الملخص
يعد التطور والتحول الدلالي للمفردات من العوامل الرئيسة في نشأة غريب الحديث وإيجاد الاختلاف في معنى الحديث ومقصده بين العلماء؛ بمعنى أن بعض المفردات تفقد معناها الأصلي بمرور الزمن وتُستعمل في معنى جديد. إن الغفلة عن هذه النقطة وتبيين الحديث على أساس المعنى المتحول قد أدت إلى ابتعاد رواة الحديث ومفسريه في بعض الموارد عن المعنى الأصلي الذي كان مقصود المتكلم. السؤال الأساسي هو: ما هي القواعد التي يمكن اقتراحها للوصول إلى الفهم الصحيح للمفردات التي نشأت غرابتها عن التطور المعنائي؟ في هذا البحث، تم السعي لبيان مكانة التطور الدلالي وأقسامه، مثل: تخصيص الدلالة العامة، وتعميم الدلالة الخاصة، وانتقال الدلالة، ومن ثم تحليل قواعد فهم غريب الحديث مع التركيز على حالة خاصة؛ قواعد من قبيل الرجوع إلى المعاجم اللغوية الأولى، والبحث في كتب غريب الحديث، والاهتمام بفهم قدماء المحدثين، والروايات المشابهة والمفسِّرة، والسياق، وتفسير المعصوم، والتي تحظى جميعها بمكانة خاصة للوصول إلى المعنى المقصود للمتكلم وفهمه الصحيح.
۱. طرح المسألة
التطور الدلالي، بمعنى تحول وتغير معاني الألفاظ، هو موضوع يحدث بمرور الزمن وبشكل طبيعي في جميع اللغات، ويدل على حيوية اللغة. هذا التحول عادة ما يتم ببطء، وأحيانًا على امتداد عدة أجيال، وأحيانًا أخرى في فترة زمنية قصيرة وفي جيل واحد؛ بحيث يكون كل من المعنى الأصلي والمعنى الجديد ملموسًا ومألوفًا لأهل ذلك العصر. من أبرز أمثلة ذلك بعض الألفاظ الشرعية التي تعرضت لتطور وتحول معنائي مع ظهور الإسلام واستُخدمت في معانٍ جديدة. لكن ما يجعل المفردة غريبة في معناها وصعبة في فهمها، يعود غالبًا إلى الفاصل الزمني الطويل الذي يؤدي إلى سوء الفهم بسبب قلة استخدام المفردة في الروايات التي تقصد المعنى الأصلي. بالطبع، قد لا تبدو أية غرابة في معنى المفردة للوهلة الأولى؛ وهو أمر ناتج عن عدم الالتفات إلى تطورها المعنائي.
المسألة الأساسية هي أن عدم الالتفات إلى التطور الدلالي يؤدي إلى تفسير خاطئ وعدم فهم صحيح لمقصود المتكلم. بناءً على ذلك، يحظى الاهتمام بتطور وتحول معاني المفردات بأهمية كبرى في فهم الحديث الصحيح، لدرجة أن عدم الالتفات إليه أحيانًا يؤدي إلى فهم مخالف تمامًا لمقصود المتكلم. توجد أمثلة كثيرة لأحاديث من هذا القبيل أدى فيها عدم الالتفات إلى التطور المعنائي إلى بروز اختلافات فاحشة وأحيانًا متضادة في بيان معناها. من الأسئلة الأساسية التي نواجهها: أولًا، ما هي مكانة التطور الدلالي في غريب الحديث؟ ثانيًا، ما هي القواعد التي يمكن اقتراحها لفهم المفردات التي نشأت غرابتها عن التطور الدلالي فهمًا صحيحًا؟ يهدف هذا البحث أيضًا إلى دراسة التطور والتحول المعنائي، خاصة في لسان الحديث، وتقديم قواعد لتسهيل فهم المعنى المقصود لقائل الحديث.
۱-۱. خلفية البحث
لقد وردت إشارات حول التطور المعنائي في بعض كتب اللغة والأدب، ولكن في مجال الحديث، قُدم القليل من الأعمال بهدف صياغة قواعد للوصول إلى المعنى المقصود في موضوع التطور الدلالي. في بحث أجري حول موضوع المقال، اتضح أن معظم الكتب والمقالات التي كُتبت في موضوع التطور الدلالي، إما أنها تتناول تطور مفردات القرآن، أو أنها تقتصر على تناول هذه الظاهرة في نطاق الأدب العربي. ورغم أن العديد من قواعد علم اللغة لها دور في تبيين المفردات الغريبة، وقد استفاد منها علماء غريب الحديث في بيان المفردات الغريبة، إلا أن بعض الموارد تختص بمنظومة المباحث الحديثية مثل: تفسير المعصوم، والروايات المشابهة والمفسرة، والرجوع إلى كتب غريب الحديث. في مجال الحديث، قام السيد حيدر مسجدي بتأليف مقال بعنوان «تطور اللغة وتأثيره على فهم الحديث»، حيث أشار فيه إلى أهمية مسألة التطور الدلالي، وذكر بعض الأمثلة وبيّن مسار تطورها المعنائي، مؤكدًا على ضرورة العمل في هذا المجال. كما يوجد مقال بعنوان «ألفاظ غريب الحديث؛ دراسة دلالية» لرضا جاسم أبو حميد، اقتصر فيه على ذكر بعض الأمثلة وبيان المعنى الأصلي والمعنى المتطور. كذلك، توجد أطروحة دكتوراه بعنوان «التطور الدلالي في ألفاظ غريب الحديث؛ دراسة وتحليل» للشاذلية سيد محمد سيد، والتي على عكس عنوانها، تقتصر على المباحث النظرية حول مباحث التطور الدلالي، وتكتفي بذكر أمثلة من ألفاظ غريب الحديث في فصل واحد دون تحليل. وجه التميز في هذا المقال، بالإضافة إلى أنه استخدم أمثلة من المفردات الغريبة مع تحليلها في بيان مكانة التطور الدلالي، هو أنه يركز في القسم الثاني، أي دراسة مفردة «الوضوء»، على القواعد المقترحة. على أي حال، إن مكانة التطور الدلالي في منظومة المباحث الحديثية ودراسة قواعد شرح وتفسير المفردات المتطورة من المسائل المهمة التي ستكون محط اهتمام هذا المقال. ولزيادة التركيز في بحث القواعد، ستكون كلمة «الوضوء» موضع دراسة دقيقة. وقبل الدخول في البحث، من المناسب تعريف المفاهيم الأساسية لرفع أي إبهام محتمل.
۲. دراسة المفهوم وتعريف المفردات
۱-۲. غريب الحديث
غريب الحديث؛ هو المفردات الموجودة في متون الأحاديث التي تتسم بالتعقيد وتبعُد عن الفهم بسبب قلة استعمالها. (راجع: الشهرزوري، ۱۹۸۹م، ۴۵۸). يقول الصنعاني عن بعض الألفاظ الغريبة: «ربما لم تكن غريبة في زمن الرسول (ص) وحين نطق بها، ولكنها أصبحت غريبة بسبب مرور الزمن واختلاف اللغات». (۱۴۱۷هـ، ۲: ۲۳۵) إن بيان الصنعاني هذا، في الحقيقة، يشير إلى مسألة التطور الدلالي ودوره في نشأة غريب الحديث.
۲-۲. التطور
مفردة «التطور» مأخوذة من مادة «طَوْر». يقول الفيومي: «فَعَلَ ذلك طَوْراً بعد طَوْرٍ أي مرّةً بعد مرّةٍ، والطَّوْرُ الحالُ والهيئةُ» (۱۴۱۴هـ، ۲: ۳۸۰). ومن منظور السيد علي خان المدني أيضًا: «الطَّوْرُ بالفتح: القَدْرُ والحَدُّ والتارَةُ والحالَةُ والهيئةُ، الجمعُ أطوارٌ. يُقال عدا طَوْرَهُ، أي جاوز قَدْرَهُ وحَدَّهُ، وأتيتُهُ طَوْراً بعد طَوْرٍ: تارَةً بعد تارَةٍ» (۱۳۸۴ش، ۸: ۳۱۵). بناءً على ذلك، فإن مفردة «التطور» تعني التغير في مقدار وحال وهيئة كل شيء، وعندما تستخدم في مجال اللغة، فإنها تعني التغير والتحول في معاني الكلمات والتعابير.
۳-۲. الدلالة
يعتقد الراغب الأصفهاني أن «الدلالة ما يُتَوَصَّل به إلى معرفة الشيء كدلالة الألفاظ على المعنى ودلالة الإشارات والرموز و…» (۱۴۱۲هـ، ۳۱۶-۳۱۷). أي أن الدلالة هي ما يُتوصل به إلى معرفة شيء، مثل دلالة الألفاظ على المعاني ودلالات الإشارة والرمز وغيرها. ويعرّفها الجرجاني أيضًا بقوله: «الدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، فالشيء الأول دالٌّ والشيء الثاني مدلول». (۱۴۱۸هـ، ۱۳۹). علم الدلالة هو فرع من فروع علم اللغة «يبحث في علاقة المفردة بالمعنى والرموز الموجودة في هذه العلاقة، ويدرس تطور وتغير الكلمات عبر الزمن، وتنوع المعاني، والمجاز اللغوي، والعلاقات بين الكلمات في لغة ما» (الخولي، د.ت، ۲۵۱). إلا أن بحث ودراسة علم الدلالة لا يقتصر على علم اللغة، بل تناوله الفقهاء والأصوليون والفلاسفة وعلماء المنطق وعلماء النفس والاجتماع، مما أدى إلى ظهور نظريات مختلفة في مجال علم المعاني. (راجع: سعسع، ۱۹۶۲م، ۲۸۵-۲۸۶).
۴-۲. التطور الدلالي
التطور الدلالي أو ما يعرف بالتغير والتحول في دلالة المفردات، هو أمر يحدث في جميع اللغات عبر الزمن وبشكل طبيعي، ويدل على حيوية اللغة؛ فاللغة تنمو وتنتقل من جيل إلى آخر وتعبر عن أفكارهم. تختفي بعض المفردات وتظهر مفردات جديدة للحياة، يضيق نطاق استخدام بعض المفردات ويتسع النطاق الدلالي لمفردات أخرى. (أبو شريفة، ۱۹۸۹م، ۶۵) بناءً على ذلك، فإن التغير والتحول في اللغة أمر حتمي ونوع من التغير والتحول في الحياة، وهو نتيجة لعوامل مختلفة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجميع جوانب حياة الناس وقوانين التغير والتحول العامة في حياة البشر. (بستاني، ۱۳۹۴ش، ۳۹). وقد قال البعض في تعريف التطور الدلالي: «التطور الدلالي هو ارتقاء أو انحطاط أو توسع أو انحصار أو انتقال معنى المفردة بمرور الزمن».1 (عوض حيدر، ۲۰۰۵م، ۷۱). إن التطور الدلالي للمفردات يتم بشكل تدريجي ولا تتدخل إرادة الإنسان في منعه، بل يحدث تلقائيًا. هذا التطور والتحول لا يقتصر على الألفاظ، بل يحدث أحيانًا في القواعد والتركيب مثل الاشتقاق والتصريف. (بستاني، ۱۳۹۴ش، ۳۹-۴۰). بالطبع، بذل اللغويون جهودًا قيمة في هذا المجال، وسعوا لاكتشاف المعنى الأصلي وجذور المفردات للوصول إلى المعنى الذي انتهت إليه. ربما يمكن اعتبار كتاب «معجم مقاييس اللغة» من أفضل النماذج بين الآثار التي بينت أن التطور الدلالي هو من نتائج عملهم. فقد تناول هذا الكتاب اكتشاف العلاقات بين المعاني الموجودة للمفردات والمعنى الأصلي الذي تشعب منه اللفظ. (راجع: علي الصغير، ۱۴۰۸هـ، ۳۳-۵۵). لقد أقر اللغويون القدامى جميعًا بالتطور الدلالي للكثير من الألفاظ، لكنهم حصروا ذلك في فترة زمنية ومكانية محددة، واعتبروا التغيرات التي حدثت بعد تلك الفترة نوعًا من تغيير اللحن والصوت، ورفضوا أي تغيير في المعنى بعد ذلك الزمن بدافع الحفاظ على اللغة وسلامتها. أما اللغويون المحدثون فقد اتخذوا موقفًا مخالفًا لهذا الرأي، قائلين: «إن قبول مثل هذا الرأي يعادل إنكار هذه الحقيقة اللغوية واللسانية، وهي أن اللغة أمر اجتماعي ومن صنع بنية المجتمع. لذلك، فإن قبول هذه النظرية هو إقرار بأن اللغة لا خيار لها سوى التطور ومواكبة الزمان والمكان». (السامرائي، ۱۹۸۱م، ۳۷). يبدو أن بعض اللغويين المتقدمين الذين شددوا على الحفاظ على الدلالة الأصلية للفظ، قد التفتوا أيضًا إلى مسألة تغير دلالة معنى اللفظ؛ كما يقول ابن قتيبة: «إن بعض اللغويين يعدون قول الناس عند الذهاب إلى الحدائق للتنزه: خرجنا نتنزه، قولًا خاطئًا، ويعتقدون أن التنزه من الناحية اللغوية يعني الابتعاد عن الماء والمروج الخضراء، ولهذا يقولون: فلان يتنزه عن الأقذار، أي يبتعد عنها، أو فلان نزيه وكريم، عندما يكون بعيدًا عن الدناءة». ثم يرفض هذا التوجه اللغوي ويؤكد: «في كل مدينة وبلد، توجد حدائق خارج المدينة، فعندما يقصدها الشخص، فإنه يقصد التنزه، أي الابتعاد عن المنازل والبيوت. ثم بكثرة الاستعمال، تحول معنى النزهة إلى الجلوس في المروج الخضراء». (ابن قتيبة، ۱۹۶۳م، ۳۴). وفي اللغة العربية المعاصرة، يطلق على الحديقة ومكان التنزه اسم «متنزه».
۱-۴-۲. أقسام التطور الدلالي
يعتقد اللغويون أن الألفاظ تتعرض لتطور دلالي ومعنوي من جوانب مختلفة. (بستاني، ۱۳۹۴، ۴۰-۴۱) ورغم أننا لسنا في مقام حصر جميع الحالات، إلا أنه يمكن تصنيف أهمها ضمن العوامل التالية:
۱-۱-۴-۲. تخصيص الدلالة العامة
في هذه الحالة، يكتسب اللفظ دلالة عامة وكلية، ويضيق نطاق شموله ليقتصر على جزء من معناه الأصلي. هناك مفردات كانت تطلق على معانٍ كلية وعامة، ولكن مع مرور الزمن، خصصها الناس بوضع عرفي وضيقوا نطاقها؛ لأن إدراك الدلالة الخاصة أسهل من إدراك الدلالة الكلية، أو أنها خُصصت بوضع شرعي. على سبيل المثال، يقول ابن فارس في تخصيص دلالة مفردة «الحج»: «الحاء والجيم لهما أربعة أصول، أولها القصد. وكل قصد هو حج، ثم خُصص بقصد بيت الحرام لأداء المناسك». (ابن فارس، ۱۴۲۰هـ، ۲: ۲۹). من أمثلة تخصيص الدلالة في غير الألفاظ الإسلامية، مفردة «مرحاض». يقول ابن منظور: «الرحض يعني الغسل، والمرحاض هو مكان الغسل، ومكان قضاء الحاجة «الخلاء»، وهو الخشبة التي تُضرب بها الثياب عند غسلها». (ابن منظور، ۱۴۱۴هـ، ۱۵۳-۱۵۴). ولكن في اللغة العربية المعاصرة، خُصصت هذه المفردة بمكان قضاء الحاجة.
۲-۱-۴-۲. تعميم الدلالة الخاصة
في هذه الحالة، على عكس تخصيص الدلالة، يتسع المجال الدلالي للفظ، وبعد أن كان يدل على جزء، يتسع نطاق شموله ليطلق على معنى كلي أوسع. نلاحظ مثال ذلك عند الأطفال، حيث يطلقون اسم أي شيء بأدنى مناسبة على كل ما يشبهه. فأحيانًا يسمون كل طائر دجاجة وكل حيوان كبير حصانًا. في التعميم الخاص، يقل الاهتمام بالفروق والتفاصيل، ويكتفى بأقل ما يمكن إيصال المعنى المقصود به. وبهذه الطريقة، وبمرور الزمن، تترسخ الدلالات العامة في الأذهان وتنتشر إلى درجة قد يُنسى فيها المعنى الأصلي. على سبيل المثال، يقول ابن منظور: «الزيت هو عصارة الزيتون، والزيتون هو الشجرة المخصوصة». (ابن منظور، ۱۴۱۴هـ، ۲: ۳۵). ثم عُمت دلالته، وأصبح الزيت يطلق على زيوت المواد الأخرى أيضًا.
۳-۱-۴-۲. انتقال الدلالة
انتقال أو تغيير المجال الدلالي للفظ يعني أن اللفظ ينتقل من مجال دلالي ومعنوي إلى مجال معنوي آخر. أساس هذا الانتقال هو وجود علاقة أو مناسبة واضحة بين الدلالتين. يتم هذا التغيير المجالي بطريقتين: أ) الاستعارة: وتعني انتقال المجال الدلالي للفظ بسبب علاقة المشابهة بين معنيين إلى معنى آخر. الاستعارة من طرق التطور الدلالي التي يُعتمد عليها في اللغة العربية لنقل الكلمة إلى معنى لم توضع له في الأصل، لوجه شبه موجود بين المعنيين. (آل ياسين، ۱۹۷۴م، ۳۵). على سبيل المثال، مفردة «ورطة» من الألفاظ التي تعرضت لتطور دلالي بسبب الاستعارة، واكتسبت معنى جديدًا وشائعًا. في كتب غريب الحديث، ورد حديث «لا خلاط ولا وراط» في سياق إخفاء الأغنام للفرار من الزكاة. يقول فخر الدين الطريحي: «أصل معنى الورطة هو الحفرة العميقة في الأرض. ثم استعيرت للبلاء الذي يصعب النجاة منه». (۱۳۷۵ش، ۴: ۲۷۷). وقال البعض أيضًا في معنى الورطة: «الورطة هي الطين والوحل الذي تعلق فيه الأغنام ولا تستطيع الخروج منه»، ويقولون: «تورطت الغنم، عندما تقع في الورطة، أي الطين والوحل. ثم أصبحت هذه المفردة مثلاً لكل شدة يقع فيها الإنسان». (آل ياسين، ۱۹۷۴م، ۳۶). على أي حال، فإن علاقة المشابهة، أي حال الغنم التي تحاول الخروج من الحفرة، وحال الإنسان الذي يحاول النجاة من الشدة، ساعدت على استعارة لفظ «ورطة» للمعنى الثاني، واليوم تُستخدم كلمة «ورطة» في اللغتين العربية والفارسية بمعنى «الوقوع في مشكلة وشدة».2 ب) المجاز المرسل: وهو انتقال المجال الدلالي للفظ إلى معنى آخر، ولكن ليس بسبب علاقة المشابهة بين المعنيين. أهم علاقات المجاز المرسل هي: السببية، الحالية، المجاورة الزمانية والمكانية، الجزئية والكلية، واعتبارات مختلفة أخرى. (آل ياسين، ۱۹۷۴م، ۶۶-۶۸؛ وأبو شريفة، ۱۹۸۹م، ۶۵-۷۲)، (أنيس، ۱۹۷۶م، ۱۵۲-۱۶۷). لقد تناول علماء اللغة في كثير من الحالات دراسة كيفية تطور دلالة الألفاظ، وحاولوا بيان الروابط بين المعنيين القديم والجديد، وفي بعض الحالات، أشاروا إلى عوامل التطور وتغيير المعنى مثل الاستعارة، المجاورة، وتسمية الشيء باسم سببه مجازًا، توسعًا، أو التفاتًا. من أهم علاقات المجاز وعوامل انتقال الدلالة المعنوية للفظ، المجاورة المكانية. أشار أبو موسى المديني إلى هذا العامل وأثره في انتقال المعنى ودلالة اللفظ، وذكر أمثلة لتطور معنى اللفظ بسبب المجاورة المكانية. على سبيل المثال، ورد في حديث زيد بن حارثة: «ذبحنا شاةً فجعلناها سُفرتنا»، أي ذبحنا شاة وجعلناها طعامنا. يقول الخليل: السفرة هي الطعام الذي يحمله المسافر معه، وعادة ما يضعه في قطعة جلد دائرية الشكل. ثم أُطلق اسم الطعام على الجلد الذي يحتويه. بناءً على ذلك، كانت السفرة في الأصل طعام المسافر، ثم أُطلقت مجازًا على مكان وضعها، وبكثرة الاستعمال أصبحت حقيقة في معناها الحالي. مثال آخر على تغير الدلالة بعلاقة المجاورة المكانية هو مفردة «الغائط»، التي كان معناها الأصلي «الأرض المنخفضة»، ثم أُطلقت على الحدث (قضاء الحاجة) لأن مكان قضاء الحاجة غالبًا ما يكون في أرض منخفضة. (المديني، ۱۹۸۶م، ۲: ۹۷-۹۸). ومن أمثلة تغير الدلالة بعلاقة المجاورة الزمانية، مفردة «العقيقة» التي تعني «الشعر الذي يُحلق من رأس المولود يوم ذبح الشاة له»، ثم أُطلقت على «الحيوان المذبوح» نفسه، لأن كليهما يتم في وقت واحد.
۴-۱-۴-۲. تسمية الشيء باسم سببه
من عوامل التطور الدلالي الأخرى تسمية الشيء باسم سببه. على سبيل المثال، يمكن ذكر إطلاق مفردة «عَقْر» على «نَحْر»، وهو ما لفت انتباه المديني. من منظور أبي موسى، فإن معنى «عَقِير» و«مَعْقُور» هو «مَنْحُور»، و«العَقْر» يقتصر على الأيدي والأرجل، ونقول «عَقَرَهُ» عندما يقطع إحدى يدي أو رجلي البعير. يقول الأزهري: «العَقْر عند العرب يعني كسر مفصل البعير، ثم سُمي النحر عقرًا لأن العقر في الحقيقة هو سبب نحر البعير، فمن ينحر البعير أولًا يعقره (أي يعطل يديه ورجليه بضربة) ثم ينحره». يقول ابن قتيبة: لعل سبب ذلك هو أن البعير لا يجمح عند النحر. (نفس المصدر، ۴۷۷-۴۷۸). تتوسع دلالة الألفاظ بهذه الطريقة حتى تخرج عن إطار معناها الخاص. يمكن ملاحظة المثال البارز والواضح لهذا التعميم الدلالي في لغة الأطفال، حيث لم تكتمل بنيتهم اللغوية بعد. ولهذا السبب، يستخدم الأطفال اسم شيء بأدنى مناسبة لكل ما يشبهه. لا شك أن انتقال معاني الألفاظ من الحقيقة إلى المجاز هو علامة على نمو وتطور وقدرة تعبيرية عالية لدى أصحاب اللغة في نطاقهم اللغوي، وأساسًا لا يمكن تفسير الكثير من المفردات إلا بالمجاز. فمثلًا، عندما يقول شاعر في مدح شخص: «قاتَلَهُ الله ما أشعَرَهُ»، أي قتله الله، يا له من شاعر! في حين أنهم لا يقصدون وقوع هذا الكلام. فتعبير «ما أشعره» بحد ذاته يدل على المدح، وتعبير «قاتله الله» من أمثلة مخالفة ظاهر اللفظ للمعنى التي يستخدمها العرب عمدًا كنوع من المجاز. (راجع: ابن فارس، ۱۹۶۴م، ۱۹۹). ويبدو أن اللغويين المتقدمين كانوا يعتقدون أيضًا أنه عندما يكثر استعمال المجاز، فإنه ينتهي إلى الحقيقة. (ابن جني، ۱۹۹۰م، ۲: ۴۴۹). من وجهة نظر السيوطي، فإن كثرة استعمال اللفظ تشير إلى فترة زمنية يتحول فيها المجاز إلى حقيقة. ومن هنا، يتحول الحقيقة أحيانًا إلى مجاز، وأحيانًا العكس، أي عندما يقل استعمال الحقيقة، يتحول عرفًا إلى مجاز، وعندما يكثر استعمال المجاز، يتحول عرفًا إلى حقيقة. (السيوطي، ۱۹۸۶م، ۱: ۳۶۸). بناءً على ذلك، فإن كثرة استخدام المفردة في معناها المجازي غالبًا ما يؤدي إلى زوال معناها الحقيقي وحلول المعنى المجازي محله، مثل مفردة «مَجْد» التي كان معناها الأصلي «امتلاء بطن الحيوان من العلف»، ثم استُخدمت مجازًا بمعنى «الامتلاء بالكرم والعظمة»، وبكثرة الاستعمال، زال معناها الأصلي وأصبحت حقيقة في معناها المجازي. (وافي، ۲۰۰۵م، ۳۲۰). ومن أمثلة تحول المجاز إلى حقيقة، مفردة «سُفرة» التي أشير إليها سابقًا.
۵-۱-۴-۲. انتقال دلالة المفردات من المعنى المحسوس إلى المعقول
أحيانًا تنتقل دلالة الألفاظ من معنى محسوس إلى معنى معقول. على سبيل المثال، ورد في مجمع البحرين: «أدلج إدلاجًا كأكرم إكرامًا: سار الليل كله فهو مدلج». معنى مفردة «إدلاج» هو الحركة والسير طوال الليل، ولكن أحيانًا يُطلق لفظ «إدلاج» توسعًا على العبادة في الليل أيضًا، لأن العبادة في الحقيقة هي سير نحو الله تعالى. (الطريحي، ۱۳۷۵ش، ۲: ۳۰۱). مثال آخر على انتقال دلالة المفردة من المحسوس إلى المعقول هو تعبير «الحبل على الغارب». يقول فخر الدين الطريحي في معناه: «الغارب هو المسافة بين السنام والعنق، والمكان الذي يلقى عليه زمام البعير ليُترك ويرعى حيث يشاء. ثم استُعير في الكناية عن طلاق المرأة عندما يقال: «حبلُكِ على غاربِكِ»، أي اذهبي حيث شئتِ ولا يمنعك أحد. وهذا من باب التشبيه بالبعير الذي يُلقى زمامه على ظهره ويُترك ليرعى حيث يشاء من المرعى». (نفس المصدر، ۱۳۱). إن كثرة استعمال هذا التعبير بمعنى الطلاق قد جعلته حقيقة في هذا المعنى، ولكن بعد الإسلام، لم يعد يُستخدم بذلك المعنى، بل انتقل من معناه المحسوس إلى معنى معقول، وأصبح استخدامه شائعًا في معنى ترك ووضع أي شيء جانبًا. بناءً على ذلك، فقد مر بعدة مراحل من التطور الدلالي. أمير المؤمنين (ع) أيضًا عندما هجم الناس لمبايعته، استخدم هذا التعبير فقال: لو لم يكن حضور الجمع الحاضر وقيام الحجة، «لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا»، أي لألقيت زمامها على ظهرها وتركت الحكم. (السيد الرضي، ۱۴۱۴هـ، ۵۰).
۳. دراسة حالة لمكانة التطور الدلالي في فهم غريب الحديث: مفردة «الوضوء»
الآن وقد تم تناول أقسام التطور الدلالي بشكل مجمل، حان الوقت لدراسة مكانته المهمة في فهم الأحاديث من خلال نموذج عملي. فبالإضافة إلى الأمثلة المذكورة أعلاه، توجد حالات من التطور والتحول الدلالي والمعنوي للمفردات في الأحاديث، يؤدي عدم الالتفات إليها أحيانًا إلى استنباطات خاطئة تمامًا. لذا، فإن دراسة هذا الموضوع يمكن أن تكون لها ثمار علمية وعملية وفقهية وعقائدية مهمة، لأن كثرة استخدام بعض المفردات في معناها الجديد ورسوخها في أذهان بعض الباحثين في الحديث، قد أدى إلى غفلتهم عن تطور المفردة، فقاموا بتفسير الحديث بناءً على افتراضاتهم الذهنية دون تتبع لازم. لتوضيح هذه المسألة، سنتناول مسار تطور وتحول معنى مفردة «الوضوء» وندرس القواعد المؤثرة في فهمها. على سبيل المثال، في هذه الرواية: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثَّمَالِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ الوضوء قَبْلَ الطَّعَامِ وَ بَعْدَهُ يُذْهِبَانِ الْفَقْرَ قُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَذْهَبَانِ بِالْفَقْرِ فَقَالَ نَعَمْ يَذْهَبَانِ بِهِ». قال الإمام الصادق لأبي حمزة الثمالي: «الوضوء قبل وبعد الطعام يذهبان بالفقر». (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۶: ۲۹۰). عند دراسة معنى هذه المفردة، فإن ما يتبادر إلى الذهن في البداية هو فضيلة وآثار الوضوء الباطنية، وفي هذه الرواية، أُشير إلى أحد هذه الآثار، وهو إزالة الفقر عند أداء الوضوء قبل وبعد الطعام. السؤال الذي قد يطرح بعد قراءة هذا الحديث هو: هل المراد بالوضوء في هذه الرواية هو الطهارة الشرعية التي أمر الله تعالى بها في القرآن كمقدمة واجبة للصلاة، والتي تشمل غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والقدمين، أم أن هناك احتمالًا آخر في معناها؟ لدراسة هذا الموضوع، لا بد من اتباع مراحل أطلقنا عليها اسم قواعد فهم غريب الحديث.
۱-۳. الرجوع إلى كتب ومعاجم اللغة الأوائل
بمراجعة المصادر اللغوية حول مفردة «الوضوء»، نواجه المعاني التالية: أ) الوَضُوء: اسم الماء الذي يُتَوَضَّأُ به… الوَضَاءة مصدر الوَضِيء، وهو الحسن اللطيف. الخليل بن أحمد الفراهيدي يعتبر «الوَضوء» بفتح الواو الماء الذي يُتوضأ به. الفراهيدي، الذي ينظر إلى المفردات من منظور لغوي، يؤكد في توضيح مفردة «الوضوء» على معناها اللغوي، ويعتبره بمعنى الحسن والجمال واللطافة. (۱۴۰۹هـ، ۷: ۷۶-۷۷). ب) ابن فارس يعتبر مادة «وضأ» ذات أصل واحد بمعنى «الجمال والنظافة»، ويقول: «الوَضوء بفتح الواو هو الماء الذي يتوضؤون به، والوُضوء بضم الواو هو فعل الوضوء نفسه، وهو مأخوذ من الوَضاءة بمعنى الجمال والنظافة. كأن الذي يغسل وجهه يوضئه، أي يجعله جميلًا». (۱۴۰۴هـ، ۶: ۱۱۹). ج) ابن منظور ذكر أيضًا المعاني المذكورة أعلاه. (۱۴۱۴هـ، ۱: ۱۹۵). د) الفيومي أضاف معنى البهجة إلى المعاني المذكورة أعلاه. (۱۴۱۴هـ، ۲: ۶۶۳). هـ) الزبيدي ذكر أيضًا نفس المعاني في معنى الوضوء، وأشار إلى هذه الرواية عن النبي الأكرم: «تَوَضَّؤُوا ممَّا غَيَّرَتِ النارُ»، أي «توضؤوا مما غيرته النار (كناية عن الطعام المطبوخ)»، ثم يقول: مقصود حضرته هو غسل اليدين والفم من الدهون وبقايا الطعام. (۱۴۱۴هـ، ۱: ۲۷۶). و) الطريحي، بعد الإشارة إلى المعنى الاصطلاحي والشرعي للوضوء، يرجع أصل وجذر هذه المفردة إلى «الْوَضَاءَة»، أي الجمال والنظافة. ثم يشير إلى أن مفردة «الوضوء» تُستخدم أحيانًا بمعنى الاستنجاء والتطهر، وكذلك بمعنى غسل اليدين، وهذا الاستخدام شائع ومتداول. يتضح من كلام الطريحي أن مفردة «الوضوء» كانت متداولة حتى زمنه بمعاني غسل اليدين والتطهر، في حين أن مفردة «الوضوء» اليوم، بسبب كثرة الاستعمال، قد خُصصت بالمعنى الشرعي، وهي من نماذج تخصيص العام. (۱۳۷۵ش، ۱: ۴۴۰-۴۴۱). تظهر دراسة المصادر اللغوية أن أصل هذه المفردة من «الوَضَاءَة» و«الحُسن» و«النظافة» و«الطهارة»، واستخدامها في المعنى المعروف حاليًا، وهو الغسل الخاص (أي الوجه واليدين ومسح الرأس والقدمين كمقدمة للصلاة)، هو معنى متطور وتوسع للمعنى اللغوي الذي استخدمه الشرع المقدس. بناءً على ذلك، كانت مفردة «الوضوء» في اللغة العربية قبل الإسلام تعني الغسل والنظافة المطلقة، ثم استُخدمت في غسل خاص جاء به الشرع المقدس.
۲-۳. البحث عن معنى المفردات في كتب غريب الحديث
تتناول مصادر غريب الحديث، على عكس المعاجم اللغوية العامة، بشكل خاص دراسة المفردات الغريبة في الأحاديث. أحد أهم الأسس والمؤشرات التي يهتم بها المؤلفون، والتي تظهر بوضوح في هذه المصادر، هو الاهتمام بمسألة التطور والتحول اللغوي والمعنوي. في بحث مراحل التطور الدلالي، أشرنا إلى أمثلة من هذا القبيل، مثل مفردات «وراط»، «مرحاض»، و«حج». ومفردة «الوضوء» في الحديث قيد البحث هي أيضًا من هذه النماذج التي أشار فيها ابن الأثير إلى مسألة التطور، حيث يقول: «(وضأ): قد تكرر في الحديث ذكر الوَضوء والوُضوء. فالوَضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به… والوُضوء بالضم: التَّوَضُّؤ، والفعل نفسه… وأصل الكلمة من الوَضَاءَة، وهي الحُسن، ووضوء الصلاة معروف وقد يراد به غسل بعض الأعضاء». ابن الأثير، ضمن إشارته إلى الأصل اللغوي والمعنى الأولي، يشير إلى المعنى المتطور والمعروف بوضوء الصلاة، ويعتقد أن المقصود أحيانًا من مفردة «الوضوء» هو غسل بعض أعضاء البدن وليس الوضوء المعروف والشرعي. (۱۳۶۷هـ، ۵: ۱۹۵). على أي حال، من خلال دراسة ومطالعة المصادر اللغوية وكتب غريب الحديث، على الرغم من أننا نصل إلى نتيجة مفادها أن للوضوء معنيين شرعي ولغوي، وأن المعنى الشرعي هو نتيجة لتوسع المعنى اللغوي، إلا أن هذه النقطة لا توصلنا إلى المعنى المختار للمفردة قيد البحث، وهو هدفنا الأساسي. لذا، يجب أن نتبع طرقًا أخرى.
۳-۳. الاهتمام بفهم قدماء المحدثين والفقهاء للرواية
من طرق تشخيص مقصود المتكلم والمتحدث، الأخذ بعين الاعتبار فهم القدماء من المحدثين والفقهاء للمعاني المحتملة للمفردة في مختلف الروايات. من أعمال المحدثين تبويب الروايات ووضعها في أبواب فقهية مختلفة. عند دراسة الرواية قيد البحث وبعض الروايات المشابهة الأخرى التي استُخدمت فيها مفردة «الوضوء»، نلاحظ أن الفقهاء والمحدثين لم يضعوها في الأبواب المتعلقة بالوضوء الشرعي. هذه المسألة تدل على أن المعنى اللغوي هو المقصود في هذه الفئة من الروايات، وليس المعنى الشرعي. فمثلًا، أورد الكليني هذه الروايات والروايات المشابهة في كتاب الأطعمة. (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۶: ۲۴۲-۳۷۹). ولم يضع أيًا منها في أبواب الوضوء، مما يدل على أن فهمه لمفردة «الوضوء» في هذه الروايات كان المعنى اللغوي، وليس المعنى الشرعي. العلامة المجلسي أورد الروايات المذكورة تحت باب بعنوان: «باب غُسلِ اليَدِ قَبلَ الطَّعَامِ وَ بَعدَه و آدابه». ومن ذلك حديث «قَالَ النَّبِيُّ (ص) الوضوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَ بَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ وَ يُصِحُّ الْبَصَرَ»، والذي يقول المجلسي في شرحه: المقصود بالوضوء في هذا الحديث هو المعنى اللغوي، أي النظافة والطهارة، وهو كناية عن غسل اليدين. (المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۶۳: ۳۶۴). إن الفهم الصحيح لقدماء الرواة والمحدثين يعود غالبًا إلى قربهم من زمن صدور الحديث. هذه المسألة تتضح أكثر عندما نقارنها بفهم المتأخرين أو المحدثين المعاصرين. على سبيل المثال، عندما نلاحظ الحديث قيد البحث في كتاب «ميزان الحكمة» وهو من المجامع الحديثية المعاصرة، نجد تأثرًا بالافتراض الذهني للمؤلف حول معنى الوضوء وعدم الالتفات إلى المعنى اللغوي والأصلي لمفردة الوضوء، حيث يطرح المؤلف في بداية عنوان «الوضوء» آية وجوب الوضوء الشرعي، ثم يورد روايات كثيرة منها الرواية التالية: «عن الإمام الصادق عليه السلام: الوضوء قبل الطعام وبعده يذهبان الفقر». (محمدي الريشهري، ۱۳۸۰ش، ۴: ۳۵۶۲، باب ۴۱۰۱، ح ۲۱۹۰۴).
۴-۳. الاهتمام بالروايات المشابهة والمفسِّرة للحديث
في كثير من الحالات، يصدر حديث عن المعصوم يتم تفسيره في حديث آخر منه أو من معصوم آخر، أو يكون ناظرًا إلى تفسيره. هذه المسألة في مباحث فقه الحديث تعد من طرق كشف المقصد وتفسير الحديث الصحيح. بخصوص الرواية قيد البحث والروايات المشابهة التي تشير إلى آثار الوضوء قبل وبعد الطعام، نلاحظ روايات مشابهة تعبر عن نفس المعاني باستخدام مفردة «الغسل». من خلال التدقيق في مثل هذه الأحاديث، يتأكد لدينا أن المقصود من مفردة «الوضوء» في الروايات المشابهة هو المعنى اللغوي، أي الغسل، وليس المعنى الشرعي. نشير إلى بعض الأمثلة من هذه الأحاديث: ١- محمدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): «غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَ بَعْدَهُ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ وَ إِمَاطَةٌ لِلْغَمَرِ عَنِ الثِّيَابِ وَيَجْلُو الْبَصَرَ». لم يورد الكليني هذه الرواية مع الروايات الأخرى التي تعبر عن نفس المعنى بمفردة «الوضوء» في أبواب الوضوء، بل أوردها في باب «صفة الوضوء قبل الطعام»، مما يدل على اشتراك معنى الوضوء والغسل ومراعاة المعنى اللغوي للوضوء في هذه الروايات. ٢- عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: «مَنْ غَسَلَ يَدَهُ قَبْلَ الطَّعَامِ وَ بَعْدَهُ عَاشَ فِي سَعَةٍ وَعُوفِيَ مِنْ بَلْوَى فِي جَسَدِهِ». (الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۶: ۲۹۰). أورد الكليني هذه الرواية أيضًا، التي تستخدم مفردة «الغسل»، في باب «صفة الوضوء قبل الطعام»، وهو تأكيد آخر على إثبات المعنى اللغوي لهذه المفردة في الروايات قيد البحث. ٣- عَنِ السَّكُونِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْثُرَ خَيْرُ بَيْتِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ الْأَكْلِ». (المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۶۳: ۳۵۲). ۴- قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): «اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ قَبْلَ الطَّعَامِ وَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ وَيَزِيدُ فِي الْعُمُرِ». أورد العلامة المجلسي أيضًا الروايات المذكورة أعلاه مع روايات أخرى ترتب الآثار المذكورة على الوضوء، تحت عنوان «غسل اليد قبل الطعام وبعده وآدابه». (نفس المصدر، ۳۵۶).
۵-۳. التدبر في سياق الحديث
أحيانًا توجد في الحديث نفسه قرائن يكشف لنا التدبر فيها المعنى المقصود، وهو ما نعبر عنه بـ«السياق».4 ونشير فيما يلي إلى مثالين: أ) على سبيل المثال، في الحديث التالي، أُشير إلى مسألة الوضوء قبل بدء الطعام: «بَابُ صِفَةِ الوضوء قَبْلَ الطَّعَامِ»: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ : الوضوء قَبْلَ الطَّعَامِ يَبْدَأُ صَاحِبُ الْبَيْتِ لِئَلَّا يَحْتَشِمَ أَحَدٌ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّعَامِ بَدَأَ بِمَنْ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِ الْبَيْتِ حُرّاً كَانَ أَوْ عَبْداً قَالَ وَ في حَدِيثٍ آخَرَ يَغْسِلُ أَوَّلًا رَبُّ الْبَيْتِ يَدَهُ ثُمَّ يَبْدَأُ بِمَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَ إِذَا رُفِعَ الطَّعَامُ بَدَأَ بِمَنْ عَلَى يَسَارِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَ يَكُونُ آخِرُ مَنْ يَغْسِلُ يَدَهُ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالصَّبْرِ عَلَى الْغَمَرِ». (الفيض، ۱۴۰۴هـ، ۶: ۲۹۰-۲۹۱؛ المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۶۳: ۳۵۸؛ البرقي، ۱۳۷۱هـ، ۲: ۴۲۶). فحوى الرواية هي أنه قبل البدء بتناول الطعام، يبدأ صاحب المنزل أو المضيف بالوضوء حتى لا يخجل الضيف من البدء بالطعام بسبب الحياء. في الحقيقة، وضوء المضيف (غسل اليدين) يدل على إعلان الاستعداد للضيافة. سياق الرواية يظهر أن المقصود بالوضوء هو المعنى اللغوي، أي الغسل، لأن التعليل الموجود في الرواية، وهو عدم خجل الضيف، يتناسب مع غسل اليدين، وهو نوع من الاستعداد والمقدمة لتناول الطعام. بناءً على ذلك، وبشكل طبيعي، يخجل الضيف من أن يبدأ بغسل يديه أولًا ويعلن استعداده لتناول الطعام. لذا، يقتضي أدب الضيافة أن يغسل المضيف يديه قبل الضيف. بينما الوضوء بمعناه الشرعي ليس مقدمة لتناول الطعام، ولا سببًا لعدم الحياء أو الخجل. بالإضافة إلى ذلك، في الجزء اللاحق من الرواية، استُخدمت مفردة «الغسل»، حيث تقول: بعد الانتهاء من الطعام، يكون المضيف آخر من يغسل يديه، وهو ما يعد تفسيرًا وتأكيدًا على إرادة المعنى اللغوي للوضوء في بداية الرواية. ب) «بَابُ طَعَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُؤَاكَلَتِهِمْ وَ آنِيَتِهِمْ»: «أَبو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْيَهُودِيِّ وَ النَّصْرَانِيِّ وَ الْمَجُوسِيِّ قَالَ فَقَالَ إِنْ كَانَ مِنْ طَعَامِكَ فَتَوَضَّأَ فَلَا بَأْسَ بِهِ». سياق هذه الرواية أيضًا، وبوضوح، يدل على إرادة المعنى اللغوي للوضوء. هنا، يجيز الإمام مشاركة أهل الكتاب الطعام بشرط وضوئهم. من المؤكد أن مقصود الإمام هنا، بقرينة المقام، ليس الوضوء الشرعي الخاص بالمسلمين، لأن الوضوء الشرعي لا مصداق له في حق غير المسلم. بناءً على ذلك، أراد المعنى اللغوي للوضوء. (راجع: الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۶: ۲۶۳؛ الحر العاملي، ۱۴۰۹هـ، ۳: ۴۹۷؛ نفس المصدر، ۲۴: ۲۰۸؛ البرقي، ۱۳۷۱هـ، ۲: ۴۵۳؛ الحر العاملي، ۱۴۱۴هـ، ۱: ۳۸۹؛ المجلسي، ۱۴۰۴هـ، ۲۲: ۶۰-۶۱).
۶-۳. الاهتمام بقرائن الرواية
بخصوص الألفاظ الشرعية، يبدأ التطور بوضع الشارع وليس تدريجيًا. لكن هذا لا يعني أن المفردة تفقد معناها الأولي بسرعة، بل في الألفاظ الشرعية أيضًا، من الممكن أن يُستخدم المعنى الأولي إلى جانب المعنى المتطور لعدة قرون، وهذه القرائن هي التي تحدد أحد المعنيين. مثل الاهتمام بتركيب واستخدام المفردات مع مفردات أخرى وأجزاء الجملة، وهو ما يمكن أن يكون مفيدًا جدًا في تحديد أحد المعاني المحتملة وفهم المفردات الغريبة، وفي النهاية فهم المعنى المقصود للحديث. على سبيل المثال، لإثبات المعنى اللغوي لمفردة «الوضوء» في حديث زيد بن ثابت «عن النبي (ص) أنه قال: «تَوَضَّؤُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النارُ»»، أي من الطعام المطبوخ، يقول: «توضؤوا هنا يعني نظفوا أيديكم من الرائحة غير الطيبة». ثم في الإجابة على سؤال كيف حملتم هذا الخبر على المعنى اللغوي مع أن المفردة قد انتقلت إلى المعنى العرفي الشرعي والأفعال المخصوصة، يقول: «صحيح أن مفردة الوضوء قد انتقلت إلى المعنى الشرعي، وفي الحالات التي تُستخدم فيها بمفردها، مثل «توضأت»، أو تُضاف إلى مفردات مثل «حدث» و«صلاة»، مثل: «توضأت من الحدث» أو «توضأت للصلاة»، يكون المقصود هو المعنى الشرعي. أما في الحالات التي تُضاف فيها إلى الطعام وما شابه، فإنها تبقى على معناها الأصلي. مثل: «توضأت من الطعام»، و«من الغَمَر (الدهن ورائحة اللحم)»، أو «توضأت للطعام»، والتي لا تعني سوى الغسل والنظافة. بيان السيد المرتضى يدل على أنه حتى في زمنه، كان استخدام مفردة «الوضوء» بمعناها اللغوي شائعًا. السيد المرتضى، لتأييد رأيه، بالإضافة إلى القرائن الأدبية، استشهد بروايات منها الرواية التالية، حيث يقول: «رُوِيَ عَن قتادة أَنَّهُ قَالَ: غُسلُ اليَدِ وُضوءٌ». (علم الهدى، ۱۹۹۸م، ۱: ۳۹۵-۳۹۶).
۷-۳. الاهتمام بتبويب وعنونة المحدثين المتقدمين والمتأخرين
إن قائل الحديث، سواء كان رسول الله (ص) أو الإمام المعصوم (ع)، بطبيعة الحال، يتحدث بناءً على فهم المخاطبين الأوائل لمعاني المفردات. لذا، من الضروري أن تُفهم مفردات الحديث بناءً على استخدامها في زمن صدوره، وليس بناءً على معناها المعاصر والمتطور؛ لأنه على الرغم من أن تطور بعض المفردات يرجع إلى وضع الشارع، إلا أن التطور في كثير من الحالات ناتج عن عوامل أخرى مثل مرور الزمن. مثل مفردة «التعمق» التي كانت لها دلالة مذمومة في زمن المعصوم، ولذا نُهي عنها في الروايات. أما اليوم، فلها دلالة قيمة وإيجابية. بناءً على ذلك، يجب على كل باحث في الحديث أن يدرس مفردات الأحاديث من هذه الزاوية أيضًا، وأن لا يتعجل في فهم الحديث ووضعه في أحد الأبواب الخاصة. للأسف، عدم الالتفات إلى هذه النقطة من قبل بعض الباحثين في الحديث أدى إلى استنباطات ليست فقط مخالفة لمقصد ومراد قائل الحديث، بل وأحيانًا تكون في النقطة المقابلة لرأيه ومقصده. تظهر دراسة المصادر الحديثية أنه حتى القرن الثالث، كانت الروايات التي وردت فيها مفردة «الوضوء» بمعناها اللغوي، تُعنون بعنوان «الوضوء»، ولم يكن هناك أي إبهام في استخدام المفردة بمعناها اللغوي. على سبيل المثال: «البرقي، ۱۳۷۱هـ، ۲: ۴۲۴؛ الكليني، ۱۴۰۷هـ، ۶: ۲۹۰؛ ابن بابويه، ۱۳۸۵هـ، ۱: ۲۸۳» أوردوا الروايات تحت عنوان «باب الوضوء قبل الطعام وبعده». أما من القرن الخامس فصاعدًا، بسبب الابتعاد عن زمن الصدور وترسخ المعنى المتطور، أصبحت العنونة تتم بناءً على المعنى المتطور. على سبيل المثال: «الفيض الكاشاني، ۱۴۰۶هـ، ۲۰: ۴۶۵؛ الحر العاملي، ۱۴۰۹هـ، ۲۴: ۳۳۴؛ المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۶۳: ۳۵۲» استخدموا في العنونة عبارة «غسل اليد» بدلًا من الوضوء.
۸-۳. الاهتمام بتفسير المحدثين المتقدمين والمتأخرين للمفردة
المجامع الروائية الأولية، بسبب قربها من زمن الصدور وعدم وجود إبهام في معنى مفردة «الوضوء» بمعنى غسل اليدين، لم تقدم توضيحًا لتحديد أحد المعنيين. أما المتأخرون، فقد لجأوا أحيانًا إلى تفسير معنى المفردة. هذه النقطة تدل على ترسخ المعنى الشرعي للوضوء وهجران معناه اللغوي. على سبيل المثال، يقول المجلسي في شرح حديث «الوضوء قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَ بَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ وَ يُصِحُّ الْبَصَرَ»: «المقصود بالوضوء في هذا الحديث هو المعنى اللغوي، أي النظافة والطهارة، وهو كناية عن غسل اليدين». (۱۴۰۳هـ، ۶۳: ۳۶۴). والفيض الكاشاني أيضًا، في شرحه لأحد أحاديث هذا الباب، يعتبر المقصود بالوضوء غسل اليدين لا الطهارة المعهودة. (۱۴۰۶هـ، ۲۰: ۴۶۵).
۹-۳. الاهتمام بتفسير المعصوم وبيانه للمفردة
في بعض الحالات، يقوم المعصوم (ع) لرفع الإبهام أو في إجابة على سؤال الراوي، بشرح وتوضيح المفردة. لا شك أن كلامه هو فصل الخطاب ويزيل أي تردد. على سبيل المثال، في حديث، الإمام الصادق (ع)، بعد بيان فضائل الوضوء قبل الطعام، فسره بغسل اليدين قبل وبعد الطعام: «وَ زَادَ الْمُوسَوِيُّ [جعفر بن محمد العلوي] فِي حَدِيثِهِ: قَالَ هِشَامُ بنُ سَالِمٍ: قَالَ لِيَ الصَّادِقُ (ع): يَا هِشَامَ بْنَ سَالِمٍ، الوضوء هَاهُنَا غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَ بَعْدَهُ». (ر.ك. الطوسي، ۱۴۱۴هـ، ۵۹۰؛ المجلسي، ۱۴۰۳هـ، ۶۳: ۳۶۴؛ الفيض، ۱۴۰۶هـ، ۲۰: ۴۶۶).
۴. الاستنتاج
كما اتضح خلال المباحث: أولًا: إن الإلمام بالتطور الدلالي، بمعنى تغير معاني المفردات وأقسامه مثل: تخصيص الدلالة العامة، وتعميم الدلالة الخاصة، وانتقال الدلالة، له تأثير كبير على فهم المعنى المقصود للمفردات الموجودة في الأحاديث، وفي بعض الحالات يمكن أن يؤثر على نوع استنباط وتفسير الشخص للرواية. بناءً على هذا الأساس، ومن خلال دراسة بعض أقسام وأنواع التطور الدلالي في بعض الكلمات، أصبحت أهمية الموضوع في بؤرة الاهتمام. ثانيًا: سعى الكاتب في هذا الإطار، بالتركيز على مفردة «الوضوء»، إلى بيان قواعد فهم التطور الدلالي للمفردات في غريب الحديث؛ قواعد مثل: الرجوع إلى معاجم اللغة الأولى، والبحث عن معنى المفردات في كتب غريب الحديث، والاهتمام بفهم قدماء المحدثين والفقهاء للرواية، والاهتمام بالروايات المشابهة والمفسِّرة للحديث، والتدبر في سياق الحديث، والاهتمام بقرائن الرواية، والاهتمام بتبويب وعنونة المحدثين المتقدمين والمتأخرين، والاهتمام بتفسير المحدثين المتقدمين والمتأخرين للرواية، والاهتمام بتفسير وبيان المعصوم، والتي يمكن لكل منها أن توضح المعنى السابق واللاحق وتاريخ تطور المفردة والمعنى المقصود بشكل جيد. ثالثًا: إن عدم الاهتمام بالقواعد المذكورة أعلاه يمكن أن يكون له تأثير كبير في عدم الفهم الصحيح للروايات، والاستنباطات الخاطئة، وارتكاب بعض الأخطاء في تفسير الروايات، وقد أُشير إلى بعض الحالات. رابعًا: في هذا البحث، استُخدمت القواعد المذكورة أعلاه بشكل تطبيقي في تحديد أحد المعنيين اللغوي والاصطلاحي لمفردة «الوضوء» في الروايات. بناءً على القواعد المقترحة أعلاه، يمكن دراسة المعنى المقصود لكثير من المفردات الأخرى، مثل: طعام، محراب، حرم، عفو وغيرها، والتي يحتاج كل منها إلى بحث منفصل.
المصادر والمراجع
ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم، إسماعيليان، الطبعة الرابعة، ١٣٦٧ش.
ابن بابويه، محمد بن علي، علل الشرائع، قم، داوري، ١٣٨٥ش.
معاني الأخبار، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤٠٣هـ.
ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، بغداد، دار الشؤون الثقافية، الطبعة الرابعة، ١٩٩٠م.
ابن فارس، أبو الحسين أحمد، الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب، تحقيق مصطفى شويمي، بيروت، د.ن، ١٩٦٤م.
معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت، دار الجيل، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ.
ابن قتيبة، أدب الكاتب، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مطبعة السعادة، الطبعة الرابعة، ١٩٦٣م.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق ميردامادي، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، ١٤١٤هـ.
أبو شريفة، عبد القادر، حسين لافي وداود غطاشة، علم الدلالة والمعجم العربي، الأردن، دار الفكر، ١٩٨٩م.
آل ياسين، محمد حسين، الأضداد في اللغة، بغداد، د.ن، ١٩٧٤م.
أنيس، إبراهيم، دلالة الألفاظ، مصر، مطبعة الأنجلو، الطبعة الثالثة، ١٩٧٦م.
البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٣٧١هـ.
بستاني، قاسم، «تغيير معنايي واژگان در قرآن»، دوفصلنامه پژوهشهاي زبانشناختي قرآن، ١٣٩٤ش، دانشگاه اصفهان، العدد ٨، صص ٣٧-٥٨.
الجرجاني، القاضي علي بن محمد، التعريفات، تحقيق: إبراهيم إبياري، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، ١٤١٨هـ.
الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت، ١٤٠٩هـ.
هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، ١٤١٤هـ.
الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت، دار الفكر، ١٤١٤هـ.
الخولي، محمد علي، معجم مصطلحات علم اللغة النظري، بيروت، مكتبة لبنان، د.ت.
الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت، دار القلم، ١٤١٢هـ.
السامرائي، إبراهيم، التطور اللغوي التاريخي، بيروت، دار الأندلس، الطبعة الثانية، ١٩٨١م.
سعران، محمود، علم اللغة، مصر، دار المعارف، ١٩٦٢م.
السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تحقيق: صبحي صالح، قم، هجرت، ١٤١٤هـ.
السيوطي، المزهر في علم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد جاد المولى، محمد أبي الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، بيروت، مكتبة العصرية، ١٩٨٦م.
الشهرزوري، عثمان بن عبد الرحمان، مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، تحقيق دكتورة بنت الشاطئ، مصر، دار المعارف، ١٩٨٩م.
الصنعاني، محمد بن إسماعيل، توضيح الأفكار، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٧هـ.
الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران، مرتضوي، الطبعة الثالثة، ١٣٧٥ش.
الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، ١٤١٤هـ.
علي الصغير، محمد حسين، تطور البحث الدلالي: دراسة في النقد البلاغي واللغوي، بغداد، مطبعة العاني، ١٤٠٨هـ.
علم الهدى، علي بن حسين، أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٩٩٨م.
عوض حيدر، فريد، علم الدلالة، القاهرة، مكتبة الآداب، ٢٠٠٥م.
الفراهيدي، خليل بن أحمد، العين، قم، هجرت، الطبعة الثانية، ١٤٠٩هـ.
الفيض الكاشاني، محمد محسن بن شاه مرتضى، الوافي، أصفهان، كتابخانة إمام أمير المؤمنين، ١٤٠٦هـ.
الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، قم، مؤسسة دار الهجرة، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧هـ.
محمدي الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، طهران، دار الحديث، ١٣٨٤ش.
المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثانية، ١٤٠٤هـ.
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣هـ.
المدني الشيرازي، السيد علي خان، الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول، مشهد، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ١٣٨٤ش.
المديني، أبو موسى محمد بن أبي بكر، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، تحقيق عبد الكريم عزباوي، المدينة المنورة، دار المدني، ١٩٨٦م.
وافي، علي عبد الواحد، علم اللغة، القاهرة، نهضة مصر، الطبعة العاشرة، ٢٠٠٥م.
الهوامش
1. التغير الدلالي.
2. «عَنْ أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلِ إِلَى النَّبِيِّ ص أَنَّهُ كَتَبَ لِوَائِلِ بْنِ الْحُجْرِ الْحَضْرَمِيِّ وَلِقَوْمِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْأَقْيَالِ الْعَبَاهِلَةِ مِنْ أَهْل حَضْرَ مَوْتَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَعَلَى التَّيْعَةِ شَاةٌ وَالتِّيمَةُ لِصَاحِبِهَا وَفِي السُّيُوبِ الْخُمُسُ لَا خِلَاطَ وَلَا وِرَاطَ وَلَا شِنَاقَ وَلَا شِغَارَ وَمَنْ أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». (ابن بابويه، ۱۴۰۳ق، ۲۷۶). كتب رسول الله (ص) إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه: «من محمد رسول الله إلى الملوك العباهلة من أهل حضرموت، بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. على أول نصاب الغنم (أربعين شاة) شاة واحدة، وما زاد على الأربعين فهو لمالكه، وفي المعادن (المستخرجة) الخمس. ولا يجوز «الخلاط» (خلط الأموال) ولا «الوراط» (خداع جامع الصدقات بإخفاء المواشي عنه)، ولا «الشناق» (أخذ الزكاة من بين نصابين)، ولا «الشغار» (تزويج الرجلين ابنتيهما أو أختيهما لبعضهما البعض دون مهر). ومن باع الزرع قبل نضجه فقد أربى، وكل مسكر حرام».
3. «أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ بُكَيْر قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أَلَّا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا وَقَعْتَ فِي وَرْطَةٍ أَوْ بَلِيَّةٍ فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَصْرِفُ بِهَا عَنْكَ مَا يَشَاءُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ». (الكليني، ۱۴۰۷ق، ۲: ۵۷۳).
4. السياق.