقية، لن تبقى شبهة. وهناك روايات كثيرة من المعصومين (عليهم السلام) تتناول وقوع التقية ووظيفة المكلفين في هذه الحالة: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع): يَا أَبَا عَمْرٍو، أَرَأَيْتَكَ لَوْ حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ أَوْ أَفْتَيْتُكَ بِفُتْيَا، ثُمَّ جِئْتَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتَنِي عَنْهُ فَأَخْبَرْتُكَ بِخِلَافِ مَا كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ أَوْ أَفْتَيْتُكَ، بِأَيِّهِمَا تَأْخُذُ؟ قُلْتُ: بِأَحْدَثِهِمَا وَأَدَعُ الآخَرَ، فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتَ يَا أَبَا عَمْرٍو، أَبَى اللهُ إِلا أَنْ يُعْبَدَ سِرّاً. أَمَا وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِنَّهُ خَيْرٌ لِي وَلَكُمْ. أَبَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا وَلَكُمْ فِي دِينِهِ إِلا التَّقِيَّةَ» (الكليني، 1407هـ، 2: 218). وقد استفاد العلامة الحلي نفسه من التقية في الإفتاء، وفي كلام بليغ عبر عن دورها في تغيير الحكم الواقعي، مما يدل على اعتقاده بجواز تقية الأئمة (عليهم السلام): «إِنَّما يَجُوزُ المَسحُ عَلَى الخُفَّيْنِ عِندَ الضَّرُورَةِ، كَالبَرْدِ وشِبْهِهِ، أَوِ التَّقِيَّةِ، دَفْعاً لِلْحَرَجِ، ولِقَوْلِ البَاقِرِ (ع) وقَدْ سُئِلَ هَلْ فِيهِمَا رُخْصَةٌ: «لا، إِلا مِنْ عَدُوٍّ تَتَّقِيهِ، أَوْ ثَلْجٍ تَخَافُ عَلَى رِجْلِكَ»» (الحلي، 1414هـ، 1: 174).
٥. الخلاصة
١- لقد وجّه الأصوليون، ومن بينهم العلامة الحلي بشكل خاص، جزءاً من اهتماماتهم العلمية نحو معرفة محتوى النصوص الدينية، ومنها فهم الحديث.
٢- في سياق الاستفادة من الحديث وفهمه، تم تحديد ثلاثة عناصر مهمة: «مصادر معتبرة لفهم الحديث»، و«قواعد وأصول مهمة في فهم الحديث»، و«أمور عارضة على حجية واعتبار الحديث» مثل التعارض والنسخ والتقية، والتي حظيت بأكبر قدر من اهتمام الأصوليين.
٣- القرآن، والسنة القطعية، والعقل، والإجماع من ناحية الشيعة، هي من الأدلة التي يمكن لمضامينها إلى جانب الحديث أن تكون مبينة لقائلها، أي النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام).
٤- في علم الأصول، توجد قواعد متعلقة بعلوم البلاغة، وعلم الدلالة، والمنطق، والتي تؤثر، وفقاً لفهم الأصوليين، في فهم كلام المعصوم (عليه السلام)؛ وقد أكدوا في هذا السياق على التحقيق في «مورد الصدور»، و«احتمال وقوع التجوز»، و«نقل معنى كلامهم بلفظ آخر».
٥- كان منهج العلامة الحلي في التعامل مع التعارضات منهجاً منظماً، ولم يعمل بانتقائية قط. وقد سعى في تعامله مع التعارضات الواقعية إلى ترجيح أحد الأقوال على الآخر.
٦- الأصوليون كذلك أولوا اهتماماً بتعارض الروايات، ووقوع التقية والنسخ في الأخبار كأمور محددة لحجية الفهم المستفاد من الحديث، واعتبروا العلم بالتقية والنسخ ووجود معارض قوي مساوياً ومساوقاً لعدم اعتبار الفهم المستفاد من الحديث.
الهوامش
1. منذ القدم، أُطلق مصطلح «الأصول» على المصادر المعتبرة لفهم الدين ونصوصه. وقد تكون تسمية أصول الفقه بهذا الاسم بسبب بحثه في المصادر المعتبرة (مثل الكتاب والسنة) لاستنباط الأحكام، كما في أصول النحو وأصول التفسير، كما يصرح بذلك السيوطي، من هذا الباب.
2. اختلف العلماء في جواز إزالة النجاسة بالماء المضاف، مع أن نادراً منهم أجمعوا على أن الماء المضاف لا يرفع الحدث. الشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وسلار، وأبو الصلاح، وابن البراج، منعوا «الخلوق»، وهو عطر مركب من الزعفران وأنواع العطور الأخرى، وغالباً ما يكون لونه أصفر. أما السيد المرتضى فقد أجاز تطهير النجاسة به. ولكن العلامة الحلي يقول: «ما ذهب إليه أكثر الفقهاء هو الحق في اعتقادي». لأدلة مثل الآية الشريفة: «وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» (الأنفال: 11) (الحلي، مختلف الشيعة، 1: 220).
3. ذكر السنة باعتبارها المصدر الديني الثاني المعتبر، يتوافق مع المنهج المتفق عليه لدى غالبية العلماء المسلمين من كلا الفريقين. وبالطبع، هذا الترتيب مبني على أهمية القرآن وأولويته في المعارف والتشريع. وكما أن أخبار أهل البيت (عليهم السلام) تؤيد ذلك. وإلا فمن الناحية الكمية، يحتوي القرآن الكريم على قضايا أقل مقارنة بالحديث، حتى إننا نلاحظ أن خمسمئة آية فقط من القرآن فقهية، وكثير منها لا يحتوي إلا على أحكام فقهية جزئية؛ في حين توجد آلاف الأحاديث الفقهية التي تجعل تفوق الروايات وتأثيرها على الفقه أمراً حتمياً.
4. في كتب الحديث، توجد أحاديث متعددة تدل على هذا المطلب (راجع: الخزاز القمي، 1401هـ، 71؛ المفيد، 1397هـ، 95).
5. من الجدير بالذكر أن أقسام الخبر من وجهة نظر العلامة الحلي هي: أخبار إما يقطع بصدقها، أو يقطع بكذبها، أو يحتمل فيها الصدق والكذب. ويقسم العلامة الحلي النوع الأول إلى سبع فئات من الروايات: 1- الخبر المتواتر: من وجهة نظره، الخبر المتواتر هو الخبر الذي يكون رواته في جميع الطبقات من حيث العدد والتنوع بحيث يحصل للمستمع يقين وثقة؛ فمثل هذا الخبر يفيد العلم بالضرورة. والمعيار في عدد رواة الخبر المتواتر هو حصول اليقين من عدمه؛ فإن حصل اليقين فهو خبر متواتر وإلا فلا. 2- خبر الواحد: من وجهة نظر العلامة الحلي، خبر الواحد هو رواية تفيد الظن والشك في قلب المستمع، وإن تعدد قائلوا الخبر. وفي شرع الإسلام، هو حجة: «خبر الواحد: هو ما يفيد الظن، وإن تعدد المُخبر وهو حجة في الشرع». ويصرح بحجية خبر الواحد بذكر أدلة مثل آية النبأ «…إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ…» (الحجرات: 6) التي أوجبت التحقيق والتثبت في خبر الفاسق؛ ففي خبر العادل إما أن نقبله، وهو المطلوب أي حجية خبر الواحد، أو نرده، وهو ما يستلزم أن يكون أسوأ من الفاسق، أو نتوقف فيه، وهو ما يلغي فائدة الوصف بشكل عام. ودليل آخر هو أن خبر الواحد في نقل الفتاوى والشهادات مقبول مع انتفاء العلم فيها، فيجب قبول خبره في نقل الروايات أيضاً. ويشترط العلامة الحلي لقبول خبر الراوي الواحد خمسة شروط، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والعدالة، والضبط. 3- الأخبار التي يكون الله قائلها، مثل آية: «…يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ…» (الفتح: 10). 4- أخبار رسول الله (ص)، مثل: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (المجلسي، 1362ش، 3: 229). 5- أخبار الأئمة الشيعة، مثل رواية الإمام الصادق (ع): «لا يَنَالُ شَفَاعَتَنَا مَنِ اسْتَخَفَّ بِصَلاتِهِ» (الكليني، 1407هـ، 3: 270). 6- خبر كل الأمة، مثل خبر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي…» (الصفار، 1404هـ، 1: 413). 7- الخبر المقوى بالقرائن. والنوع الثاني يعتبره خبراً ينافي مضمونه وجود شيء معلوم بالضرورة أو بالاستدلال (الحلي، 1404هـ، 198-225).
6. في بعض الروايات، أُطلق مصطلح ابن السبيل على الضيف المحتاج والفرد الذي ينوي السفر ولكنه لا يملك القدرة المالية على السفر (في الاصطلاح: منشئ السفر) (الحر العاملي، 1367ش، 6: 146).
7. قال رسول الله (ص): «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ».