التقديم التجويزي لنقد السند أو المتن

ملخص

إن آفة الحديث من الظواهر الواضحة والمعروفة في التراث الحديثي للمسلمين. وبما أن هذه الآفة إما أن تصيب سند الحديث أو متنه، فقد عمد علماء المسلمون منذ القدم إلى نقد السند والمتن لرد الحديث أو قبوله، وأبدعوا لذلك مناهج وقواعد. وبغض النظر عن أي النقدين كان له الأسبقية التاريخية والمعيارية، يبرز هذا السؤال المهم: أي المنهجين له الأصالة ويُوصَف كمنهج رئيس لرد الحديث أو إثباته، بحيث يغنينا عن النقد الآخر؟ وهل لكل من هذين المنهجين جدوى لنوع خاص من الحديث، أم يجب استخدامهما معًا في نقد أي نوع من الأحاديث؟ وفي النهاية، إلى أي مدى تدل نتائج هذين النقدين على صحة صدور الحديث عن المعصوم؟ تسعى هذه المقالة، التي كُتبت بأسلوب جمع المعلومات المكتبية ونقد البيانات وتحليلها وفق منهج وصفي-تحليلي، إلى الإجابة عن هذه الأسئلة. وفي الختام، يتضح أن استخدام كلا المنهجين النقديين ضروري لإثبات وصحة عموم الأحاديث، إلا في حالات خاصة يكتفى فيها بأحد المنهجين نظرًا لنوع متن الحديث. وذلك مع العلم أن إثبات صحة السند أو صحة المتن لا يستلزم إثبات صحة الصدور.

1. طرح المسألة

على الرغم من أهمية الحديث الذي يحكي عن سنة المعصوم وكونه أحد الثقلين الأكبرين وتأثيره البالغ في تشكيل فكر المسلمين وسلوكهم وأخلاقهم، وعلى الرغم من كل هذه المزايا، فإن تاريخ الحديث المليء بالتقلبات يخبرنا للأسف بظهور آفات في التراث الديني شغلت المسلمين منذ القدم وأدت إلى جدالات وقرارات وفتاوى وآراء مختلفة، بل ومتعارضة أحيانًا، عند الاستفادة منه. ولهذا، اتجه علماء المسلمون منذ القدم إلى التحقيق والنقد، ووضعوا قواعد وأصولًا للوصول إلى الحديث المقبول.

بما أن الحديث عمومًا يتلخص في ركنين هما السند والمتن، كان من الطبيعي أن يتوجه هذا النقد والبحث منذ القدم إلى هذين الركنين. وكما سيأتي، فإن مصادر الفريقين تزخر بهذين النوعين من النقد، وخصوصًا فيما يتعلق بنقد السند والرجال، حيث أُلّفت كتب كثيرة. ورغم ذلك، فقد وقع الخلاف حول أصالة وأولوية أحد هذين النقدين في التصحيح النهائي للحديث، بحيث لا تكون هناك حاجة إلى النقد الآخر، وبعبارة أخرى، في «التقديم التجويزي»1 لأحدهما. ويبدو أن أهل الحديث في القرون الأولى كانوا يعتمدون عمومًا على النقل والسند، بينما كان أهل الرأي والعقل، ومنهم المعتزلة، يعتمدون على الاجتهاد والاستدلال، مترددين في أصالة الحديث وسنده، ومعتمدين على المتن، وكان كل فريق يتهم الآخر بالانحراف والبدعة في الدين (الشافعي، 1422هـ، 9: 5 وما بعدها؛ ابن قتيبة، د.ت، 3 وما بعدها، 54 وما بعدها؛ أبو زهرة، د.ت، 220).

لكن هذا السؤال لا يزال مطروحًا: أي النقدين حقًا يتقدم على الآخر في تصحيح خبر ما؟ أم أن مثل هذا التقديم غير مطروح أصلًا ويجب الاهتمام بهما معًا؟ أم أن طبيعة متن الحديث هي التي تحدد التقديم التجويزي لأحد هذين النقدين؟

من ناحية أخرى، على الرغم من أن علماء المسلمين – كما أُشير أعلاه – قد مالوا إلى أحد النقدين، وضمنوا مباحثهم في نقد الحديث مطالب في الدفاع عن أصالة النقد الذي يفضلونه، أو تناولوا أصول ومعايير نقد السند أو المتن، كما ورد في كتب الرجال ومقدماتها، وكذلك الكتب المتعلقة بالدراية ومصطلح الحديث، وكتاب «المنار المنيف» لابن قيم الجوزية الذي اقتصر على معايير نقد المتن، إلا أنهم لم يتناولوا بشكل مستقل وشامل أدلة تقديم النقد المفضل لديهم ورد أدلة تقديم النقد الآخر. وفي العصور المتأخرة أيضًا – كما سيأتي – انصبّت معظم الأبحاث ذات الصلة حاليًا إما على إثبات أو رد الأسبقية التاريخية لأحد هذين النقدين وأولويته عند المتقدمين – وهو موضوع أثاره المستشرقون أولًا – أو على بيان قواعد ومعايير نقد السند والمتن، وقلّما تم نقد وبحث مدى فاعلية وأدلة تقديم كل من النقدين في التصحيح النهائي للحديث، وفي النهاية تقديم حل عملي لنقد الحديث وتجويز تقديم أحدهما. يستثنى من ذلك كتاب «إثبات صدور الحديث بين منهجي نقد السند ونقد المتن» للسيد علي حسن مطر الهاشمي، الذي عرض في جزء منه بعض أدلة الطرفين المؤيدين لتقديم السند والمتن، ووصل إلى استنتاج متعاطف مع تقديم المتن، لكنه لم يكن جامعًا لكل الأدلة المتعلقة بتقديم كل من النقدين، كما أن استنتاجه بأصالة تقديم النقد بشكل مطلق غير مقبول. كما قلّ من صرح بعدم التلازم بين إثبات صحة السند أو صحة المتن وبين صحة الصدور، بل عدم التلازم بين صحة السند وصحة المتن والعكس، وهو أمر يجعل الاعتماد على الحديث محفوفًا بكثير من الحيطة.

تُعد هذه المقالة أول بحث شامل ومستقل يتناول أدلة تقديم نقد السند والمتن ونقدها. وقد بُذلت فيها محاولة، بالإضافة إلى بعض المباحث ذات الصلة مثل تعريف النقد وأنواعه والأسبقية التاريخية لهذين النقدين والفرق بين صحة السند أو المتن وصحة الصدور وعدم تلازم صحة أحدهما مع الآخر، لذكر وتقييم أدلة مدعي تقديم كل منهما، وفي النهاية توضيح ما إذا كان يمكن تجويز أحد النقدين المذكورين لتصحيح الخبر ابتداءً، بحيث لا تكون هناك حاجة إلى النقد الآخر، أم أن مثل هذا التقديم التجويزي المطلق غير موجود، أو إذا كان موجودًا، فإنه يعتمد على نوع وطبيعة متن الحديث. كما تبحث المقالة فيما إذا كان إثبات صحة السند يستلزم إثبات صحة المتن. وفيما يلي، بعد تعريف عام للنقد وأنواعه وذكر الأسبقية التاريخية لأنواع النقد، تُطرح أنواع التقديمات التجويزية في نقد الحديث، وتُبحث إشكالياتها ونقدها وتحليلها.

2. نقد الحديث ومناهجه العامة

يُعرَّف نقد الحديث بأنه «تبيين صحة أو عدم صحة انتساب متن الحديث (السند) ونفس متن الحديث (المتن) إلى المعصوم». (الغروي، 1379هـ.ش: 21؛ الهاشمي، 1430هـ، 14-15)، وهو على صورتين:

1-2. نقد السند أو النقد الخارجي

(الأدلبي، 1983م، 10: 31-32؛ الغروي، 1379هـ.ش، 158؛ الهاشمي، 1430هـ، 83) وهو نقد وبحث سند الحديث من حيث (أ) أوصاف الراوي؛ كوثاقته وعدالته وضبطه، (ب) أوصاف الأخذ والنقل؛ كالسماع والقراءة والوجادة…، (ج) وصف السند؛ كالاتصال والانقطاع (بشكل عام)، … حتى يتضح قبول الحديث أو رده (السلفي، 1987م، 118، 311، 317؛ الأعظمي، 1401هـ، 20: 96 وما بعدها؛ الهاشمي، 1430هـ، 83).

2-2. النقد الداخلي أو نقد المتن أو النقد التحليلي

وفيه يُبحث متن الحديث ويُقارن ويُنقد ليُعلم ما إذا كان الحديث معلولًا، أو مضطربًا، أو فيه زيادة، أو مقلوبًا، أو منسوخًا، أو فيه اضطراب، أو مدرجًا، أو موضوعًا… أم لا (السلفي، 1987م، 118-119، 311-317؛ الأعظمي، 1401هـ، 20؛ الأدلبي، 1983م: 10، 42-43؛ الغروي، 1379هـ.ش، 158). وهنا فرّق البعض بين نقد السند ونقد المتن تفريقًا جوهريًا، وقالوا إن قواعد نقد السند تؤدي في النهاية إلى إثبات «ظنية صحة» أو «عدم صحة» الصدور؛ لأنه مهما كان الحال، يمكن للكاذب أن يصدق، والصادق أن يخطئ. أما قواعد نقد المتن، فهي موجهة أكثر نحو إثبات «قطعية صحة» أو «عدم صحة» الصدور. لذا، في نقد السند، تثبت ظنية صحة الحديث أو عدم صحته، وفي نقد المتن، تثبت قطعية أحدهما (الهاشمي، 1430هـ، 187-189). ولكن، كما سيُذكر لاحقًا، بما أنه قد يُنسب إلى المعصوم كلام صحيح السند ولكنه غير صحيح، فلا يمكن بنقد المتن أيضًا الجزم بقطعية صحة الصدور أو عدمها، إلا في الأحاديث المتواترة لفظًا (حيث للسند دور مهم)، أو معنًى، أو المحفوفة بقرائن الصدق (حيث للسند والمتن دوران معًا). ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من نقد المتن موجه لرد صحة المتن، وبالتالي رد صحة الصدور. ويُؤكَّد أن نقد الأحاديث لا يعني تجريح كلام المعصوم، بل هو لتحصيل الاطمئنان بصحة صدوره عنه وتبرئتهم من الكلام غير الصحيح (الغروي، 1379هـ.ش، 157-158؛ الأدلبي، 1983م، 30-31).

3. الأسبقية التاريخية لنقد السند أو المتن

باختصار، يمكن القول إن المستشرقين والمسلمين اختلفوا في مسألة الأسبقية التاريخية لكل من منهجي النقد، فذهب بعضهم إلى تقديم نقد السند، بينما ذهب آخرون، مع إقرارهم بتقدم وأهمية نقد السند، إلى أن نقد المتن كان موجودًا أيضًا منذ ذلك الحين، وإن توسع هذا الأمر لدى المتأخرين (راجع: معارف – الشفيعي، 1394هـ.ش، 51-84؛ أبو رية، د.ت، 17: 285-288؛ الأدلبي، 1983م، 10: 37؛ أبو زهو، د.ت، 481؛ السلفي، 1987م، 118-119؛ الأعظمي، 1401هـ، 20؛ حاج حسن، 1985م، 1: 52-53، 409-410؛ خلف، د.ت: 12). على أي حال، فيما يتعلق بنقد الأسانيد والسند والراوي، أُجريت بحوث كثيرة وكُتبت كتب لا حصر لها، حتى في الحديث الشاذ، والمعلل، والمضطرب، والمنسوخ، والموضوع…، فإن معظم البحوث سندية (الأدلبي، 1983م، 20-21؛ الغروي، 1379هـ.ش، 161-162). وحتى في كتب العلل والرجال، لا نجد شاهدًا على نقد المتن إلا نادرًا في آثار الفقهاء والأصوليين (الدميني، 1415هـ، 5-6؛ المهريزي، 1381هـ.ش، في جميع أجزاء الأثر). ومع ذلك، يجب القول إن نقد المتن، قبل كل شيء، هو أمر عقلاني، ومن المؤكد أن المسلمين كانوا على وعي به منذ البداية، وقد طبقوه في نقد الحديث بالنظر إلى الشواهد الكثيرة (المهريزي، 1382هـ.ش، 5). كما أن معظم مباحث ومؤلفات المتأخرين في نقد المتن تستند إلى معايير وآراء ونقود المتقدمين.

4. نقد السند أو المتن

فيما يتعلق بأي النقدين يجب أن يقدّم ويُجوّز عند نقد حديث ما؛ نقد السند أم نقد المتن، هناك ثلاثة آراء مطروحة:

1-4. التقديم التجويزي لنقد السند على المتن

ذكر المعتقدون بهذا الرأي المستندات التالية:

1-1-4. مستندات تقديم نقد السند

كما ذُكر في مسألة الأسبقية التاريخية للنقد، فإن نقد السند كان وما زال يتمتع بمكانة راسخة جدًا لدى المسلمين. ومن الناحية التاريخية أيضًا، كما أُشير، فإن لهذا النقد سابقة قديمة جدًا، وتؤكده شواهد قرآنية مثل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا…» (الحجرات: 6). ورغم أنه في أحاديث المعصومين لم ترد إشارة إلى السند ونقده، إلا في روايات تؤيد بعض أصحابهم، مثل زرارة بن أعين (النجاشي، 1416هـ، 175؛ الطوسي، د.ت، 1: 345)، وبريد بن معاوية (النجاشي، 1416هـ، 112؛ الطوسي، د.ت، 2: 507)، وذم آخرين منهم مثل أبي الخطاب (الطوسي، د.ت، 2: 575؛ ابن داود، 276، 303)، والمغيرة بن سعيد (الطوسي، د.ت، 2: 491-492، 805)، وبشار الشعيري (نفسه، 2: 701-703).

ولكن نُقلت عن المتقدمين عبارات في أهمية هذا الركن من الحديث في قبوله أو رده، منها: «الإسنادُ مِنَ الدِّينِ وَ لَوْلا الإسنادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ ما شاءَ وَلَكِنْ إِذا قيلَ لَهُ مِنْ حَدَّثَكَ بَقَى» (مسلم، د.ت، 1: 12 عن عبد الله بن المبارك)، و«إِنَّ هذا الْعِلْمُ دين فَأَجيزوا الْحَدِيثَ ما أُسْنِدَ إِلَى نَبِيِّكُمْ (وفي نقل: فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ)» (الدارمي، د.ت، 1: 113؛ مسلم، د.ت، 1: 11، … عن ابن عباس، ومحمد بن سيرين وغيرهم)، و«لا تَنْظُرُوا إِلَى الحَدِيثِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الإِسْنَادِ، فَإِنْ صَحَ الإِسْنَادُ، وَإِلا فَلَا تَغْتَرُّوا بِالحَدِيْثِ إِذَا لَمْ يَصِحَ الإِسْناد» (الذهبي، 1413هـ، 9: 188 عن يحيى بن سعيد). كما نُقل عن الشافعي: «الذي يطلب العلم بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري» (الخليلي، 1904م، 1: 154)، وقيل إن مالكًا لم يروِ الحديث عن سبعين راويًا، مع أن بعضهم كان يوصف بالأمانة؛ لأنه لم يؤيدهم لنقل الحديث (الخطيب البغدادي، 1405هـ، 191).

كما ذُكر، ادعى البعض أن هذا النوع من النقد كان هو النقد السائد على نقد الحديث لقرون متوالية، ونتيجة لذلك، ظهر نقاد سند كبار وكتب رجالية مهمة جدًا، ووضعت مبادئ وأصول الجرح والتعديل للراوي والسند (راجع: الحاكم النيسابوري، 1397هـ، 52؛ السيوطي، د.ت، 1: 278 وما بعدها؛ ابن كثير، د.ت، 256 وما بعدها و274 وما بعدها و293؛ ابن الصلاح، 1416هـ، 164 وما بعدها و172-185 و182؛ ابن عدي، 1409هـ، 1: 47 وما بعدها؛ السبحاني، 1366هـ.ش، 52-152؛ الغروي، 1379هـ.ش، 286-294). على أي حال، يجب الإذعان بأن ملاحظة قائل الكلام ودوره في توثيق أو تأكيد الكلام هو أسلوب عقلاني وديني، وأن الأوصاف الإنسانية تؤثر في نوع إخباره وأقواله.

إضافة إلى ذلك، قال البعض لتوجيه تقديم هذا النقد إن الأحاديث نوعًا ما تكون بحيث يتصور لها وجوه مختلفة من الشارع؛ فمثلًا يمكن القول إن النبي (ص) كان يصلي الصبح ركعتين أو أكثر، أو يدعو بدعاء خاص عند الوضوء أو لا يدعو، أو في كيفية الدعاء، هناك وجوه مختلفة محتملة…، وبناءً على المتن لا يُعرف أي أمر صحيح الصدور، إلا بالاعتماد على صدق المخبر. ومعظم الأحكام العبادية وغير العبادية وأكثر أحاديث كتب الحديث تتصف بهذا الوصف (السلفي، 1987م، 119-120؛ الأعظمي، 1401هـ، 81-82).

2-1-4. تقييم التقديم التجويزي لنقد السند

في تقييم هذا المنهج، يمكن الانتباه إلى النقاط التالية:

1-2-1-4. صعوبة الحكم النهائي بشأن راوٍ واحد

بما أن هناك رواة كثيرين، سواء من قبل عموم المسلمين أو من قبل فئة منهم، فقد قيلت فيهم آراء وأحكام متعارضة في الجرح والتعديل، لأسباب منها:

أ) الاختلاف في معايير الجرح والتعديل وفي معنى العدل والفسق والصفات الأصلية والفرعية للراوي وكيفية الوصول إلى هذه الصفات. في معظم هذه الحالات، يعتمد الأمر كليًا على الإنسان نفسه (الذات أو الناقد)؛ فأحيانًا يرى شخص بعض الأفعال والأقوال التي يراها الآخرون منافية للعدالة، غير منافية لها، أو العكس، يرى أفعالًا وأقوالًا منافية للعدالة لا يراها الآخرون كذلك. من هنا، اختلف علماء الرجال في زمان واحد أو في أزمنة مختلفة، وباختلاف مذاهبهم، في تعريف العدل ومصاديقه، وفيما إذا كان ملكة أو بالفعل، وهل يكفي الصدق وعدم الكذب لإثباتهما أم لا، وهل يثبت بشاهد واحد أم بأكثر، وكذلك في أوصاف كالضبط وتعريفه و… (راجع: الخطيب البغدادي، 1405هـ، 102-103؛ عجاج، 1971م، 265 وما بعدها؛ عتر، 1985م، 78 وما بعدها و92 وما بعدها؛ السلفي، 1987م، 166 وما بعدها؛ أبو رية، د.ت، 333؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 38، 114؛ المامقاني، 1411هـ، 2: 32؛ الصدر، د.ت، 435؛ حاج حسن، 1985م، 1: 243 وما بعدها؛ الهاشمي، 1430هـ، 154، 337). وكذلك، بما أن الجرح والتعديل ورد في كتب الرجال بأشكال مختلفة من المبهم والمجمل إلى المبيّن والمفسّر، فقد وُجدت سبعة آراء في اعتبار هذين النوعين (السيوطي، د.ت، 1: 258-260؛ المامقاني، 1411هـ، 2: 83، 97)، وإن كان المشهور هو قبول التعديل المجمل والجرح المفصل (الشهيد الثاني، 1408هـ، 115؛ السيوطي، د.ت، 1: 258، 260-261). حتى في مراتب الجرح والتعديل اختلفوا، فبعضهم يجعل كلًا منهما 4 مراتب (ابن أبي حاتم، 1371هـ.ش، 10: 10)، وبعضهم 5 مراتب (الذهبي، 1382هـ، 1: 4)، وبعضهم 6 مراتب (ابن حجر، 1415هـ، 1: 24-25)، وبعضهم يجعل التعديل 4 مراتب والجرح 5 مراتب (اللكنوي، 1421هـ، 147-154)، حيث يُحتاط في بعض مراتب الجرح والتعديل وتُقبل أو تُرد بشروط (عجاج، 1971م، 179). وفي حلول رفع التعارض بين الجرح والتعديل، هناك اختلاف أيضًا في الحالات غير القابلة للجمع، بل هناك اختلاف بين الحالات القابلة للجمع وغير القابلة للجمع. وقد ذُكرت الحلول حتى 5 أشكال، مثل تقديم الجرح على التعديل مطلقًا وهو رأي الأكثر ظاهرًا، وتقديم التعديل على الجرح مطلقًا، وتساوي الجرح والتعديل ووجوب المرجح… ولكل من هذه الحلول شروطها (الخطيب البغدادي، 1405هـ، 132-134؛ السيوطي، د.ت، 1: 262-263؛ القاسمي، د.ت، 196-197؛ المامقاني، 1411هـ، 2: 111-117).

ب) التدخل السافر والخفي للأهواء والانتماءات المذهبية والسياسية في الجرح والتعديل. بما أن علماء الجرح والتعديل كانوا بشرًا، فقد تدخلت أحيانًا في جرحهم وتعديلهم عوامل كالحسد، والغضب، والمخالفة، والحقد (ابن عبد البر، 1414هـ، 2: 1093؛ الذهبي، 1382هـ، 1: 111؛ المظفر، 1422هـ، 1: 29؛ عتر، 1985م، 93، 96؛ الأعظمي، 1340هـ، 52-53). مثل: عبد الله بن ذكوان الذي جرحه ربيعة لأنه كان عدوًا له (الذهبي، 1382هـ، 2: 418)، وأبو قدامة السرخسي الذي لم يقبل محمد بن يحيى أحاديثه لأنه لم يقم له مرة (ابن حجر، 1404هـ، 7: 16)، وسعد بن إبراهيم الذي لم يروِ عنه مالك لأنه نصحه مرة (نفسه، 3: 403-404) وطعن في نسبه (ابن المديني، 1404هـ: 93)، ومحمد بن إسحاق بن يسار (صاحب السيرة) الذي لم يقبله مالك أيضًا لأنه سمع أن ابن إسحاق قال إن أخبار مالك محل تأمل (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 7: 193)، وابن حنبل الذي لم يروِ الحديث عن من خالفه في مسألة قدم القرآن، مثل يحيى بن معين وأبي نصر تمار (الذهبي، 1382هـ، 4: 410)، والذهبي الذي قيل إنه كان ناصبيًا وضعّف ابن خراش بشدة لروايته مثالب الشيخين (نفسه، د.ت، 2: 685).

ج) الاختلاف في جرح وتعديل الراوي. بمراجعة كتب الرجال، يُلاحظ أنه في كون كثير من رجال الحديث ثقات أو غير ثقات (حتى كاذبين وواضعين)، بناءً على مبانٍ مختلفة لعلماء الرجال، حدث اختلاف إلى درجة لا يمكن معها إصدار حكم قطعي بشأنهم. مثل: داود بن كثير الرقي (النجاشي، 1416هـ، 156؛ الطوسي، د.ت، 2: 708)، وسهل بن زياد الآدمي (النجاشي، 1416هـ، 185؛ ابن الغضائري، 1422هـ، 66-67، 125)، ومعلى بن خنيس (النجاشي، 1416هـ، 417؛ ابن الغضائري، 1422هـ، 87)، ومفضل بن عمر (النجاشي، 1416هـ، 416؛ ابن الغضائري، 1422هـ، 87)، ومحمد بن سنان (النجاشي، 1416هـ، 328؛ ابن الغضائري، 1422هـ، 92)، ويونس بن عبد الرحمن (النجاشي، 1416هـ، 446-448؛ الطوسي، د.ت، 2: 779)، وحارث بن عبد الله الأعور (الخوئي، 5: 172-174؛ ابن حجر، 1404هـ، 2: 126-128 (مشترك بين الشيعة وأهل السنة وفي كليهما خلاف))، وحجاج بن أرطأة (نفسه، 1404هـ، 2: 172-174)، وفضيل بن مرزوق (الذهبي، 1382هـ، 3: 362)، وأسامة بن زيد الليثي (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 2: 285). وعلى الرغم من أن ابن حنبل وثّق عامر بن صالح الزبيري (ابن حنبل، 1408هـ، 1: 410)، فقد ضعّفه آخرون بشدة وتعجبوا من توثيق أحمد له (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 6: 324). هذا الاختلاف في توثيق شخص واحد يدل على أن الراوي قد ضُعّف من قبل البعض بناءً على معايير جرح طبقوها عليه، مثل وجود روايات منكرة له أو ابتداع مخالف، ومن قبل آخرين وُثّق، إما لأن تلك الروايات لم تُعتبر منكرة أو لم تُعتبر مضرة بوثاقته (الأدلبي، 1983م، 163).

د) اختلاف نظر عالم رجال واحد تجاه راوٍ واحد. أحيانًا تكون آراء عالم رجال واحد تجاه راوٍ واحد مختلفة بل متعارضة، مثل رأي ابن حنبل بشأن إسماعيل بن زكريا الخلقاني (ابن حنبل، 1408هـ، 1: 222)، وأبو زرعة الرازي بشأن الحكم بن عبد الله بن أعرج (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 3: 120)، ورأي النسائي بشأن إسماعيل بن مسلم العبدي (ابن حجر، 1404هـ، 1: 288) الذي نُقل عنه التضعيف والتوثيق.

هـ) اختلاف النظر حول المكانة العلمية لعلماء الرجال. وُجّهت انتقادات بشأن أصحاب الرجال أيضًا، مثل الشافعي الذي لم يكن يحيى بن معين يوثقه (ابن عبد البر، 1414هـ، 2: 1082)، وابن حنبل الذي كان يعتقد أن يحيى بن معين وثّق علي بن عاصم الكذاب بلا وجه حق (ابن أبي حاتم، 1371هـ، 6: 199)، ويحيى بن معين الذي لم يكن أبو داود وابن حنبل وأبو زرعة يقبلون جرحه وتعديله، وكانوا يرون أنه يحكم على الناس بالسوء بلا مبرر (الذهبي، 1382هـ، 4: 410)، ومحمد بن حبان الذي خُطّئ (الذهبي، 1415هـ، 3: 921)، والترمذي الذي كان الذهبي يرى أنه لا يمكن الاعتماد على توثيقاته، كما صرح بذلك في ترجمة إسماعيل بن رافع (نفسه، 1382هـ، 1: 227) ويحيى بن يمان (نفسه، 4: 417) وكثير بن عبد الله المزني (نفسه، 3: 407). كما ينظر الكثيرون إلى ابن الغضائري وتضعيفاته بعين الشك (السبحاني، 1366هـ.ش: 76 وما بعدها)، وقسّمهم البعض في أمر الجرح إلى ثلاث فئات: المتشدد الذي يسرع في الجرح، مثل ابن معين وأبي حاتم والجوزجاني؛ والمتساهل، مثل الترمذي والحاكم والبيهقي؛ والمعتدل، مثل البخاري وابن حنبل وأبي زرعة وابن عدي (الذهبي، ذكر من…، 1410هـ، 172-173). وهذا، بالإضافة إلى وجود رواة مجهولين لم يرد فيهم مدح أو ذم، أو رواة مشتركين بين الثقة والضعيف، وكذلك رواة غير مذكورين في كتب المتقدمين من الرجاليين، مما يجعل دراسة السند والاعتماد عليه أمرًا صعبًا.

2-2-1-4. الاختلاف في نتيجة صحة السند

ذُكر في هذا الصدد رأيان عامان:

أ) صحة السند توجب العلم القطعي بصحة الصدور، وبالتالي صحة المتن. هذا هو رأي عموم الظاهرية، وقد استدلوا بأن الله من جهة نهانا عن اتباع الظن، ومن جهة أخرى أوجب العمل بخبر الثقة (ابن حزم، د.ت، 1: 107، 112-113). عموم الظاهرية على هذا القول.

ب) صحة السند توجب الظن الغالب بصحة الصدور (وبالتالي صحة المتن)؛ لوجود احتمال السهو والنسيان والخطأ في الثقة، وإمكانية تعارضه مع أحاديث أخرى معتبرة (ابن الصلاح، 1416هـ، 38، 72؛ النووي، 1405هـ، 25؛ السخاوي، 1424هـ، 1: 32-33؛ ابن حزم، د.ت، 1: 107؛ ابن كثير، د.ت، 43؛ المفيد، 1414هـ، 122؛ السيد المرتضى، 1348هـ.ش، 2: 517؛ الطوسي، 1409هـ، 9: 343-344؛ حاج حسن، 1985م، 1: 32؛ الهاشمي، 1430هـ، 153). كما أنه من الممكن أن يخبر العادل بخبر منفرد، لكن الأمة أجمعت على عدم قبوله (الأدلبي، 1983م، 355)، وأن تكون هناك متون، رغم صحة سندها، مردودة ومنكرة (الحاكم النيسابوري، 1397هـ، 58؛ الخطيب البغدادي، 1405هـ، 116؛ معروف الحسني، 1407هـ، 208 وما بعدها؛ حاج حسن، 1985م، 1: 431). لذا، لا توجب صحة السند عدم النظر إلى المتن (الملا علي الكني، 1421هـ، 252؛ أبو زهو، د.ت، 314). ومن هنا، فُرق بين «صحيح الإسناد» و«صحيح»، وجُعل الأول بمعنى صحة السند، والثاني بمعنى صحة السند والمتن (الأدلبي، 1983م، 356)، وصحة السند لا يمكن أن تدل على صحة الصدور (أبو رية، د.ت، 337 وما بعدها). كما يُلاحظ أن عموم الشيعة والمعتزلة والأصوليين على هذا القول، إلا بعض المتقدمين الذين كانوا يعملون بخبر الثقة المحفوف بقرائن الصدق ولم يلتفتوا إلى خبر الواحد دون معاضد (السيد المرتضى، 1348هـ.ش، 1: 205؛ ابن إدريس، 1410هـ، 1: 20). وهذا في حين أنه بالإضافة إلى الخبر الموثوق السند، تُستند في الفتاوى العملية والنظرية إلى أخبار أخرى بدرجات أدنى، مثل الخبر الحسن والضعيف (الشهيد الثاني، 1408هـ، 88 وما بعدها).

3-2-1-4. عدم الاعتماد على ظاهر الأفراد

إن الاهتمام بالأوصاف الظاهرية للأفراد من الأمور العقلانية والمنطقية. ولكن، بناءً على سيرة العقلاء، لا ينبغي الاكتفاء بظاهر الأفراد في الأقوال (وحتى في الأفعال)، بل يجب إلى جانب ذلك نقد المتن؛ لأنه من الممكن أن يكون ظاهر الأفراد خادعًا، أو حقيقيًا لكنهم يكذبون عمدًا في بيانهم أو يخطئون سهوًا. وكون الأفراد ثقات وعدولًا ليس مانعًا جديًا من سهوهم في أخذ ونقل الحديث أو وضعهم للحديث، بل هناك كلام عن فرق (مثل الكرامية) أجازت وضع الحديث، أو زهاد وضعوا الحديث لرضا الله والدفاع عن الدين (الحاكم النيسابوري، 1397هـ، 14؛ ابن حجر، 1422هـ، 225؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 156). وقد روى الثقات عشرات الأحاديث الموضوعة التي وضعها وضاعون مثل المغيرة بن سعيد ودسّوها في كتب أصحاب الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع) (معروف الحسني، 1407هـ، 208-209)، حتى قيل إنه أحيانًا لا يبدو أن إثبات وضع القائل هو المهم، بل إثبات صحة متن الحديث (أبو رية، د.ت، 337 وما بعدها). على أي حال، هناك عوامل نفسية وخارجية كثيرة تدفع الإنسان، حتى من يُصطلح عليه بالعدل والثقة، إلى الكذب وتحريف الأقوال والحقائق بشكل لا إرادي.

4-2-1-4. تفاوت ماهية مضامين الأحاديث

المضامين التي استُند إليها في الاستدلال المذكور هي من نوع يقبل أحد وجهين متضادين أو مختلفين؛ من حيث إنها مضامين اعتبارية وحقوقية. ولكن مضامين جميع الأحاديث ليست كذلك، فهناك أحاديث لا يكون لها بطبيعتها وذاتها إلا وجه واحد مقبول أو مردود، مثل الأحاديث ذات المدلول الطبي، أو التاريخي، أو العلمي، أو الاعتقادي (المضامين الحقيقية). بل إن بعض الأحاديث التي يمكن بطبيعتها وذاتها طرحها بوجوه مختلفة أو متعارضة، لا يكون لها عمليًا إلا وجه واحد مقبول. مثلًا: هل التكتف في الصلاة صحيح أم لا؟ هل الخمس واجب في غير غنائم الحرب أم لا؟ هل المعاد جسماني أم روحاني؟… كما يُلاحظ، هذه المضامين في كل وجه منها، بل وفي وجوه أخرى ممكنة، قد تكون صحيحة، ولكن من المؤكد أنها ليست كلها صحيحة. ومع أن نقد المتن هنا غير مجدٍ، فإن نقد السند أيضًا يظهر عجزه في الحل النهائي لهذه الاختلافات. وفي الأحاديث الاعتقادية أيضًا، يكون أحيانًا مجرد صحة السند هو الملاك، مثل بعض الأحاديث المتعلقة بعالم الآخرة التي لا يمكن ردها أو إثباتها بالعقل.

5-2-1-4. نسبية صحة السند

صحة السند، بالنظر إلى المذاهب والمدارس الإسلامية، أمر نسبي. فكل مذهب ومدرسة تقبل أسانيدها الصحيحة ولا تعتني بأسانيد المذاهب الأخرى الصحيحة، حتى لو كانت تلك الأسانيد صحيحة ومشتملة على ثقات عند تلك المذاهب. وكذلك، المشهور عند الشيعة أن تعريف الحديث الصحيح عند المتقدمين حتى قبل العلامة الحلي (ت. 726هـ) أو أستاذه ابن طاووس (ت. 637هـ) وابن داود (ت. بعد 707هـ)، والذي كان يعتمد على أوصاف الراوي من كونه إماميًا وثقة، يختلف عن تعريف المتأخرين الذين يعتمد تصحيح الحديث عندهم أكثر على أوصاف الرواة (الشهيد الأول، 1419هـ، 1: 48؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 85). وكذلك تعريف الفريقين للصحيح، وإن كان كلاهما يعتمد على أوصاف الرواة (ابن الصلاح، 1416هـ، 16؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 77 وما بعدها). لذا، عمليًا، لا يمكن اعتبار حديث صحيحًا عند جميع الفرق بناءً على السند، بل حتى بين أتباع مذهب واحد يقع الخلاف أحيانًا في تصحيح سند واحد. ومن هنا، ضعّف المجلسي في مرآة العقول كثيرًا من أحاديث الكافي، وكتب البهبودي عن الكافي «صحيح الكافي». من ناحية أخرى، وعلى سبيل المثال، عموم الشيعة، رغم أنهم يشترطون كون الراوي إماميًا لصحة حديثه، يقبلون حديث غير الإمامي إذا وُثّق، بل يعملون بالحديث الضعيف خاصة إذا كان في الفضائل والسنن وكان مقبولًا (ابن الصلاح، 1416هـ، 18 وما بعدها؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 88 وما بعدها؛ القاسمي، 1379هـ.ش، 113-116؛ المامقاني، 1411هـ، 2: 26-27). ولهذا السبب، يوجد في سند روايات الشيعة رواة من السنة والزيدية والواقفية والفطحية، مثل حميد بن زياد الكوفي الواقفي (النجاشي، 1416هـ، 132) وعلي بن الحسن بن علي بن فضال الفطحي (نفسه، 258). وحتى يُعمل بأخبار المخالفين الذين يُوصفون بالبدعة إذا ثبتت وثاقتهم أو عدم كذبهم (الخطيب البغدادي، 1405هـ، 148 وما بعدها؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 188 وما بعدها)، وقيل إنه حتى لو كُفّر شخص ببدعته فلا ينبغي الالتفات إلى ذلك؛ لأن عموم المسلمين يكفرون بعضهم بعضًا أحيانًا بسبب اعتقادات تخالف اعتقاداتهم، وقد لا يكون ذلك في حد التكفير (ابن حجر، 1422هـ، 127). وكل هذا يدل على أنه في قبول الحديث، خلافًا لرأي أمثال الظاهرية، لا يمكن الاعتماد بشكل مطلق على صحة السند من حيث وثاقة الرواة.

6-2-1-4. احتمال تركيب الأسانيد

يوجد أيضًا احتمال تركيب الأسانيد أو جعل سند صحيح لمتن ما؛ بحيث تُبدل الأسانيد الضعيفة بأسانيد صحيحة، أو تُركب أسانيد صحيحة على الأحاديث الموضوعة (ابن حجر، 1422هـ، 224؛ الشهيد الثاني، 1408هـ، 163؛ بستاني، معايير شناخت…، 1386هـ.ش، 44-47). حتى أنه من الممكن أن تكون مثل هذه الأحاديث ذات معنى صحيح (الجزائري، 1416هـ، 1: 190، 192، 195). بل أحيانًا نُسبت كتب بكاملها إلى المعصومين وهي موضوعة (راجع: البهبودي، 1362هـ.ش، 249 وما بعدها)، ومنها كتب مثل سليم بن قيس الهلالي، والقضايا والسنن، ومسائل الفضل بن شاذان في علل الشرائع والأحكام، ورسالة الإمام أبي الحسن الرضا إلى المأمون. كما أن هناك جدالات منذ القدم حول التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع)، وبعضهم مثل ابن الغضائري والعلامة الحلي والشوشتري وأبو الحسن الشعراني والخوئي يخالفون صحة الانتساب، وآخرون مثل الشيخ الصدوق والشهيد الثاني والمجلسي والمامقاني والبروجردي والآقا بزرك الطهراني يوافقون على صحة الانتساب (الأستادي، 1409هـ، 680 وما بعدها). كما يوجد عند الفرق الإسلامية، بل حتى في فرقة ومذهب واحد، أحاديث متعارضة كثيرة جدًا ولكن بأسانيد صحيحة.

بناءً على ما سبق، وكما صرح البعض (الهاشمي، 1430هـ، 342)، يجب التسليم بأن صحة السند لا تمنع من بحث المتن وإثبات صحته وصحة صدوره. حتى أصحاب نظرية تقديم نقد السند وجهوا هذا النقد منذ القدم إلى البعض، متسائلين لماذا يحكمون بصحة المتن بمجرد صحة السند (الجزائري، 1416هـ، 1: 190؛ السخاوي، 1424هـ، 1: 31)، وأقروا بأنه في حالات قليلة على الأقل لا مفر من بحث المتن، وأن صحة السند لا تكفي، إذ قد يتضمن المتن معنى غير مقبول، أو يتعارض مع متون لها دلالات صدق أقوى (الشافعي، د.ت، 399). بل بالرجوع إلى بعض آثارهم، مثل «اختلاف الحديث» للشافعي، و«تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، و«تهذيب الآثار» للطبري، و«الاستبصار» للشيخ الطوسي، يتضح أنهم حاولوا أحيانًا بنقد متعاطف وتوجيهي للمتن، توجيه المتون المشكوك فيها والمتعارضة – على حد قولهم، ذات الظاهر المشكوك والمتعارض مع القرآن والسنة… وفي النهاية العقل – بمعايير مثل النسخ، والظاهر والباطن، والمحكم والمتشابه، والتقية، وجهة الصدور…، وانصرفوا إلى ما يسمى بـ«المواءمة»2 بين الأحاديث.

2-4. التقديم التجويزي لنقد المتن

1-2-4. أدلة نقد المتن

قيل إن أدلة ومباني نقد المتن أمران: أ) الأدلة العقلية: من حيث إن العقل يخالف كل ما ينافي العلم واليقين، وسيرة العقلاء، كما لوحظ في الشواهد المذكورة أعلاه، وكذلك في الأحاديث التالية التي أشير إليها، دليل على حجية هذا النقد. ما هو مهم في هذا الأصل العقلائي هو «أهمية معرفة الحق» دون النظر إلى قائله. ب) الأدلة الشرعية: من حيث الآيات والأحاديث الناهية عن اتباع الظن والگمان، وكذلك الأحاديث الدالة على عرض الأحاديث على الكتاب والسنة، فإن العمل بالمتن المشكوك والظني ممنوع (الهاشمي، 1430هـ، 170-173، 191). آيات مثل: «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» (الزمر: 18-19)، «إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» (يونس: 36، النجم: 28)، وأيضًا (الإسراء: 36) و(الحجرات: 12)، وأحاديث تدل على أن العقل هو المعيار (الكليني، 1388هـ، 1: 25؛ المتقي الهندي، د.ت، 3: 379، 409-410)، واعتبرته حجة باطنة في مقابل الحجة الظاهرة (الأنبياء) (الكليني، 1388هـ، 1: 16)، أو تدل على تقدم معرفة الحق والكلام على الرجال (الفتال النيسابوري، د.ت، 32؛ المتقي الهندي، 16: 198)، أو توصي بالمعرفة والدراية وتقديمها على الرواية (الصفار، 1404هـ، 348-350)، …، وكذلك بعض الأحاديث عن المعصومين (ع)، تصرح بمنهج نقد متن الأحاديث، مثل عرض الحديث على القرآن ورد الحديث المخالف للقرآن (الكليني، 1: 69، 89؛ 2: 222؛ الطبراني، د.ت، 12: 244)، وعرض الحديث على القرآن والسنة (الدارقطني، 1417هـ، 4: 133)، ومقبولية متن الحديث عند السامع وقلبه (الكليني، 1388هـ، 1: 401؛ ابن حنبل، د.ت، 3: 497)، وكون المتن مشهورًا عند الأصحاب وأكثر صحة عند السامع (ابن أبي جمهور، 1403هـ، 4: 133).

وبما أن أكثر ملاكات نقد المتن تعود إلى العقل ومقتضياته، فقد اعتُبر هذا النقد نوعًا من النقد العقلي، وقد شكك بعض أهل الحديث في كون العقل ملاكًا، قائلين إنه ليس معيارًا ثابتًا ويعود إلى دوافع وميول الأفراد الداخلية، ويؤدي إلى تشتت الآراء والنتائج، بينما الأخبار والأحاديث المنقولة خالية من هذا الأمر (ابن قتيبة، د.ت، 20-23). وفي الرد على هذا الإشكال، استُند إلى الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين الدالة على مرجعية العقل ودوره والمعايير التي تعود في النهاية إلى هذا المعيار في تمييز الحق من الباطل والصواب من الخطأ و…، بحيث لا مفر من الاعتماد عليه لمؤمن.3

وبما أن أكثر ملاكات نقد المتن تعود إلى العقل ومقتضياته، فقد اعتُبر هذا النقد نوعًا من النقد العقلي، وقد شكك بعض أهل الحديث في كون العقل ملاكًا، قائلين إنه ليس معيارًا ثابتًا ويعود إلى دوافع وميول الأفراد الداخلية، ويؤدي إلى تشتت الآراء والنتائج، بينما الأخبار والأحاديث المنقولة خالية من هذا الأمر (ابن قتيبة، د.ت، 20-23). وفي الرد على هذا الإشكال، استُند إلى الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين الدالة على مرجعية العقل ودوره والمعايير التي تعود في النهاية إلى هذا المعيار في تمييز الحق من الباطل والصواب من الخطأ و…، بحيث لا مفر من الاعتماد عليه لمؤمن. (راجع: بستاني، جایگاه عقل و مقتضیات آن…، 1386هـ.ش، 81-97). وضمن ذلك، فإن الأخبار نفسها قد أدت إلى تشتت الآراء، ودخل فيها الغث والسمين. وبالطبع، كما سيأتي، في بعض الأحاديث، بناءً على نوعها، لا يمكن الاستفادة من العقل ومعاييره، ولكن مع ذلك، فإن تشخيص هذا الأمر وطرق نقد هذا النوع من الأحاديث يعتمد أيضًا على تشخيص العقل والأساليب التي يقترحها.

2-2-4. التقديم التجويزي لنقد المتن

وهو أن لا يُلتفت في نقد الحديث ابتداءً إلى أسماء وألقاب وعناوين الرواة، بل يجب نقد المتن وعرضه على القرآن، والسنة القطعية، وضروريات الدين، وأهداف الدين، والإجماع، والشهرة، والحس، والمشاهدة، والعلوم التجريبية، والوقائع المشهودة، والتاريخ القطعي، والعقل ومقتضياته وأصوله، والقواعد الأخلاقية… وكذلك الآداب المستخدمة التي تبتعد عن ركاكة اللفظ وفساد المعنى والسخرية، وبعيدة عن شأن المعصوم، ثم يُشرع في نقد متن الحديث، وفي حال رُد الحديث في هذا النوع من النقد، لا يُلتفت بعد ذلك إلى الرواة وسند الحديث (ابن قيم الجوزية، 1403هـ، في جميع أجزاء الأثر؛ حاج حسن، 1985م، 2: 51-52؛ بستاني، معايير شناخت…، 1386هـ.ش، 109-447؛ معارف – الشفيعي، 1394هـ.ش، 74-76؛ أبو رية، د.ت، 140-143؛ صبحي صالح، 1959م، 282-295).

3-2-4. تقييم التقديم التجويزي لنقد المتن

في تقييم هذا النوع من النقد، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:

أ) قيل إن الاقتصار على المتن فقط ليس فعالًا في جميع أنواع مضامين الحديث (الاعتقادية، الأخلاقية، التاريخية، العلمية، التشريعية)، خاصة المتون التشريعية التي هي أمور تعبدية، ولا تثبت صحة مضمونها إلا بإثبات صحة الصدور.

ب) هذا صحيح أن الأصل هو «معرفة الحق» دون النظر إلى قائله، ولكن يجب الانتباه إلى أنه في الحديث، 1- الأصل هو أن صدور الكلام من المعصوم هو كلام حق بالقاعدة، ولكن ثبت في تاريخ الحديث أنه بالإضافة إلى الكلام غير الصحيح والباطل، يُنسب أحيانًا كلام صحيح وحق بسند صحيح إلى المعصوم بينما لم يقله (تركيب الأسانيد). 2- قيل إن مرجع بعض أوصاف الرجال، مثل كونه وضاعًا، غير ضابط، …، هو بسبب نقد المتون التي وصلت منهم وهو متأخر عن نقد المتن المروي عنهم. 3- نقد السند ليس مجرد نقد للقائل، بل للسند أوصاف أخرى، مثل الإرسال، والاضطراب، والإدراج… التي يمكن أن تشكك في أصالة الكلام، على الأقل في أصالة انتساب الكلام ولو كان صحيحًا.

ج) لا يمكن بسهولة، بنقد المتن والنتائج المترتبة عليه من صحة وضعف، تجاهل نقد السند أو إصدار حكم على المتن من صحيح وضعيف إلى السند، خلافًا لرأي بعض المعتزلة والمتكلمين الذين نُقل عنهم أنهم كانوا يصححون أي كلام يروق لهم دون النظر إلى سنده (الجزائري، 1416هـ، 1: 192)، أو قيل إنه من صحة المتن، تُستنتج صحة السند (الأدلبي، 1983م، 356)، أو من صحة المتن تثبت صحة السند والصدور، ومن عدم صحة المتن يثبت عدم صحة السند والمتن حتى لو كان السند ضعيفًا (الهاشمي، 1430هـ، 367-369)؛ لأنه قيل إن هناك احتمالًا أن يُنقل كلام صحيح بسند ضعيف وغير صحيح حسب شروط العلماء (ابن الصلاح، 1416هـ، 17، 19؛ الحاكم النيسابوري، 1397هـ، 58؛ أبو رية، د.ت، 410؛ السلفي، 1987م، 118-119، 311-317؛ الأعظمي، 1401هـ، 20، 82-85؛ الأدلبي، 1983م، 10؛ خلف، د.ت: 14)، أو أن يُنسب كلام صحيح أو حسن في أحد العلوم الدينية أو البشرية إلى المعصوم بسند موضوع ربما يكون صحيح النسبة أو مركبًا، أو أن يُبدل سند حديث ضعيف بسند صحيح (الجزائري، 1416هـ، 1: 190، 192، 195؛ ابن الصلاح، 1416هـ، 81-82؛ الميرداماد، 1422هـ، 198؛ المامقاني، 1411هـ، 1: 416؛ صبحي صالح، 1959م، 282-283؛ عتر، 1985م، 301؛ الأدلبي، 1983م، 60-64؛ الأعظمي، 1340هـ، 82؛ أبو رية، د.ت: 410؛ البهبودي، 1362هـ.ش، 72؛ بستاني، معايير شناخت…، 1386هـ.ش، 44-47). حتى إنه عند نقد بعض الأحاديث بناءً على السند، قيل إن كل ما يقوله النبي (ص) صحيح، ولكن ليس كل كلام صحيح من النبي (ص) (الفتني، د.ت، 9؛ الشوكاني، د.ت، 423، …). من هنا، قيل إن المهم في الشرع، قبل كل شيء، هو صحة الانتساب لا صحة الكلام (الهاشمي، 1430هـ، 364-365).

3-4. المنهج التفكيكي-التركيبي

بشكل عام، يجب القول إنه في نقد الحديث في معظم الحالات، للأسباب المذكورة، فإن نقد السند ونقد المتن كلاهما ضروري معًا، وصحة أحدهما لا تغنينا عن الآخر لتصحيح الحديث (الأعظمي، 1340هـ، 85؛ الغروي، 1379هـ.ش، 118-119)، وهذا ما يمكن أن نسميه «المنهج التركيبي».

بالطبع، في هذا المنهج، يجب نقد السند أولًا، ولكن سواء ثبتت صحة السند أم رُد، يجب الالتفات إلى متن الحديث أيضًا؛ لأنه في حال إثبات صحة السند، قد يكون المتن مردودًا أو معلولًا، وصحة السند لا تمنع من بحث المتن (الهاشمي، 1430هـ، 342). وفي حال ضعف السند، قد يكون متن الحديث له شهرة فتوائية، روائية، مقبولية، معاضدة بروايات من نفس العائلة (نفس المعنى) أو منقولًا من طرق بعضها صحيح، ويُقبل المتن، كما كان منهج علماء الحديث، وأحيانًا قبلوا حديثًا ضعيف السند لأسباب وصرحوا: «رُبَّ حَدِيثٍ ضعيف الإسناد، صحيح المعنى» (ابن عبد البر، 1387هـ، 1: 58؛ الميرداماد، 1422هـ، 289). كما أن بعض نقاد الحديث مثل ابن الجوزي، إلى جانب نقد السند لإثبات وضع الحديث، استعانوا بمعايير نقد المتن (ابن الجوزي، 1386هـ، في جميع أجزاء الأثر). ورغم أن هذا المنهج واجه انتقادات من المتقدمين وأهل الحديث الذين لهم تعلق خاص بالسند، واتهموا ابن الجوزي بوضع كثير من الأحاديث التي يمكن على الأكثر اعتبارها ضعيفة (ابن الصلاح، 1416هـ، 80؛ السيوطي، د.ت، 1: 329 وما بعدها). وبالطبع، إلى جانب كل هذا، يجب الانتباه إلى الاختلاف في آراء الرجاليين الذي يؤدي إلى أحكام مختلفة بشأن اعتبار الحديث، وكذلك الفهم المختلف للفقهاء لمعنى المتن، مما يؤدي بدوره إلى أحكام مختلفة بشأن صحة متن الحديث أو عدم صحته.

من ناحية أخرى، في بعض الحالات، يكون نقد الحديث على أساس نوع مضمون وطبيعة متنه؛ بحيث يمكن نقد ورد وإثبات بعض الأخبار على أساس السند، خاصة الأخبار التشريعية والفقهية، وبعضها على أساس المتن، خاصة الأخبار الاعتقادية والتاريخية والعلمية (خلف، د.ت، 21). كما يقول الشافعي إنه في معظم الحالات، يُستدل على أساس صدق وكذب المخبر (أي السند)، على صدق وكذب الخبر، إلا في حالات نادرة وخاصة يُحكم فيها بناءً على الصدق والكذب الداخلي (أي المتن)، مثل أن يروي المحدث ما لا يجوز مثله، أو أن يأتي بخبر يخالف خبرًا آخر أثبت وأكثر من حيث دلالات الصدق (البيهقي، 1412هـ، 1: 50). ورغم أن الحالات التي يكون فيها الأصل نقد المتن ليست قليلة جدًا، ومعايير نقد المتن أكثر بكثير من هذين الأمرين، يقول ابن خلدون أيضًا إن أفضل شكل لنقد الأخبار (غير الشرعية) وتمييز صدقها من كذبها هو الاستفادة من معرفة طبائع العمران (نقد المتن)، وهو مقدم على نقد الرواة. بحيث يجب أولًا النظر فيما إذا كان الخبر ممكنًا أو ممتنعًا، فإذا كان ممتنعًا ومستحيلًا، فلا حاجة بعد ذلك لنقد رواته. في الحقيقة، الجرح والتعديل معتبر فقط في صحة الأخبار الشرعية؛ لأن معظم التكاليف إنشائية، وقد أوجب الشارع العمل بها حتى مع حصول الظن بصدقها، وطريق صحة الظن هو الاعتماد على عدالة وضبط الراوي (ابن خلدون، 1988م، 37). ويصرح ابن الجوزي بأنه في حال ورود النقد على متن الحديث، لا حاجة لبحث السند (ابن الجوزي، 1386هـ، 1: 107).

بهذه الطريقة، يمكن أن نسميه «المنهج التفكيكي». ورغم أنه من الممكن، في المجمل، أن يكون لمتن ما بسند ضعيف صحة صدور أصلية، أو بسند صحيح ألا يكون له صحة صدور أصلية، وكما أن سندًا قد يتصل بمتن ضعيف اتصالًا صحيحًا أصالة، أو بسند صحيح ألا يكون له اتصال صحيح أصالة، وقيل إن صحة المتن والسند لا تعني بالضرورة صحة الصدور، ويجب التفريق بين صحة السند وصحة المتن وصحة الصدور. خلاصة القول، بالنظر إلى أقسام الحديث، باعتبار صحة وضعف السند والمتن الناتج عن نقد كليهما، كما صرح علماء الحديث منذ القدم، وهي: 1- سند ومتن صحيح، 2- سند ومتن ضعيف (شاملًا أنواع الضعف حتى الموضوع)، 3- سند صحيح ومتن ضعيف، 4- سند ضعيف ومتن صحيح (ابن الصلاح، 1416هـ، 17، 19؛ الحاكم النيسابوري، 1397هـ، 58؛ أبو رية، د.ت، 410)، إلا في حالة يكون فيها ضعف متن الحديث وركاكة لفظه ومعناه مستلزمًا لعدم صدوره عن المعصوم وغير قابل للدفاع عنه مطلقًا (حتى في حال صحة السند الذي سيكون بالتأكيد سندًا مركبًا)، لا يمكن التحدث بسهولة عن صحة أو عدم صحة الحديث. كما يجب القول إن عدم وجود دليل على إثبات عدم صدور رواية لا يعني صحة صدورها (الهاشمي، 1430هـ، 188).

5. الخاتمة

الآفات التي شهدها الحديث من حيث السند والمتن على مر تاريخه، دفعت المسلمين منذ القدم إلى ابتكار طرق مختلفة لنقده وتقييمه بهدف الوصول إلى الحديث المقبول، والتي تتلخص عمومًا في منهجين رئيسيين: نقد السند ونقد المتن. من ناحية أخرى، اختلفوا في التقديم التجويزي لهما، من حيث أي منهج يكفي لتصحيح الحديث، فذهب البعض إلى تقديم نقد السند، وآخرون إلى تقديم نقد المتن. ولكن كلا المنهجين، لأسباب مختلفة، لا يمكنهما بمفردهما تصحيح الخبر؛ مثل: الاختلاف في معنى مصطلحات كالعدالة والضبط، والاختلاف في عدالة راوٍ واحد، والاختلاف في صحة آراء علماء الرجال، ووجود ظاهرة تركيب السند، وتأثير الأهواء والتحيزات والحب والبغض، والتفاوت الماهوي للمتون حيث يحتاج بعضها إلى نقد المتن فقط وبعضها إلى نقد السند فقط، والاختلاف في نتيجة تصحيح الحديث وهل يدل على صحة الصدور أم على الظنية. ولكن أفضل منهج لنقد الحديث هو «المنهج التركيبي»؛ أي استخدام كلا منهجي النقد معًا، إلا في حالات خاصة تقتضي طبيعة متن الحديث استخدام «المنهج التفكيكي»؛ أي استخدام نقد السند أو نقد المتن.

إن الاعتماد المحض على السند أو المتن في تصحيح خبر ما لا يعني إثبات صحة صدوره، بل إن إثبات صحة السند والمتن لا يمكنه أيضًا إثبات صحة الصدور بشكل قطعي؛ لأنه من الممكن أن يكون سند صحيح قد رُكّب على متن صحيح، وإن كانت صحة السند، خاصة إذا كانت لها طرق معاضدة، يمكن أن تكون قرينة قوية على صحة المتن وصدوره. إن إثبات صحة الصدور بشكل قطعي يتطلب آلية متعددة الطبقات من التحقيق والتدقيق والمقارنة مع سائر الأحاديث من نفس العائلة (المعاضدة والمتابعة أو المعارضة والمخالفة) وغيرها من العلوم الإسلامية والإنسانية، ويعتمد عمومًا على أدلة خارجة عن ذلك الحديث، بحيث تكون هذه الأحاديث في الحقيقة متواترة لفظًا أو معنًى أو محفوفة بقرائن الصحة.

المصادر

القرآن الكريم

ابن أبي جمهور الأحسائي، محمد بن علي، عوالي اللئالي العزيزة في الأحاديث الدينية، تحقيق السيد مرعشي ومجتبى عراقي، قم، [د.ن]، 1403هـ.

ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل، حيدر آباد الدكن (الهند)، طبعة أوفست دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1371هـ.

ابن إدريس الحلي، محمد بن منصور، السرائر، تحقيق لجنة التحقيق، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الثانية، 1410هـ.

ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، الموضوعات، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المدينة، المكتبة السلفية، 1386هـ.

ابن حجر العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، تحقيق عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الرياض، مطبعة سفير، 1422هـ.

تقريب التهذيب، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1415هـ.

تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1404هـ.

ابن حزم، علي بن أحمد، الإحكام في أصول الأحكام، القاهرة، الناشر زكريا علي يوسف، مطبعة العاصمة، [د.ت].

ابن حنبل، أحمد، المسند، بيروت، دار الصادر، [د.ت].

العلل، تحقيق وصي الله بن محمود عباس، بيروت/المكتب الإسلامي، الرياض/دار الخاني، 1408هـ.

ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1988م.

ابن صلاح، عثمان بن عبد الرحمن، مقدمة ابن الصلاح، تحقيق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1416هـ.

ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق أبو الأشبال الزهيري، المملكة العربية السعودية، دار ابن الجوزي، 1414هـ.

التمهيد، تحقيق مصطفى بن أحمد علوي ومحمد عبد الكبير بكري، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387هـ.

ابن عدي الجرجاني، عبد الله، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق سهيل زكار، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1409هـ.

ابن الغضائري، أحمد بن حسين، الرجال، تحقيق السيد محمد رضا جلالي، [د.م]، دار الحديث، 1422هـ.

ابن قتيبة الدينوري، عبد الله، تأويل مختلف الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، [د.ت].

ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، المنار المنيف، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، الطبعة الثانية، 1403هـ.

ابن كثير، إسماعيل بن عمر، الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، [د.ت].

ابن المديني، علي بن عبد الله، سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني، تحقيق موفق عبد الله عبد القادر، الرياض، مكتبة المعارف، 1404هـ.

أبو رية، محمود، الأضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث، [د.م]، نشر البطحاء، الطبعة الخامسة، [د.ت].

أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية، القاهرة، دار الفكر العربي، [د.ت].

أبو زهو، محمد محمد، الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية، [د.م]، دار الكتب العربي، [د.ت].

الأدلبي، صلاح الدين بن أحمد، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1983م.

الأستادي، رضا، تكملة تفسير الإمام العسكري (ع)، قم، مدرسة الإمام المهدي (ع)، 1409هـ.

الأعظمي، محمد مصطفى، منهج النقد عند المحدثين: نشأته وتاريخه، [د.م]، الرياض، الطبعة الثالثة، 1340هـ.

البستاني، قاسم، معايير معرفة الأحاديث الموضوعة، أهواز، نشر رسش، 1386هـ.ش.

، «الأئمة (ع) وسبل نقل وفهم ونقد الحديث»، حديث وأنديشه، 1394هـ.ش، السنة 10، العدد 20، ص 27-54.

، «مكانة القرآن في إعطاء الاعتبار للخطابات المذهبية»، بينات، 1386هـ.ش، السنة 14، العدد 2، ص 30-47.

، «مكانة العقل ومقتضياته في إعطاء الاعتبار للخطابات الدينية»، علوم قرآن وحديث، 1386هـ.ش، السنة 9، العدد 4، ص 81-97.

البهبودي، محمد باقر، معرفة الحديث، مركز انتشارات علمي وفرهنگي، 1362هـ.ش.

البيهقي، أحمد بن حسين، معرفة السنن والآثار، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي باكستان)، دار قتيبة (دمشق-بيروت)، دار الوعي (حلب-دمشق)، دار الوفاء (المنصورة-القاهرة)، 1412هـ.

الجزائري، طاهر بن صالح (يا محمد صالح)، توجيه النظر إلى أصول الأثر، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1416هـ.

حاج حسن، حسين، نقد الحديث في علم الرواية وعلم الدراية، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1985م.

الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، معرفة علوم الحديث، تحقيق السيد معظم حسين، حيدر أباد 1937، أوفست المدينة، 1397هـ.

الخطابي، حمد بن محمد، معالم السنن، شرح سنن أبي داود، حلب، المطبعة العلمية، 1351هـ.

الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، الكفاية في علم الدراية، تحقيق أحمد عمر هاشم، بيروت، دار الكتب العربي، 1405هـ.

خلف، نجم عبد الرحمن، نقد المتن بين صناعة المحدثين ومطاعن المستشرقين، الرياض، مكتبة الرشد، [د.ت].

الخليلي، خليل بن عبد الله، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تحقيق محمد سعيد عمر إدريس، الرياض، مكتبة الرشد، 1904م.

الدارقطني، علي بن عمر، السنن، تحقيق مجدي بن منصور، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ.

الدارمي، عبد الله بن بهرام، السنن، دمشق، مطبعة الاعتدال، [د.ت].

الدميني، مسفر بن غرم الله، مقاييس نقد متون السنة، المدينة، مكتبة العلوم والحكم، 1415هـ.

الذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، [د.م]، مكتبة الحرم المكي، [د.ت].

، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط/حسين الأسد، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، 1413هـ.

، ميزان الاعتدال، تحقيق علي محمد بجاوي، بيروت، دار المعرفة، 1382هـ.

، ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (طبع ضمن كتاب «أربع رسائل في علوم الحديث»)، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار البشائر، الطبعة الرابعة، 1410هـ.

السبحاني، جعفر، كليات في علم الرجال، قم، مركز مديريت حوزه علميه قم، الطبعة الثانية، 1366هـ.ش.

السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، تحقيق علي حسين علي، مصر، مكتبة السنة، 1424هـ.

السلفي، محمد لقمان، اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندًا ومتنًا ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم، الرياض، 1987م.

السيد المرتضى، علي بن حسين، الذريعة (أصول فقه)، تحقيق أبو القاسم گرجي، طهران، دانشگاه تهران، 1348هـ.ش.

السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، [د.ت].

الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب، المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1422هـ.

، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت، المكتبة العلمية، [د.ت].

الشوكاني، محمد بن علي، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، تحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، بيروت، دار الكتب العلمية، [د.ت].

الشهيد الأول، محمد بن جمال الدين، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق وطباعة مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، قم، 1419هـ.

الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية، تحقيق عبد الحسين محمد علي بقال، قم، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، الطبعة الثانية، 1408هـ.

صبحي صالح، علوم الحديث ومصطلحه، دمشق، جامعة دمشق، الطبعة الخامسة، 1959م.

الصدر، السيد حسن، نهاية الدراية، تحقيق ماجد غرباوي، قم، نشر المشعر، [د.ت].

الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات، تحقيق ميرزا محسن كوجه باغي، طهران، مؤسسة الأعلمي، 1404هـ.

الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية، [د.ت].

الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، تحقيق حسن خرسان ومحمد آخوندي، [د.م]، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365هـ.ش.

، اختيار معرفة الرجال، تحقيق مير داماد الأسترابادي/سيد مهدي رجائي، [د.م]، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، [د.ت].

، التبيان، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، 1409هـ.

عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، دمشق، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1985م.

عجاج الخطيب، محمد، أصول الحديث علومه ومصطلحه، دمشق، [د.ن]، الطبعة الثانية، 1971م.

الغروي، دكتورة نهلة، فقه الحديث وروش هاي نقد متن، طهران، دفتر نشر آثار علمي دانشگاه تربيت مدرس، 1379هـ.ش.

الفتال النيسابوري، محمد بن فتال، روضة الواعظين، تحقيق السيد محمد مهدي السيد حسن خرسان، قم، منشورات الشريف الرضي، [د.ت].

الفتني، محمد طاهر بن علي، تذكرة الموضوعات، [د.م]، [د.ت].

القاسمي، محمد جمال الدين، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، [د.ت].

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388هـ.

اللكنوي، محمد عبد الحي، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، القاهرة، 1421هـ.

المامقاني، عبد الله، مقباس الهداية في علم الدراية، تحقيق محمد رضا مامقاني، بيروت، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، 1411هـ.

المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال، تحقيق الشيخ بكري حياني والشيخ صفوة السقا، بيروت، مؤسسة الرسالة، [د.ت].

مسلم بن حجاج، الصحيح، بيروت، دار الفكر، [د.ت].

المظفر، محمد حسن، دلائل الصدق لنهج الحق، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، قم، 1422هـ.

معارف، مجيد – الشفيعي، سعيد، مدخل إلى الدراسات الحديثية في العصر الحاضر، طهران، سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم انساني دانشگاه ها (سمت)، 1394هـ.ش.

معروف الحسني، هاشم، الموضوعات في الآثار والأخبار، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1407هـ.

المفيد، محمد بن محمد، أوائل المقالات، تحقيق إبراهيم أنصاري، بيروت، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1414هـ.

الملا علي الكني، ابن قربان، توضيح المقال في علم الرجال، تحقيق محمد حسين مولوي ومحمد الباقري، دار الحديث، [د.م]، 1421هـ.

المهريزي، مهدي، «نقد المتن (1): الخلفية التاريخية»، علوم حديث، شتاء 1381هـ.ش، العدد 26، ص 2-30.

، «نقد المتن (2): الحجية والاعتبار، الضوابط والقواعد»، علوم حديث، شتاء 1382هـ.ش، العدد 30، ص 11-31.

الميرداماد، محمد باقر الحسيني، الرواشح السماوية، تحقيق غلام حسين قيصرية ها ونعمة الله الجليلي، دار الحديث للطباعة والنشر، [د.م]، 1422هـ.

النجاشي، أحمد بن علي، الرجال، تحقيق السيد موسى شبيري زنجاني، الطبعة الخامسة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1416هـ.

النووي، محيي الدين يحيى بن شرف، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث، تحقيق محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ.

الهاشمي، السيد علي حسن مطر، إثبات صدور الحديث بين منهجي نقد السند ونقد المتن، قم، منشورات ناظرين، 1430هـ.

الهوامش

1. «التجويز»، هو إباحة الشيء وجعله جائزًا، وهنا «تجويزي» صفة للتقديم، من حيث أي النقدين يُجوَّز ابتداءً للوصول إلى النتيجة المطلوبة في إثبات الحديث أو رده، بل ويُكتفى به. وربما يمكن تسميته «التقديم الواجب».

2. المواءمة.

3. الانتقادات التي وُجهت لبعض أسانيد هذه الروايات، وأن كثيرًا من أهل السنة، مثل الشافعي، والخطابي، والبيهقي، وابن عبد البر وغيرهم، لا يقبلون الأحاديث الدالة على كون القرآن معيارًا لنقد الحديث ويعتبرونها موضوعة (الشافعي، د.ت، 224-225؛ الخطابي، 1351هـ، 4: 299؛ البيهقي، 1412هـ، 1: 116-118 (مع ملاحظة آراء الشافعي)، ابن عبد البر، 1414هـ، 2: 191)، إلا إذا كانت الأحاديث التي تصرح بكون القرآن والسنة معيارًا (الخطيب البغدادي، 1405هـ: 477-478). ولكن تعدد طرق هذه الأحاديث وتنوع صيغها وانتشارها في التراث الحديثي للفريقين، وقبول محتواها عند عموم المسلمين، يؤدي إلى جبران ضعف سند بعضها، حتى يمكن الاعتقاد بالتواتر المعنوي في هذا الخصوص. وحتى لو شُكك في سند وصحة صدور جميعها، فإن هذه الأحاديث تظهر قدم واعتبار نقد المتن عند المسلمين منذ القدم. وإن كان في هذه الأحاديث لم يُشر إلى نقد الرجال لنقد الحديث، ولا إلى كثير من معايير نقد الحديث التي كانت محل اهتمام علماء الحديث منذ القدم. (راجع: الأئمة (ع) وسبل نقل وفهم ونقد الحديث، 1394هـ.ش، وأيضًا مكانة القرآن في إعطاء الاعتبار للخطابات المذهبية، 1386هـ.ش، من الكاتب، وكذلك المهريزي، نقد المتن، 2: 6 وما بعدها).

Scroll to Top